3 مراحل للوساطة الخليجية والحرب الأوكرانية أوجدت فراغًا دبلوماسيًا ملأته دول الخليج

Macro,Photo,Of,Ukraine,Political,Map,With,Country,Frontiers,And

Macro photo of Ukraine political map with country frontiers and most importants cities

عبد الله إبراهيم
باحث أول مركز دراسات النزاع والتنمية وبناء السلام؛ معهد جنيف للدراسات العليا


قد تُفضي اتفاقيات السلام إلى إنهاء الأعمال القتالية، بيد أنها لا تكفل بالضرورة معالجة الجذور الأساسية للنزاع. فبينما يستلزم التوصل إلى أي اتفاق مسارًا طويلاً وجهودًا مضنية، تتطلب معالجة الأسباب العميقة للصراعات جهدًا أعظم بكثير. وعلى امتداد تاريخها، اضطلعت دول الخليج العربي بدور تاريخي بارز في جهود الوساطة قبل تأسيس هياكلها الوطنية الحديثة، سواء ضمن إطار منظومة مجلس التعاون الخليجي أو بين الدول المجاورة أو حتى على المستوى الدولي.

وتضافرت عدة عوامل جعلت لدول الخليج قدرة فريدة على التأثير في المشهد الدبلوماسي العالمي في السنوات الأخيرة، منها التنافس المحتدم بين القوى العظمى كالولايات المتحدة وروسيا والصين، وتزايد حدة الاضطرابات الإقليمية في مناطق مثل القرن الإفريقي والشرق الأوسط، إضافة إلى الطابع الأيديولوجي للنزاعات وأطرافها، سواء كانت دينية أم عرقية. هذه التعقيدات في طبيعة الصراعات الحديثة تضع الوساطة الخليجية في موقع لا يمكن الاستغناء عنه، وتفرض في الوقت ذاته ضرورة بناء قدرات مؤسسية أكبر، والسعي الجاد نحو تعاون دولي لرفع كفاءة تلك الجهود وفعاليتها.

تــطور الوساطة الخليجية

من الأهمية بمكان النظر إلى تصاعد الدور الخليجي في الوساطة وتنامي أهميته ضمن سياق تطوره المنهجي، وكونه استجابةً لحاجة دولية متزايدة. فقد شهدت جهود الوساطة، التي كانت مقتصرة في مستهلها على تسوية النزاعات الداخلية والإقليمية المباشرة، تحولًا لتغدو اليوم إمكانات وقدرات دبلوماسية عالمية مرغوبة وذات تأثير على الساحة الدولية. وبناءً على هذا التطور، يمكن تصنيف إسهامات دول الخليج في إحلال السلام الإقليمي والدولي ضمن ثلاث مراحل واضحة تُبرز مسارها المتدرج وأثرها المتنامي.

المرحلة الأولى امتدت من خمسينيات حتى ثمانينيات القرن العشرين (1950-1980م) وشهدت تواصلاً مباشرًا بين الأنظمة الحاكمة التقليدية في الخليج والدول المجاورة والقوى الاستعمارية، لمعالجة قضايا جوهرية ارتبطت بتشكّل دول مجلس التعاون الخليجي، بما في ذلك الخلافات الحدودية داخل الخليج ومع إيران. خلال تلك الفترة، تمكنت دول مثل الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من التوفيق بين أطراف عدد من النزاعات المهمة، من أبرزها الخلاف الحدودي بين البحرين وإيران، وتأسيس اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، والنزاعات الحدودية بين عُمان والإمارات. وقد أرست هذه التجارب الأولية في الوساطة والتسوية أسس الثقة والخبرة التي اعتمدت عليها دول الخليج لاحقًا في التعامل مع نزاعات إقليمية أشد تعقيدًا وتشابكًا.

أما المرحلة الثانية، فقد تميزت باتساع نطاق الوساطة لتصبح جزءًا من توجه دبلوماسي نشط استهدف احتواء التحديات الإقليمية المستجدة، مثل تداعيات الثورة الإيرانية، والحرب الإيرانية العراقية، والنزاعات في اليمن ولبنان. وخلال فترة الثمانينيات والتسعينيات (1980-1990م) شاركت كل من عُمان والمملكة العربية السعودية والكويت والإمارات وقطر في سلسلة من جهود الوساطة التي ركزت على استقرار المنطقة. ويُعد اتفاق الطائف الذي وُقّع عام 1989م، بوساطة سعودية مثالًا بارزًا على نجاح المساعي الخليجية في إنهاء حرب أهلية مدمرة، إذ ما زال الاتفاق حتى اليوم دعامة رئيسية لحفظ التوازن في لبنان، بما يعكس الأثر الممتد للوساطة الخليجية الرصينة.

منذ تلك الفترة، واصلت دول الخليج اهتمامها العميق بجهود إحلال السلام في محيطها القريب، كبلاد الشام واليمن والسودان، وكذلك في المناطق المجاورة مثل القرن الإفريقي. فقد شهدت فترة التسعينيات ظهور ملفات كان لها أثر مباشر على المصالح الخليجية، منها تصاعد الاهتمام بالقضية الفلسطينية، والحرب بالوكالة بين السودان وإريتريا، والنزاع التشادي / السوداني في العقد الأول من الألفية الجديدة، فضلًا عن التوترات بين إريتريا وكل من جيبوتي وإثيوبيا، وهي جميعها أحداث فرضت تحركات دبلوماسية نشطة من جانب دول الخليج. ومع اندلاع أحداث الربيع العربي، برزت ساحات جديدة للنزاع في المنطقة شملت الحروب الأهلية في ليبيا وسوريا واليمن ولاحقًا السودان، كان لكل منها تبعات مباشرة على أمن الخليج واستقراره. وبالنظر إلى تفاوت المخاطر التي مثلتها هذه الأزمات على كل دولة، تباينت أيضًا آليات كل دولة في التعامل معها، غير أن الجهود الدبلوماسية استمرّت بوتيرة متوازية لاحتواء التوترات. وقد شهدت السنوات الأخيرة استضافة الكويت وعُمان والإمارات والسعودية وقطر لقاءات بين أطراف متنازعة لاستكشاف سبل إنهاء المواجهات، فيما قدمت قطر وساطتها في ملف غزة، بالتوازي مع تحركات سعودية هادئة ومتواصلة خلف الكواليس.

في عام 2000م، كشفت الحرب في أوكرانيا عن ملامح مرحلة ثالثة في مسار الوساطة الخليجية، تمثلت في تجاوز نطاقها الإقليمي المباشر لتشمل الصراعات الأوروبية. وقد أفضى هذا التحول إلى وضع دول الخليج في صميم الجهود الدولية للوساطة. فقد أدت المواقف الأوروبية من روسيا إلى تقويض الدور التقليدي للوسطاء المحايدين، مثل سويسرا والنرويج، ما أوجد فراغًا دبلوماسيًا وجدَت فيه الدول الخليجية فرصة فريدة لسدّ هذا النقص. ومنذ اندلاع الحرب، اضطلعت ثلاث دول خليجية، هي السعودية وقطر والإمارات، بأدوار محورية في الحفاظ على قنوات التواصل الأساسية بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك بين روسيا والولايات المتحدة. فيما تجسد الوساطة القطرية في فنزويلا مدى الامتداد العالمي للدبلوماسية الخليجية، موضحة قدرة هذه الدول على التعامل مع نزاعات تمتد عبر قارات متعددة وسياقات جيوسياسية متنوعة.

ومع اتساع حالة الانقسام العالمي، يُتوقع أن تتزايد الحاجة إلى الوساطة الخليجية في المرحلة المقبلة. ويستلزم لتلبية هذا الطلب إحراز تقدم على محورين أساسيين: الأول، تطوير القدرة على تحليل وتصميم وتيسير عمليات السلام المعقدة في مجالات متعددة، بدءًا من وقف إطلاق النار والتسويات السياسية وصولًا إلى إعادة الإعمار بعد الحروب. والثاني، تعزيز التعاون مع الهيئات الدولية لضمان تلبية الاحتياجات المختلفة للأطراف المتنازعة في مراحل العملية التفاوضية المتعددة.

التعاون الاستراتيجي عبر مسارات الوساطة

لا يمكن ضمان نجاح الوساطة الخليجية دائمًا، وهو أمر يتطلب صياغة استراتيجيات مرنة تتماشى مع طبيعة النزاعات المتغيرة. فبينما تظل بعض الصراعات مستقرة نسبيًا، تتسم نزاعات أخرى بتقلب شديد، إذ تتغير الأطراف المعنية وتتطور القضايا في سياقات ديناميكية متغيرة. وتطرح هذه الخصائص تحديات كبيرة أمام الوسطاء، الذين يتعين عليهم امتلاك القدرة على التكيف مع الأوضاع الجديدة، والحفاظ على علاقات مستمرة مع الأطراف الناشئة وإشراكهم في التفاوض. وغالبًا ما تمهّد الحوارات غير الرسمية الطريق أمام المفاوضات المباشرة، إذ لا يمثل توقيع الاتفاق نهاية العملية، بل بداية جولة جديدة من المباحثات حول قضايا محورية لضمان استدامة السلام ومنع تجدد العنف.

وفي هذا الإطار، تظهر ضرورة تعزيز قدرات الوساطة الخليجية، خصوصًا خلال مرحلتي ما قبل التفاوض وما بعد الاتفاق، حيث تستلزم كل مرحلة معرفة متخصصة وهياكل مؤسسية قادرة على أداء الوظائف اللازمة وضمان نجاح التفاوض وتحقيق أهدافه المرجوة.

أ- تمهيد الطريق نحو التفاوض: منتديات الحوار الاستراتيجية

في حالات النزاع المعقدة على غرار اليمن وسوريا وأوكرانيا، تظهر الحاجة إلى إقامة حوارات غير رسمية يجتمع فيها الأطراف المعنية، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، لتبادل الأفكار وبناء حلول إبداعية قادرة على كسر الجمود الذي غالبًا ما يعوق المداولات الرسمية. ويمكن للجامعات ومراكز الفكر في دول الخليج أن تلعب دورًا محوريًا في استضافة هذه الحوارات الدورية بين الخبراء والأكاديميين. بالإضافة إلى ذلك، فإن نتائج هذه المباحثات غير الرسمية مصدر هام للمعلومات والتوصيات، سواء من خلال إدماجها مباشرة في مفاوضات الأطراف، أو عبر تمكين الوسطاء من صياغة استراتيجيات أفضل للتعامل مع القضايا الخلافية الأكثر حساسية. ويُمكن تعزيز هذه الجهود عبر التعاون الدولي، للاستفادة من الخبرات المتخصصة في مجالات محددة مثل وقف إطلاق النار، والتسويات السياسية، وفهم السياقات الإقليمية، وذلك بالتعاون مع مؤسسات غربية ذات خبرة واسعة مثل مجموعة الأزمات الدولية أو مؤسسات أميركية وبريطانية مشابهة.

كذلك، فإن النزاعات الراهنة، وعلى رأسها أوكرانيا وسوريا اللذان يتسمان بتعدد الأطراف وتعقّد القضايا الخلافية، تتطلب تفعيل مثل هذه المنتديات غير الرسمية لتسهيل الحوار وهو ما يستلزم إجراء حوارات دقيقة وحيادية بين الجانبين المتنازعين قبل الشروع في المفاوضات الرسمية. وفي حالة أوكرانيا، يوجد حاليًا مساران رسميان للتفاوض: بين الولايات المتحدة وروسيا، وبين أوكرانيا وروسيا، بينما يغيب أي مسار رسمي يجمع الأوروبيين مع الروس. إن استبعاد الأوروبيين من هذه المفاوضات يمثل عقبة حقيقية أمام إحراز تقدم ملموس، إلا أن التصلب الرسمي على جانبي روسيا وأوروبا يجعل من الصعب جمعهم في إطار تفاوض رسمي بشكل مباشر. ومن شأن منتدى غير رسمي تستضيفه دول الخليج أن يوفر إطارًا مناسبًا لمعالجة هذه الإشكالية، وفتح المجال أمام حوار بنّاء يهيئ الأرضية للمفاوضات الرسمية لاحقًا.

فيما يخص سوريا، فإن انهيار نظام الأسد قد أزال إحدى المشكلات، إلا أن القضايا الجوهرية لا تزال دون تسوية، ولا تزال المواقف الأساسية للأطراف الرئيسية متباينة بشكل يحول دون الوصول إلى توافق. ومع صعوبة إجراء مفاوضات رسمية في هذه المرحلة، نرى بوضوح غياب منتدى يجمع جميع الأطراف، محليين وإقليميين، سواء بشكل منفصل أو مشترك، لاستكشاف السبل الكفيلة لضمان استقرار سوريا وأمنها. ويمكن لكل من الدول الخليجية منفردة أو أمانة مجلس التعاون الخليجي توفير مثل هذه المنتديات، لتكون منصة حيادية تُسهم في تقريب وجهات النظر وتبادل الأفكار بحرية، بعيدًا عن قيود المسارات الرسمية. كما أن إنشاء هذه الآليات يمثل استثمارًا استراتيجيًا لتعزيز القدرات المحلية في الدراسات المتعلقة بالنزاعات والوساطة، ولتدريب الوسطاء والميسرين من خلال جهود منظمة وموجهة، بما يمكنهم من أداء مهام مرحلة ما قبل التفاوض بكفاءة.

إن تعقيد القضايا وتعدد الأطراف يجعل من المستحيل لوسيط واحد السيطرة على كامل مسار العملية. في المقابل، يفرض هذا الواقع أن يكون التعاون بين الأطراف والوسطاء ضرورة مُلِحَّة لا خيارًا مطروحًا. ويتجسد هذا الواقع بوضوح في مفاوضات أوكرانيا، حيث قد تنطلق المناقشات حول قضية معينة في إسطنبول، ثم تنتقل إلى جدة، لتعود مجددًا إلى إسطنبول، مع تباين في مستويات الاجتماعات بين قمم رفيعة المستوى في مدن معينة ومباحثات تنفيذية على مستوى الخبراء في مدن أخرى.

ونرى في التعاون المصري-القطري في وساطة الحرب على غزة مثالًا واضحاً على كيفية استثمار القدرات المكملة بفعالية. كذلك فإن التنسيق الإماراتي-السعودي الذي أفضى إلى اتفاق جدة بين إثيوبيا وإريتريا عام 2018م، نموذجًا ناجحًا للتكامل الاستراتيجي، إذ تمت الوساطة بقيادة الإمارات وبدعم من الولايات المتحدة والسعودية ضمن جهد منسّق ومتزامن. ويستلزم هذا المستوى من التعاون الرسمي وجود هيكل تنظيمي متكامل يشمل فرقًا متخصصة تتابع سير العمليات بدقة، وتضمن التناغم مع أي جهود وساطة أخرى قائمة، لضمان اتساق السياسات والقرارات على مختلف المستويات.

ب- مرحلة ما بعد الاتفاق: ضمان استدامة النتائج

على الرغم من التزام الأطراف باتفاقية جدة بين إثيوبيا وإريتريا، لم تُنفّذ جميع بنودها. وتستمر التوترات داخل إثيوبيا وعلى طول حدودها مع إريتريا، ما يجعل احتمال تجدد الصراع قائمًا ويهدد استقرار الاتفاقية. وينطبق الوضع نفسه على الاتفاقيات المتعلقة بغزة، التي تمثل بداية مرحلة جديدة معقدة، وليست حلًا نهائيًا للنزاع.

في هذا الإطار، يصبح من الضروري أن تكثف الدول الخليجية تعاونها مع وكالات الأمم المتحدة لضمان تنفيذ هذه الاتفاقيات بشكل مستدام وفعّال. إذ تتطلب بعثات حفظ السلام وعمليات إعادة الإعمار بعد النزاعات التزامًا طويل الأمد، وموارد كبيرة وخبرات متخصصة إلى جانب شرعية دولية واسعة. ويتيح برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP))، بخبرته الممتدة لعقود في التعامل مع سياقات ما بعد النزاع، فرصة قيمة للوسطاء الخليجيين للاستفادة من معرفته وخبراته مباشرة. ولضمان استدامة النتائج، ينبغي تعزيز قدرة الدول الخليجية على جمع الأطراف المعنية وتيسير توقيع الاتفاقيات من خلال آليات فعّالة تكفل دوامها والتزام الأطراف بها، وذلك عبر الشراكة مع المنظمات الإقليمية والدولية المتخصصة في التنفيذ ومتابعة الالتزام.

الخـــــــــــــــــــــــــــــــــاتــمة

تمثل منطقة الخليج والشرق الأوسط بأكمله والقرن الإفريقي مسرحًا لمجموعة واسعة من النزاعات التي تؤثر بشكل مباشر على الأمن والمصالح الخليجية. ومع التحولات الحالية في النظام الدولي، يتغير مركز ثقل الوساطة في الحروب الأهلية، والصراعات بين الدول، والنزاعات بين القوى العظمى، بما يميل تدريجيًا نحو دول الخليج. وفي هذا الإطار، لا يمكن لدول الخليج تجاهل النزاعات المحيطة بها، ولا يمكنها التغاضي عن طلبات الأطراف المتنازعة البعيدة التي تسعى للحصول على دعم في تسوية خلافاتها.

ويظل الوفاء بهذه التوقعات ضرورة استراتيجية حتمية، لا سيما في ضوء النجاحات الملموسة التي حققتها المنطقة في تعزيز مكانتها كمحور عالمي للأعمال. ومن ثم، يتعين على الدول الخليجية، كل على حدة، وعلى الأمانة العامة لمجلس التعاون، اتخاذ خطوات إصلاحية واضحة، تشمل تعزيز القدرات في مرحلة ما قبل التفاوض، وتعزيز التعاون خلال مراحل الوساطة وما بعد الاتفاق، وذلك بالتنسيق مع المؤسسات والمنظمات الدولية. ومن خلال تطوير هذه القدرات المؤسسية وبناء شراكات دولية متينة، يمكن لدول الخليج ترسيخ مكانتها كوسطاء لا غنى عنهم في ظل مشهد عالمي معقد ومنقسم، بما يضمن أن تثمر جهود الوساطة ليس فقط عن مجرد اتفاقيات، بل سلامًا مستدامًا يحقق نتائج ملموسة وحقيقية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *