تفعيل رؤية مجلس التعاون الخليجي للأمن الإقليمي أمر مُلِح بدءًا بالتنسيق لمواجهة الصواريخ والمُسَيَّرات

St.,Louis,,Missouri,May,8,,2020:,B-2,Spirit,Stealth,Bomber

St. Louis, Missouri

Getting your Trinity Audio player ready...

لواء د./ محمد علام سيد

أكاديمي، جمهورية مصر العربية


شهد العالم حربًا طاحنة استمرت 12 يوماً بين إسرائيل المدعومة من أمريكا، وبين إيران. واستُخدِمت فيها أسلحة حديثة ومتطورة كالمُسيَّرات والصواريخ فرط الصوتية، وتوظيف تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي وقدرات الدفاع الجوي لصد الهجمات. وفي ضوء ذلك أصبح لزامًا على دول الشرق الأوسط والمنطقة العربية مراجعة التحديات والمخاطر التي تهددها وتعزز قدراتها لتأمين حدودها مترامية الأطراف، وحماية ثرواتها الطبيعية المُستهدَفَة والممرات المائية الناقلة لثرواتها.

القدرات العسكرية لإيران وإسرائيل

تتفاوت القدرات في العدد والنوعية والخبرات والدعم بالإمداد والمعلومات. منظومة “القبة الحديدية” العمود الفقري للدفاع الجوي الإسرائيلي، بينما تنشر إيران نظام “أزارخش” قصير المدى ومنخفض الارتفاع، بأنظمة كهروضوئية لكشف الأهداف واعتراضها. يضم الجيش الإسرائيلي 169,500 بخلاف جيش احتياطي قوامه 465,000، يبلغ إجمالي عدد أفراد القوات المسلحة الإيرانية 610,000، بالإضافة إلى جيش احتياطي 350,000. وفي 2024م، بلغ الإنفاق العسكري لإسرائيل 46,5 مليار دولار مقابل 7,9 مليار دولار لإيران. تمتلك إسرائيل 345 طائرة قتالية، و43 مروحية هجومية، وخمس غواصات و49 سفينة دورية ومقاتلة ساحلية. وتمتلك إيران 312 طائرة قتالية، و17 غواصة تكتيكية، و68 سفينة دورية ومقاتلة ساحلية، و7 طرادات، و12 سفينة إنزال، و11 زورق إنزال، و18 مركبة للإمداد.

تمتلك إسرائيل على الأقل أربعة أنواع من الصواريخ الباليستية متوسطة وقصيرة المدى، منها صاروخ “لورا” بمدى 280 كيلومترًا وصاروخ “أريحا 3” بمدى بين 4800 و6500 كيلومتر، وتمتلك إيران 12 نوعًا من هذه الصواريخ، من صاروخ “توندار 69” بمدى 150 كيلومترًا، إلى صاروخًيْ “خرمشهر” و”سِجِّيل”، بمدى 2000 كيلومتر. تمتلك إسرائيل 90 رأسًا نوويًّا. ولا تمتلك إيران أسلحة نووية، لكنها تمارس أنشطة نووية تقول إنها لأغراض سلمية. وأعلن المرشد الأعلى علي خامنئي أن التخلي عن تخصيب اليورانيوم يتعارض 100% مع مصالح إيران.

عناصر القوة والضعف في العتاد العسكري

شنت إسرائيل ضربات قاتلة على منشآت عسكرية ونووية إيرانية، منها شبكات دفاع جوي رئيسية من طراز “إس-300” في إيران، ومعدات تُستخدم في صنع الوقود الصلب للصواريخ الباليستية. كانت الحرب لإسرائيل بمثابة اختبار للهيمنة التكنولوجية من المُسَيَّرات إلى الدفاع الصاروخي. خلال تلك الفترة الخاطفة، اختبرَت إسرائيل عقودًا من الابتكار العسكري، وأظهرت مستوى من التفوق التكنولوجي والتنسيق الاستراتيجي الذي أعاد تشكيل ساحة المعركة في مواجهة تهديد متزايد للصواريخ والمُسَيَّرات. بدأ الصراع بضربة استباقية دقيقة ضد إيران أسمتها “الأسد الصاعد”، شنت فيها مئات الغارات الجوية في عمق الأراضي الإيرانية. ونشرت ترسانتها من المُسَيَّرات، وتفعيل أنظمتها الدفاعية متعددة الطبقات ردًا على الهجمات الصاروخية الإيرانية.

توقفت الحملة فجأةً عندما أعلن الرئيس الأمريكي ترامب التوصل لوقف لإطلاق النار، ما أنهى الصراعَ. يُعزى الارتفاع الملحوظ في آثار الصواريخ إلى حد كبير إلى استهداف إيران المُتعمد للمناطق المدنية المكتظة بالسكان بدلاً من المواقع العسكرية، مما يعني أنه عندما يسقط صاروخ، فإنه يُسبب دمارًا أكبر ويجذب انتباهًا عامًّا أكبر بكثير مما لو سقط بالقرب من قاعدة بعيدة عن السكان المدنيين في إسرائيل. ويرى محللون أنه في حين أن إيران تمتلك قدرات قوية، إلا أن التفوق التكنولوجي الإسرائيلي والتخطيط القتالي المتطور أحدثًا فارقًا ملموسًا.

مقومات الحروب الحديثة:

كان التطور التكتيكي الرئيسي في الصراع هو استخدام إسرائيل للمُسَيَّرات في عمق الأراضي الإيرانية. نفذت المُسَيَّرات الإسرائيلية آلاف ساعات الطيران، ونفذت 500 هجمة وضربة استباقية ضد منصات إطلاق الصواريخ والبنية التحتية الحيوية. مما أدَّى إلى تعطيل القدرات العملياتية الإيرانية بشكل كبير. وجهت إسرائيل ضربة موجعة للبنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية، مستغلةً تفوقها التكنولوجي والاستخباراتي، وإن كان ذلك لا يعني أن الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية قد حققت نجاحًا كاملًا. أظهرت إيران قدرتها على استيعاب الصدمة الأولية للهجوم الإسرائيلي، وبدأت تتصاعد ردود الفعل الإيرانية.

في مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي الساحق -اتخذت إيران خطوات لتوسيع نطاق المعركة الجوية لتشمل كامل امتدادها الإقليمي. ردًا على فقدان قادة رفيعي المستوى استهدفتهم إسرائيل في اليوم الأول للصراع، اتخذت المؤسسة العسكرية الإيرانية سلسلة إجراءات عكست نظرة ثاقبة لاستراتيجيتها المتطورة للاشتباك مع إسرائيل في هذا المشهد العملياتي الجديد وغير المألوف. ركزت إيران على الصواريخ الباليستية، واقتصر استخدامها في الغالب على نماذج الصواريخ التقليدية مع نشر محدود للصواريخ المتقدمة. من المرجَّح أن الاستخدام المحدود للأنظمة الصاروخية المتطورة يُعزى لمحدودية كمياتها، ورؤية استراتيجية تُفضِّل إبقاءها للردع بدلاً من النشر التكتيكي. يبدو أن إيران تعتبر هذه الأسلحة المتطورة أدواتٍ لتحقيق أهداف سياسية، مفضلةً الحفاظ عليها بدلاً من استنفادها بكثافة في العمليات العسكرية النشطة.

كان معدل النجاح في اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية أعلى مما كان عليه في عمليتي “الوعد الصادق” السابقتين. يعكس نهج إيران فهمًا بأن المواجهة الحالية تقع خارج إطار الحرب غير المتماثلة التي أمضت عقدين من الزمن في الاستعداد لها. وبناءً على ذلك، نشرت القيادة الإيرانية بشكل انتقائي أصولًا مُطوَّرة لمثل هذه الحرب، وحرصت على استخدام أنواع أخرى. رغم هذا التحول، تبدو إيران عازمة على وضع هذه المواجهة في سياق الحرب غير المتماثلة، حيث تحافظ على درجة أعلى من الاستعداد. وفقًا لهذا المنطق، أبدت طهران استعدادها لتنفيذ بعض إجراءاتها التقليدية، مثل التهديد بإغلاق مضيق هرمز، والانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وإعلان تعليق تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وزعزعة استقرار الديناميكيات الإقليمية، وإعادة توجيه الأعمال العدائية نحو دول أخرى داعمة لإسرائيل. وتندرج هذه الإجراءات ضمن استراتيجية ردع أوسع نطاقًا تتماشى مع مفهوم الحرب غير المتماثلة، حيث تسعى إيران إلى الضغط على المجتمع الدولي من خلال استهداف حلفاء الغرب الإقليميين وتعطيل مسارات التجارة والطاقة العالمية.

دور الإمكانات الفضائية

لعبت الاستخبارات الفضائية دورًا محوريًّا، إذ وصف مسؤولو الدفاع الإسرائيليون “مجموعة أقمارهم الصناعية” التي تغطي سماء الشرق الأوسط بأنها أداة بالغة الأهمية في الصراع. تم تصوير مساحات واسعة فوق إيران بدقة عالية، أسهمت في جمع المعلومات الاستخبارية، وتنفيذ عشرات التعديلات التشغيلية العاجلة آنيًا، وإجراء مسح متكرر للمناطق المستهدفة لتحديث المعلومات الاستخباراتية وتأكيد فاعلية تنفيذ الضربات. وشكّلت الضربة الافتتاحية الإسرائيلية، المُسمَّاة بــ “الزفاف الأحمر”، علامة فارقة في الصراع إذ اعتمدت بشكل كبير على ذخائر إسرائيلية جرى تطويرها على مدى العقدين الماضيين، وأسهمت دقة التوجيه الحاسمة في تحقيق المفاجأة العملياتية وترسيخ التفوق الجويِّ فوق إيران. ويمثل دمج هذه التقنيات عبر البر والجو والفضاء والفضاء الإلكتروني إنجازًا كبيرًا في التنسيق الفوري متعدد المجالات.

أطلقت إيران الطائرات المُسيَّرة والصواريخ الباليستية المُضلِّلة بكثافة لدرجة التشبُّع، مما أربك الدفاعات الجوية الإسرائيلية واستنزف صواريخ الاعتراض. وفي الوقت الذي تُجدِّد فيه إسرائيل مخزونها، تقل جاهزية نظام دفاعها الجوي، وتستغل إيران هذه الفترة لتُطلق موجة ثانية وثالثة. وأسفر الأمر عن إهدار إسرائيل 5,4 مليون دولار من الصواريخ مقابل صواريخ مُضلِّلة بقيمة ٨٠ ألف دولار. إن لدى إيران ما لا يقل عن ٦٠٠٠ صاروخ إضافي، وهي صواريخ باليستية متميزة. وتنشط إيران في تطوير أسلحتها وتكتيكاتها بناءً على الدروس المستفادة من هذه المواجهة، وتُشير صور الأقمار الصناعية إلى أن إيران دمّرت قبة في قطر تستخدمها الولايات المتحدة للاتصالات.

التحديات والمخاطر التي تواجه منطقة الشرق الأوسط

دفعت الحرب الإسرائيلية الإيرانية دول مجلس التعاون الخليجي لتعزيز علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، ورفض النموذج الإسرائيلي العسكري باعتباره يتعارض مع توجهاتها الاقتصادية، وإعطاء الأولوية لوحدة الخليج بنظام دفاع صاروخي منسق. السبيل الوحيد لتعزيز أمن كل دولة هو المبادرة بالعمل على إحلال الصناعات والتكنولوجيات المرتبطة بالصواريخ والمُسَيَّرات والأمن السيبراني وإنشاء نظام إنذار مبكر منسق ضد أية عدائيات.

وَضَع الرد الإيراني أمن الدوحة في خطر، وتبين أن طهران تُعطي أمن النظام والفخر الوطني أولوية على حسن الجوار. أصبح إنشاء دولة فلسطينية نقطة خلاف رئيسية مع إسرائيل، وهو ما يتفاقم بسبب طريقة تعاملها مع السياسة الإقليمية. وأثار سلوك الإدارة الأمريكية خلال حرب الأيام الاثني عشر تساؤلات بين قادة دول مجلس التعاون الخليجي، منذ أن قرر الرئيس ترامب، الذي تبنى النموذج الخليجي القائم على الاقتصاد، دعم النموذج الإسرائيلي العسكري بشكل نشط، مما عرَّض الاستثمارات التي رعاها للخطر. والآن، أمام دول مجلس التعاون الخليجي فرصة لتحسين التعاون الدفاعي بهدف التكامل المحتمل.

المقومات العسكرية اللازمة لخوض الحروب الحديثة

لا تزال العواصم الخليجية تعتمد على أمريكا في الدفاع الجوي، وهو ما أكده تدشين أول وحدة من نظام الدفاع الصاروخي للارتفاعات العالية (ثاد) في السعودية، مطلع يوليو. إن الوضع في المنطقة محفوف بالمخاطر بما يكفي لجعل تفعيل رؤية مجلس التعاون للأمن الإقليمي، التي أُقرت لأول مرة عام 2023م، أمرًا مُلِحًّا، بدءًا بنظام تنسيق مخصص على الأقل لمكافحة الصواريخ والمُسَيَّرات. ويدرك قادة الخليج الآن، أكثر من أي وقت مضى، أنه لا يمكنهم الاعتماد إلا على أنفسهم للحفاظ على أمنهم، من خلال الجمع بين الدبلوماسية والدفاع.

تمتلك إيران ترسانة هائلة من آلاف الصواريخ التي يمكنها بلوغ إسرائيل. وتمتلك أيضًا أدوات غير متماثلة -كالهجمات الإلكترونية والتخريب والإرهاب. تواجه القوات الأمريكية في المنطقة تهديدًا حقيقيًا ومن المرجح أن تُقلل النجاحات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران من هذا التهديد على المدى القصير، وأن تزيده على المدى البعيد. ولكنه قد يُهيئ أيضًا الظروف لصراع مستقبلي في الشرق الأوسط من شأنه أن يُغرق أمريكا في مستنقع إذا تمادت ضد حقوق الفلسطينيين.

تمثل الجغرافيا عقبة أمام إسرائيل لمحدودية مساحتها وطبيعة أرضها، وتعوِّض هذا النقص بالتفوق التكنولوجي والتمدد الاستيطاني والتطور النووي، وتكشف دروس الحرب أطماع إسرائيل التوسعية، بدعم أمريكي غير مشروط. وعلى دول الجوار إدراك أن دور التكنولوجيا في الهجوم يقابله دور في الدفاع، ولا بديل أمامهم عن امتلاك قوة الردع، وقوام ذلك الاعتماد على الذات، بتشجيع وتأهيل الأكفاء علميًا وتقنيًا، وتوجيه المال لتشغيل المعامل والأبحاث والتجريب والتصنيع، ومتابعة وإدارة الوقت الضروري للإنجاز بإرادة قوية وصلبة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *