الهدنة بين إيران وإسرائيل هشة والحرب قادمة في غضون سنة إلى خمس سنوات
Two hands hold small miniature flags Iran and Israel against a white background. Geopolitics, international relations, conflict, or diplomatic discussions concept.
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


أ. د. نيڤين مسعد
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
الحرب الإسرائيلية على إيران تصفها سوزان مالوني في مقال بمجلة” فورين أفيرز” بأنها من الحروب النادرة في التاريخ التي يتم التلويح بشنّها بثبات وبشكل متواصل منذ ثلاثة عقود، وبالتالي يكون السؤال الذي يتبادر للذهن هو: لماذا اختارت إسرائيل هذا التوقيت لمهاجمة إيران ولديها جبهات مفتوحة للصراع في غزة ولبنان وسوريا؟ من جهة أخرى، إن النظام الإيراني الحاكم مأزوم سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، ويعاني مما يمكن وصفه بدورات احتجاجية متعاقبة كل عشر سنوات تقريبًا: 1999 و2009 و2019م، وبالتالي يأتي السؤال: ما هو وقع الهجوم الإسرائيلي على الداخل الإيراني وتعميق الأزمات ؟، من جهة أخرى، أدانت دول الخليج العربي الهجوم الإسرائيلي الذي أتى في ظل انفراجة العلاقات الإيرانية-الخليجية ثم جاء الهجوم الإيراني على قاعدة العديد، ما يطرح السؤال: إلى أي مدى يمكن أن يكون العدوان الإيراني تجاه دولة خليجية استثناء على نهج الانفتاح الإيراني على الجوار العربي؟ من جهة رابعة، انتهت الحرب الإسرائيلية-الإيرانية دون تحقيق أهدافها بالكامل من وجهة النظر الإسرائيلية، وأدى دخول أمريكا على الخط ومهاجمتها منشأة فوردو والتي تمثل درّة البرنامج النووي الإيراني-إلى تعقيد مسار التفاوض مع أمريكا مع ترك الباب مواربًا لاحتمال تجدد المواجهة العسكرية، ما يفرض سؤال: ماهي سيناريوهات المستقبل وهل تسير إيران بالفعل نحو حرب ثانية مع إسرائيل أم تفعل الترويكا الأوروبية آلية الزناد وإعادة العقوبات على إيران، أم تسوية خلاف البرنامج النووي مع مجموعة دول ٥+١ بالدبلوماسية؟ وإزاء هذه التفاصيل يأتي سؤال: كيف تتعامل دول الخليج مع واقع ما بعد 13 يونيو الذي ليس كما قبله؟
على ضوء ما تقدم -يتم تقسيم هذه الدراسة لثلاثة أجزاء، الأول يتناول أسباب الحرب، والثاني يتطرق لآثار الحرب على الداخل الإيراني، والثالث يتوقف أمام المستقبل ويحلله على مستويين: مستوى علاقة إيران المحتملة بكلٍ من إسرائيل وأمريكا، وعلاقة إيران المحتملة بدول الخليج. أما الخاتمة تنصّب على تصوّر كيف تتعاطى دول الخليج مع إيران بما يحفظ مصالحها واستقرار المنطقة.
أولًا: الطريق إلى الحرب
في تحليل أسباب الحرب، من المهم التمييز بين العوامل الموضوعية التي تبررها ومُعجلات اندلاعها. ومن جهة أخرى، فإن العوامل الذاتية تلعب دورًا مهمًا في تسبيب الحرب، وإن تكن غير معلنة بالضرورة:
١-لم تتوقف إسرائيل عن التحريض على مهاجمة البرنامج النووي الإيراني لا سيما منذ الكشف عن جانب سري للبرنامج يجري تطويره بعيدًا عن أعين الوكالة الدولية للطاقة الذرية في عام 2002م. وفقًا لما يُعرف بـ “عقيدة بيجين” أي التصوّر الذي تبناه بيجين خلال رئاسته الحكومة الإسرائيلية (1977 و1983م)، وانتقل لمن خلفه -فإنه لا يُسمَح لأي دولة في الشرق الأوسط بناء قوة نووية ولو سلمية، خشية تحولها لتهديد إسرائيل. وكانت هذه العقيدة وراء مهاجمة إسرائيل لمفاعل تموز العراقي عام 1981م، رغم تأكيد فرنسا على أنه للأغراض السلمية، كما كانت نفس العقيدة وراء مهاجمة إسرائيل للمفاعل النووي السوري قيد الإنشاء عام ٢٠٠٧م، والخلاصة أنه لن تقبل إسرائيل تطوير إيران برنامجها النووي، وحاولَت وقفه بكل الطرق، من اغتيال العلماء، مرورًا بالحرب السيبرانية، وانتهاء بسرقة الملف النووي بعملية استخباراتية. وفي عام 2019م، شرح نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بالخرائط مواقع المنشآت النووية الإيرانية من واقع معلومات المستندات المسروقة.
٢-لم يحصل نتنياهو على الضوء الأخضر الأمريكي لمهاجمة إيران خلال إدارة ترامب الأولى، لكن اجتمعت أسباب مكّنته من تغيير موقف ترامب خلال إدارته الثانية لتنتقل أمريكا من رفض الهجوم للمشاركة في التمويه الاستراتيجي توجيه إسرائيل سلسلة ضرباتها الموجعة لإيران. أحد هذه الأسباب، أن إسرائيل كانت تعمل على إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بالكامل، وهذه العملية لا تكتمل دون تحييد الخطر الإيراني، وربما تغيير النظام الإيراني. سبب آخر هو أن المخاطر المتوقعة عند مهاجمة إيران تراجعَت كثيرًا بعد ضربات حزب الله أقوى حلفاء إيران، وسقوط نظام الأسد، وانضباط أداء الحشد الشعبي في العراق، بحيث لم يتبق سوى الحوثيين في اليمن. ولا يجب أن ننسى أن الهجوم الإسرائيلي على إيران جاء بعد ساعات من صدور قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي اتهم إيران بعدم الامتثال لتعهداتها، وغياب الشفافية لذا يصعب تأكيد سلمية برنامجها النووي. ولابد من القول إن مهاجمة إيران كان يتم الإعداد لها منذ شهور وجرى تجهيز الساحة الإيرانية لنشاط الموساد وعملائه، وصرح نتنياهو بأنه كان يخطط لضرب إيران في أبريل 2025م، لكن الظروف لم تكن مواتية. وربما كان يشير بذلك إلى إعطاء وقت لاكتمال مسرحية المفاوضات الأمريكية مع إيران، حتى يبدو أمام العالم أنه كان يمكن التوصل لحل دبلوماسي لولا تعنت إيران. وترامب كان حدَد ستين يومًا لانتهاء التفاوض إلى اتفاق جديد، فلما انقضت المدة دون اتفاق هوجمت إيران في اليوم الواحد والستين. كما أن استمرار إسرائيل في حالة حرب مستمرة منذ 7 أكتوبر 2023م، يمثل الضمانة الوحيدة لعدم انفراط التحالف الإسرائيلي الحاكم، ولعدم مثول نتنياهو أمام القضاء بتهم فساد.
٣-استعجال نتنياهو لضرب إيران، لا يمكن استبعاد محاولته تفادي صدور حكم ضده في قضايا الفساد التي بدأ يُحاكم بها منذ خمسة أعوام. وتلك آلية معروفة تلجأ إليها قيادات سياسية لتغيير اهتمام المواطنين وإعادة توجيهه من الداخل إلى الخارج.
ثانيًا: تأثير الحرب على الداخل الإيراني
أتت الحرب بآثار على الداخل الإيراني، منها ما كان متوقعًا مثل تعميق الأزمة الاقتصادية، ومنها ما بدا مفاجئًا وهو الالتفاف الشعبي حول النظام حتى معارضيه، ما ترك مساحة من الشك في طبيعته كما في الاختلاف حول تقييم الضرر الذي حاق بالبرنامج النووي الإيراني:
١- الاقتصاد الإيراني يعاني بشدة من العقوبات على مؤسساته ومسؤوليه وصولًا للمرشد الذي عاقبه ترامب في ولايته الأولى بعد إسقاط طائرة الاستطلاع الأمريكية في 2019م، واستهّل الولاية الثانية بفرض عقوبات على شبكة دولية مشاركة في بيع النفط الإيراني للصين في فبراير 2025م،و رغم إعلانه بعد مشاركته قمة “الناتو” نهاية يونيو الماضي- أنه لا يعارض استيراد الصين للنفط الإيراني، إلا أنه بعد شهر فرضَت إدارته عقوبات على شبكة تهريب نفط إيراني لدول مختلفة والصين في مقدمتها- وتؤشّر الأرقام لصعوبة الوضع الاقتصادي الإيراني حيث يعيش 70% من الإيرانيين تحت خط الفقر، ويعاني ما بين 10% و12% من البطالة، وتوقعات بتراجُع الناتج الإجمالي من 401 مليار دولار في 2024 إلى 341 مليار دولار في 2025م، وتراجُع الناتج الإجمالي من 3.5 ٪ في 2024م، إلى 0.3% عام 2025م، ووصول التضخم إلى 43.3%. وإذا أضفنا تكلفة إعادة الإعمار، وفي حال لجأت أوروبا لتفعيل آلية الزناد وأعاد مجلس الأمن فرض العقوبات التي رفعها عن إيران، فإن هذا من شأنه المزيد من خنق الاقتصاد الإيراني.
٢-تسبب الهجوم في استنفار المشاعر القومية للإيرانيين وتوحدهم مع النظام. فرغم عدم رضا قطاع واسع من الإيرانيين عن النظام، إلا أن هذا لم يكن يعني قبولهم بتغيير النظام من الخارج. وبالتالي فإن دعوة نتنياهو لتحرر الإيرانيين من حكامهم، واتصالاته مع رضا بهلوي ولي عهد الشاه الأخير أتت بنتيجة عكسية. وبلغ الأمر أن بعض ناقدي خطاب المقاومة الذي تبناه النظام وتحملوا بسببه تكلفة اقتصادية عالية تحوّلوا لتبنّي مفرداته، ووجدوا بعض الوجاهة في استكمال البرنامج النووي مع دعوات لإنتاج السلاح النووي على أساس أنه كفيل بردع أي عدوان على بلدهم. بينما أجاد النظام الإيراني توظيف هذه المشاعر لصالحه وضخمها. ورصدت دراسات إقبال النظام الإيراني على استخدام الأناشيد الوطنية والرموز التاريخية والإسقاطات السياسية التي يعود جميعها إلى مرحلة ما قبل اندلاع الثورة الإسلامية. وأبرز تجليات هذا التوظيف كان في إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين وهي المناسبة الدينية الأعظم لدى الشيعة إذ سمح المرشد ولأول مرة بإنشاد نشيد إيران مقرونًا بالمراسم الدينية المعتادة.
ومع انتهاء الحرب بدأَت دعاوى من الداخل تطالب بإصلاحات سياسية ما بين المطالبة بإشراك المواطنين في صنع القرار وإنهاء احتكار المناصب من نخبة محدودة يعاد تدويرها وبين المطالبة بإجراء تغييرات جذرية بناء على استفتاء المواطنين على شكل نظام الحكم الذي يفضلونه. وطرحت أفكار أخرى تتعلق بتفويض المرشد بعض صلاحياته الواسعة لرئيس الجمهورية ومجلس الشورى أو إعادة إحياء منصب نائب المرشد الذي لم يشغله أحد منذ نحى الخميني نائبه حسين منتظري.
٣-تلقّى البرنامج النووي الإيراني ضربات قوية سواء من إسرائيل أو من أمريكا، وهذه النقطة موضع إقرار حتى من إيران. لكن الخلاف يبدأ مع تقييم الأضرار التي لحقت بهذا البرنامج. فأعلن الرئيس الأمريكي ووزير دفاعه ووزير خارجيته أن البرنامج الإيراني تمّ محوه بالكامل لكن ذهب تقرير لمخابرات وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن هذا البرنامج تم تأجيله لبضعة شهور ـ لا أكثر ـ وها هو نفس ما ذهب إليه رافائيل جروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية. ويعزز من عدم القدرة على التقييم الدقيق، ما أثير عن قيام إيران بنقل 400 كج من اليورانيوم عالي التخصيب قبل الضربات الأمريكية لمنشأة فوردو، وكذلك إعلان إيران عن أماكن جديدة للتخصيب على عمق بعيد عن متناول القصف.
ثالثًا: إيران على مفترق طرق
مستقبل إيران سواء فيما يخص برنامجها النووي والمواقف الخارجية منه أو فيما يتعلق بعلاقتها مع جوارها الخليجي-مفتوح على كل السيناريوهات نظرًا لوجود العديد من القضايا المعلقة سواء بين إيران وإسرائيل والغرب أو بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي.
١-مستقبل البرنامج النووي
توجد 3 سيناريوهات لهذا البرنامج لكن الأرجح هو أن الهدنة بين إيران وإسرائيل هشة وأن هناك حربًا قادمة بين الطرفين على المدى القصير أي في غضون سنة إلى خمس سنوات، بل إن محللًا مثل محمد بيات يعتبر الحرب بين الدولتين “حرب بلا نهاية”. ويذهب إلى أنه طالما لا يوجد تأكيد لتدمير البرنامج النووي بشكل كامل فإن تجدد الحرب وارد جدًا وأن كون إيران تمتلك الإرادة السياسية للحفاظ على برنامجها وتمتلك التقنية اللازمة وتقوم بتصنيع عناصره بنفسها فإن هذا يجعل المنطقة الرمادية التي تعيشها إسرائيل مع إيران بحالة اللاسلم واللاحرب غير قابلة للاستمرار. ويستشهد هؤلاء على أن النيران تكمن تحت الرماد بأن الانفجارات في إيران استمرَت بعد اتفاق وقف إطلاق النار ومنذ اليوم الخامس لسريان هذا الاتفاق بدءًا بغرب طهران ثم توالت على مدار شهر يوليو. وهذا يعني أن الصراع مستمر بوسائل أخرى
السيناريو الثاني هو الخاص بالتوصل لاتفاق مؤقت حول بعض القضايا الخلافية المتعلقة بالبرنامج النووي في انتظار إبرام اتفاق متكامل جديد. وكان اندلاع الحرب قد قطع المفاوضات الأمريكية-الإيرانية غير المباشرة التي انعقدت لخمس مرات ما بين سلطنة عمان وإيطاليا. وفي 25 يوليو الماضي بدأَت أول مفاوضات بعد حرب الإثني عشر جرت بين كلٍ من الترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) وإيران في تركيا لتعود الدول الأوروبية للواجهة بعد تهميش دورها في جولات التفاوض التي جرت بين أمريكا وإيران. لكن مفاوضات اسطنبول لم تكن أكثر من محاولة لإذابة الجليد ولم تستمر لأكثر من أربع ساعات على أمل الدخول في مفاوضات أعمق حول التفتيش الدولي ومصير اليورانيوم عالي التخصيب والمواقع والأجهزة غير المعلن عنها. إلخ. وحتى كتابة هذه الورقة لم يتم الاتفاق على موعد لمفاوضات جديدة، وإن أمهلَت الترويكا إيران حتى نهاية أغسطس للتوصل لاتفاق مع إمكانية تمديد هذه المهلة. وتعتبر إيران أن الترويكا التي طالما تمايز موقفها عن موقف ترامب باتت تتكلم بلسانه وتكرر مطالبه. ولا تنسى إيران أن تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي صدر عشية العدوان الإسرائيلي عليها والذي استُخدم لتبرير هذا الهجوم-كان مبنيًا على مطالبة الترويكا للوكالة بالإعلان عن عدم امتثال إيران لالتزاماتها النووية وهو ما حدث بالفعل. وبالتالي فمن الوارد أن تقبل إيران بالمهلة المقترحة وتعمل على تحقيق تقدم في التفاوض ومن الوارد أن تشارك أمريكا بشكل غير مباشر وهذا ما ينقلنا إلى السيناريو الثالث.
السيناريو الثالث،
1 ـ تفعيل آلية الزناد المنصوص عليها في الاتفاق النووي لعام 2015م، والذي يعطي الحق لأطرافه في اللجوء لمجلس الأمن بعد استنفاد كل طرق التسوية وبالنظر لما تعتبره الترويكا عدم امتثال من إيران لالتزاماتها فسيكون من حقها مطالبة مجلس الأمن بإعادة العقوبات على إيران.
٢-مستقبل العلاقة مع دول الخليج بعد القصف الإيراني لقاعدة العديد في قطر خلق أزمة ثقة في العلاقات الخليجية-الإيرانية، خاصةً بعد الموقف الخليجي في رفض العدوان الإسرائيلي على إيران ومن جانبه بادر الرئيس الإيراني بزشكيان بالاعتذار هاتفيًا لأمير قطر مؤكدًا على أن استهداف قاعدة العديد هو رد فعل على المشاركة الأمريكية المباشرة في العدوان الإسرائيلي، وأن دولة قطر وشعبها لم يكونا المستهدَفين من العملية التي “لا تعني بأي حال من الأحوال مواجهة بين إيران ودولة قطر “. هذا التمييز الإيراني بين الأهداف الأمريكية على الأراضي الخليجية وبين الدول الخليجية نفسها أحد السيناريوهات المطروحة لتطور العلاقات الخليجية-الإيرانية. فإذا كان تجدد الحرب الإسرائيلية-الإيرانية مرجّح في معظم التحليلات وإذا كان تورط واشنطن بشكل غير مباشر أو حتى مباشر في هذه الحرب على هيئة تدخل جراحي كما حدث من قبل هو أيضًا أمر وارد بالتالي فإن استهداف المصالح الأمريكية يكون مرشَحًا.
السيناريو الآخر لتطور العلاقات الخليجية-الإيرانية هو سيناريو التعاون الأمني الإقليمي وهو مقترح إيراني قديم تعيد طرحه إيران من وقت لآخر مع بعض الاختلاف في التفاصيل. وأحدث صيغ هذا السيناريو هو ما اقترحه محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني الأسبق -بما يجعل لهذا الطرح صفة أقل ما توصف به أنها شبه رسمية. ففي مقال له بجريدة الجارديان البريطانية في31 يوليو الماضي-طرح ظريف مبادرة لإنشاء ما أطلق عليه “شبكة الشرق الأوسط للبحوث والتطوير النووي “واختصارها “منارة”، بحيث يمكن لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الاستفادة من التكنولوجيا النووية السلمية في مجالات الطاقة والطب والزراعة والبحث العلمي بشرط أن ترفض هذه الدول تطوير أو نشر السلاح النووي وأن تقبل بالتحقق المتبادل من التزامها بتنفيذ تعهداتها. وكان ظريف إبان توليه منصب وزير الخارجية طرح مع الرئيس روحاني مبادرة “هرمز للسلام “التي عُرفت اختصارًا باسم مبادرة “أمل”، لإنشاء إطار إقليمي للأمن الجماعي تشارك فيه دول الخليج مع العراق وإيران وكما هو واضح يوجد ثمة تداخل بين المبادرتين مع ملاحظة أن “منارة “تركز أكثر على الموضوع النووي وتنفتح على عضوية عدد أكبر من الدول. ولئن كانت فكرة التعاون الإقليمي النووي للأغراض السلمية فكرة نبيلة، لكنها تضع دول الخليج في مرمى النتائج المرتبطة بتعقيدات العلاقات الغربية-الإيرانية في المجال النووي.
خاتمة
ليس من مصلحة الدول العربية عمومًا والدول الخليجية خصوصًا اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل وإيران. ولقد اتبعت دول الخليج سياسة منفتحة تجاه إيران، ولعب بعضها أدوار الوساطة في مراحل مختلفة من تطور أزمة البرنامج النووي كما نأت بنفسها عن الحرب إلى أن أدخلها الهجوم الإيراني على قاعدة العديد طرفًا فيها. وقبل أن تتفاعل الدول الخليجية مع أي مبادرة إيرانية للتعاون الإقليمي في المجال الأمني هناك حاجة لتثبيت مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم استخدام القوة أو التهديد باستخدامها وتسوية المنازعات بالطرق السلمية. وعلى الرغم من أن معظم هذه المبادئ وردَ بالفعل ضمن مبادرة “هرمز” إلا أنه لابد من بناء ميراث من الثقة بين الأطراف فيما يخصّ احترام هذه المبادئ. من جهة أخرى فإن انضمام الخليج لأي منظومة أمنية تضم إيران، لابد أن يسبقه تصفية الخلاف بين إيران وبين الغرب حول برنامجها النووي كي لا يجد مجلس التعاون الخليجي نفسه جزءًا من المشكلة وليس الحل.
