الشرق الأوسط الذي تريده أمريكا مسالم ومشاريع بمليارات الدولارات وبدون فتيل قابل للتفجير

Middle,East,Stock,Market,And,Economic,Business,Growth

Middle East stock market and economic business growth

Getting your Trinity Audio player ready...

الدكتور مازن شندب
باحث متخصص في قضايا الإرهاب الدولي والأزمات الدولية وأستاذ جامعي ـ لبنان


لم تكن حرب إسرائيل على إيران في الثالث عشر من يونيو 2025م، بالحدث التقليدي في المنطقة، وإن تسميتها بـ “الحرب الإيرانية – الإسرائيلية”، تسمية بعيدة عن الصواب، لأنها كانت حربًا إسرائيلية على إيران، وهي حرب جاءت في زمن استراتيجي مفصلي، ففي الحسابات الإسرائيلية جاءت الضربة على إيران تتويجاً لأحداث كبرى شهدتها منطقة الهلال الخصيب، وتمثلت في الحرب على حماس في غزة، والحرب على حزب الله في لبنان الحليف الأكبر لإيران في المنطقة وإسقاط النظام السوري الحليف لإيران. وفي هذه الأحداث الثلاث سجلت إسرائيل نقاط قوة، لدرجة يمكن القول معها إن تربع إسرائيل على عرش القطبية في الشرق الأوسط أخذ طريقه نحو التكريس. هذه الأحداث المتوجة بعملية الأسد الصاعد كما سمتها إسرائيل تطرح على بساط البحث مجموعة من المسائل، منها ما هو خاص بالإقليم والتوازنات الجديدة في موازين القوى ومنها ما هو خاص بلبنان، ومنها ما هو خاص بمستقبل التدخل الإيراني في الدول العربية.

أولاً-انعكاسات حرب إسرائيل على إيران في منطقة الهلال الخصيب

  • لعل أهم وأوثق ما أكدته الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، بمجرياتها وماهيتها ومعالمها هو أن ما كان يسمى “محور مقاومة” هو في حقيقة الأمر ليس بمحور مقاومة، وإنما هو محور يخدم في تصيير إيران كبرى. وبهذا المعنى فإن الصراع بين إيران وإسرائيل في بعده التاريخي صراع مشاريع، فلكل دولة من هاتين الدولتين مشروعها الخاص ومصالحها الخاصة، وهذه المصالح مرّت بحقبات تخادم، فاستفادت الدولتان من بضعهما أشد استفادة، لكن أحيانا يصل توسع النفوذ إلى الصدام المباشر. ولقد نجحت إسرائيل نجاحًا ملحوظاً في كشف حقيقة هذا المحور، فالمقاومة لم تكن إلا غطاء قانوني أرادت إيران من خلالها منح شرعية لجماعاتها العسكرية وغير العسكرية في الدول العربية، لا سيما حزب الله وسوريا في حقبة نظام الأسد، أما حماس فبالرغم من أن القانون الدولي يمنحها صفة المقاومة ضد المحتل، لكنها بدورها قبلت استخدام هذا الغطاء كسياج للمشروع الإيراني. إن سوريا الجديدة المنتشية من ضرب إسرائيل لإيران وحزب الله الذي كانت خياراته أمام الهجمة الإسرائيلية القاتلة على إيران محدودة للغاية، أكد المؤكد، وهو أن المقاومة في مشروع محور المقاومة ما هي إلا فكرة يمكن استخدامها في الوقت المناسب، لكن أعضاء المحور في المركز والأطراف ليسوا واحداً، ومصالحهم ليست واحدة.
  • وفق هذا السياق، لم يعد بمقدور صناع القرار في إيران أن يتحدثوا في اجتماعاتهم المغلقة عن انتصار في حربهم مع إسرائيل، فإذا كانت إيران الدولة قد خرجت من الحرب بخسائر تعتبرها محدودة ويمكن تعويضها، فإيران القطب الإقليمي الكبير وإيران المشروع قد أصبحت من الماضي.
  • لقد أثبتت حرب إسرائيل على إيران أن إسرائيل تملك الحرية الكاملة والمطلقة للعمل في منطقة الهلال الخصيب وهي تملك هذه الحرية بصفتها قوة عليا في المنطقة: فلقد تجاوزت ما استمر النظر إليه كخطوط حمراء تقليدية في المنطقة. ليس هذا فحسب، فإسرائيل تعمدت إظهار فكرة أنها هي دون غيرها من الدول والقوى في المنطقة من يحدد زمان ومكان بدء الحرب ووقفها، وهي من يحدد أهداف الحرب المعنلة وغير المعلنة، وذلك في ظل غياب واضح لاتفاقات وشروط مسبقة، وهذا يدخل بالطبع ليس في إطار مصلحة إسرائيل فحسب، وإنما في مصلحة أكبر وأوسع وهي مصلحة الولايات المتحدة التي تعمل على إعادة هندسة المنطقة وتحديد مراكز القوة فيها. إن قراءة حرب إسرائيل على إيران خارج سياق المصلحة الاستراتيجية للولايات المتحدة هي قراءة قاصرة وتفضي إلى خلاصات غير دقيقة، من يبني عليها يكون من الخاسرين.
  • أظهرت مجريات ونتائج حرب إسرائيل على إيران وبوضوح تبخر نظرية الردع الإيرانية، حيث أصاب المنظومة الإيرانية التي لطالما اعتمدت على الدفاع الأمامي عبر وكلائها مثل حزب الله الوهن والتفكك، فإسرائيل وقبل أن تشن حملتها السريعة والمباغتة على إيران قامت بتصفية أكثر من ثلثي عناصر القوة البشرية والعسكرية لحزب الله الذي دفعته إيران إلى إسناد غزة، وكان الهدف منع انهيار حماس الحليف الإيراني وليس حماية أهل غزة، بدليل أن إيران لم تتدخل عسكريًا في غزة يومًا لانقاذ أهلها من آلة القتل الجماعي الإسرائيلية.
  • إن عدم تدخل الجماعات المسلحة العراقية في المعركة إلى جانب إيران كان ملفتًا للغاية، وهو يعكس مسألة مهمة وهي تغليب المصلحة الوطنية العراقية العليا، خصوصًا أن العراقيين امتلكوا قبل غيرهم خبرة في الاستفادة من دروس حرب الآخرين على أرضهم. وإن الحكمة الكبيرة التي يتحلى بها رئيس الحكومة العراقية وضبطه للتوازنات الإقليمية والداخلية قد لعبت دورًا في نأي العراق بنفسه عن الحرب، وسيكون لذلك نتائج إيجابية كبرى في مستقبل التنمية في العراق القائم أساسًا على استقلالية القرار السياسي العراقي.

ثانياً-انعكاسات حرب إسرائيل على إيران على الاستقرار في لبنان:

مما لا شك فيه، أن النتائج الأمنية والعسكرية من جهة والسياسية من جهة ثانية، للحرب الإسرائيلية على لبنان، كانت سريعة، لدرجة ظهور المشهد وكأن ما بدأه الإسرائيليون في إيران ستكون لبنان محطته الثانية.

فعلى الصعيد العسكري، يمكن القول إن فائض ثمار النشوة العسكرية الذي قطفته إسرائيل في حربها على إيران تم التعبير عنه في لبنان، فالعمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان وبقاعه تصاعدت في ظل عدم رد حزب الله عليها.

وعلى الصعيد السياسي، تسارعت خطى الضغوط الأمريكية على لبنان، والدافعة باتجاه نزع سلاح حزب الله تحت عنوان حصر السلاح بيد الدولة. فلأول مرة تطلب الولايات المتحدة من السلطات اللبنانية أن يتخذ مجلس الوزراء، وهو المؤسسة الدستورية التنفيذية المعنية في لبنان، قراراً رسميًا يقضي بحصر السلاح لدى الدولة، وهو الطلب الأمريكي الذي جاء في أوج الحرب الإسرائيلية على إيران، ففي 19 يونيو، وبينما كانت الحرب لم تزل قائمة بين الدولتين، زار المبعوث الأمريكي توم براك بيروت والتقى بكبار المسؤولين، وسلمهم ورقة أمريكية تتمحور حول نقل ملف سلاح حزب الله إلى مجلس الوزراء ليتخذ، كسلطة تنفيذية، قراراً بالتنفيذ. وهذا المطلب الأمريكي في بعديه الزماني والموضوعي، لا يمكن تفسيره إلا على أساس رغبة أمريكية – إسرائيلية مشتركة مفادها أن القرار بنزع سلاح حزب الله غير قابل للتفاوض.

وفي واقع الأمر، لم يكتف توم باراك بعد ذلك بالمطلب الأساسي المتعلق بنزع سلاح حزب الله كما ورد في الورقة الأمريكية، فالاستثمار في الانجازات الإسرائيلية المنبثقة عن الهجوم على إيران قادت الإدارة الأمريكية عبر باراك إلى وضع الأمور في إطار مختلف، فالحرب الإسرائيلية على إيران وفق باراك، تمهد لما أسماه “طريق جديد في الشرق الأوسط”، وقال بأن اتفاقيات السلام بالنسبة لسوريا ولبنان مع إسرائيل “باتت ضرورة”. يبدو أن باراك في هذا التصريح وضع لبنان وسوريا في نفس الخانة. وبعد يوم واحد من تصريحات باراك انبرى وزير خارجية إسرائيل جدعون ساعر ليردد ويقول بأن “بلاده مهتمة بتطبيع العلاقات مع كل من سوريا ولبنان في إطار الاتفاقيات التي أبرمتها قبل أعوام مع دول عربية بدعم أمريكي”.

ثالثًا-سياقات الداخل اللبناني في ظل استمرار إيران في التدخل بلبنان

لم تكن نتائج الحرب الإسرائيلية على إيران المحرك الوحيد لنزع سلاح حزب الله في الداخل اللبناني، فحرب إسناد غزة والتي مًنِي فيها حزب الله بخسائر كبيرة، طالت قيادتيه السياسية والعسكرية وقدراته التسليحية، وأدت إلى تدمير الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وخسائر اقتصادية شملت كل هياكل اقتصاد الدولة؛ هذه الحرب شكلت منعطفاً كبيرًا دفع بمعارضي حزب الله والخط الإيراني في لبنان إلى رفع الصوت أكثر بوجه إيران والحزب. وقد تعزز خطاب القوى المناوئة لحزب الله في لبنان أكثر نتيجة العديد من المحطات التي حصلت في الصراع مع إسرائيل، ومنها أن إيران لم تتدخل بصواريخها البالستية عندما كانت غزة تذبح بعد مرور أشهر على طوفان الأقصى، وأنها لم تتدخل لإنقاذ حزب الله الذي كاد ينتهي كليًا فيما أسماه حرب إسناد غزة. وبين المحطتين، وقفت إيران متفرجًا أمام الإطاحة اللينة بنظام بشار الأسد في سوريا، لا بل اعتبرها كثيرون أنها موافقة على الحدث السوري. كل هذه المحطات جعلت الجميع يحسم مسألة أن جماعات إيران في الدول العربية ما هم إلا وقودًا إيرانيًا وأدوات يتم استخدامها لإبعاد النيران عن الحدود الجغرافية لإيران. وكل هذه المحطات منحت الشرعية اللبنانية حق السير في طريق حصر السلاح بيد الدولة، فنزع سلاح الحزب هو مطلب لحماية لبنان، بمعنى تصفير الورقة الإيرانية لبنانيًا، فهكذا تتناقص احتمالات رؤية إسرائيل للبنان على أنه تهديد، وهي فكرة لا تتناقض البتة مع فكرة يسوقها حزب الله بأن إسرائيل لا تنتظر ذريعة للهجوم على لبنان وتجاوز سيادته. وإذا ما أخذنا حسابات العامل الشيعي بعين الاعتبار، فالحقيقة تقول أن إجماعًا لبنانيًا بات نصابه مكتملاً حول حصر السلاح بيد الدولة، تتسلح به الشرعية اللبنانية لا سيما رئاسة الجمهورية، فالرئيس جوزف عون عبر عن ذلك بطريقة جد منطقية عندما قال “أريد أن أستقوي باللبناني على الخارج”، وهي العبارة الكافية للقول بأن عون يتوجه لحزب الله بالقول بأن السواد الأعظم من اللبنانيين لم يعد يريد سلاحًا غير سلاح الشرعية. غير أنه وأمام هذه الضغوط المنطقية على حزب الله، والتي تقف بين حدي إما ركون الحزب للمطلب الداخلي والخارجي بنزع السلاح وإما الحرب التي لا يمكن أن يدري كيف تكون نتيجتها، يجد الحزب نفسه أمام قرار مصيري لإيران الحصة الكبرى في توجيهه رغم الضربة القوية التي تلقتها في عملية الأسد الصاعد في حرب ال 12 يومًا.

المعضلة هذه المرة أن نزع السلاح ليس هو الخطوة الاستراتيجية الأخيرة في المعطى الدولي، فمنطقة الهلال الخصيب والتي هي حجر الزاوية في الشرق الأوسط الذي تريده الولايات المتحدة والعديد من دول المنطقة، هو شرق أوسط اقتصادي يرسم خطوطه الجديدة مشاريع اقتصادية ضخمة، وخطط بمئات مليارات الدولارات. إنه الشرق الأوسط المسالم الذي لا يجوز أن يبقى فيه فتيل يفجر. 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *