روسيا لا ترغب في توسيع الحرب تجنبًا لتهديد مصالحها وحلفائها وتسعى لضبط التوازن

Russian,Federation,Flag,On,Russia,Map,Highlighted,By,Dramatic,Light.

Russian federation flag on Russia map highlighted by dramatic light. High quality photo

Getting your Trinity Audio player ready...

د. معالي محمد لطفي

مدرس العلوم السياسية ـ متخصصة في الشأن الروسي


ظل الشرق الأوسط ولفترة طويلة في قلب الاهتمام الأمريكي، لكن شكل فك ارتباط الولايات المتحدة بهذه المنطقة، جزءًا من استراتيجية منذ ولاية الرئيس باراك أوباما لتحويل تركيز واشنطن نحو تنافسها المتصاعد مع الصين، وقد أحيت هذه السياسة المنظور الأمريكي للمنطقة قبل عام 1990م، والذي جمع بين الحد الأدنى من الوجود العسكري، والاعتماد على الحلفاء الإقليميين للحفاظ على الاستقرار. وعلى الرغم من أن هذا لم يتحقق لأن الشرق الأوسط فرض نفسه على الأجندة الأمريكية خلال فترتي أوباما وترامب، غير أن إدارة الرئيس بايدن كانت تفخر بأن مشكلات الشرق الأوسط لم تثنها عن التحول نحو الشرق الأدنى، مع ذلك كانت عواقب هذه السياسة وخيمة على واشنطن والمنطقة، فقد أدى ذلك إلى تعرض النفوذ الأمريكي لتحديات رئيسية، أبرزها:

  1. تصاعد نفوذ إيران واقترابها من العتبة النووية:

أتاح تراجع الاهتمام الأمريكي بالمنطقة الفرصة لإيران لمد نفوذها الإقليمي، وتعزيز تواجدها على مشارف الممرات البحرية الاستراتيجية، وتشجعت على شن مزيد من الهجمات غير المباشرة ضد الأصول والقواعد الأمريكية في المنطقة. وبينما كانت سياسة إدارة بايدن الرئيسية عند دخوله البيت الأبيض هي إحياء الاتفاق النووي مع إيران لاحتواء طموح إيران النووي. لكن مع تعثر المفاوضات، عززت إيران من قدراتها على تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، وأصبحت قريبة من تخطي العتبة النووية، ليس هذا فحسب؛ بل أظهرت مزيدًا من التحدي للولايات المتحدة، من خلال دعمها لروسيا في حربها على أوكرانيا، وتعزيز تحالفها مع الصين وفنزويلا وكوريا الشمالية، ضمن سياسة ممنهجة لبناء تحالف مناهض للهيمنة الأمريكية على الساحة الدولية.

  1. توتر العلاقات مع بعض الحلفاء التقليديين:

دفعت سياسة واشنطن بحلفائها التقليديين إلى تبني سياسة أكثر استقلالًا عن واشنطن، وشرعت هذه الدول في تنويع شراكاتها الاستراتيجية. وبمرور الوقت، تزايدت الثقة بالنفس لدى الدول الرئيسية في الشرق الأوسط وقادتها، وتعمق إدراكهم أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة أو قادرة على التدخل لحل مشاكلهم، وأن عليهم أن يتعاملوا مع الأمور الإقليمية بأنفسهم. وكان هذا مقدمة للاتفاق السعودي-الإيراني، وإعادة دمج سوريا في منظومة العمل العربي، وعكست هذه التحولات تغييرًا حادًا في نهج القوى الإقليمية وفي مقدمتها السعودية، حيث عززت نهج التفاوض وخفض التصعيد كبديل للمواجهة، وتابعت سياساتها النفطية الأكثر ارتباطًا بمصلحتها الوطنية، بعيدًا عن الاعتبارات الأمريكية، وظهر جليًا أنه لأول مرة منذ عام 1990م، تشهد المنطقة تحولات مهمة بدون مشاركة من الولايات المتحدة.

  1. السياسة النفطية المستقلة لدول الخليج:

برز الحول الأكبر في هذا السياق في منطقة الخليج الذي مضي قدمًا في استراتيجية تنويع شراكاته الخارجية مع القوى الكبرى من منظور المصالح الوطنية. إلى جانب تمسك الرياض بالشراكة النفطية مع موسكو، استطاعت دول الخليج خلق هوية جيوسياسية جديدة لها وتعزيز استراتيجية التحوط من تراجع الدور الأمريكي في المنطقة، فضلاً عن تحويل الحرب إلى فرصة لإعادة تشكيل الشراكة مع الولايات المتحدة على قواعد جديدة تقوم على المنافع المتبادلة. وكان لتخارج واشنطن من المنطقة أثرًا سلبيًا على نفوذها فيما يتعلق بمجال النفط، إذ في ظل تراجع الشراكة الاستراتيجية مع دول الخليج، فإنها بحثت عن مسار خاص بها على صعيد الاقتصاد وتنويع المصادر والعلاقات. وقد مثل رفض السعودية والإمارات الاستجابة للضغوط الأمريكية بزيادة إنتاج النفط للحد من ارتفاع الأسعار بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، انزعاجًا كبيرًا لواشنطن، حيث أدركت خطأ حساباتها في هذا الملف.

  1. تنامي نفوذ الصين وروسيا

رغم اتفاق رؤية موسكو وبكين بشأن ضرورة تغيير قواعد النظام الدولي الحالي والانتقال إلى نظام أكثر إنصافًا، ورغم اعتبارهما الشرق الأوسط إحدى الساحات المحورية التي يعاد على مسرحها صياغة معادلات النفوذ وتغيير موازين القوى بين القوى الكبرى، ومن ثم ميلهما لإقامة علاقات تعاونية وتكاملية في المنطقة، إلا أن هذا لا يعني غياب الميول التنافسية وتباينات المصالح التي قد تبرز خلال مراحل لاحقة. وعليه، تخشى موسكو من أن يدفع أي تصعيد إقليمي بدور أكبر لبكين في الشرق الأوسط على غرار العمل كوسيط لتحقيق التقارب بين المملكة العربية السعودية وإيران، والتوصل إلى اتفاق بين حماس وفتح وعشرات الفصائل الفلسطينية الأخرى، ما يثير حساسيات بشأن التعدي على نفوذها في الشرق الأوسط.

فقد وجدت الصين فرصة تاريخية لأن تمد نفوذها إلى المنطقة، ويصبح الشرق الأوسط جزءًا من التنافس الجيوسياسي والجيواقتصادي مع واشنطن على المسرح الدولي، فعلاوة على المبادرات الاقتصادية مثل مبادرة الحزام والطريق، فقد أثمرت الجهود الصينية عن الوصول إلى اتفاق لتطبيع العلاقات بين إيران والسعودية في مارس 2023م، وهو الاتفاق الذي غير ديناميات الصراع في المنطقة بصورة كبيرة، وترك الولايات المتحدة أمام تحدي تراجع تأثيرها الإقليمي، وخسارة حلفاء مؤثرين في مواجهة إيران، وفقدان المكانة الاقتصادية في المنطقة لصالح الصين. ولهذا شكلت الصين تحديًا للدور، الذي تلعبه الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، باعتبارها وسيط القوة الخارجي الرئيسي في الشرق الأوسط، كما شجع تراجع الحضور الأمريكي على ظهور جهات فاعلة سعت إلى ملء الفراغ الأمني، كتركيا التي وسعت من عملياتها العسكرية في سوريا والعراق وطال نفوذها لبنان، كما وصل حضورها العسكري منطقة الخليج، وتدخلت روسيا في الصراع في سوريا ونجحت في تغيير موازين القوى لصالحها في مواجهة واشنطن، علاوة على ذلك، أضافت الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل حزب الله في لبنان والمتمردين الحوثيين في اليمن والقوات الكردية في سوريا، المزيد من التعقيد إلى المشهد الجيوسياسي.

روسيا:

تسعى روسيا لفرض نفسها على النظام العالمي كقوة كبرى تتحدى هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، وترى في الشرق الأوسط ميداناً مناسباً لاستعراض مقومات القوة المختلفة، وقد عزز من هذا التوجه قناعة موسكو بأن انسحاب الاتحاد السوفييتي من المنطقة إبان رئاسة ميخائيل جورباتشوف كان إيذاناً بانهياره كقوة عظمى.

 علاوة على ذلك، فإنه لا يمكن إغفال الرابط بين عودة روسيا إلى الشرق الأوسط، وتطور الأحداث في البحر الأسود منذ عام 2014م، وتحديداً في أعقاب ضم موسكو لشبه جزيرة القرم وتنظيمها استفتاءً على وضع الجزيرة ترتب عليه انضمامها رسمياً لها في مارس 2014م. إذ سعت روسيا إلى إقامة علاقات جيدة مع دول الشرق الأوسط، هادفة إلى جذب استثمارات من المنطقة وكسر عزلتها الإقليمية ومواجهة العقوبات الدولية التي فرضت عليها آنذاك.

تداعيات الحرب الروسية / الأوكرانية على الشرق الأوسط:

  • في حين أن الحرب الروسية / الأوكرانية عززت مسارات إقليمية كانت قائمة بالفعل في فترة ما قبل الحرب، فإن تأثيرها العميق برز بشكل أكبر على علاقات الخليج بالولايات المتحدة وعلاقات إيران بالغرب وروسيا.
  • تراجع الوجود العسكري الروسي في سوريا وما شكله من فرصة لإيران لتعزيز حضورها في هذا البلد.
  • اضطراب العلاقات الروسية / الإسرائيلية الذي يعمل بشكل متزايد على تقييد قدرة إسرائيل على مواصلة جهودها لاستهداف الوجود العسكري الإيراني في سوريا.
  • تحول سياسة تركيا تجاه دمشق نتيجة لتنامي شراكتها مع روسيا.
  • الاتجاه العربي المتزايد لإعادة العلاقات مع نظام الرئيس بشار الأسد.

ومع وقوع أحداث “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر2023م، ارتأت الولايات المتحدة أنه تهديد وجودي لحليفتها الاستراتيجية إسرائيل، صحيح أنه هناك التزام أمريكي مطلق وثابت بدعم إسرائيل، لا فرق في ذلك بين إدارة جمهورية وأخرى ديمقراطية؛ لكن انفردت إدارة بايدن بتصريحات غير مسبوقة من قبل مثل إنه لو لم تكن هناك إسرائيل لحرصت الولايات المتحدة على إقامتها، وتأكيده أكثر من مرة أنه صهيوني وإن كان غير يهودي. ثم أكمل وزير خارجيته أنتوني بلينكن الحلقة عندما زار إسرائيل بعد أيام قليلة من وقوع عملية طوفان الأقصى، قائلًا إنه أتى إسرائيل بصفته يهوديًا. وفى مثل هذا السياق، الذي تختلط فيه الأيديولوجيا بالمصالح، والدين بالسياسة الخارجية استخدمت إدارة الرئيس بايدن كافة الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية لتأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات الإرهابية التي تتعرض لها، وزادت بأن انخرطت انخراطًا عسكريًا مباشرًا في الصراع. ووفرت الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي لتحقيق هذا الهدف والتزمت الولايات المتحدة بتأمين المساعدات العسكرية لإسرائيل، وبالفعل قامت إدارة بايدن بمد إسرائيل بصواريخ القبة الحديدية للدفاع الجوي، والقنابل ذات القطر الصغير، ومعدات JDAM، التي تحول القنابل غير الموجهة إلى أسلحة موجهة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS). والطائرات المقاتلة من طراز F-35، وطائرات الهليكوبتر من طراز CH-53 الثقيلة، وناقلات التزود بالوقود الجوي من طراز KC-46، كما طلبت إدارة بايدن من الكونجرس مساعدات إضافية بـ 14 مليار دولار لإسرائيل.

وفى أعقاب إقدام المقاومة الإسلامية في العراق على استهداف قاعدة البرج ٢٢ على حدود الأردن مع سوريا في يناير 2024م، قامت الولايات المتحدة بالإغارة على مواقع بعض فصائل هذه المقاومة داخل العراق. وفي حين أطلقت إدارة بايدن يد إسرائيل في التعامل مع كلٍ من ملفي غزة ولبنان؛ فإنها أدت دورًا أساسيًا في ترشيد الردود العسكرية الإيرانية ضد إسرائيل، وكانت لغة الإدارة الأمريكية أكثر من واضحة في تأكيد الالتزام التام بالدفاع عن إسرائيل لو اندلعت حرب بينها وبين إيران.

موقف الصين من طوفان الأقصى:

رغم موقف الصين الثابت من القضية الفلسطينية فإنها لا تمتلك رصيدًا من الانخراط التاريخي في المنطقة على المستوى السياسي وهذا يقيد حركتها، فضلًا عن ذلك ترتبط الصين بعلاقات جيدة بكل من إسرائيل وإيران، وهذا يشكل قيدًا آخر.

رؤية روسيا لطوفان الأقصى

فإنه بقدر المكاسب التي حملتها عملية “طوفان الأقصى” وتبعاتها العسكرية في قطاع غزة للمصالح الروسية، من خلال تحويل انتباه الغرب ولا سيما الولايات المتحدة، ولو بشكل جزئي، بعيدًا عن الجبهة الأوكرانية التي اعتمدت بشكل أساسي على الإمدادات العسكرية والاقتصادية الغربية، وإظهار ازدواجية المعايير الغربية، ومحاولة لعب دور وساطة وطرح نفسها كوسيط وشريك دبلوماسي أكثر موثوقية وحيادية بغرض تأكيد دورها كفاعل رئيسي في الشرق الأوسط؛ إلا أنها لا ترغب في اتساع نطاق الحرب وامتدادها إلى دول أخرى بالمنطقة تجنبًا لتهديد مصالحها الاستراتيجية. وتسعى روسيا لضبط التصعيد منعًا لانفلات الأوضاع بما يفرض صيغًا إقليمية وتوازنات مغايرة لمعادلة النفوذ القائمة التي حصلت بموجبها موسكو على نفوذ سياسي وعسكري تمثل سوريا ركيزته الأساسية، ويقوم على أساس التوازن بين القوى الإقليمية الرئيسية المتنافسة.

ويمكن تفسير ضعف الموقف الروسي إزاء طوفان الأقصى في ضوء الحسابات المعقدة التي كان على موسكو أن تقوم ببناء موقفها على أساسها:

–  فتح جبهة جديدة لقواتها: لا ترغب موسكو في رؤية قواتها المتمركزة بالشرق الأوسط وبالأخص داخل قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية في مرمى معركة جديدة تؤدي لتشتيت المجهود الحربي الروسي، بينما لا تزال الجبهة الأوكرانية مفتوحة. لذلك تبقى المخاوف الروسية قائمة بشأن تعرض مصالحها للتهديد العسكري المباشر ما يجبرها على الانخراط في المعارك.

–  انهيار حلفائها في الشرق الأوسط: تحرص موسكو على هندسة رد الفعل الإيراني بحيث لا يتجاوز رد الاعتبار، انطلاقًا من إدراكها فداحة تكاليف ومخاطر اندلاع حرب بالشرق الأوسط بين إيران وإسرائيل ما يعني فقدان موسكو حليفًا إقليميًا مهمًا عمل كمورد عسكري منذ اندلاع الحرب الأوكرانية عندما زودتها طهران بمسيرات وصواريخ باليستية، كما ساهم تحالفهما الاستراتيجي في تحسين القدرة الروسية على تحمل العقوبات الدولية، وأنه في حال اندلاع حرب إقليمية ربما تطلب إيران دعمًا عسكريًا روسيا يتضمن الحصول على أنظمة الدفاع الجوي الروسية المتقدمة والمقاتلات الحديثة، بينما تبدو قدرة روسيا على تقديمه محدودة خلال الوقت الراهن.

–   احتمالات تحول سوريا لساحة صراع مباشر أو بالوكالة ربما تدفع إسرائيل لتدمير نظام حليف استثمرت روسيا الكثير سياسيًا وعسكريًا لتثبته، ويسمح بتوسع النفوذ الغربي داخل سوريا ومن ثم يفقد موسكو دولة تشكل ركيزة أساسية لنفوذها الاستراتيجي في الشرق الأوسط، كما قد يضطر حزب الله اللبناني حال نشوب حرب واسعة مع إسرائيل إلى استدعاء جزء من مقاتليه الموجودين الآن في سوريا إلى لبنان، بما يضعف الجماعات الداعمة للحكومة السورية في مواجهة خصومها الداخليين من فصائل وميليشيات معارضة، ومن ثم زعزعة استقرار حكومة الأسد.

–   اختلال التوازن في العلاقات مع إسرائيل: أقامت روسيا علاقات متوازنة مع إسرائيل منذ انتهاء الحرب الباردة ومنحت إسرائيل قدرًا كبيرًا من حرية العمل في السماء السورية لتقويض التخندق الإيراني العميق على الأراضي السورية عبر إنشاء آلية إسرائيلية / روسية لفض النزاع منعت بشكل فعال حالات النيران الصديقة، وذلك رغم علاقتها الاستراتيجية بإيران والإيجابية بوكلائها الإقليميين مثل حزب الله وحماس والحوثيين، لكن حربًا إيرانية/  إسرائيلية سوف تخل بالتوازن القائم وتضطر روسيا للاصطفاف إلى جانب الأولى بما قد يدفع إسرائيل لتقديم دعم مباشر لأوكرانيا وهي التي تبنت سياسة “التوازن الحذر” مكتفية بتقديم المساعدات الإنسانية والإمدادات المحدودة من أنظمة الإنذار بالغارات الجوية إلى الجانب الأوكراني دون الانسياق لمطالب كييف بتزويدها بالدبابات وأنظمة الدفاع الجوي، وفرض عقوبات على روسيا أو قطع العلاقات الدبلوماسية معها، وذلك رغم الهزة التي اعترت العلاقات الروسية الإسرائيلية نتيجة الحرب ولاسيما بسبب علاقات التعاون الدفاعي بين روسيا وإيران.

–   الإضرار بالعلاقات الروسية / الخليجية: تنصرف سياسة الموازنة الروسية إلى العلاقات بدول الخليج، التي ارتفعت إلى مستويات أكثر رسوخًا بعد الحرب الأوكرانية في ظل التوجه الاستراتيجي الخليجي لتنويع الشراكات الدولية، والمصالح الاقتصادية بين روسيا والسعودية والإمارات داخل تجمع “أوبك بلس”. وعلى غرار الحالة الإسرائيلية، فإن الانحياز الروسي المحتمل لإيران خلال أي مواجهة إقليمية يضر بالمصالح الروسية مع الخليج، لا سيما أن بعدها الاقتصادي يكتسب أهمية كبيرة لتخفيف وطأة العقوبات الغربية؛ إذ لعبت أطراف خليجية دورًا في تسهيل الالتفاف على العقوبات، كما تعد دول الخليج أحد المصادر الرئيسية للاستثمار في روسيا، حيث تستحوذ السعودية والإمارات وقطر على نصيب كبير من إجمالي حجم الاستثمارات العربية داخل روسيا، ويتركز معظمها في قطاعات الغاز والنفط والعقارات والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والغذاء.

– زيادة الحشد العسكري الأمريكي: بلغت الحشود العسكرية الأمريكية بالشرق الأوسط مستويات غير مسبوقة فهي الأضخم من حيث التجهيزات والقدرات القتالية منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م، كما أنها تعد أكبر تجمع للقدرات البحرية والجوية الأمريكية في التاريخ الحديث، كونها تتضمن حاملات طائرات وغواصات نووية مجهزة بصواريخ هجومية ومقاتلات من أحدث الطرازات وسفن تجسس واستطلاع، بما يخل بمستوى “التكافؤ الاستراتيجي” مع الولايات المتحدة الذي تسعى موسكو لترسيخه في الشرق الأوسط من خلال تعزيز وجودها الدفاعي على أساس الوصول إلى القواعد العسكرية والعمل كمورد رئيسي للسلاح لدول المنطقة وتوظيف قواتها شبه العسكرية مثل فاجنر.

الخاتمة:

تعتبر عملية طوفان الأقصى زلزالًا استراتيجيًا وجيوسياسيًا ضرب الشرق الأوسط، وربما لأول مرة منذ عقود طويلة، تحتل القضية الفلسطينية مكانةً بارزةً دوليًا وقد وجدت الولايات المتحدة نفسها بعده أمام تطورات دراماتيكية لا تصب بالضرورة في صالحها، بل خلقت العملية واقعًا معقدًا ومتشابكًا بصورة غير مسبوقة، إذ عكست «طوفان الأقصى» مسار الاستقرار الإقليمي، الذي كان مهمًا لتركيز الجهود الأمريكية بدلاً من التركيز على احتواء الصين، كما وضعت التطورات واشنطن في مواجهة واسعة النطاق مع إيران بدلًا عن احتوائها. وتخوض الولايات المتحدة هذه المواجهة دون حلف إقليمي متماسك، كما كان في السابق، ولا حتى حلف دولي على غرار التحالف المنعقد ضد روسيا في حربها ضد أوكرانيا. بل على العكس لم تتجاوب دول الخليج-باستثناء مملكة البحرين-مع دعوة الولايات المتحدة في 18ديسمبر ٢٠٢٣م، لتشكيل قوة حارس الازدهار البحرية بهدف التصدي للهجمات الحوثية التي تستهدف السفن التجارية من إسرائيل وإليها عبر البحر الأحمر. وهو ما يعد موقفًا جديدًا إذا ما قمنا بمقارنته بالموقف الخليجي في القمة الأمريكية / الإسلامية / الخليجية بالرياض في مايو ٢٠١٧م، وقوامه الموافقة على تشكيل «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي» الذي كان من أهدافه محاربة الإرهاب، في إشارة غير مباشرة للتهديدات الإيرانية ضمن أنواع أخرى من التهديدات. ويرجع هذا الاختلاف إلى أنه بين عامي ٢٠١٧ و٢٠٢٣م، تغيرت أمور كثيرة، منها عودة العلاقات الخليجية الإيرانية، وتبني الدول الخليجية سياسة قوامها تحقيق نوع من التوازن في علاقاتها بكلٍ من إيران والولايات المتحدة.

كذلك تأكدت المواقف غير الفاعلة لكلٍ من روسيا والصين في التأثير في مجريات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وامتداداته لعدة ساحات عربية، ناهيك عن الساحة الإيرانية؛ إذ مثل الدعم السياسي والدبلوماسي للفلسطينيين والدعوة للالتزام بالقرارات الدولية جوهر الموقفين الروسي والصيني؛ ما يجعل هناك فجوة كبيرة بين هذين الموقفين والموقف الأمريكي

ومن ثم فقد أتت حرب غزة لتثبت أن مرحلة التعددية على قمة النظام الدولي لم تتحقق بعد، رغم كل محاولات تقليص النفوذ الأمريكي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *