اختراق شبكة إيران الإقليمية باحتواء الدول الأم للتنظيمات أعضاء الشبكات وليس تأييدها
Al-Yassin 105 Anti-Tank Rocket, The Zionists' Nightmare In Gaza! International Al-Quds Day, showing a Palestinian man holding an RPG. Iran Tehran, April 5, 2024
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


سامح راشد
خبير في الشؤون الإقليمية، الأهرام ــ مصر
على وقع الضربات المتتالية التي تعرضت لها، ولا تزال، تمر التنظيمات والمجموعات الموالية لإيران في المنطقة بحالة انضغاط شديدة. مصدرها “هزيمة” عسكرية كاملة، يتضافر معها انهيار اقتصادي، إثر التراجع في التمويل وانحسار الموارد الاقتصادية المتاحة أمام التنظيمات الموالية لطهران. ومع تعرضها لضربات عسكرية وسياسية قوية بواسطة تل أبيب وواشنطن، تقلّصت قدرات طهران على توفير غطاء سياسي داعم لتلك التنظيمات الموالية، سواء بشكل مباشر أو عبر حلفاء مشتركين مثل روسيا أو الصين.
ومن النتائج المباشرة لذلك التراجع الشامل في الشبكة الإيرانية بالمنطقة، انحسار فعالية التأثير عن كل المجموعات والتنظيمات الموالية لإيران أو المتوافقة معها. وهو ما انعكس بوضوح في امتناع تلك التنظيمات عن التدخل في المواجهة بين إسرائيل وإيران. سواء كان الامتناع طوعاً أو إجباراً.
تستند معادلة العلاقة الارتباطية بين إيران وأذرعها الإقليمية، على الولاء التام وتبعية تلك الأذرع لإيران. مقابل دعم عسكري واقتصادي ولوجستي وسياسي من جانب طهران. عناصر تلك المعادلة تغيرت، حين قررت إسرائيل تكسير أصابع تلك الأذرع الإيرانية تباعاً، بدءاً بالقضاء على الصفوف القيادية العليا والوسطى في “حزب الله” اللبناني. فكان في سكوت إيران عن تلك الضربة القاصمة للحزب، والتغاضي عن عملية إسقاط نظام بشار الأسد، جرس إنذار لوكلاء إيران وحلفائها الإقليميين. وترتب على ذلك اهتزاز العلاقة بين المركز (طهران) والأطراف (الأذرع والوكلاء).
ومن مظاهر ذلك التراجع، ردود فعل حزب الله الحذرة تجاه سقوط نظام بشار الأسد والقضاء على نفوذ طهران في سوريا، ثم صمته الكامل إزاء الضربات القاسية التي تعرضت لها إيران بشكل مباشر من إسرائيل وأمريكا. وبينما باشرت طهران مفاوضات مباشرة مع الترويكا الأوروبية، وجرت محاولات لاستئناف مفاوضات مماثلة مع واشنطن، بدا أن جماعة الحوثي لديها تصميم على استهداف الملاحة في مدخل البحر الأحمر وإرسال صواريخ ومسيرات إلى تل أبيب. وتشير تلك التطورات لحدوث انفصال ولو جزئي أو استقلالية نسبية في قرارات وتحركات أذرع إيران الإقليمية، وبصورة غير محددة حتى الآن.
فرص عربية مشروطة:
في مستجدات العلاقة بين طهران ووكلائها الإقليميين، فرص متاحة للاستفادة عربياً وتصحيح اختلالات التوازن الإقليمي. وهو ما لا يتعارض مع مصالح طهران ولا يُضر بمستقبل التنظيمات والكيانات الموالية لها. بل على العكس، من شأن الدخول العربي على الخط، أن يساعد على ضبط تلك العلاقة بشكل متوازن، ربما يعيد الأمور إلى نصابها في النظام الإقليمي، بفاعليه وتفاعلاته.
وتحرياً لذلك التوازن بين الجانبين، يجب العمل عربياً على كل منهما، إذ هي فرصة مزدوجة الاتجاه. اتجاه نحو التقارب مع إيران أو بالأحرى احتوائها إقليمياً. والاتجاه الآخر، الانفتاح على الكيانات الموالية لها.
في الاتجاه الأول، ينبغي على الدول العربية توسيع مجالات التقارب وتنشيط التفاهمات مع طهران. على الأقل في ملفات محددة قابلة للتوفيق والتفاهم حولها بين إيران ودولة أو أكثر من الدول العربية. وفي التقارب الذي ظهرت بوادره بين مصر وإيران في الربع الأول من هذا العام (2025م) مؤشر واضح إلى إمكانية توجيه العلاقة بين إيران وجيرانها من الدول العربية، بشكل إيجابي ومدروس. وفي مذكرة التفاهم التي أبرمت قبل أعوام ثلاثة بين طهران والرياض، نموذجاً جديراً بالتفعيل والتكرار مع دول عربية أخرى.
الاتجاه الثاني، إنهاء القطيعة والعزلة المفروضة على التنظيمات والكيانات الموالية لطهران في المنطقة. واستيعابها ضمن حزمة الأطراف والفواعل الموجودة في النظام الإقليمي، ولتنضم كذلك إلى المكونات الداخلية المعترف بها في دولها.
على أن تسير تلك التوجهات العربية الإيجابية، سواء تجاه إيران أو وكلائها الإقليميين، وفق آلية “خطوة مقابل خطوة” حتى لا تتحول المسألة إلى تنازلات عربية مجانية. ربما يكون الأمر أسهل نسبياً مع حلفاء / وكلاء إيران، فتلك الكيانات تندرج ضمن الفاعلين من غير الدول، ورغم خصوصية كل منها، ثمة مشكلات مشتركة يمكن للدول العربية معالجتها وخلق مساحات من خلالها للتفاهم. ومن أهم تلك المشكلات، افتقاد معظم تلك الكيانات للمشروعية السياسية والقانونية، بل والمجتمعية أيضاً. فربما “حزب الله” اللبناني هو التنظيم الوحيد الذي يتمتع بمشروعية قانونية وشرعية سياسية معترف بها داخلياً وخارجياً. لكن لا شرعية ولا مشروعية لقدرات الحزب العسكرية. أما جماعة الحوثي “أنصار الله” وفصائل “الحشد الشعبي” في العراق وكذلك بعض الأذرع الإيرانية في سوريا مثل “زينبيون” و”فاطميون” وغيرهما، فلا مشروعية قانونية ولا شرعية سياسية أو مجتمعية لأي منها. ولكل من حكومات تلك الدول (اليمن والعراق وسوريا) الحق في تأسيس شرعية ومنح مشروعية لتلك التنظيمات، مقابل انخراطها في الحياة السياسية والعامة وفقاً لمحددات وقواعد العمل السياسي والمجتمعي في كل دولة. وفي كل الأحوال يجب أن يكون دمج تلك الكيانات في الحياة العامة والحزبية، مشروط بالتخلي عن السلاح وممارسة العمل العام سلمياً فقط.
ولاعتبارات عملية، لابد من الإقرار بأن تلك العملية لا تحتاج فقط إلى قرار حكومي على مستوى كل دولة، وإنما تستلزم أيضاً مساندة عربية وإرادة مشتركة لتحقيق هذا الغرض بما يتضمنه من خطوات متعددة، على الأقل في مراحله الأولى. لتحقيق حد ملائم من الثقة المتبادلة.
وإذ ليس من المتصور أن ترفع إيران يدها كلية وبشكل كامل عن تلك التنظيمات الموالية لها، على الأقل بشكل عاجل؛ فثمة ارتباط عضوي بين مسار الانفتاح العربي على تلك التنظيمات ومسار التفاهم مع الدولة الراعية لها، إيران. وفي ذلك المسار ملفات كثيرة تتقاطع فيها أوجه التوافق والتعارض بين طهران والدول العربية. وتلك الشبكة الإيرانية أحد أبرز وأهم تلك الملفات. لكن لأنه ليس الوحيد، فإن تفعيل منطق التنازلات المتبادلة للتوصل إلى تفاهمات مع طهران، من شأنه تسهيل حلحلة ذلك الملف وفتح مداخل للدول العربية بخصوصه.
عوامل مؤثرة:
- موقف إيران:
ليس من الواقعية بمكان، افتراض أن تقبل إيران تفكيك شبكتها الإقليمية، أو أنها مستعدة طوعاً لعمل مقايضة ولو جزئية لتلك الشبكة “أطرافاً وأدواراً”. ومن ثم، فإن العمل على تليين موقف طهران، هو مسار داعم للتوجه الأساس المتمثل في التحرك نحو التنظيمات والأذرع الإيرانية ذاتها.
ويجب هنا إدراك أن طهران، رغم خذلان وكلائها في غير موضع، لا تزال متمسكة بتبعية أعضاء الشبكة لها. حيث تقوم بتعزيز إمداداتها التسليحية والمالية لهم، وهو ما يتضح من استمرار العمليات المنسوبة إليهم. منها مثلاً استهداف “الحشد الشعبي” للمنشآت النفطية في كردستان العراق. فبعد ثلاثة أيام فقط من وقف النار بين إسرائيل وإيران، اعترضت الحكومة اليمنية الشرعية في مدخل البحر الأحمر شحنة أسلحة ضخمة متجهة من إيران إلى الحوثيين.
وفي سوريا قامت السلطات السورية الجديدة بتوقيف ومنع تهريب كميات كبيرة من الأسلحة الإيرانية كانت متجهة إلى حزب الله، فضلاً عن تتبع التدفقات المالية من طهران إلى الحزب عبر العراق.
ب-تعقيدات داخلية في بلدان الوكلاء:
سبق إيضاح أن أحد الأسباب الجوهرية لارتماء بعض التنظيمات في أحضان إيران، وضعية كل منها الداخلية في بلده والتركيبة المجتمعية والسياسية فيها. ورغم حدوث تطورات جوهرية وأحداث مهمة وصلت إلى حد التغير الجذري في الأوضاع السياسية والأمنية، سواء في سوريا أو اليمن أو العراق أو لبنان، إلا أن السياق الداخلي في كل من تلك البلدان، لا يزال يشكل عائقاً حقيقياً أمام حضور عربي. وخصوصاً إذا تعلق بتواصل وانفتاح على مكونات داخلية.
جـ_ قيود ذاتية وخارجية:
حتى يمكن الحديث بشكل عملي عن تحرك أو دور عربي نحو التنظيمات الموالية لإيران، ينبغي التعامل مع بعض العوامل التي ربما تقيده أو تؤثر على فعاليته. بعض تلك العوامل مشترك وعام، مثل التباين المذهبي بين معظم الدول العربية وكل من الحوثيين و”حزب الله” و”الحشد الشعبي”. وبعضها تختص به دولة ما أو دول بعينها. مثال ذلك وطأة الوضع الاقتصادي في مصر والجزائر والسودان. إذ ينعكس على قدرات أي من تلك الدول في إيجاد روابط مصلحة مع وكلاء وأذرع إيران الإقليمية. إذ يمثل الدعم الاقتصادي واستمداد الموارد لكل منها مُوجهاً أساسياً لحركتها وتحالفاتها.
إلى جانب العامل الاقتصادي، تتسم سياسات بعض الدول العربية بدرجة معتبرة من التحفظ الشديد إزاء أي توجهات تتماس مع قضايا داخلية في دول أخرى. حتى وإن كانت تلك القضايا (كما هو الحال مع وكلاء إيران) تكاد تقتصر على دور تدخلي لتلك الكيانات خارج حدودها.
ثمة عامل آخر يتداخل في تشكيل مواقف تحفظية عربية، وهو العلاقة مع القوى الكبرى وكذلك مع إيران ذاتها. حيث تتحسب بعض الدول لردود الفعل الخارجية المحتملة على أي تحرك أو خطوة إقليمية، خشية التأثير على العلاقات الثنائية لهذه الدولة أو تلك مع واشنطن أو باريس أو موسكو أو حتى طهران. وينطبق التحليل ذاته على حسابات وتقديرات كل من الدول العربية لانعكاس هكذا خطوة على الميزان الإقليمي، من زاوية زيادة أو تراجع وزن ونفوذ كل منها في الإقليم، جراء التقارب مع حلفاء إيران والانفتاح على أعضاء شبكتها الإقليمية.
مسارات التحرك:
- دعم الدولة الوطنية:
أولى خطوات اختراق شبكة إيران الإقليمية، هي دعم حكومات الدول الأم للتنظيمات الأعضاء في تلك الشبكة. وليس الدعم بمعنى التأييد الكامل والمطلق، وإنما بتعزيز قدراتها (العسكرية خصوصاً) كما هو واضح في حالتي لبنان واليمن، ثم العراق بدرجة أقل. مع ضمانات من تلك الحكومات، مقابل الدعم العربي، بتبني سياسات وإجراءات تتيح لتلك التنظيمات والأذرع الإيرانية، البقاء الآمن ومساحة مشروعة للعمل السياسي والتواجد في المجال العام.
على أن يكون هذا التوجه جزءاً من مسار أشمل لتعزيز قوة وسيادة ورسوخ الدولة الوطنية في كل حالة. بما تتضمنه من مؤسسات رسمية وكيانات سيادية. لتثبيت مناخ عام بأولوية الدولة كهوية أساسية ووحيدة لكل مواطن وكل تنظيم أو كيان داخلها. على أن يكون ذلك بمثابة عقد اجتماعي متبادل بين الحكومة كطرف ومختلف مكونات المجتمع كطرف ثاني.
- الأدوات الناعمة:
إذ يمكن اعتبار العمل على المستوى الحكومي يمثل المستوى الخشن والرسمي، فهناك أيضاً المجالات الناعمة التي تضم السياحة، البعثات الطلابية، الفعاليات الثقافية والفنية، التدريب وتأهيل الكوادر في مختلف القطاعات. وفي كل من هذه المجالات، يمكن بالتنسيق بين الدول العربية المعنية وحكومات الدول المتلقية، ترتيب امتيازات خاصة وحوافز للمجموعات أو الفئات المنتمية إلى مكونات اجتماعية أو كيانات موالية لإيران. كما يمكن إرسال قوافل وبعثات نوعية مُخصصة لمخاطبة وتوعية تلك المجموعات في نطاق مجتمعاتها المحلية أو الجهويات التابعة لها. - تنسيق عربي:
التنسيق العربي/العربي، شرط مسبق لنجاح أي توجه أو تحرك عربي على المستوى الإقليمي، سواء كان فردياً أو متعدد الأطراف. ورغم الصعوبات والعراقيل التي تجابه تلبية هذا الشرط، إلا أنه ليس مستحيلاً، والأهم أنه متطلب ضروري لا يمكن تجاوزه.
وفي حين يمكن لجامعة الدول العربية الاضطلاع بدور أساسي في هذا الاتجاه، بل وغيره من مستويات العمل العربي المشترك البعيد عن أية حساسيات أو تعارضات قُطرية، لم تتبلور بعد إرادة عربية لا جماعية ولا بأغلبية نسبية، نحو إعادة تفعيل دور الجامعة وفعاليتها. رغم أهميته وامتيازه في المرحلة الحالية بتجاوز المواقف الفردية ورفع الحرج عن كل دولة على حدة، خصوصاً في المسائل الحيوية والقضايا ذات الأهمية العامة عربياً.
وإدراكاً لتلك الصعوبات والتعقيدات المحيطة بالعمل الجماعي؛ من المستحسن أن تبادر الدول العربية الكبيرة وذات الثقل الإقليمي إلى التحرك والتنسيق فيما بينها ثنائياً أو بشكل جماعي جزئي. كمدخل مناسب لإحراز تقدم فعلي في اتجاه العمل العربي المشترك. علّه يشكل قوة دفع أولية، عملاً بمبدأ “ما لا يُدرك كله، لا يُترك كله”.
