القيادات الخليجية الجديدة وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني
::cck::3469::/cck::
::introtext::
شهد المجتمع المدني العالمي تطوراً ملموساً منذ تسعينات القرن الماضي، حيث ظهر هذا القطاع كفاعل رئيسي في عمليات التنمية في مختلف دول العالم، وشريكاً بارزاً للمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، في عمليات المساعدة الإنمائية ومواجهة الفقر والبطالة، وتوسع دوره من مجرد مؤسسات تركز على المنظور الرعائي النمطي إلى المنظور التنموي الفاعل والساعي إلى توفير مساحة أكبر من الحرية والممارسة الديمقراطية والمشاركة في صنع الأحداث واتخاذ القرارات على مختلف الصعد، وتحسين إدارة الحكم عبر تعزيز المساءلة والشفافية في النظام السياسي، وحماية الحقوق والتوفيق بين المصالح، وإيصال الخدمات الاجتماعية، بل امتد تأثير هذه المؤسسات في تشكيل وتوجيه السياسات العامة العالمية تجاه العديد من القضايا مثل حقوق الإنسان، وحماية البيئة، وتعزيز دور المرأة، وبشكل بدا معه هذا القطاع أحد أبرز الفاعلين على الساحة الدولية.
::/introtext::
::fulltext::
شهد المجتمع المدني العالمي تطوراً ملموساً منذ تسعينات القرن الماضي، حيث ظهر هذا القطاع كفاعل رئيسي في عمليات التنمية في مختلف دول العالم، وشريكاً بارزاً للمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، في عمليات المساعدة الإنمائية ومواجهة الفقر والبطالة، وتوسع دوره من مجرد مؤسسات تركز على المنظور الرعائي النمطي إلى المنظور التنموي الفاعل والساعي إلى توفير مساحة أكبر من الحرية والممارسة الديمقراطية والمشاركة في صنع الأحداث واتخاذ القرارات على مختلف الصعد، وتحسين إدارة الحكم عبر تعزيز المساءلة والشفافية في النظام السياسي، وحماية الحقوق والتوفيق بين المصالح، وإيصال الخدمات الاجتماعية، بل امتد تأثير هذه المؤسسات في تشكيل وتوجيه السياسات العامة العالمية تجاه العديد من القضايا مثل حقوق الإنسان، وحماية البيئة، وتعزيز دور المرأة، وبشكل بدا معه هذا القطاع أحد أبرز الفاعلين على الساحة الدولية.
وأدركت القيادات الخليجية التي وصلت إلى سدة الحكم في دول مجلس التعاون الخليجي أهمية تطوير مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها سنداً أساسياً لدعم التوجه الديمقراطي وتطويره باعتباره عملية حيوية يجب تنميتها والحفاظ عليها والاستمرار في تطويرها، بالإضافة إلى أن تفعيل هذه المؤسسات هو الكفيل بتكريس قيم الديمقراطية على مستوى التنشئة السياسية الأولى، وتصحيح الممارسة الديمقراطية بما يؤدي إلى تحسين ودعم التحول الديمقراطي في دول المجلس.
وقد مرت مؤسسات المجتمع المدني الخليجي بثلاث مراحل متمايزة:
المرحلة الأولى: جاءت مع بدايات النصف الأول للقرن العشرين خاصة في البحرين والكويت، وقد غلب على هذه المرحلة مشاركة النخبة السياسية الحاكمة ذاتها في تكويناتها إلى جانب فئات التجار والصيادين والملاحين، كما غلبت على أهدافها النواحي الثقافية والأدبية والتنموية، ومن ثم لم يكن غريباً أن تأتي مطالبها ومواقفها متناغمة إلى حد كبير مع مطالب النخبة السياسية وتوجهاتها في هذه المرحلة.
المرحلة الثانية: ترجع إلى خمسينات وستينات القرن العشرين، حيث بدأت دول تلك المنطقة تعرف شكلاً أكثر تبلوراً للدولة بالمعنى الحديث، ومن ثم بدأت مطالب وتشكيلات مؤسسات المجتمع المدني تنحو نحو الجوانب السياسية وقضايا المشاركة الشعبية، وشهدت مجتمعات مثل البحرين والكويت ودبي مظاهرات ومسيرات تصب في هذا الاتجاه.
المرحلة الثالثة: مرحلة الطفرة النفطية، حيث بدأت عوائد النفط تؤتي ثمارها وبدأت خطط التنمية الاقتصادية تتبلور بشكل واضح، كما أن مؤسسات الدولة بدأت في الترسخ، وتدعمت سياسات الدولة في مجال التعليم والخدمات بالشكل الذي نراه في وقتنا الحاضر، وهو ما وضع دول الخليج العربية في مراتب متقدمة في تصنيفات التنمية البشرية عالمياً وعربياً.
وباكتشاف النفط حدثت تحولات عميقة في البناء الاجتماعي للمجتمع والدولة، وأدت المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية إلى ظهور أشكال جديدة للعمل التطوعي وتدخلت الدولة والحكومات المحلية ورجال الأعمال والشخصيات العامة بفاعلية لدعم العمل الأهلي، وتأسس عدد كبير من المؤسسات الخيرية والثقافية والتعليمية، كما حظيت مؤسسات المجتمع المدني بدعم الدولة، التي قامت بإعادة تنظيم المجتمع وسن التشريعات والقوانين لضبط حركة التغيير داخله، حيث كان في غالبيته مجتمعاً تقليدياً يخضع لسيادة العرف والعادات والتقاليد.
وتتنوع أنشطة مؤسسات المجتمع المدني الخليجي ما بين جمعيات دينية وسياسية ونسائية واجتماعية وخيرية ومهنية، تعكس خصوصية التجربة الخليجية في مجال المجتمع المدني.
• القيادات الجديدة ودعم مؤسسات المجتمع المدني الخليجي:
بتولي القادة الجدد مقاليد السلطة في بلادهم شددوا على أهمية تفعيل مؤسسات المجتمع المدني ودعم العمل التطوعي باعتباره عملاً وجهداً يكمل الجهد الحكومي لخدمة المجتمع، وهو ما يتطلب تطوير نمط العلاقة الحكومية والأهلية باتجاه تعزيزها وتنميتها كعلاقة قوية قائمة على الشراكة والتعاون لتنفيذ المشاريع التنموية في دول المجلس، ومن ثم عكست توجهات هؤلاء القادة دعماً لمؤسسات المجتمع المدني يمكن رصدها من خلال التالي:
1ـ مملكة البحرين:
منذ تولي الشيخ حمد بن عيسى الحكم في البحرين وهو يولي اهتماماً خاصاً بمؤسسات المجتمع المدني، حيث أصدر العديد من التشريعات والقوانين المنظمة لعملها وتمثلت أهمها فيما أشارت إليه المادة 27 من الدستور البحريني الذي صدر عام 2002 إلى (حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية لأهداف مشروعة ووسائل سلمية، مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يسنها القانون، ولا يجوز إجبار أحد على الانضمام إلى أي جمعية أو نقابة أو الاستمرار فيها).
كما أصدرالملك أيضاً مرسوم ملكي بقانون رقم 44 للعام 2002 يقضي بتعديل بعض أحكام قانون الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الشباب والرياضة والمؤسسات الخاصة، وقد ركزت المادة الثانية من القانون 44 لعام 2002 على السماح للجمعيات بأن تنشئ فيما بينها اتحادات نوعية تكون لكل منها الشخصية الاعتبارية، ويتكون الاتحاد النوعي من الجمعيات التي تباشر نشاطاً مشتركاً في مجال معين على مستوى المملكة بقصد تنظيم وتنسيق هذا النشاط فيما بينها والعمل على رفع مستواه ويختص الاتحاد النوعي من الجمعيات بعدة أمور أهمها: وضع تصور عام لدور الجمعيات التي تعمل في مجال نشاطه بشأن تنفيذ برامج التنمية الاجتماعية والثقافية، وإجراء الدراسات اللازمة لتوفير التمويل اللازم للجمعيات لتنمية مواردها بما يساعد على توفير الإعانات والمساعدات وإبداء المشورة لها في ما يتصل بوسائل دعم قدراتها المالية، وإعداد قاعدة للبيانات وتوفير المعلومات الكافية عن الجمعيات التي تعمل في مجال نشاطه ونشر دليل بقوائم الجمعيات في المجال النوعي لتعريف المواطنين بها وحثهم على الإسهام والمشاركة في أنشطتها.
ونص قانون النقابات العمالية رقم 33 لسنة 2002 الذي أصدره الملك على أن الإضراب وسيلة مشروعة للدفاع عن حقوق العمال ومصالحهم وفقاً للضوابط التي نصَّ عليها المرسوم، وأن يكون الهدف من الإضراب تحقيق مطالب اقتصادية واجتماعية خاصة بالعمال وعدم المساس بأموال الدولة وممتلكات الأفراد وأمنهم وسلامتهم، وقد وصل عدد النقابات العمالية إلى 37 نقابة مهنية منذ صدور الميثاق.
وتؤكد تلك القوانين المنظمة لعمل مؤسسات المجتمع المدني على اهتمام مملكة البحرين بمتابعة وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، الأمر الذي انعكس كماً وكيفاً، حيث لم يتجاوز عدد مؤسسات المجتمع المدني البحرينية عام 1995(66) مؤسسة إلا أنه وصل في نهاية عام 2004 إلى أكثر من 330 مؤسسة، كما تزايدت أنشطة مؤسسات المجتمع المدني في البحرين لتدعم العمل العام والتوجهات التنموية في مختلف القطاعات.
2ـ دولة قطر:
منذ وصول الشيخ حمد بن خليفة إلى السلطة بدأ الاهتمام بدعم مؤسسات المجتمع المدني وذلك في إطار توجه النطام السياسي نحو الديمقراطية وزيادة المشاركة السياسية الشعبية، ويعتبر التطور الأبرز في حركة المجتمع المدني القطري، هو السماح بإصدار قانون لعمل الجمعيات المهنية والخيرية، حيث أصدرت وزارة شؤون الخدمة المدنية والإسكان القطرية في مايو 2004 قانوناً يسمح بتأسيس الجمعيات المهنية للمرة الأولى، ويقضي القانون بالسماح لأصحاب المهنة الواحدة بإنشاء الجمعيات.
كما سمح لغير القطريين أن يكونوا أعضاء في جمعيات النفع العام باستثناء من مجلس الوزراء وبناء على اقتراح من الوزير المختص، وأن يكون هناك ملف كامل لكل جمعية فيه: عقد تأسيسها ونظامها الأساسي، وشهادة تسجبلها، والقرارات الصادرة بشأنها.
ويأتي هذا القانون في إطار استكمال دعم المؤسسات الذي تتبعه قطر منذ فترة، حيث يسمح بإقامة جمعيات تضم عدة أشخاص طبيعيين أو اعتباريين يشتركون معاً في القيام بنشاط إنساني أو اجتماعي أو ثقافي أو علمي أو مهني أو خيري.
وقد أصدر أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في مايو 2004 قانوناً جديداً للعمل ينص على منح العمال حق تشكيل تنظيمات عمالية تؤسس لقيام اتحاد عمال قطري، يحق له الإضراب عن العمل إذا تعذر الحل الودي بين العمال وصاحب العمل
ويمنح القانون الجديد لأول مرة الحق في تكوين تنظيمات عمالية على ثلاثة مستويات هي: لجنة عمالية داخل المنشأة، ولجنة عامة لعمال المهنة أو الصناعة، واتحاد عام للعمال، كما يضمن في الوقت ذاته استقلالية لهذه التنظيمات في عملها، فضلاً عن مساواته في الحقوق بين الرجل والمرأة.
ويشكل قانون العمل الجديد نقلة نوعية تكفل حقوق العمال، وتعالج مشكلات كانوا يواجهونها مع بعض أصحاب العمل، كما ينص على تكوين لجان عمالية في المنشآت التي تعمل في مهنة واحدة والسماح لهذه اللجان بتكوين لجان عامة لعمال المهنة تشكل بدورها (الاتحاد العام لعمال قطر) وحدد مهمات التنظيمات العمالية في رعاية مصالح أعضائها والدفاع عن حقوقهم وتمثيلهم في جميع المسائل المتعلقة بشؤون العمل.
وقد بلغ عدد مؤسسات المجتمع المدني في قطر حوالي 44 مؤسسة، وتتركز في المجالات التطوعية والخدمية ورعاية الشباب والرياضة، وكذلك الاهتمام بالأعمال الدينية كبناء المساجد والأعمال الخيرية، كما توجد عدة جمعيات مهنية ونسائية لتنظيم شؤون أعضائها.
3 ـ دولة الإمارات العربية المتحدة
أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان منذ توليه مقاليد السلطة في دولة الإمارات العربية المتحدة، أن مشاركة المجتمع المدني الإماراتي هي السبيل الأمثل لتحقيق التنمية المتوازنة والمتواصلة، وقد وصل عدد الجمعيات المشهرة إلى 132 جمعية تتنوع أنشطتها بين الثقافية والعلمية والمهنية، في حين بلغ عدد الجمعيات التابعة للجاليات الأجنبية غير المشهرة (طبقاً للقانون 20 لسنة 1980) حوالي 46 جمعية، كان نصيب الجالية الهندية 40 جمعية، والجالية البنجلاديشية 3 جمعيات، وجمعية واحدة لكل من الجالية الفلسطينية والسورية والسودانية، ولعل هذا يعكس مرونة وقدرة المجتمع المدني الإماراتي على استيعاب كافة القوميات بداخلة ما يعد دليلاً قوياً على حيوية هذا القطاع.
4ـ المملكة العربية السعودية:
شهد النظام السياسي السعودي منذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز الحكم اهتماماً واسعاً بأنشطة الجمعيات الأهلية بالرغم من التحديات التي تواجهها، حيث عمل على إرساء دور راسخ لها إلىجانب دور الحكومة في مجالات التنمية الاجتماعية ودعم المعرفة والعلم، وتشير الكثير من الدلائل إلى تنامي حركة المجتمع المدني السعودي، فمن الملاحظ أن هناك تحركات إيجابية باتجاه تكوين التنظيمات الأهلية وهو ما تجلى في السماح بإنشاء هيئة للصحافيين السعوديين والموافقة على إنشاء لجنة غير حكومية لحقوق الإنسان، كما أسست الحكومة السعودية مركزاً للحوار ومكافحة التطرف.
• التحديات التي تواجه تفعيل مؤسسات المجتمع المدني الخليجي:
على الرغم من أن ساحة العمل الأهلي الخليجي تشهد حالة من النشاط والنمو المتصاعد لدور مؤسسات المجتمع المدني تجاه أجندة العمل الوطني بكافة مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن هناك العديد من الإشكاليات والمعوقات التي تحول دون الحديث عن قوى مدنية خليجية قوية تمثلت أكثرها تأثيراً في تزايد حملة الانتقادات والاتهامات التي تتعرض لها الجمعيات والمؤسسات المدنية الخليجية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وممارسة واشنطن ضغوطاً قوية على دول الخليج من أجل حملها على تشديد مراقبة الجمعيات الخيرية العاملة في هذا المجال، وقد سمحت دول المجلس في بداية الأمر للعديد من الوفود الأمريكية والغربية بالاطلاع على أوضاع هذه الجمعيات للتأكد من أن دورها إنساني بحت ولا علاقة لها بأية تنظيمات إرهابية.
ويمثل الإطار القانوني في دول مجلس التعاون الخليجي قيداً على تفعيل مؤسسات المجتمع المدني، حيث يحدد أنماط أنشطة الجمعيات الأهلية التي لا يجب أن تتجاوز في مجملها الجانب الاجتماعي الخدمي والرعائي، كما لا تسمح كافة الأطر القانونية والتشريعية في دول المجلس بحرية التسجيل والإشهار للجمعيات الأهلية دون الرجوع إلى الجهات المختصة، في مقابل حرية الحكومة في اتخاذ القرارات الإدارية التي من شأنها تجميد أو حل هذه الجمعيات، وهو ما يحد بدوره من قدرة المجتمع المدني الخليجي على القيام بدوره الثقافي والاقتصادي، وبالتالي يحد من فاعلية تنظيمات المجتمع المدني المختلفة.
كما يساهم اعتماد مؤسسات المجتمع المدني على التمويل الحكومي في الحد من استقلاليتها، حيث تبلغ نسبة التمويل الحكومي في المملكة العربية السعودية للمنظمات غير الحكومية حوالي 80 في المائة من إجمالي المصروفات الملكية، وفي قطر بلغ الدعم في عام 2003 ما يقرب من مليون ريال قطري لكل جمعية من الجمعيات البالغ عددها 44 مؤسسة، وفي دولة الإمارات قدمت الحكومة الاتحادية أكثر من 90 مليون درهم كإعانات نقدية للجمعيات خلال الفترة 1974ـ1993، الأمر الذي يشير إلى اعتماد الجمعيات الأهلية على الدعم الحكومي بشكل كبير.
والواقع أن تلك التحديات التي تواجه مؤسسات المجتمع المدني الخليجي تحتاج إلى الاستمرار في بناء القدرات المؤسسية للمجتمع المدني، وأن يستمر تصاعد الاتجاه الداعي لتغليب الدور التنموي على الدور الخدمي والخيري، وإيجاد بيئة مواتية لبناء مجتمع مدني قوي يمكن من خلاله ملء الحيز القائم بين سلطة الدولة والمجتمع من خلال إعادة رسم خريطة المجتمع المدني الخليجي عبر استراتيجية تهدف إلى مشاركته في قضايا المجتمع المحورية، خاصة أن تلك المؤسسات يمكن أن تلعب دوراً مهماً ومكملاً في تعبئة المواطنين للمشاركة في النظام السياسي وتدريب القادة، وتأهيل أكبر عدد من المواطنين للمشاركة في السياسات القومية للدولة، كما تعد مؤسسات المجتمع المدني مقوّماً موضوعياًً لسياسات الحكومة، وتساهم في اكتشاف أوجه النقص في السياسات العامة، وتحافظ على الاستقرار خاصة عندما تقدم سياسات بديلة وواقعية أمام صانع القرار.
كما يقع على عاتق الجمعيات الأهلية ضرورة تطويرها لأهدافها وسياساتها وكذلك برامجها وتنويعها بما يتناسب والمتطلبات المتجددة للمجتمع وتوسيع مجالات الخدمات الاجتماعية والارتقاء بمستوى معيشة المواطنين من خلال تأطير الفئات غيرالقادرة ودمجها في سوق العمل، بالإضافة لضرورة توسيع دائرة المساهمين في العمل التطوعي واستنباط وسائل جديدة لتشجيع المتبرعين والمتطوعين بالمال أو العمل التطوعي، وتفعيل العلاقة بين الجمعيات الأهلية والمستفيدين من خدماتها، وذلك بتطوير مهاراتهم وقدراتهم على مواجهة تحديات التغير وصعوبات الحياة المعيشية وتفعيل مشاركة الجمعيات التطوعية في التنمية من خلال التحول التدريجي من مشاريع الرعاية الاجتماعية إلى المشاريع التنموية عبر الاهتمام ببرامج التأهيل والتدريب وتشجيع إقامة المشاريع الصغيرة المدرة للدخل.
وبصفة عامة، ورغم التطور الذي شهده المجتمع المدني الخليجي لاسيما في تنوع وشمولية مجالات عمله (الخيرية والاجتماعية والثقافية والدينية والمهنية والسياسية) فإنه لا يزال يواجه هذا المجتمع العديد من التحديات التي تحد من تطوره وتعوق عمله، بعضها نابع من الداخل ومرتبط بالتكوين الثقافي والاجتماعي التقليدي للمجتمع الخليجي، وبعضها الآخر نابع من الخارج وتعكسه الاتهامات الموجهة لمؤسساته بدعم وتمويل الإرهاب، وهو ما يتطلب البحث عن استراتيجية وطنية متكاملة لمواجهة هذه التحديات وتنمية وتفعيل دور هذا القطاع الحيوي ليكون شريكاً حقيقياً للدولة في مسيرة النمو والبناء والتحديث.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3469::/cck::
::introtext::
شهد المجتمع المدني العالمي تطوراً ملموساً منذ تسعينات القرن الماضي، حيث ظهر هذا القطاع كفاعل رئيسي في عمليات التنمية في مختلف دول العالم، وشريكاً بارزاً للمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، في عمليات المساعدة الإنمائية ومواجهة الفقر والبطالة، وتوسع دوره من مجرد مؤسسات تركز على المنظور الرعائي النمطي إلى المنظور التنموي الفاعل والساعي إلى توفير مساحة أكبر من الحرية والممارسة الديمقراطية والمشاركة في صنع الأحداث واتخاذ القرارات على مختلف الصعد، وتحسين إدارة الحكم عبر تعزيز المساءلة والشفافية في النظام السياسي، وحماية الحقوق والتوفيق بين المصالح، وإيصال الخدمات الاجتماعية، بل امتد تأثير هذه المؤسسات في تشكيل وتوجيه السياسات العامة العالمية تجاه العديد من القضايا مثل حقوق الإنسان، وحماية البيئة، وتعزيز دور المرأة، وبشكل بدا معه هذا القطاع أحد أبرز الفاعلين على الساحة الدولية.
::/introtext::
::fulltext::
شهد المجتمع المدني العالمي تطوراً ملموساً منذ تسعينات القرن الماضي، حيث ظهر هذا القطاع كفاعل رئيسي في عمليات التنمية في مختلف دول العالم، وشريكاً بارزاً للمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، في عمليات المساعدة الإنمائية ومواجهة الفقر والبطالة، وتوسع دوره من مجرد مؤسسات تركز على المنظور الرعائي النمطي إلى المنظور التنموي الفاعل والساعي إلى توفير مساحة أكبر من الحرية والممارسة الديمقراطية والمشاركة في صنع الأحداث واتخاذ القرارات على مختلف الصعد، وتحسين إدارة الحكم عبر تعزيز المساءلة والشفافية في النظام السياسي، وحماية الحقوق والتوفيق بين المصالح، وإيصال الخدمات الاجتماعية، بل امتد تأثير هذه المؤسسات في تشكيل وتوجيه السياسات العامة العالمية تجاه العديد من القضايا مثل حقوق الإنسان، وحماية البيئة، وتعزيز دور المرأة، وبشكل بدا معه هذا القطاع أحد أبرز الفاعلين على الساحة الدولية.
وأدركت القيادات الخليجية التي وصلت إلى سدة الحكم في دول مجلس التعاون الخليجي أهمية تطوير مؤسسات المجتمع المدني باعتبارها سنداً أساسياً لدعم التوجه الديمقراطي وتطويره باعتباره عملية حيوية يجب تنميتها والحفاظ عليها والاستمرار في تطويرها، بالإضافة إلى أن تفعيل هذه المؤسسات هو الكفيل بتكريس قيم الديمقراطية على مستوى التنشئة السياسية الأولى، وتصحيح الممارسة الديمقراطية بما يؤدي إلى تحسين ودعم التحول الديمقراطي في دول المجلس.
وقد مرت مؤسسات المجتمع المدني الخليجي بثلاث مراحل متمايزة:
المرحلة الأولى: جاءت مع بدايات النصف الأول للقرن العشرين خاصة في البحرين والكويت، وقد غلب على هذه المرحلة مشاركة النخبة السياسية الحاكمة ذاتها في تكويناتها إلى جانب فئات التجار والصيادين والملاحين، كما غلبت على أهدافها النواحي الثقافية والأدبية والتنموية، ومن ثم لم يكن غريباً أن تأتي مطالبها ومواقفها متناغمة إلى حد كبير مع مطالب النخبة السياسية وتوجهاتها في هذه المرحلة.
المرحلة الثانية: ترجع إلى خمسينات وستينات القرن العشرين، حيث بدأت دول تلك المنطقة تعرف شكلاً أكثر تبلوراً للدولة بالمعنى الحديث، ومن ثم بدأت مطالب وتشكيلات مؤسسات المجتمع المدني تنحو نحو الجوانب السياسية وقضايا المشاركة الشعبية، وشهدت مجتمعات مثل البحرين والكويت ودبي مظاهرات ومسيرات تصب في هذا الاتجاه.
المرحلة الثالثة: مرحلة الطفرة النفطية، حيث بدأت عوائد النفط تؤتي ثمارها وبدأت خطط التنمية الاقتصادية تتبلور بشكل واضح، كما أن مؤسسات الدولة بدأت في الترسخ، وتدعمت سياسات الدولة في مجال التعليم والخدمات بالشكل الذي نراه في وقتنا الحاضر، وهو ما وضع دول الخليج العربية في مراتب متقدمة في تصنيفات التنمية البشرية عالمياً وعربياً.
وباكتشاف النفط حدثت تحولات عميقة في البناء الاجتماعي للمجتمع والدولة، وأدت المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية إلى ظهور أشكال جديدة للعمل التطوعي وتدخلت الدولة والحكومات المحلية ورجال الأعمال والشخصيات العامة بفاعلية لدعم العمل الأهلي، وتأسس عدد كبير من المؤسسات الخيرية والثقافية والتعليمية، كما حظيت مؤسسات المجتمع المدني بدعم الدولة، التي قامت بإعادة تنظيم المجتمع وسن التشريعات والقوانين لضبط حركة التغيير داخله، حيث كان في غالبيته مجتمعاً تقليدياً يخضع لسيادة العرف والعادات والتقاليد.
وتتنوع أنشطة مؤسسات المجتمع المدني الخليجي ما بين جمعيات دينية وسياسية ونسائية واجتماعية وخيرية ومهنية، تعكس خصوصية التجربة الخليجية في مجال المجتمع المدني.
• القيادات الجديدة ودعم مؤسسات المجتمع المدني الخليجي:
بتولي القادة الجدد مقاليد السلطة في بلادهم شددوا على أهمية تفعيل مؤسسات المجتمع المدني ودعم العمل التطوعي باعتباره عملاً وجهداً يكمل الجهد الحكومي لخدمة المجتمع، وهو ما يتطلب تطوير نمط العلاقة الحكومية والأهلية باتجاه تعزيزها وتنميتها كعلاقة قوية قائمة على الشراكة والتعاون لتنفيذ المشاريع التنموية في دول المجلس، ومن ثم عكست توجهات هؤلاء القادة دعماً لمؤسسات المجتمع المدني يمكن رصدها من خلال التالي:
1ـ مملكة البحرين:
منذ تولي الشيخ حمد بن عيسى الحكم في البحرين وهو يولي اهتماماً خاصاً بمؤسسات المجتمع المدني، حيث أصدر العديد من التشريعات والقوانين المنظمة لعملها وتمثلت أهمها فيما أشارت إليه المادة 27 من الدستور البحريني الذي صدر عام 2002 إلى (حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية لأهداف مشروعة ووسائل سلمية، مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يسنها القانون، ولا يجوز إجبار أحد على الانضمام إلى أي جمعية أو نقابة أو الاستمرار فيها).
كما أصدرالملك أيضاً مرسوم ملكي بقانون رقم 44 للعام 2002 يقضي بتعديل بعض أحكام قانون الجمعيات والأندية الاجتماعية والثقافية والهيئات الخاصة العاملة في ميدان الشباب والرياضة والمؤسسات الخاصة، وقد ركزت المادة الثانية من القانون 44 لعام 2002 على السماح للجمعيات بأن تنشئ فيما بينها اتحادات نوعية تكون لكل منها الشخصية الاعتبارية، ويتكون الاتحاد النوعي من الجمعيات التي تباشر نشاطاً مشتركاً في مجال معين على مستوى المملكة بقصد تنظيم وتنسيق هذا النشاط فيما بينها والعمل على رفع مستواه ويختص الاتحاد النوعي من الجمعيات بعدة أمور أهمها: وضع تصور عام لدور الجمعيات التي تعمل في مجال نشاطه بشأن تنفيذ برامج التنمية الاجتماعية والثقافية، وإجراء الدراسات اللازمة لتوفير التمويل اللازم للجمعيات لتنمية مواردها بما يساعد على توفير الإعانات والمساعدات وإبداء المشورة لها في ما يتصل بوسائل دعم قدراتها المالية، وإعداد قاعدة للبيانات وتوفير المعلومات الكافية عن الجمعيات التي تعمل في مجال نشاطه ونشر دليل بقوائم الجمعيات في المجال النوعي لتعريف المواطنين بها وحثهم على الإسهام والمشاركة في أنشطتها.
ونص قانون النقابات العمالية رقم 33 لسنة 2002 الذي أصدره الملك على أن الإضراب وسيلة مشروعة للدفاع عن حقوق العمال ومصالحهم وفقاً للضوابط التي نصَّ عليها المرسوم، وأن يكون الهدف من الإضراب تحقيق مطالب اقتصادية واجتماعية خاصة بالعمال وعدم المساس بأموال الدولة وممتلكات الأفراد وأمنهم وسلامتهم، وقد وصل عدد النقابات العمالية إلى 37 نقابة مهنية منذ صدور الميثاق.
وتؤكد تلك القوانين المنظمة لعمل مؤسسات المجتمع المدني على اهتمام مملكة البحرين بمتابعة وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، الأمر الذي انعكس كماً وكيفاً، حيث لم يتجاوز عدد مؤسسات المجتمع المدني البحرينية عام 1995(66) مؤسسة إلا أنه وصل في نهاية عام 2004 إلى أكثر من 330 مؤسسة، كما تزايدت أنشطة مؤسسات المجتمع المدني في البحرين لتدعم العمل العام والتوجهات التنموية في مختلف القطاعات.
2ـ دولة قطر:
منذ وصول الشيخ حمد بن خليفة إلى السلطة بدأ الاهتمام بدعم مؤسسات المجتمع المدني وذلك في إطار توجه النطام السياسي نحو الديمقراطية وزيادة المشاركة السياسية الشعبية، ويعتبر التطور الأبرز في حركة المجتمع المدني القطري، هو السماح بإصدار قانون لعمل الجمعيات المهنية والخيرية، حيث أصدرت وزارة شؤون الخدمة المدنية والإسكان القطرية في مايو 2004 قانوناً يسمح بتأسيس الجمعيات المهنية للمرة الأولى، ويقضي القانون بالسماح لأصحاب المهنة الواحدة بإنشاء الجمعيات.
كما سمح لغير القطريين أن يكونوا أعضاء في جمعيات النفع العام باستثناء من مجلس الوزراء وبناء على اقتراح من الوزير المختص، وأن يكون هناك ملف كامل لكل جمعية فيه: عقد تأسيسها ونظامها الأساسي، وشهادة تسجبلها، والقرارات الصادرة بشأنها.
ويأتي هذا القانون في إطار استكمال دعم المؤسسات الذي تتبعه قطر منذ فترة، حيث يسمح بإقامة جمعيات تضم عدة أشخاص طبيعيين أو اعتباريين يشتركون معاً في القيام بنشاط إنساني أو اجتماعي أو ثقافي أو علمي أو مهني أو خيري.
وقد أصدر أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في مايو 2004 قانوناً جديداً للعمل ينص على منح العمال حق تشكيل تنظيمات عمالية تؤسس لقيام اتحاد عمال قطري، يحق له الإضراب عن العمل إذا تعذر الحل الودي بين العمال وصاحب العمل
ويمنح القانون الجديد لأول مرة الحق في تكوين تنظيمات عمالية على ثلاثة مستويات هي: لجنة عمالية داخل المنشأة، ولجنة عامة لعمال المهنة أو الصناعة، واتحاد عام للعمال، كما يضمن في الوقت ذاته استقلالية لهذه التنظيمات في عملها، فضلاً عن مساواته في الحقوق بين الرجل والمرأة.
ويشكل قانون العمل الجديد نقلة نوعية تكفل حقوق العمال، وتعالج مشكلات كانوا يواجهونها مع بعض أصحاب العمل، كما ينص على تكوين لجان عمالية في المنشآت التي تعمل في مهنة واحدة والسماح لهذه اللجان بتكوين لجان عامة لعمال المهنة تشكل بدورها (الاتحاد العام لعمال قطر) وحدد مهمات التنظيمات العمالية في رعاية مصالح أعضائها والدفاع عن حقوقهم وتمثيلهم في جميع المسائل المتعلقة بشؤون العمل.
وقد بلغ عدد مؤسسات المجتمع المدني في قطر حوالي 44 مؤسسة، وتتركز في المجالات التطوعية والخدمية ورعاية الشباب والرياضة، وكذلك الاهتمام بالأعمال الدينية كبناء المساجد والأعمال الخيرية، كما توجد عدة جمعيات مهنية ونسائية لتنظيم شؤون أعضائها.
3 ـ دولة الإمارات العربية المتحدة
أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان منذ توليه مقاليد السلطة في دولة الإمارات العربية المتحدة، أن مشاركة المجتمع المدني الإماراتي هي السبيل الأمثل لتحقيق التنمية المتوازنة والمتواصلة، وقد وصل عدد الجمعيات المشهرة إلى 132 جمعية تتنوع أنشطتها بين الثقافية والعلمية والمهنية، في حين بلغ عدد الجمعيات التابعة للجاليات الأجنبية غير المشهرة (طبقاً للقانون 20 لسنة 1980) حوالي 46 جمعية، كان نصيب الجالية الهندية 40 جمعية، والجالية البنجلاديشية 3 جمعيات، وجمعية واحدة لكل من الجالية الفلسطينية والسورية والسودانية، ولعل هذا يعكس مرونة وقدرة المجتمع المدني الإماراتي على استيعاب كافة القوميات بداخلة ما يعد دليلاً قوياً على حيوية هذا القطاع.
4ـ المملكة العربية السعودية:
شهد النظام السياسي السعودي منذ تولي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز الحكم اهتماماً واسعاً بأنشطة الجمعيات الأهلية بالرغم من التحديات التي تواجهها، حيث عمل على إرساء دور راسخ لها إلىجانب دور الحكومة في مجالات التنمية الاجتماعية ودعم المعرفة والعلم، وتشير الكثير من الدلائل إلى تنامي حركة المجتمع المدني السعودي، فمن الملاحظ أن هناك تحركات إيجابية باتجاه تكوين التنظيمات الأهلية وهو ما تجلى في السماح بإنشاء هيئة للصحافيين السعوديين والموافقة على إنشاء لجنة غير حكومية لحقوق الإنسان، كما أسست الحكومة السعودية مركزاً للحوار ومكافحة التطرف.
• التحديات التي تواجه تفعيل مؤسسات المجتمع المدني الخليجي:
على الرغم من أن ساحة العمل الأهلي الخليجي تشهد حالة من النشاط والنمو المتصاعد لدور مؤسسات المجتمع المدني تجاه أجندة العمل الوطني بكافة مجالاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أن هناك العديد من الإشكاليات والمعوقات التي تحول دون الحديث عن قوى مدنية خليجية قوية تمثلت أكثرها تأثيراً في تزايد حملة الانتقادات والاتهامات التي تتعرض لها الجمعيات والمؤسسات المدنية الخليجية عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وممارسة واشنطن ضغوطاً قوية على دول الخليج من أجل حملها على تشديد مراقبة الجمعيات الخيرية العاملة في هذا المجال، وقد سمحت دول المجلس في بداية الأمر للعديد من الوفود الأمريكية والغربية بالاطلاع على أوضاع هذه الجمعيات للتأكد من أن دورها إنساني بحت ولا علاقة لها بأية تنظيمات إرهابية.
ويمثل الإطار القانوني في دول مجلس التعاون الخليجي قيداً على تفعيل مؤسسات المجتمع المدني، حيث يحدد أنماط أنشطة الجمعيات الأهلية التي لا يجب أن تتجاوز في مجملها الجانب الاجتماعي الخدمي والرعائي، كما لا تسمح كافة الأطر القانونية والتشريعية في دول المجلس بحرية التسجيل والإشهار للجمعيات الأهلية دون الرجوع إلى الجهات المختصة، في مقابل حرية الحكومة في اتخاذ القرارات الإدارية التي من شأنها تجميد أو حل هذه الجمعيات، وهو ما يحد بدوره من قدرة المجتمع المدني الخليجي على القيام بدوره الثقافي والاقتصادي، وبالتالي يحد من فاعلية تنظيمات المجتمع المدني المختلفة.
كما يساهم اعتماد مؤسسات المجتمع المدني على التمويل الحكومي في الحد من استقلاليتها، حيث تبلغ نسبة التمويل الحكومي في المملكة العربية السعودية للمنظمات غير الحكومية حوالي 80 في المائة من إجمالي المصروفات الملكية، وفي قطر بلغ الدعم في عام 2003 ما يقرب من مليون ريال قطري لكل جمعية من الجمعيات البالغ عددها 44 مؤسسة، وفي دولة الإمارات قدمت الحكومة الاتحادية أكثر من 90 مليون درهم كإعانات نقدية للجمعيات خلال الفترة 1974ـ1993، الأمر الذي يشير إلى اعتماد الجمعيات الأهلية على الدعم الحكومي بشكل كبير.
والواقع أن تلك التحديات التي تواجه مؤسسات المجتمع المدني الخليجي تحتاج إلى الاستمرار في بناء القدرات المؤسسية للمجتمع المدني، وأن يستمر تصاعد الاتجاه الداعي لتغليب الدور التنموي على الدور الخدمي والخيري، وإيجاد بيئة مواتية لبناء مجتمع مدني قوي يمكن من خلاله ملء الحيز القائم بين سلطة الدولة والمجتمع من خلال إعادة رسم خريطة المجتمع المدني الخليجي عبر استراتيجية تهدف إلى مشاركته في قضايا المجتمع المحورية، خاصة أن تلك المؤسسات يمكن أن تلعب دوراً مهماً ومكملاً في تعبئة المواطنين للمشاركة في النظام السياسي وتدريب القادة، وتأهيل أكبر عدد من المواطنين للمشاركة في السياسات القومية للدولة، كما تعد مؤسسات المجتمع المدني مقوّماً موضوعياًً لسياسات الحكومة، وتساهم في اكتشاف أوجه النقص في السياسات العامة، وتحافظ على الاستقرار خاصة عندما تقدم سياسات بديلة وواقعية أمام صانع القرار.
كما يقع على عاتق الجمعيات الأهلية ضرورة تطويرها لأهدافها وسياساتها وكذلك برامجها وتنويعها بما يتناسب والمتطلبات المتجددة للمجتمع وتوسيع مجالات الخدمات الاجتماعية والارتقاء بمستوى معيشة المواطنين من خلال تأطير الفئات غيرالقادرة ودمجها في سوق العمل، بالإضافة لضرورة توسيع دائرة المساهمين في العمل التطوعي واستنباط وسائل جديدة لتشجيع المتبرعين والمتطوعين بالمال أو العمل التطوعي، وتفعيل العلاقة بين الجمعيات الأهلية والمستفيدين من خدماتها، وذلك بتطوير مهاراتهم وقدراتهم على مواجهة تحديات التغير وصعوبات الحياة المعيشية وتفعيل مشاركة الجمعيات التطوعية في التنمية من خلال التحول التدريجي من مشاريع الرعاية الاجتماعية إلى المشاريع التنموية عبر الاهتمام ببرامج التأهيل والتدريب وتشجيع إقامة المشاريع الصغيرة المدرة للدخل.
وبصفة عامة، ورغم التطور الذي شهده المجتمع المدني الخليجي لاسيما في تنوع وشمولية مجالات عمله (الخيرية والاجتماعية والثقافية والدينية والمهنية والسياسية) فإنه لا يزال يواجه هذا المجتمع العديد من التحديات التي تحد من تطوره وتعوق عمله، بعضها نابع من الداخل ومرتبط بالتكوين الثقافي والاجتماعي التقليدي للمجتمع الخليجي، وبعضها الآخر نابع من الخارج وتعكسه الاتهامات الموجهة لمؤسساته بدعم وتمويل الإرهاب، وهو ما يتطلب البحث عن استراتيجية وطنية متكاملة لمواجهة هذه التحديات وتنمية وتفعيل دور هذا القطاع الحيوي ليكون شريكاً حقيقياً للدولة في مسيرة النمو والبناء والتحديث.
::/fulltext::
::cck::3469::/cck::
