الاتفاق النووي: الفرص والتحديات وسيناريوهات التفاعل الإيراني
::cck::5568::/cck::
::introtext::
يعد المشروع النووي الإيراني عقبة رئيسية تقف أمام نظام أمن الخليج، بل وأمن الشرق الأوسط ككل. ولعل التخوف من تأثير البرنامج النووي ومستقبل الاتفاق النووي وما ستُقدم عليها إيران من خطوت وفقًا للسيناريوهات المطروحة لعودة الاتفاق النووي لمسار التفعيل هي مسألة هامة بالنسبة للعديد من الدول الخليجية فيما يتعلق بمستقبل أمنها واستقرارها. ولا شك أن هناك صعوبة كبيرة في تحديد المسارات التي يمكن أن تسلكها إيران، لا سيما وأن تطوراتها لا تزال تتفاعل؛ فبعد الانسحاب الأمريكي في عهد الرئيس ترامب وتأزم المسألة، جاء الرئيس الجديد جو بايدن ليطرح مسألة إحياء الاتفاق النووي مما جعل كل الخيارات والاحتمالات مفتوحة.
::/introtext::
::fulltext::
يعد المشروع النووي الإيراني عقبة رئيسية تقف أمام نظام أمن الخليج، بل وأمن الشرق الأوسط ككل. ولعل التخوف من تأثير البرنامج النووي ومستقبل الاتفاق النووي وما ستُقدم عليها إيران من خطوت وفقًا للسيناريوهات المطروحة لعودة الاتفاق النووي لمسار التفعيل هي مسألة هامة بالنسبة للعديد من الدول الخليجية فيما يتعلق بمستقبل أمنها واستقرارها. ولا شك أن هناك صعوبة كبيرة في تحديد المسارات التي يمكن أن تسلكها إيران، لا سيما وأن تطوراتها لا تزال تتفاعل؛ فبعد الانسحاب الأمريكي في عهد الرئيس ترامب وتأزم المسألة، جاء الرئيس الجديد جو بايدن ليطرح مسألة إحياء الاتفاق النووي مما جعل كل الخيارات والاحتمالات مفتوحة.
ويشير إصرار إيران على الاحتفاظ بحقها في إنتاج الوقود النووي رغم كل الضغوط الأمريكية والدولية التي تتعرض لها أنها قد اتخذت قرارها الفعلي بدخول النادي النووي ويعزز هذه النزعة الموجودة لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتطوير صواريخ بالستية بعيدة المدى، وحق إيران بامتلاك الطاقة النووية. فسياسة إيران النووية تتسم بكثير من التعقيد والغموض ويمكن ربط ذلك بغياب سياسة أمنية واضحة المعالم، فليس هناك من خطوط واضحة لاستراتيجية إيران بشأن توجهاتها لتطوير الدورة الكاملة للتكنولوجيا النووية.
فمع تصريح الرئيس جو بايدن سواء أثناء حملته الانتخابية، أو بعد توليه الرئاسة بالعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرم في عهد الرئيس أوباما مع إيران في عام 2015م، ثم ألغته إدارة ترامب في عام 2018م، إذا امتثلت إيران لبنود الاتفاق. ورغم ذلك الإعلان، فلن تكون العودة للاتفاق بالأمر السهل، فالعقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضها ترامب على إيران، ثم إدراج الحرس الثوري الإيراني وحزب الله على لائحة الإرهاب ولائحة العقوبات الأمريكية إلى جانب عقوبات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان. قد دفع إيران للبحث عن البدائل للخروج من تلك الأزمة، وأتوقع عدم عودة إيران للاتفاق إلا بعد رفع الولايات المتحدة الأمريكية لتلك العقوبات. ونضيف إلى ذلك التصعيد الإيراني-الإسرائيلي بعد اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زادة ومن قبله قاسم سليماني مما يضع عبء آخر على إدارة جو بايدن لأخذ ضمانات من إيران بعد الانتقام مستقبلاً من إسرائيل.
الرؤية الإيرانية للأزمة
اتخذ “دونالد ترامب في الثامن من مايو عام 2018م، قرارًا بالخروج من الاتفاق النووي مع إيران، معلنًا أن إيران تعتبر عاملاً مزعزعًا للاستقرار في الشرق الأوسط وأن النظام الإيراني يدعم الفوضى والإرهاب، وأنه الراعي الأكبر للإرهاب في المنطقة، فضلاً عن امتلاك أدلة لتطوير إيران لنظم صواريخ باليستية ونشرها في عدد من دول الشرق الأوسط. وبسبب انسحاب ترامب من الاتفاق النووي واتخاذ سياسة الضغط على إيران، فصدرت من القيادة الإيرانية مجموعة من ردود الأفعال، عكست الصراع الأيديولوجي والخصومة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، بل والتبرير الإيراني لاستمرارية أنشطتها العسكرية الدفاعية والصاروخية. وأن أي مرونة سيتم تقديمها من قبل إيران سيقابلها مزيدًا من الضغوط من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
وتتجسد العناصر لثقافة إيران الاستراتيجية التي تمس توجهها نحو امتلاك أسلحة نووية كالتالي:
1-اعتقاد شامل بالإسلام الشيعي بوصفه أساسًا وطيدًا للشرعية السياسية للنظام والهوية القومية للبلاد.
2- اعتقاد قومي بمركز إيران الشرعي بوصفها زعيمة للحضارة الإسلامية من حيث كونها جهة إقليمية مهيمنة.
3- إدراك متأصل بأن الولايات المتحدة ترغب في الهيمنة على الحضارة الإسلامية وتدميرها.
ومن ناحية أخرى، فإن الرؤية الإيرانية لمستقبل المفاوضات تستند إلى نقاط الضعف في الموقف الأوروبي وعناصر القوة التي تتمتع بها إيران والتي تتمحور حول عدة نقاط؛ أهمها افتقاد المباحثات إلى عناصر الثقة لاسيما وأن إيران يساورها القلق إزاء استقلالية قرار الترويكا عند التعامل مع الملف النووي الإيراني، كما أن تقدم إيران في مجال التقنية النووية ولاسيما في عمليات التخصيب يقلل من احتمالية الضغط على أطراف خارجية لوقوف تعاونها مع إيران في هذا المجال وتمتع إيران في الشرعية في برنامجها، إذ أن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية يتيح لأي دولة الطاقة النووية للأغراض السلمية.
ومن المهم الإشارة إلى أن خلال فترة الانسحاب الأمريكي والعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، فقد قامت إيران بإيجاد مسارات بديلة لتعويض تلك العزلة الاقتصادية، فكان للسياسة الإيرانية في التقارب بعض الدول الإفريقية؛ حيث يرجع اهتمام إيران بالمنطقة إلى مكانة الأخيرة استراتيجيًا في التجارة الدولية، ومحاولة إيران إيجاد موطئ قدم في الممرات المائية المهمة في القارة، لا سيما المحيط الأطلنطي، كما أن الإقليم من الناحية الاقتصادية يمثل مسرحًا للتنافس بين القوى الدولية والإقليمية للنفوذ والسيطرة على الموارد والثروات في المنطقة. ويمنح تحسين طهران لعلاقاتها مع دول القارة الإفريقية وبناء علاقات ثنائية مع دول إفريقيا ثقلًا لطهران على المستويين الإقليمي والدولي، حيث يرجع التمدد الإيراني في إفريقيا لكونها تمثل ثقلًا استراتيجيًا وجغرافيًا بجانب الكثافة السكانية لدولها، كما أنها رغبت في توسيع خارطة تحالفاتها الدولية بعد تأزم الاتفاق النووي مرة أخرى، وتوقيع الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب عقوبات اقتصادية على إيران وحلفائها. ومن ثم الرغبة الإيرانية في كسر العزلة التي فُرِضت عليها منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتبعتها سلسلة العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران.
كذلك تعزيز العلاقات مع باكستان كخطوة نحو تحالف إقليمي آسيوي بعد رد الفعل الباكستاني من الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي أيضًا، وقيام باكستان وإيران بتعزيز علاقاتهما ببعضهما البعض، مع تدعيم العلاقات مع روسيا والصين للاعتماد على دعمهم الاقتصادي والسياسي لتحقيق المشروعات الاقتصادية الطموحة التي تسعى كلاً من طهران وإسلام أباد لتحقيقها خاصة الممر الاقتصادي والذي يتكلف مليارات الدولارات.
ومن ثم من غير المتوقع أن تتنازل الصين ولا إيران أو باكستان عن تحقيق هذا المشروع، خاصة الصين؛ نظراً لاتساق هذا المشروع مع المبادرة الصينية حزام وطريق التي تستهدف عبرها السيطرة على الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر وقوف الصين إلى جانب باكستان ضد الاتهامات الأمريكية، إلى جانب وقوفها مع إيران ضد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، ومن ثم فإن التصرفات الأمريكية الأخيرة الموجهة ضد كلاً من باكستان وإيران قد تدفع كلاً منها إلى التعاون مع بعضهما البعض معتمدين على الدعم الصيني الروسي، خاصة وأن واشنطن تطالب إسلام أباد بأن تخفض علاقاتها مع الصين وإيران وروسيا والابتعاد عن المعسكر الشرقي والعودة للمعسكر الغربي، وهو أمر لن تقبل به باكستان على الأقل على المدى القصير؛ ما يعزز فكرة التحالف الآسيوي خاصة في ظل تواجد كل منهما في منظمة التعاون الاقتصادي ومنظمة شنغهاي (إيران كعضو مراقب).
الموقف الأوروبي من الاتفاق النووي ومحاولات الإنقاذ
تعد العلاقات الأوروبية الإيرانية من ضمن القضايا الشائكة بين أوروبا وحليفهم الرئيسي الولايات المتحدة الأمريكية، ودائماً ما كانت من نقاط الخلاف الرئيسية بينهم؛ حيث ترى الولايات المتحدة أن ذلك يخل باستراتيجيتها لاحتواء إيران والضغط على قيادتها لإجبارها على تنفيذ المطالب الأمريكية، إلا أن أوروبا دائماً ما كانت ترى أن السوق الإيراني يمكن أن يحتوي استثمارات كبيرة خاصة في مجال الغاز والنفط؛ ما يساعدها على التحرر من الهيمنة الروسية على الطاقة، ومن ثم فقد سعى الاتحاد الأوروبي خاصة دولتيه الكبرتين فرنسا وألمانيا إضافة إلى بريطانيا إلى التمسك بالاتفاق النووي الإيراني، والعمل على إنقاذه قدر الإمكان ومواجهة السياسة الأمريكية التي أضرت بشركاتهم داخل السوق الإيراني، خاصة مع الرفض الأمريكي لإعطاء أية استثناءات من العقوبات الأمريكية على أي شركة تتعامل مع النظام الإيراني.
ونلاحظ الحكمة الأوروبية في التعامل مع الملف النووي الإيراني؛ فبعكس الآراء التي سادت بعض أجنحة السلطة في الولايات المتحدة وإسرائيل التي طالبت بحل عسكري للأزمة كما حدث مع العراق من قبل؛ رأت دول الاتحاد أن سياسة العصا والجزرة هي الأفضل والتي ستمكن الجماعة الدولية على تحقيق هدفها؛ وتطبيقاً لذلك فقد بدأت أوروبا سياساتها تجاه الملف النووي الإيراني بالتفاوض والزيارات المباشرة ونجحوا في سبيل ذلك بإقناع إيران على الانضمام للملحق الإضافي التابع لمعاهدة الحد من الانتشار النووي، في مقابل اعترافهم بحق إيران في استغلال الطاقة النووية لأغراض سلمية، ولما لم تؤد تلك الخطوة إلى المطلوب واستمرار العناد الإيراني اتجهت دول أوروبا الكبرى بالتنسيق مع الولايات المتحدة بفرض عقوبات صارمة على الاقتصاد الإيراني ونجحوا في اقناع دول آسيا بتنفيذ تلك العقوبات مع استثناءات لهم كحافز على الالتزام بتلك العقوبات حتى تحقق المطلوب منها، وبالفعل نجحت الدبلوماسية الأوروبية فيما سعت إليه؛ فبعد سنة واحدة من العقوبات بدأت إيران تقدم التنازلات وتطلب من الدول الكبرى رفع العقوبات والعودة إلى طاولة المفاوضات، وهنا أيضاً نجحت الدبلوماسية الأوروبية في إجبار إيران على العودة للمفاوضات دون أن ترفع العقوبات؛ نظراً لأن إيران كانت الطرف الأضعف في مواجهة تلك الدول التي كانت تشكل معظم شركائها التجاريين في تلك الفترة، وبالفعل توصل الطرفان في النهاية إلى اتفاق جنيف الإطاري الذي تحول لاحقاً في 15 يوليو 2015م، إلى الاتفاق النووي الشهير والذي حاز على الإجماع الدولي بموافقة كل القوى الكبرى عليه، إلا أنه في المقابل فقد تسببت الدبلوماسية الأوروبية في بعض الضرر للمصالح الاقتصادية لدول أوروبا لدى طهران؛ حيث أن الموقف الأوروبي دفع بإيران لأن تذهب إلى الشرق الذي استغل الفرصة وبدأ في توسعة علاقاته الاقتصادية مع إيران مستغلاً الانسحاب الأوروبي الأمريكي من السوق الإيراني، وهو ما سينعكس لاحقاً على العلاقات التجارية الإيرانية مع دول العالم؛ كما سينعكس على العقوبات الأمريكية الجديدة على طهران، وهو ما سيدفعنا لمناقشة العلاقات الأوروبية الإيرانية وبخاصة الدول الأوروبية الكبرى بريطانيا وفرنسا وألمانيا وعلاقتهم مع إيران ما بعد الاتفاق النووي الإيراني، علاوة على موقفهم من الاتفاق النووي.
ورغم توقعات بعودة الولايات المتحدة الأمريكية للاتفاق النووي في عهد جو بايدن إلا أنه لايزال القرار الأمريكي الذي اتخذه الرئيس الأمريكي ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي سبباً في توتر الأجواء ما بين أوروبا والولايات المتحدة، وانعكس ذلك على العلاقات الاقتصادية ما بين الطرفين خاصة بين الثلاثة الكبار الذين وقعوا الاتفاق النووي عن أوروبا مع إيران على نحو ما أوضحنا، وهو ما جعل مستقبل الاتفاق النووي مع أوروبا في خطر، ففي ظل الموقف الأمريكي المتعنت فإن أمل أوروبا في جني مكاسب من السوق الإيراني أصبح ضئيل للغاية، وفي ظل عدم وجود مصلحة أخرى لدول أوروبا في هذا السياق قد يدفع ذلك بهم للانسحاب من الاتفاق، ومن هنا فإننا سنتناول مستقبل الاتفاق من جهة أوروبا ومدى إمكانية تخلي أوروبا عنه.
الاحتمال الأول: التمسك بالاتفاق النووي
يقوم هذا الاحتمال على تمسك أوروبا بالاتفاق النووي بشروطه الحالية واستمرار دعمها لموقف إيران من الاتفاق وتطمينها حتى لا تنسحب منه، ولكن هذا الاحتمال يتطلب من أوروبا أن تحقق مطالب إيران حتى لا تنسحب هي الأخرى من الاتفاق النووي الذي سيكون غير ذي قيمة في هذه الحالة، وتتمثل تلك المطالب في اتخاذ أوروبا إجراءات صارمة تدفع الشركات الأوروبية للعودة مرة أخرى إلى السوق الإيراني وعدم الاهتمام بالتهديدات الأمريكية؛ وهو ما سيتطلب تعويض تلك الشركات عن الخسارة الكبيرة التي ستتعرض لها في حال الانسحاب من السوق الأمريكي الكبير والغني بطبيعة الحال ولا يمكن مقارنته أبداً بالسوق الإيراني، من حيث الفرص المتاحة والإمكانيات وحجم السكان ومستوى دخلهم المرتفع مقارنة بإيران وسوقها الذي تهيمن عليه الشركات الآسيوية خاصة الصينية، ويعاني شعبها من انخفاض مستويات دخله، هذا إلى جانب قيام أوروبا بتقديم حزمة دعم اقتصادية عاجلة للاقتصاد الإيراني لإنقاذه من الانهيار الذي ينزلق إليه بسرعة بسبب القرارات الأمريكية الأخيرة، علاوة على ضمان أوروبا استمرار تدفق معدلات النفط الإيراني إليها في ظل انسحاب شركات الشحن الأوروبية وكذلك الشركات العامة في مجال اكتشاف وتكرير البترول من أوروبا؛ وبالتالي فإن إيران يبدو أنها قد نجحت في أن تجعل الاتفاق النووي مشكلة أوروبا وليس مشكلتها هي، وهو ما وضح بشدة في تصريحات الرئيس الإيراني الذي قال أن على أوروبا أن تثبت أنها راغبة في الحفاظ على الاتفاق النووي.
أما بالنسبة لاستمرار تدفق النفط الإيراني إلى أوروبا فإن ذلك قد يتم ولكن بتحايلات أوروبية إيرانية على العقوبات الأمريكية، وقد كانت إيران قد صرحت بأنها قد تسمح للشركات الخاصة بتصدير البترول الإيراني للخارج كسبيل للتحايل على تلك العقوبات، كما أنها حالياً تتبع أسلوب التخفي عبر إطفاء أجهزة الإرسال الخاصة بحاملات النفط الإيرانية إلى أوروبا حتى لا يتم رصدها من قبل أجهزة الملاحة الأمريكية، ولكن على أي حال فإن هذا الاحتمال كما ذكرنا تواجهه العديد من العقبات التي قد تحول دون تحققه وهو ما ينقلنا للاحتمال الثاني.
الاحتمال الثاني: انسحاب أوروبا من الاتفاق
يقوم هذا الاحتمال على الصعوبات التي كنا قد ذكرناها في الاحتمال الأول، فكما أوضحنا ليس لأوروبا مصلحة غير اقتصادية فيما يتعلق بالتعامل مع إيران، وهو ما فسر سرعة اجتياح الشركات الأوروبية للسوق الإيراني عقب رفع العقوبات، إلا أن هذا الاجتياح الأوروبي اصطدم بحائط الصد الآسيوي المدعم من أجهزة الدولة الإيرانية خاصة الحرس الثوري الإيراني الذي يملك إمبراطورية اقتصادية ضخمة في الداخل الإيراني، وهو ما ضرب بالآمال الأوروبية عرض الحائط، وأسفر عن مردود متواضع للتجارة مع إيران؛ ما يجعل الشركات الأوروبية مدركة تماماً أنها لن تجني أي مكسب إن استمرت في السوق الإيراني في مواجهة القرار الأمريكي؛ فهي لن تدخل في معركة سياسية ليس لها فيها أية مصلحة ولن تجني منها أي شيء سوى الخسارة الضخمة، من جانب آخر فإن الموقف الأوروبي قريب من الموقف الأمريكي فيما يتعلق بالتخوف من النشاطات العسكرية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط.
ومن ثم يمكن القول بأن كل تلك الصعوبات التي أوضحناها ستدفع أوروبا للانسحاب من الاتفاق النووي بعد ادراكها تماماً عدم جدوى تمسكها بهذا الاتفاق؛ ما سيعني ضربة قوية لصورة أوروبا ودولها الثلاثة الكبار أمام الجماعة الدولية وسيظهرها بمظهر العاجز عن حماية مصالحها فضلاً عن تحقيقها وسيسهم في مزيد من التراجع لمكانة أوروبا الدولية لصالح الصين وروسيا اللذان يخوضان صراعاً كونياً مع سيادة النسق الدولي إلى الآن.
الاحتمال الثالث: التوصل إلى اتفاق نووي جديد في عهد الرئيس جو بايدن
يقوم هذا الاحتمال على إقناع أوروبا لإيران لأن تجلس من جديد على طاولة المفاوضات حتى تتوصل إلى اتفاق جديد يؤدي إلى إنهاء تلك الأزمة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن المؤخرة، ورفع الولايات المتحدة العقوبات عنها؛ ما سيمكن الشركات الأوروبية لأن تعود إلى السوق الأوروبي من جديد ربما مع دخول الشركات الأمريكية أيضاً بهدف طرد الشركات الصينية من هناك وخلق مصالح اقتصادية غربية ضخمة في إيران تجبرها على تغيير مسار سياساتها الإقليمية؛ حيث ستكون تابعة للاقتصاد الغربي، ولن يكون من مصلحتها أبداً معارضة المصالح الغربية في تلك الحالة بطبيعة الحال؛ حيث ستتعرض لخسائر كبيرة، ولكن في مقابل ذلك فإن إيران سيكون عليها التضحية بالكثير والكثير من أجل تحقق هذا الاحتمال؛ فمن حيث المبدأ لن تستطيع القيادة الإصلاحية الإيرانية الحالية أن تقنع المعارضة المحافظة حالياً بالدخول في مفاوضات واتفاق جديد مع الولايات المتحدة، علاوة على ذلك فإن الشروط الأمريكية لا يمكن أن تقبلها إيران بمحض إرادتها فتلك المطالب ستجعل إيران تتخلى عن كل سياساتها الخارجية تماماً، فسيتم إنهاء البرنامج الصاروخي الإيراني وإنهاء الدعم لحزب الله وغيره من الميلشيات الشيعية التابعة لها، علاوة على السماح لمفتشي الوكالة بدخول كافة المواقع الإيرانية التي يرغبون في دخولها دون أي تدخل إيراني، مع إيقاف كافة الأنشطة النووية، إلى جانب إيقاف تهديداتها لحلفاء الولايات المتحدة من المنطقة وبالأخص إسرائيل ودول الخليج العربي، وهي أمور لن تقبل بها طهران إلا مرغمة بالتأكيد فهي تمس أساسات سياساتها الخارجية ومشروعها الإقليمي في المنطقة وهو ما لن تقبل به طهران بطبيعة الحال.
إن هذا الاحتمال الأخير سيتوقف على مرونة أطراف النزاع ومدى قدرة الوساطة الأوروبية على إجبار الطرفين الإيراني والأمريكي على تقديم تنازلات مشتركة؛ بحيث يتم التوصل إلى حل وسط ينهي الأزمة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::5568::/cck::
::introtext::
يعد المشروع النووي الإيراني عقبة رئيسية تقف أمام نظام أمن الخليج، بل وأمن الشرق الأوسط ككل. ولعل التخوف من تأثير البرنامج النووي ومستقبل الاتفاق النووي وما ستُقدم عليها إيران من خطوت وفقًا للسيناريوهات المطروحة لعودة الاتفاق النووي لمسار التفعيل هي مسألة هامة بالنسبة للعديد من الدول الخليجية فيما يتعلق بمستقبل أمنها واستقرارها. ولا شك أن هناك صعوبة كبيرة في تحديد المسارات التي يمكن أن تسلكها إيران، لا سيما وأن تطوراتها لا تزال تتفاعل؛ فبعد الانسحاب الأمريكي في عهد الرئيس ترامب وتأزم المسألة، جاء الرئيس الجديد جو بايدن ليطرح مسألة إحياء الاتفاق النووي مما جعل كل الخيارات والاحتمالات مفتوحة.
::/introtext::
::fulltext::
يعد المشروع النووي الإيراني عقبة رئيسية تقف أمام نظام أمن الخليج، بل وأمن الشرق الأوسط ككل. ولعل التخوف من تأثير البرنامج النووي ومستقبل الاتفاق النووي وما ستُقدم عليها إيران من خطوت وفقًا للسيناريوهات المطروحة لعودة الاتفاق النووي لمسار التفعيل هي مسألة هامة بالنسبة للعديد من الدول الخليجية فيما يتعلق بمستقبل أمنها واستقرارها. ولا شك أن هناك صعوبة كبيرة في تحديد المسارات التي يمكن أن تسلكها إيران، لا سيما وأن تطوراتها لا تزال تتفاعل؛ فبعد الانسحاب الأمريكي في عهد الرئيس ترامب وتأزم المسألة، جاء الرئيس الجديد جو بايدن ليطرح مسألة إحياء الاتفاق النووي مما جعل كل الخيارات والاحتمالات مفتوحة.
ويشير إصرار إيران على الاحتفاظ بحقها في إنتاج الوقود النووي رغم كل الضغوط الأمريكية والدولية التي تتعرض لها أنها قد اتخذت قرارها الفعلي بدخول النادي النووي ويعزز هذه النزعة الموجودة لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية لتطوير صواريخ بالستية بعيدة المدى، وحق إيران بامتلاك الطاقة النووية. فسياسة إيران النووية تتسم بكثير من التعقيد والغموض ويمكن ربط ذلك بغياب سياسة أمنية واضحة المعالم، فليس هناك من خطوط واضحة لاستراتيجية إيران بشأن توجهاتها لتطوير الدورة الكاملة للتكنولوجيا النووية.
فمع تصريح الرئيس جو بايدن سواء أثناء حملته الانتخابية، أو بعد توليه الرئاسة بالعودة إلى الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرم في عهد الرئيس أوباما مع إيران في عام 2015م، ثم ألغته إدارة ترامب في عام 2018م، إذا امتثلت إيران لبنود الاتفاق. ورغم ذلك الإعلان، فلن تكون العودة للاتفاق بالأمر السهل، فالعقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضها ترامب على إيران، ثم إدراج الحرس الثوري الإيراني وحزب الله على لائحة الإرهاب ولائحة العقوبات الأمريكية إلى جانب عقوبات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان. قد دفع إيران للبحث عن البدائل للخروج من تلك الأزمة، وأتوقع عدم عودة إيران للاتفاق إلا بعد رفع الولايات المتحدة الأمريكية لتلك العقوبات. ونضيف إلى ذلك التصعيد الإيراني-الإسرائيلي بعد اغتيال العالم النووي الإيراني فخري زادة ومن قبله قاسم سليماني مما يضع عبء آخر على إدارة جو بايدن لأخذ ضمانات من إيران بعد الانتقام مستقبلاً من إسرائيل.
الرؤية الإيرانية للأزمة
اتخذ “دونالد ترامب في الثامن من مايو عام 2018م، قرارًا بالخروج من الاتفاق النووي مع إيران، معلنًا أن إيران تعتبر عاملاً مزعزعًا للاستقرار في الشرق الأوسط وأن النظام الإيراني يدعم الفوضى والإرهاب، وأنه الراعي الأكبر للإرهاب في المنطقة، فضلاً عن امتلاك أدلة لتطوير إيران لنظم صواريخ باليستية ونشرها في عدد من دول الشرق الأوسط. وبسبب انسحاب ترامب من الاتفاق النووي واتخاذ سياسة الضغط على إيران، فصدرت من القيادة الإيرانية مجموعة من ردود الأفعال، عكست الصراع الأيديولوجي والخصومة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، بل والتبرير الإيراني لاستمرارية أنشطتها العسكرية الدفاعية والصاروخية. وأن أي مرونة سيتم تقديمها من قبل إيران سيقابلها مزيدًا من الضغوط من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
وتتجسد العناصر لثقافة إيران الاستراتيجية التي تمس توجهها نحو امتلاك أسلحة نووية كالتالي:
1-اعتقاد شامل بالإسلام الشيعي بوصفه أساسًا وطيدًا للشرعية السياسية للنظام والهوية القومية للبلاد.
2- اعتقاد قومي بمركز إيران الشرعي بوصفها زعيمة للحضارة الإسلامية من حيث كونها جهة إقليمية مهيمنة.
3- إدراك متأصل بأن الولايات المتحدة ترغب في الهيمنة على الحضارة الإسلامية وتدميرها.
ومن ناحية أخرى، فإن الرؤية الإيرانية لمستقبل المفاوضات تستند إلى نقاط الضعف في الموقف الأوروبي وعناصر القوة التي تتمتع بها إيران والتي تتمحور حول عدة نقاط؛ أهمها افتقاد المباحثات إلى عناصر الثقة لاسيما وأن إيران يساورها القلق إزاء استقلالية قرار الترويكا عند التعامل مع الملف النووي الإيراني، كما أن تقدم إيران في مجال التقنية النووية ولاسيما في عمليات التخصيب يقلل من احتمالية الضغط على أطراف خارجية لوقوف تعاونها مع إيران في هذا المجال وتمتع إيران في الشرعية في برنامجها، إذ أن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية يتيح لأي دولة الطاقة النووية للأغراض السلمية.
ومن المهم الإشارة إلى أن خلال فترة الانسحاب الأمريكي والعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، فقد قامت إيران بإيجاد مسارات بديلة لتعويض تلك العزلة الاقتصادية، فكان للسياسة الإيرانية في التقارب بعض الدول الإفريقية؛ حيث يرجع اهتمام إيران بالمنطقة إلى مكانة الأخيرة استراتيجيًا في التجارة الدولية، ومحاولة إيران إيجاد موطئ قدم في الممرات المائية المهمة في القارة، لا سيما المحيط الأطلنطي، كما أن الإقليم من الناحية الاقتصادية يمثل مسرحًا للتنافس بين القوى الدولية والإقليمية للنفوذ والسيطرة على الموارد والثروات في المنطقة. ويمنح تحسين طهران لعلاقاتها مع دول القارة الإفريقية وبناء علاقات ثنائية مع دول إفريقيا ثقلًا لطهران على المستويين الإقليمي والدولي، حيث يرجع التمدد الإيراني في إفريقيا لكونها تمثل ثقلًا استراتيجيًا وجغرافيًا بجانب الكثافة السكانية لدولها، كما أنها رغبت في توسيع خارطة تحالفاتها الدولية بعد تأزم الاتفاق النووي مرة أخرى، وتوقيع الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس ترامب عقوبات اقتصادية على إيران وحلفائها. ومن ثم الرغبة الإيرانية في كسر العزلة التي فُرِضت عليها منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتبعتها سلسلة العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران.
كذلك تعزيز العلاقات مع باكستان كخطوة نحو تحالف إقليمي آسيوي بعد رد الفعل الباكستاني من الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي أيضًا، وقيام باكستان وإيران بتعزيز علاقاتهما ببعضهما البعض، مع تدعيم العلاقات مع روسيا والصين للاعتماد على دعمهم الاقتصادي والسياسي لتحقيق المشروعات الاقتصادية الطموحة التي تسعى كلاً من طهران وإسلام أباد لتحقيقها خاصة الممر الاقتصادي والذي يتكلف مليارات الدولارات.
ومن ثم من غير المتوقع أن تتنازل الصين ولا إيران أو باكستان عن تحقيق هذا المشروع، خاصة الصين؛ نظراً لاتساق هذا المشروع مع المبادرة الصينية حزام وطريق التي تستهدف عبرها السيطرة على الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر وقوف الصين إلى جانب باكستان ضد الاتهامات الأمريكية، إلى جانب وقوفها مع إيران ضد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، ومن ثم فإن التصرفات الأمريكية الأخيرة الموجهة ضد كلاً من باكستان وإيران قد تدفع كلاً منها إلى التعاون مع بعضهما البعض معتمدين على الدعم الصيني الروسي، خاصة وأن واشنطن تطالب إسلام أباد بأن تخفض علاقاتها مع الصين وإيران وروسيا والابتعاد عن المعسكر الشرقي والعودة للمعسكر الغربي، وهو أمر لن تقبل به باكستان على الأقل على المدى القصير؛ ما يعزز فكرة التحالف الآسيوي خاصة في ظل تواجد كل منهما في منظمة التعاون الاقتصادي ومنظمة شنغهاي (إيران كعضو مراقب).
الموقف الأوروبي من الاتفاق النووي ومحاولات الإنقاذ
تعد العلاقات الأوروبية الإيرانية من ضمن القضايا الشائكة بين أوروبا وحليفهم الرئيسي الولايات المتحدة الأمريكية، ودائماً ما كانت من نقاط الخلاف الرئيسية بينهم؛ حيث ترى الولايات المتحدة أن ذلك يخل باستراتيجيتها لاحتواء إيران والضغط على قيادتها لإجبارها على تنفيذ المطالب الأمريكية، إلا أن أوروبا دائماً ما كانت ترى أن السوق الإيراني يمكن أن يحتوي استثمارات كبيرة خاصة في مجال الغاز والنفط؛ ما يساعدها على التحرر من الهيمنة الروسية على الطاقة، ومن ثم فقد سعى الاتحاد الأوروبي خاصة دولتيه الكبرتين فرنسا وألمانيا إضافة إلى بريطانيا إلى التمسك بالاتفاق النووي الإيراني، والعمل على إنقاذه قدر الإمكان ومواجهة السياسة الأمريكية التي أضرت بشركاتهم داخل السوق الإيراني، خاصة مع الرفض الأمريكي لإعطاء أية استثناءات من العقوبات الأمريكية على أي شركة تتعامل مع النظام الإيراني.
ونلاحظ الحكمة الأوروبية في التعامل مع الملف النووي الإيراني؛ فبعكس الآراء التي سادت بعض أجنحة السلطة في الولايات المتحدة وإسرائيل التي طالبت بحل عسكري للأزمة كما حدث مع العراق من قبل؛ رأت دول الاتحاد أن سياسة العصا والجزرة هي الأفضل والتي ستمكن الجماعة الدولية على تحقيق هدفها؛ وتطبيقاً لذلك فقد بدأت أوروبا سياساتها تجاه الملف النووي الإيراني بالتفاوض والزيارات المباشرة ونجحوا في سبيل ذلك بإقناع إيران على الانضمام للملحق الإضافي التابع لمعاهدة الحد من الانتشار النووي، في مقابل اعترافهم بحق إيران في استغلال الطاقة النووية لأغراض سلمية، ولما لم تؤد تلك الخطوة إلى المطلوب واستمرار العناد الإيراني اتجهت دول أوروبا الكبرى بالتنسيق مع الولايات المتحدة بفرض عقوبات صارمة على الاقتصاد الإيراني ونجحوا في اقناع دول آسيا بتنفيذ تلك العقوبات مع استثناءات لهم كحافز على الالتزام بتلك العقوبات حتى تحقق المطلوب منها، وبالفعل نجحت الدبلوماسية الأوروبية فيما سعت إليه؛ فبعد سنة واحدة من العقوبات بدأت إيران تقدم التنازلات وتطلب من الدول الكبرى رفع العقوبات والعودة إلى طاولة المفاوضات، وهنا أيضاً نجحت الدبلوماسية الأوروبية في إجبار إيران على العودة للمفاوضات دون أن ترفع العقوبات؛ نظراً لأن إيران كانت الطرف الأضعف في مواجهة تلك الدول التي كانت تشكل معظم شركائها التجاريين في تلك الفترة، وبالفعل توصل الطرفان في النهاية إلى اتفاق جنيف الإطاري الذي تحول لاحقاً في 15 يوليو 2015م، إلى الاتفاق النووي الشهير والذي حاز على الإجماع الدولي بموافقة كل القوى الكبرى عليه، إلا أنه في المقابل فقد تسببت الدبلوماسية الأوروبية في بعض الضرر للمصالح الاقتصادية لدول أوروبا لدى طهران؛ حيث أن الموقف الأوروبي دفع بإيران لأن تذهب إلى الشرق الذي استغل الفرصة وبدأ في توسعة علاقاته الاقتصادية مع إيران مستغلاً الانسحاب الأوروبي الأمريكي من السوق الإيراني، وهو ما سينعكس لاحقاً على العلاقات التجارية الإيرانية مع دول العالم؛ كما سينعكس على العقوبات الأمريكية الجديدة على طهران، وهو ما سيدفعنا لمناقشة العلاقات الأوروبية الإيرانية وبخاصة الدول الأوروبية الكبرى بريطانيا وفرنسا وألمانيا وعلاقتهم مع إيران ما بعد الاتفاق النووي الإيراني، علاوة على موقفهم من الاتفاق النووي.
ورغم توقعات بعودة الولايات المتحدة الأمريكية للاتفاق النووي في عهد جو بايدن إلا أنه لايزال القرار الأمريكي الذي اتخذه الرئيس الأمريكي ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي سبباً في توتر الأجواء ما بين أوروبا والولايات المتحدة، وانعكس ذلك على العلاقات الاقتصادية ما بين الطرفين خاصة بين الثلاثة الكبار الذين وقعوا الاتفاق النووي عن أوروبا مع إيران على نحو ما أوضحنا، وهو ما جعل مستقبل الاتفاق النووي مع أوروبا في خطر، ففي ظل الموقف الأمريكي المتعنت فإن أمل أوروبا في جني مكاسب من السوق الإيراني أصبح ضئيل للغاية، وفي ظل عدم وجود مصلحة أخرى لدول أوروبا في هذا السياق قد يدفع ذلك بهم للانسحاب من الاتفاق، ومن هنا فإننا سنتناول مستقبل الاتفاق من جهة أوروبا ومدى إمكانية تخلي أوروبا عنه.
الاحتمال الأول: التمسك بالاتفاق النووي
يقوم هذا الاحتمال على تمسك أوروبا بالاتفاق النووي بشروطه الحالية واستمرار دعمها لموقف إيران من الاتفاق وتطمينها حتى لا تنسحب منه، ولكن هذا الاحتمال يتطلب من أوروبا أن تحقق مطالب إيران حتى لا تنسحب هي الأخرى من الاتفاق النووي الذي سيكون غير ذي قيمة في هذه الحالة، وتتمثل تلك المطالب في اتخاذ أوروبا إجراءات صارمة تدفع الشركات الأوروبية للعودة مرة أخرى إلى السوق الإيراني وعدم الاهتمام بالتهديدات الأمريكية؛ وهو ما سيتطلب تعويض تلك الشركات عن الخسارة الكبيرة التي ستتعرض لها في حال الانسحاب من السوق الأمريكي الكبير والغني بطبيعة الحال ولا يمكن مقارنته أبداً بالسوق الإيراني، من حيث الفرص المتاحة والإمكانيات وحجم السكان ومستوى دخلهم المرتفع مقارنة بإيران وسوقها الذي تهيمن عليه الشركات الآسيوية خاصة الصينية، ويعاني شعبها من انخفاض مستويات دخله، هذا إلى جانب قيام أوروبا بتقديم حزمة دعم اقتصادية عاجلة للاقتصاد الإيراني لإنقاذه من الانهيار الذي ينزلق إليه بسرعة بسبب القرارات الأمريكية الأخيرة، علاوة على ضمان أوروبا استمرار تدفق معدلات النفط الإيراني إليها في ظل انسحاب شركات الشحن الأوروبية وكذلك الشركات العامة في مجال اكتشاف وتكرير البترول من أوروبا؛ وبالتالي فإن إيران يبدو أنها قد نجحت في أن تجعل الاتفاق النووي مشكلة أوروبا وليس مشكلتها هي، وهو ما وضح بشدة في تصريحات الرئيس الإيراني الذي قال أن على أوروبا أن تثبت أنها راغبة في الحفاظ على الاتفاق النووي.
أما بالنسبة لاستمرار تدفق النفط الإيراني إلى أوروبا فإن ذلك قد يتم ولكن بتحايلات أوروبية إيرانية على العقوبات الأمريكية، وقد كانت إيران قد صرحت بأنها قد تسمح للشركات الخاصة بتصدير البترول الإيراني للخارج كسبيل للتحايل على تلك العقوبات، كما أنها حالياً تتبع أسلوب التخفي عبر إطفاء أجهزة الإرسال الخاصة بحاملات النفط الإيرانية إلى أوروبا حتى لا يتم رصدها من قبل أجهزة الملاحة الأمريكية، ولكن على أي حال فإن هذا الاحتمال كما ذكرنا تواجهه العديد من العقبات التي قد تحول دون تحققه وهو ما ينقلنا للاحتمال الثاني.
الاحتمال الثاني: انسحاب أوروبا من الاتفاق
يقوم هذا الاحتمال على الصعوبات التي كنا قد ذكرناها في الاحتمال الأول، فكما أوضحنا ليس لأوروبا مصلحة غير اقتصادية فيما يتعلق بالتعامل مع إيران، وهو ما فسر سرعة اجتياح الشركات الأوروبية للسوق الإيراني عقب رفع العقوبات، إلا أن هذا الاجتياح الأوروبي اصطدم بحائط الصد الآسيوي المدعم من أجهزة الدولة الإيرانية خاصة الحرس الثوري الإيراني الذي يملك إمبراطورية اقتصادية ضخمة في الداخل الإيراني، وهو ما ضرب بالآمال الأوروبية عرض الحائط، وأسفر عن مردود متواضع للتجارة مع إيران؛ ما يجعل الشركات الأوروبية مدركة تماماً أنها لن تجني أي مكسب إن استمرت في السوق الإيراني في مواجهة القرار الأمريكي؛ فهي لن تدخل في معركة سياسية ليس لها فيها أية مصلحة ولن تجني منها أي شيء سوى الخسارة الضخمة، من جانب آخر فإن الموقف الأوروبي قريب من الموقف الأمريكي فيما يتعلق بالتخوف من النشاطات العسكرية الإيرانية في منطقة الشرق الأوسط.
ومن ثم يمكن القول بأن كل تلك الصعوبات التي أوضحناها ستدفع أوروبا للانسحاب من الاتفاق النووي بعد ادراكها تماماً عدم جدوى تمسكها بهذا الاتفاق؛ ما سيعني ضربة قوية لصورة أوروبا ودولها الثلاثة الكبار أمام الجماعة الدولية وسيظهرها بمظهر العاجز عن حماية مصالحها فضلاً عن تحقيقها وسيسهم في مزيد من التراجع لمكانة أوروبا الدولية لصالح الصين وروسيا اللذان يخوضان صراعاً كونياً مع سيادة النسق الدولي إلى الآن.
الاحتمال الثالث: التوصل إلى اتفاق نووي جديد في عهد الرئيس جو بايدن
يقوم هذا الاحتمال على إقناع أوروبا لإيران لأن تجلس من جديد على طاولة المفاوضات حتى تتوصل إلى اتفاق جديد يؤدي إلى إنهاء تلك الأزمة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن المؤخرة، ورفع الولايات المتحدة العقوبات عنها؛ ما سيمكن الشركات الأوروبية لأن تعود إلى السوق الأوروبي من جديد ربما مع دخول الشركات الأمريكية أيضاً بهدف طرد الشركات الصينية من هناك وخلق مصالح اقتصادية غربية ضخمة في إيران تجبرها على تغيير مسار سياساتها الإقليمية؛ حيث ستكون تابعة للاقتصاد الغربي، ولن يكون من مصلحتها أبداً معارضة المصالح الغربية في تلك الحالة بطبيعة الحال؛ حيث ستتعرض لخسائر كبيرة، ولكن في مقابل ذلك فإن إيران سيكون عليها التضحية بالكثير والكثير من أجل تحقق هذا الاحتمال؛ فمن حيث المبدأ لن تستطيع القيادة الإصلاحية الإيرانية الحالية أن تقنع المعارضة المحافظة حالياً بالدخول في مفاوضات واتفاق جديد مع الولايات المتحدة، علاوة على ذلك فإن الشروط الأمريكية لا يمكن أن تقبلها إيران بمحض إرادتها فتلك المطالب ستجعل إيران تتخلى عن كل سياساتها الخارجية تماماً، فسيتم إنهاء البرنامج الصاروخي الإيراني وإنهاء الدعم لحزب الله وغيره من الميلشيات الشيعية التابعة لها، علاوة على السماح لمفتشي الوكالة بدخول كافة المواقع الإيرانية التي يرغبون في دخولها دون أي تدخل إيراني، مع إيقاف كافة الأنشطة النووية، إلى جانب إيقاف تهديداتها لحلفاء الولايات المتحدة من المنطقة وبالأخص إسرائيل ودول الخليج العربي، وهي أمور لن تقبل بها طهران إلا مرغمة بالتأكيد فهي تمس أساسات سياساتها الخارجية ومشروعها الإقليمي في المنطقة وهو ما لن تقبل به طهران بطبيعة الحال.
إن هذا الاحتمال الأخير سيتوقف على مرونة أطراف النزاع ومدى قدرة الوساطة الأوروبية على إجبار الطرفين الإيراني والأمريكي على تقديم تنازلات مشتركة؛ بحيث يتم التوصل إلى حل وسط ينهي الأزمة.
::/fulltext::
::cck::5568::/cck::
