حسم خور عبد الله بين العراق والكويت يعيد بغداد للحاضنة الخليجية ويخدم الممر الاقتصادي لأوروبا
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د.غانم علوان الجميلي
سفير العراق الأسبق لدى اليابان والمملكة العربية السعودية
شهدت العقود الأخيرة تطورات كبيرة في مجالات النقل والاتصال جعلت من العالم الذي كان يعد واسع الأطراف يوماً قرية صغيرة شديدة الترابط والتواصل وزادت من قوة اعتماد الأمم على بعضها البعض. هذه المتغيرات أعادت تشكيل أغلب القطاعات الحيوية مثل الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية وحولت بالنتيجة دور الدبلوماسية من كونها الواسطة لنقل المعلومات بين الدول إلى نمط جديد يعتمد على بذل الجهود والعمل على نزع فتيل الأزمات قبل استفحالها ووصولها إلى درجة الصراعات المفتوحة.
هذه الأوضاع فتحت الأبواب أمام العديد من الدول وفي مقدمتها دول الخليج لكي تلعب دور الوسيط في العديد من الصراعات العالمية. وقد ساعدها على ذلك الدور عوامل مختلفة منها موقعها الاستراتيجي على مفترق طرق التجارة العالمية وشبكة العلاقات الاقتصادية التي تتمتع بها بالإضافة إلى وقوعها في منطقة تعتبر أشد المناطق تأزماً في العالم. لهذه الأسباب وغيرها تستوجب إعادة النظر إلى النشاط الدبلوماسي وسعي دول الخليج للتوسط في حل النزاعات بالطرق السلمية ليس باعتباره ترفاً سياسياً بل هو من أولى الأولويات السياسية الخارجية خصوصاً إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الوضع الاستراتيجي والعسكري لدول الخليج والزيادة الكبيرة في حدة الصراعات العالمية وتنامي التنافس العالمي على المنطقة ومقدراتها ولأن القاعدة العامة تقول بأن الطرف الذي لايجلس على طاولة التفاوض يكون جزءاً من الغنائم.
دول الخليج وعت لهذه الحقيقة فبادرت إلى المساهمة في العديد من الأنشطة الدبلوماسية والوساطات التي كانت الغاية منها حل المشكلات التي تواجه الإقليم، مثل جهود المملكة في دعم التغيير في سوريا وقيادة مبادرة حل الدولتين مع فرنسا كذلك الجهود القطرية في التوسط بين حكومة طالبان في أفغانستان والولايات المتحدة وسعيها الدائب إلى التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في غزة وهي عملية استغرقت سنتين كاملتين وكلفتها الكثير وأخيراً جهود الوساطة بين إيران والولايات المتحدة التي قامت بها دولة عمان.
هذه المبادرات منحت دول الخليج تجربة نادرة في الوساطة تستحق الدعم وتوفير المزيد من الجهود خصوصاً وأن المنطقة تعاني من العديد من الأزمات التي مزقت دولها وأهدرت مقدراتها ووأدت جهود التنمية في مهدها. نستعرض في هذا المقال أهم الميزات التي تتمتع بها دول الخليج التي تؤهلها للعب دور أكثر فاعلية في جهود الوساطة لحل النزاعات الإقليمية والدولية وأوليات تلك الأنشطة على المدى المنظور.
ميزات دول مجلس التعاون
- الموقع الإستراتيجي: تمتلك دول الخليج موقعاً إستراتيجياً تلتقي فيه أهم ممرات التجارة العالمية وقد زاد من أهمية المنطقة تطوير الموانئ البحرية والجوية في دول المنطقة خصوصاً في دولة الإمارات وقطر والمملكة العربية السعودية فأصبحت هذه الموانئ عصباً حيوياً في حركة النقل العالمي.
- القوة الإقتصادية: تمثل دول الخليج بما تمتلكه من موارد طبيعية خصوصاً النفط والغاز قوة إقتصادية عالمية تستطيع من خلالها التأثير في مجريات الأمور في العالم. ولاننسى هنا أن القوة الاقتصادية لدول الخليج لاتعتمد على النفط فقط بل هناك الاستثمارات الخليجية خصوصاً في أوروبا وأمريكا وكذلك اهتمام الدول الصناعية بالأسواق الخليجية، وهي بذلك تمتلك مكانة ومصداقية نادرة بين دول العالم.
- الانتماء العربي: دول الخليج جزء من المنظومة العربية التي تمثلها الجامعة العربية، وتلعب دوراً حيوياً في الأحداث الجارية في المنطقة سواء كان بصورة مباشرة أو من خلال الجامعة أو مجلس التعاون. هذا البعد يشكل فرصة كبيرة لنمو القوة الناعمة كما أنه يمثل المصدر الأول لإهدارها من خلال المشكلات التي عصفت وما تزال بالمنطقة لذلك لابد من العمل على تصفير الأزمات التي تحولت إلى صراعات استنزاف لقدرات الأمة وأضعفت موقعها العالمي وقوتها الناعمة.
- البعد الإسلامي: يمثل العالم الإسلامي ربع سكان العالم حيث يشكل المسلمون أغلبية في العديد من الدول وهذا يجعل منهم قوة لايستهان بها كما أن دول الخليج وخصوصاً المملكة العربية السعودية لكونها بلد الحرمين الشريفين وما يمثله ذلك من رمزية بالنسبة للمسلمين الذين يتوافدون عليها بالملايين في كل عام لتأدية الحج والعمرة كذلك وجود منظمة التعاون الإسلامي في جدة وهي أكبر منظمة دولية بعد الأمم المتحدة كل هذا يشكل قاعدة لقوة ناعمة كبيرة لذلك يتوجب على دول الخليج وخصوصاً المملكة العربية السعودية تبني قضايا الأقليات المسلمة لأن ذلك من أهم وسائل دعم مكانتها العالمية وقوتها الناعمة.
- الدور الإقليمي: تشكيل مجلس التعاون الخليجي منح الدول المشاركة فيه قوة مضافة من خلال التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين دول المجلس من جهة والدول المؤثرة عالمياً مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا الاتحادية من جهة أخرى.
أولويات الحراك الدبلوماسي الخليجي
ليس هناك من ندرة في التحديات التي تواجه دول المنطقة والعالم وهي جميعًا بحاجة إلى مبادرات سياسية جريئة ودبلوماسية فاعلة ولعل في مقدمتها:
- المفاوضات حول المشروع النووي الإيراني: تعتبر المفاوضات بين إيران من جهة والدول الكبرى بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى حول مشروعها النووي أحد أهم الاستحقاقات التي تواجه دول المنطقة والعالم. نتيجة هذه المفاوضات سوف تترتب عليها العديد من الأوضاع وفي مقدمتها خيار الحرب أو السلام في المنطقة ومستقبل الدور الإيراني فيها، لقد كان من الخطأ على دول المنطقة ترك الدول الكبرى تتفاوض مع إيران خلال إدارة الرئيس الأسبق أوباما من دون أن يكون لها أي دور في رسم معالم الاتفاق أو نتائجه البعيدة التي تمس أمنها وسيادتها بصورة أقوى من الدول المشاركة في المفاوضات. ولعل هذه هي إحدى العوامل التي أدت إلى فشل الاتفاق في توفير الحد الأدنى من الطمأنة لدول المنطقة تجاه النوايا الإيرانية. العلاقات المتوترة بين إيران وإدارة ترامب توفر فرصة مواتية لدول المنطقة للقيام بدور فاعل في المفاوضات من أجل إبعاد شبح الحرب عن المنطقة والتوصل إلى حل يضمن مصالحها.
- الحل العادل للقضية الفلسطينية: الحرب الدائرة في غزة منذ عامين أعادت القضية الفلسطينية إلى مقدمة الأولويات العالمية. هناك حاجة ماسة لدول الخليج للعب دور دبلوماسي في المفاوضات الدائرة لأن النتائج تمس الأمن الإقليمي بصورة مباشرة كما أن غياب الدعم الدبلوماسي الإقليمي في ضوء الوضع الفلسطيني السياسي الذي أقل ما يمكن أن يوصف به هو الضعف، سوف يعني استمرار المعاناة وانعدام الأمن في المنطقة. دور المملكة في رعاية مبادرة حل الدولتين مع فرنسا كان خطوة دبلوماسية كبيرة وهي بحاجة إلى البناء عليها لكي تؤتي ثمارها.
- حل النزاع في اليمن: تحول الصراع في اليمن إلى حرب استنزاف لمقدرات اليمن ودول الإقليم وفي مقدمتها السعودية والإمارات وهي القضية التي حذرنا منها مراراً. العلاقات التي تتمتع بها دول الخليج مع الولايات المتحدة يجب الاستفادة منها للتوصل إلى تفاهم حول الوضع المستقبلي في اليمن الذي يضمن عودته إلى حاضنته العربية ويساهم بشكل فعال في العملية التنموية وإعادة الإعمار.
- التوسط في حل النزاعات في الساحة السورية: تعاني سوريا منذ سقوط النظام السابق العديد من الصراعات الداخلية المدعومة بأجندات إقليمية وعالمية تدفع بها نحو تمزيق ما تبقى من اللحمة السورية. أن وجود سوريا موحدة وآمنة مصلحة استراتيجية لدول الإقليم وفي مقدمتها دول الخليج لما تمثله من مصالح سياسية وأمنية واقتصادية. لذلك وجب على دول الخليج العمل الدؤوب في إسناد الحكومة القائمة لكي تتجاوز المنعطفات الصعبة التي تواجهها وإرسال رسالة واضحة إلى كل من يحاول إذكاء النعرات الطائفية والعرقية بخطورتها على الجميع والعمل المشترك على التصدي لها ووأد الفتنة الطائفية في مهدها وفسح المجال أمام إعادة الإعمار وإحلال السلم والأمن.
- الوساطة بين العراق والكويت في سبيل التوصل إلى الترسيم النهائي للحدود بين البلدين: كانت قضية ترسيم الحدود بين دول المنطقة من مخلفات الاستعمار البريطاني الذي ترك العديد من القضايا العالقة بين دول الإقليم لكي يضمن ديمومة النزاعات الإقليمية مثل المناطق المحايدة والعديد من القضايا الحدودية ومن أهمها الحدود العراقية مع إيران والكويت. مرة أخرى تعود هذه القضية إلى الواجهة من خلال النزاع بين العراق والكويت على منطقة خور عبد الله. إن خطورة هذه القضية تتجلى في العديد من الجوانب الحيوية ومن أهمها إعادة العلاقات الأخوية بين العراق والكويت بوصفها خطوة أولية في سبيل عودة العراق إلى الحاضنة الخليجية والثانية تتعلق بأهمية الممر الاقتصادي الذي يربط منطقة الخليج بأوروبا من خلال العراق وتركيا.
- دعم المبادرات الرامية إلى تحقيق السلام في السودان لأن ذلك يمثل مصلحة استراتيجية لدول الخليج.
مالذي تحتاجه دول الخليج لكي تنجح في مهمتها
- التركيز على القضايا التي تهم مصالح المنطقة بصورة مباشرة وتحديد الأولويات بناء على أهمية القضايا وقدرات دول المنطقة على التأثير فيها.
- تكثيف التأهيل الدبلوماسي خصوصاً في مجال التفاوض والاستفادة من قدرات المعاهد الدبلوماسية العالمية ورفع كفاءة المعاهد الدبلوماسية المحلية من خلال رفدها بالكوادر الكفوءة التي تمتلك خبرة في الدبلوماسية العامة وفن التفاوض.
- تطوير العلاقات مع المنظمات الدولية وخصوصاً الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي ودعم جهودها الرامية للتوسط في القضايا العالمية والإقليمية
- تطوير جهود الوساطة المشتركة من خلال تقوية الذراع الدبلوماسي لمجلس التعاون الخليجي الذي من الممكن أن يوفر الفرصة أمام دول المجلس مجتمعة لكي تلعب دور الوساطة في العديد من الأزمات. هذا العمل سوف تكون له ثمرات عديدة من أهمها الجدية في توحيد مواقف دول الخليج تجاه القضايا الخارجية ويوفر للعالم فرصة لمعرفة تلك السياسات على أرض الواقع. بالطبع هذه الجهود يجب ألا تكون بديلاً عن الجهود الفردية لدول المجلس بل مساندة لها.
- تطوير وسائل إسناد الحراك الدبلوماسي مثل مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية التي تقوم بدراسة أهم القضايا العالمية والإقليمية وتقديم الدراسات حول القضايا ذات الاهتمام واقتراح الحلول والبدائل ودعم هذه المراكز بجميع الوسائل لكي تكون عنصراً فاعلاً في دعم الجهود الدبلوماسية لدول الخليج. إن الدور الذي تقوم به هذه المراكز يتجاوز الدراسات والتقارير، وهي مهمة جدًا، إلى الدخول في تفاصيل الصراعات والعوامل المؤثرة فيها، من خلال التواصل غير الرسمي بين أطراف النزاعات ومحاولة جس النبض واستبيان مواقف الأطراف المختلفة وتمهيد الطرق أمام الوساطة الرسمية.
