الحل يتطلب قيام فرق العمل الثمانية بتحويل الدعم الدولي لآليات قابلة للتنفيذ وعدم ضم إسرائيل الضفة

Middle,East,Map,With,County,Shape,In,Single,Color

Middle East map with county shape in single color

Getting your Trinity Audio player ready...

اللواء / محمد إبراهيم

نائب مدير المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية ـ القاهرة


1 – سوف يظل مبدأ حل الدولتين يمثل الحل العملي الوحيد المطروح لحل القضية الفلسطينية حلاً سلمياً يحقق مصالح كافة الأطراف ويؤدى في نفس الوقت إلى إعادة الاستقرار لمنطقة الشرق الأوسط التي مهما تم حل معظم الصراعات المثارة بها إلا أن حل هذه القضية العربية المركزية تحديداً يعد مفتاح الأمن والاستقرار والتنمية والتقدم في المنطقة كلها.

2 –كان المؤتمر الخاص بإعلان نيويورك بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين الذى عقد في نيويورك خلال الفترة من 28 إلى 30 يوليو 2025م، برعاية ورئاسة مشتركة لكل من المملكة العربية السعودية وفرنسا بمثابة نقلة نوعية في مسار حل القضية الفلسطينية حيث يمكن اعتبار هذا الإعلان محاولة عملية وجادة لترجمة مبدأ حل الدولتين وتحويله من مجرد مبدأ متوافق عليه إقليمياً ودولياً منذ فترة طويلة إلى رؤية متكاملة صالحة لبدء تحرك حقيقي نحو مسار الحل السياسي لهذه القضية التي قاربت على ستة عقود منذ حرب يونيو 67.

3 – ولعل أهم ما يمكن الوقوف عنده ونحن نتحدث عن إعلان نيويورك أنه قد تم طرح هذا الإعلان في خضم حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ حوالي عامين وبدء ظهور مشروعات مشبوهة وخاصة من جانب إسرائيل تهدف كلها في النهاية إلى تصفية القضية الفلسطينية وتهجير سكان القطاع إلى خارج أراضيهم تحت مبررات واهية تسمى التهجير الطوعي وهي في الحقيقة تهجير قسري.

4 –حصل إعلان نيويورك على دعم دولي غير مسبوق مؤخراً حيث زاد من ثقل هذا الإعلان موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلستها المنعقدة يوم 11 سبتمبر 2025م، على مشروع قرار مقدم في يوليو الماضي من السعودية وفرنسا بالمضي قدمًا في إعلان الدولة الفلسطينية، وقد جاءت هذه الموافقة بأغلبية كاسحة حيث وافقت عليه 142 دولة ومعارضة 10 دول وامتناع 12 دولة عن التصويت، وكم كان المندوب الفرنسي محقاً ومعبراً عن جوهر وقيمة إعلان نيويورك عندما أكد خلال كلمته أنه يضع خريطة طريق واحدة لتحقيق حل الدولتين.

5 – وبالنظر إلى ما تضمنه إعلان نيويورك من مبادئ ( 42 مبدأ ) يمكن القول أنه تعامل مع تعقيدات الوضع الحالي بواقعية شديدة وأخذ كافة التطورات والمتغيرات الأخيرة التي شهدتها المنطقة في الاعتبار بكل جدية وشفافية وشجاعة دون اللجوء إلى التوازنات والحلول الوسط، حيث  ركز في مجمله على أربعة محاور رئيسية تتعامل مع الواقع الراهن، أولها إنهاء الحرب في غزة وتأمين اليوم التالي للفلسطينيين والإسرائيليين، والمحور الثاني تمكين دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة اقتصاديًا تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل في سلام وأمن، والثالث هو حماية حل الدولتين في مواجهة التدابير الأحادية غير المشروعة ، أما المحور الرابع فهو تحقيق الاندماج الإقليمي من خلال إنهاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني .

6 – أما فيما يتعلق بالمبادئ الرئيسية التي اشتمل عليها إعلان نيويورك نشير إلى أن أهمها تمثل فيما يلي:

 أ – العمل الجماعي لإنهاء الحرب على غزة وتحقيق تسوية عادلة وسلمية ودائمة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي قائمة على التنفيذ الفعال لحل الدولتين وبناء مستقبل أفضل للشعبين وجميع شعوب المنطقة.

 ب – إدانة جميع الهجمات التي يرتكبها أي طرف ضد المدنيين ورفض أية إجراءات تؤدى إلى تغييرات إقليمية أو ديموغرافية بما يشمل التهجير القسري للسكان الفلسطينيين، وكذا إدانة الهجمات التي ارتكبتها حركة حماس ضد المدنيين في السابع من أكتوبر 2023م، مع إدانة الهجمات الإسرائيلية ضد المدنيين في غزة والحصار والتجويع.

 جـ – إن غزة هي جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية ويجب توحيدها مع الضفة الغربية.

 د – يجب أن يؤول الحكم وإنفاذ القانون والأمن في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية حصراً إلى السلطة الفلسطينية، ويجب على حركة حماس إنهاء حكمها في غزة وتسليم أسلحتها إلى السلطة الفلسطينية بدعم وانخراط دوليين اتساقًا مع هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

 هـ – تأييد التنفيذ العاجل للخطة العربية الإسلامية لإعادة الإعمار لتمكين التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة مع ضمان بقاء الفلسطينيين في أراضيهم.

 و – يجب إنشاء لجنة إدارية انتقالية عقب وقف إطلاق النار تتولى العمل في غزة تحت مظلة السلطة الفلسطينية.

 ز – تأييد نشر بعثة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار بناءً على دعوة من السلطة الفلسطينية وتحت رعاية الأمم المتحدة ومنحها تفويض من مجلس الأمن، وستتولى هذه اللجنة مسؤولية توفير الحماية للسكان المدنيين الفلسطينيين وتقديم ضمانات أمنية لكل من فلسطين وإسرائيل.

 ح – ضرورة أن تواصل السلطة الفلسطينية أجندة الإصلاح بدعم دولي.

 ط – دعوة القيادة الإسرائيلية إلى إصدار التزام علني وواضح بحل الدولتين.

 ى – معارضة جميع الأفعال غير المشروعة من الجانبين بما في ذلك الأنشطة الاستيطانية.

 ك – عدم إمكانية تحقيق علاقات طبيعية وتعايش بين شعوب ودول المنطقة بدون تجسيد دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وإنهاء احتلال جميع الأراضي العربية.

 ل – دعوة الإسرائيليين والفلسطينيين إلى استئناف المفاوضات بدعم وإشراف دولي.

 م – استكشاف بنية أمن إقليمي توفر ضمانات أمنية للجميع.

7 – وبالرغم من هذه الخطوة الإيجابية التي ظهرت إلى النور بإعلان نيويورك ثم قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بدعم هذا الإعلان وما سيعقب ذلك من خطوات متتالية متوقعة سوف تصب كلها في صالح هذا المسار، إلا أنه من الضروري أن نبحث عن كيفية تفعيل هذه النتائج الإيجابية، وفى رأيي أن هناك خطوتان رئيسيتان لابد من العمل عليهما، الأولى وتتمثل فى الحفاظ على هذا الزخم الحالي خلال المرحلة القادمة، والثاني مزيد من التحرك نحو إنهاء حرب غزة حتى يمكن الانتقال إلى تنفيذ الخطوات الأخرى الضرورية وأهمها استئناف المفاوضات .

8 – وفى نفس الوقت من المهم أن نتعرض إلى أهم التحديات والعقبات التي يمكن أن تواجه هذا المسار الإيجابي وأهمها ما يلي:

 أ – الإجراءات التي تتخذها إسرائيل في الضفة الغربية بما في ذلك مدينة القدس من تهويد واستيطان وقتل وتدمير، واغتيال، وترحيل، وتهجير.

 ب – حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة والتي تسببت في كارثة غير مسبوقة تحتاج إلى فترات طويلة حتى يمكن أن تعود الأمور إلى طبيعتها.

جـ – المشروعات المشبوهة التي تطرحها كل من إسرائيل والولايات المتحدة (نشير هنا إلى الوثيقة التي نشرتها الواشنطن بوست في نهاية أغسطس الماضي بشأن قطاع غزة) والتي تهدف إلى فصل القطاع تماماً عن الضفة الغربية والمفترض أنهما جناحي الدولة الفلسطينية.

د – الدعم الأمريكي غير المسبوق لإسرائيل بحيث يمكن القول إن هناك موافقة أمريكية مسبقة على كافة السياسات التي تنتهجها إسرائيل ليس فقط تجاه القضية الفلسطينية وإنما على مستوى المنطقة كلها.

هـ – استمرار الانقسام الفلسطيني وعدم وجود أية دلائل على إمكانية التوصل في المدى القريب أو المتوسط إلى حل لهذه المشكلة.

 و- وجود تغيير واضح في توجهات المجتمع الإسرائيلي حيث إن كل المعطيات تشير إلى أن هذا المجتمع تحول إلى مزيد من التشدد تجاه الفلسطينيين منذ عملية طوفان الأقصى.

9 – ولا شك أن كافة هذه المشكلات المشار إليها تمثل عقبات حقيقية في مسار تنفيذ حل الدولتين ولاسيما تلك الإجراءات المتسارعة والمكثفة التي تقوم بها حكومة ناتنياهو المتطرفة والتي تسابق الزمن من أجل تغيير طبيعة الوضع الحالي في الأراضي الفلسطينية، ولعل موافقة الحكومة الإسرائيلية على تنفيذ مشروع (إي 1) الذي يقسم الضفة الغربية ويشكل عائقاً جوهرياً أمام إقامة الدولة الفلسطينية في المستقبل.

10 – ورغم التسليم بوجود هذه العقبات وتداعياتها، إلا أن العامل الأهم يتمثل في ضرورة عدم الاستسلام لكافة السياسات الإسرائيلية التي تهدف إلى أن تصل الدول العربية إلى قناعة بأن قيام دولة فلسطينية مستقلة يعد أمراً مستحيلاً ومن ثم تتخلى عن هذا المسار، وبالتالي فلابد أن تستمر قوة الدفع التي تولدت منذ إعلان نيويورك والحفاظ على الإيجابيات التي أعقبت صدور هذا الإعلان، مع التركيز دائماً على مبدأ استئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية باعتبار أنه في هذه الحالة يمكن أن تتولد الضغوط على إسرائيل لتقديم بعض المرونة خلال عملية التفاوض .

11 –من ناحية أخرى هناك ضرورة أن تصل إلى إسرائيل من خلال وسائل التواصل المتاحة رسائل واضحة ومباشرة بشأن مدى ما يمكن أن يؤدى إليه حل الدولتين من تحقيق الأمن والاستقرار واندماج إسرائيل في المنطقة بطريقة طبيعية، ومن الضروري أن يشمل هذا التواصل كافة أطياف المجتمع الإسرائيلي سواء الحكومة الحالية – رغم تطرفها- والمعارضة والأحزاب المختلفة بمافيها الأحزاب العربية وأعضاء البرلمان ومنظمات المجتمع المدني.

12 –مع تصاعد التوترات والصراعات والمشكلات في المنطقة وخاصة في ظل تناغم الموقفين الإسرائيلي والأمريكي وتوجههما نحو تنفيذ مشروعات لا تعد في صالح أمن واستقرار المنطقة وبالطبع ليس في صالح القضية الفلسطينية، فإنه في المقابل من الضروري أن تحاول الدول الرئيسية المعتدلة في المنطقة وعلى رأسها كل من مصر والسعودية مواصلة التحرك الفعال دون هوادة حتى لا نترك الساحة السياسية خالية وفريسة لأية مشروعات مرفوضة.

13 –لاشك أن نجاح أية جهود سياسية يمكن أن تحقق نتائج إيجابية خلال المرحلة المقبلة تتطلب ضرورة البدء بخطوة رئيسية وهى التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار في غزة وإنهاء حرب الإبادة وما سيؤدى إليه ذلك من نتائج أهمها تبادل الأسرى والرهائن وانسحاب إسرائيل من القطاع، وهو الأمر الذى سوف يفتح المجال أمام خطوات أخرى شديدة الأهمية وعلى رأسها بدء عملية إعادة الإعمار طبقاً للخطة العربية الإسلامية التي تم التوافق عليها في القمة الطارئة التي عقدت في القاهرة في الرابع من مارس 2025م،مع تقديم الدعم الإقليمي والدولي اللازم لتنفيذ هذه الخطة.

 14 –في النهاية فإن إعلان نيويورك بما تضمنه من مبادئ هامة لحل أزمة غزة ومن ثم حل القضية الفلسطينية يتطلب أن تقوم فرق العمل الثمانية المنعقدة في إطار المؤتمر بجهد كبير يركز على تحويل هذه المبادئ إلى خطة عمل تفصيلية واقعية حتى يمكن أن نترجم كل الدعم الدولي الذى حصل عليه هذا الإعلان إلى آليات قابلة للتنفيذ على الأرض، وأن نسعى إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه ولاسيما التحرك العاجل لعدم ضم إسرائيل الضفة الغربية، ثم ننطلق بعد ذلك إلى عملية سياسية ومفاوضات تؤدى إلى تطبيق مبدأ حل الدولتين وهذا هو المسار الوحيد إذا كان المجتمع الدولي يرنو إلى تحقيق الهدوء في إقليم أقل توصيف له أنه إقليم شديد الاضطراب ولم يصبح أمامه سوى مسارين فقط إما الاستقرار أو الانفجار، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *