سرية دين الصابئة جعلتهم في عزلة ولهم 3 صلوات وقبلتهم القطب الشمالي ويزعمون أنهم على دين نوح
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. دهام محمد العزاوي
أستاذ بجامعة الفلوجة ــــــ العراق
لازالت قضية الأقليات الدينية في العراق تثير جدلاً محتدماً في ظل عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي يدفع ثمنه المواطن البسيط قتلاً وخطفًا وتهجيراً. فأقليات العراق الدينية والقومية ليست مجرد “أقليات”، بل جماعات أصيلة ذات جذور ضاربة في عمق التاريخ، انصهرت في هذه الأرض ودافعت عنها رغم تبدل الظروف. فالآشوريون والكلدانيون والسريان هم أحفاد الحضارات القديمة، واليهود قبل هجرتهم لإسرائيل عاشوا في وادي الرافدين آلاف السنين وتشربوا قيمه، والأيزيديون يعدّون أنفسهم أقدم الديانات العراقية، فيما يرى الصابئة المندائيون أنهم أول الأقوام التي سكنت بلاد الرافدين، إلى جانب الديانات الكاكائية والشبكية والعلي إلهي وغيرها.
أولًا: أقليات العراق: تاريخ من التعايش وحاضر من التهميش
وقد شكّل هذا التنوع أحد سمات الشخصية العراقية التي امتزجت فيها صفات الأقوام التي حكمت البلاد، فظهرت قوية لكنها متسامحة وقابلة للتعايش. ومنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921م، ساد مبدأ المواطنة، وشارك أبناء الأقليات إلى حد كبير، في بناء مؤسسات الدولة والجيش والبرلمان، إذ قدّم نواب اليهود والمسيحيين والصابئة عشرات اللوائح التي طوّرت الحياة السياسية والاجتماعية.
لكن بعد عام 2003م، تغيّر المشهد، ففرض نظام المحاصصة الطائفية والقومية واقعاً جديداً، وبرز الفكر المتطرف الذي لا يمثل ثقافة العراقيين. فتعرضت الأقليات للتصفية والتهجير، خاصة المسيحيين والأيزيديين والصابئة. ووفق تقرير الأسقف فيليب ماونستيفن (2019م) تراجع عدد المسيحيين إلى نحو (120) ألفاً بعد أن كانوا (1.5) مليون قبل 2003م، كما أدى نظام الكوتا إلى تهميش تمثيلهم السياسي وإضعاف حمايتهم.
واليوم، لا يزال واقع الأقليات صعباً؛ فالأيزيديون في مخيمات النزوح في دهوك لم يعود غالبيتهم لمناطقهم، والمسيحيون العائدون إلى سهل نينوى يتملكهم الخوف من عودة الإرهاب، والصابئة في بغداد لازالوا يعيشون الخوف، والشبك والتركمان في نينوى وكركوك يعانون ظروفاً مشابهة. إن إعادة بناء الثقة والتعايش وتعويض النازحين والمتضررين، تبقى تحديات وطنية كبرى أمام عراقٍ يسعى لاستعادة تنوعه الإنساني والحضاري.
ثانيًا: الصابئة المندائيون: النشأة والمعتقد والانتشار
حينما نتحدث عن تاريخ طائفة الصابئة المندائيين فإننا نتكلم عن أقدم ديانة ارتبطت بحضارة بلاد ما بين النهرين. فقد عاش الصابئة في هذه الأرض منذ آلاف السنين، ولا يعرف تاريخ محدد لنشأة هذه الديانة، إلا أن المعلوم أن الصابئة أهل دين قديم يرقى وفق اعتقادهم إلى صحف آدم ونوح وإبراهيم. وكلمة الصابئة مشتقة من كلمة صبأ الآرامية والتي تعني الارتماس في الماء، ولهذا سماهم المؤرخون بالمغتسلة والرشيين لارتباط طقوسهم بالماء! ولكنهم يفضلون تسميتهم بالمندائيين، والمندى هي التسمية الصحيحة للصابئة وهي كلمة آرامية تعني العلم والمعرفة، فالصابئة المندائيين هم المتعمدين العارفين بدين الحق (عدي خماس: 2024). وقد اعتاد الرحالة الغربيون في الشرق على تسميتهم بنصارى القديس يوحنا، نسبة إلى النبي يحيى ابن خالة عيسى المسيح، ويعرّفهم الأوربيون الذين قدموا العراق في الحرب العالمية الأولى باسم ( صاغة الفضة العماريين)، نسبة إلى مدينة العمارة في جنوبي العراق، وحسب الفيروز أبادي في قاموسه المحيط، فإن الصابئين يزعمون أنهم على دين نوح وقبلتهم من مهب الشمال عند منتصف النهار، ويصف الزمخشري الصابئة بأنهم قوم عدلوا عن دين النصارى واليهود وعبدوا الكواكب، وقدسوا الملائكة وهي تهمة ينفيها الصابئة، ويؤكدون أن عبادة الله الحي العظيم هي مرتكز دينهم، وأن القطب الشمالي وكوكب الجدي هو محل القياس والاتجاه في الصلاة، وقد أكد العلامة جلال السيوطي في كتابه حسن المحاضرة هذا الاتجاه بتأكيده أن عقيدة الصابئة هي توحيد الله تعالى والصلاة والطهارة وغير ذلك. وقد سكن الصابئة المندائيون في مناطق متفرقة من العراق، ولكن مناطق انتشارهم الأصيلة كانت في مناطق جنوبي العراق، وعلى مصبات الأنهار في البصرة والناصرية والعمارة، كما ينتشرون في الجنوب الغربي لإيران في محافظتي عبادان والمحمرة، وتتفاوت النسب في تقدير أعدادهم، حيث تشير التقديرات المتوافرة إلى أن أعدادهم بلغت في إحصاء عام 1977م، ما يقارب ( 15,937) ألف نسمة، والحقيقة أن الرقم خضع للزيادة ومن ثم النقصان، نتيجة هجرة الكثيرين منهم في سنوات الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988م، ومن ثم ظروف الحصار الاقتصادي ضد العراق 1990م، ولاحقًا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م. ولا شك أن حب الصابئة للموادعة وللسلام ساهم عبر التاريخ إلى اندماجهم الاجتماعي مع أهل الجنوب المسلمين، فشاركوهم مناسباتهم الاجتماعية وتسموا بأسمائهم وتأثروا بعاداتهم، كما تأثرت لهجة أهل الجنوب بالكثير من مفردات اللغة المندائية. وبعد ولادة الدولة العراقية الحديثة عام 1921م، ودخول العراق مرحلة المدنية، انتقل الكثير من الصابئة إلى مناطق أخرى من العراق، طلبًا للرزق وبحثًا عن فرص أفضل، حيث استقرت أعداد منهم في بغداد في حي القادسية حيث يوجد معبدهم الشهير(المندى)، وكذلك في محافظات ديالى وكركوك والأنبار، وعلى ضفاف الأنهار أو قريبًا منها. وعرف عنهم مهارتهم بالتجارة والصناعات الحرفية كالحدادة والنجارة والصياغة، فهم يجيدون صياغة الفضة والذهب، ولا تكاد تعرف أحدًا يعمل في الصياغة إلا وتجزم انه صابئي أو تعلم على يد رجل صابئي. وقد ترك الصابئة أثرًا قيمًا في التاريخ الإسلامي والوطني، حيث ظهرت في تاريخ الدولة الإسلامية شخصيات صابئية برعت في مهنة الكتابة والطب والأدب والتاريخ نذكر منهم أسرة آل زهرون وآل قرة وآل الحراني، وفي عهود الدولة العراقية الحديثة، برزت شخصيات وطنية تركت أثرها في الساحة العراقية من الناحية العلمية والأدبية والفنية، منهم عالم الفيزياء المعروف ورئيس جامعة بغداد في الخمسينيات عبد الجبار عبد الله، وشاعر العراق الكبير عبد الرزاق عبد الواحد، وشاعرة الحب والوطن لميعة عباس عمارة والفنانة سهام السبتي وعشرات غيرهم. ونتيجة جهودهم وبصماتهم في الواقع العراقي، فقد تم الاعتراف بهم كطائفة دينية مستقلة طبقًا لقانون نظام رعاية الطوائف الدينية رقم 31 لسنة 1981م، كما اعترف الدستور العراقي الدائم لسنة 2005م، بوجودهم كطائفة دينية مستقلة.
ثالثًا: الصابئة المندائيون في مرآة الديانات الأخرى
يجهل غالبية العراقيين دين الصابئة وتلتبس عليهم حقيقة معتقداتهم، ولولا الإشارات القرآنية عنهم في سورتي البقرة والمائدة، لما علم أحد بوجودهم، ولهذا تمت إحاطة عقائدهم بكثير من الأوهام والخرافات، لعل أهمها أنهم عبدة الكواكب، وأنهم فرقة انحرفت عن النصرانية، وأنهم يخنقون المحتضر قبل موته تخليصًا له من العذاب، وأنهم يخنقون ذبائحهم، وحين البحث في عاداتهم الدينية قد لا يجد المرء إجابة شافية عن تفاصيل طقوسهم وتراتيلهم، فهي تحاط بالسرية، ولا يبوح لك الصابئي بطبيعة دينه ولا يظهر أمام العامة سوى مشاهد الارتماس في نهر دجلة وقت أعيادهم مؤدين حركات غير مفهومة. إن الطبيعة السرية لدين الصابئة جعلتهم وفقًا للباحث عدي خماس يعيشون في عزلة اجتماعية، وترتب على ذلك نظرة تمييزية ضدهم من قبل عوام المسلمين، فلا يصافحونهم ولا يأكلون الطعام معهم، كونهم أنجاس حسب وصفه (عدي خماس: 2024). يُعرف الصابئة المندائيون في الوعي الشعبي بأنهم أتباع النبي يحيى بن زكريا (يوحنا المعمدان)، إلا أنّ الباحثة البريطانية الليدي دراوور تؤكد في كتابها الصابئة المندائيون أنهم لا يعترفون بيوحنا نبيًا، ولا يعدّون شعائرهم التعميدية مقتبسة من تعاليمه، بل يرونه معلّمًا عظيمًا مارس وظيفة التعميد ككاهن. وتقرّ دراوور بأنّ الديانة المندائية ليس لها مؤسس محدد، إذ يعتقد أتباعها أن آدم هو نبيهم الأول، وأنّ إبراهيم كان صابئيًا، بل أن سلمان الفارسي لم يكن مجوسيًا قبل إسلامه، بل صابئيًا حسب مروياتهم. بينما خضعت كتبهم المقدسة، وعلى رأسها الكنزا ربا، لتعديلات وإضافات عبر قرون طويلة من القلق والترحال والكتمان. ( دراوور: 1987م)
ويرى بعض الباحثين أن انحصار علم الكتاب المقدس في طبقة الكهنوت الذين يجيدون اللغة الآرامية جعل من الصعب على العامة الاطلاع على تفاصيل العقيدة، مما أدى إلى نشوء أوهام شائعة عنهم. ففي المصادر اليهودية وُصفوا بأنهم عبدة أصنام، وفي الكتابات المسيحية اعتُبروا فرقةً منشقةً عن النصرانية، أما بعض فقهاء المسلمين فقد رأوهم عبدة كواكب، حتى أن أبا سعيد الإصطخري الشافعي أفتى بإراقة دمائهم في عهد القاهر بالله العباسي، في حين أجاز القاضي أبو يوسف أخذ الجزية منهم، إلا أن أبا حنيفة عدّهم من أهل الكتاب، وجوز أكل ذبائحهم والزواج بنسائهم مستندًا إلى قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ) المائدة/5.
غير أن نصوص الكنزا ربا تفنّد تهمة عبادة الكواكب، وتقر بوحدانية الله. ويرى الباحث رشيد الخيون أن الصابئة لا يقدّسون يحيى بن زكريا (يهيه يهانا)، كنبي وإنما باعتباره “الربّاني الوحيد”، وهي أعلى درجة دينية لديهم، ويعتقدون أنه أحيا ديانتهم بعد اندثارها وجمع شتاتهم بعد حروبهم مع بني إسرائيل. (الخيون:2008)
ولا شك أن الصابئة قد ظُلموا تاريخيًا بسبب غموض دينهم وسرّيته حتى على أتباعه، إذ تشير رواية الشيخ عبد الله، وهو أحد رجال دينهم، إلى أن ثلاثة بالمئة فقط من الصابئة يفهمون كتبهم المقدسة لجهل الباقين باللغة الآرامية، الأمر الذي أدى إلى شيوع خرافات لا أساس لها من الحقيقة.
رابعًا: العقيدة المندائية بين الثبات والتجديد
يقر الصابئة بالصلاة كأحد أركان ديانتهم، ويقولون إن الله فرض عليهم سبع صلوات في اليوم، إلا أن يحيى قصرها إلى ثلاث صلوات، هي صلاة الصبح والظهر والمغرب، يتوجه خلالها المصلي إلى القطب الشمالي (الجدي)، الذي يكون عنده ملك الأنوار. أما الصوم فمحرم في شريعتهم، إذ يعتبرون أن الصوم الحقيقي هو الصوم الروحاني المتمثل بالابتعاد عن الأعمال الشريرة التي تفقد الإنسان مروءته وإنسانيته (الخيون 2008). وقد حرمت شريعتهم الكثير مما حرم في شريعة الإسلام كقتل النفس والسرقة والكذب واللواطة والزنا والموسيقى وشرب الخمر إلا قليلًا، كما حرموا الجماع بالحائض والنفساء وحلق الذقن والختان وحلق شعر الرأس، وقالوا إن الله لم يخلق زائدا في البدن ليزال أو يقطع، وحسب المصادر المندائية، لا يحق للرجل المندائي أن يتزوج بأكثر من واحدة، ولا يجوز الجمع بين الأختين. أما عقيدتهم في الموت والبعث فإن المريض إذا احتضر فإنه يغسل ويكفن وهو في حالة النزع ولا يمس وهو ميت، ومن لمسه لا يطهر ولو اغتسل بجميع مياه البحر أو تعمد ألف مرة، ويعتقدون أن الميت في الآخرة إما إلى النعيم أو الجحيم. (الخيون:2008) وفي الواقع تأثرت بعض التعاليم المندائية بالحداثة وتغير أنماط الحياة. فقد استحدث رجال الدين بعض الأحكام الجديدة، منها التخلي عن ذبح السمك لأنه لم يعد يُصاد حيًّا من المياه الجارية كما في الماضي، وتم تقليص الصلوات من سبعة إلى خمسة ثم إلى ثلاث صلوات. وتراجع الالتزام بالتعميد اليومي لصعوبة الوصول إلى المياه الجارية، واقتصر ارتداء اللباس الديني على رجال الدين وفي المناسبات. ولعدم وجود نصوص تتعلق ببعض الأحكام كالميراث فقد تم اللجوء إلى المحاكم المدنية لفض نزاعات الملكية. وكذلك الحال في أمور الطلاق والخلافات الشخصية.
خامسًا: هجرة المندائيين وتحديات البقاء في المهجر
تعرض الصابئة المندائيون، كغيرهم من أقليات العراق، لتهديدات إرهابية بعد عام 2003م، إذ قامت التنظيمات المسلحة مثل القاعدة وداعش وبعض الجماعات الشيعية المسلحة بتهديد وقتل وتهجير المئات منهم من أحياء بغداد، بدوافع دينية تتعلق بتكفيرهم، أو بدوافع مادية تتعلق بالاستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم.
ويؤكد عضو البرلمان العراقي الأسبق خالد رومي أن شارع النهر في بغداد، المعروف بسيطرة الصابئة على تجارة وصياغة الذهب والفضة، قد أُفرغ بعد عام 2003م، بعد أن تم تهديد التجار والصاغة الصبة، فباع بعضهم ممتلكاتهم بثمن بخس، وترك آخرون محلاتهم بلا مقابل، فيما تعرض آخرون للابتزاز أو القتل أو التهديد من قبل الجماعات المسلحة.
ولعل الهجرة الكبرى للصابئة كانت بعد عام 2014م، حين شكلت تهديدات داعش لبغداد وكركوك وديالى جرس إنذار خطيراً للعوائل الصابئية، فبادرت إلى بيع منازلها وتركها والهجرة إلى خارج العراق، مما أثر في التركيبة السكانية لهذه الطائفة، إذ لم يتبقَّ منهم في عموم العراق سوى آلاف الأفراد بعد أن أخذوا يشعرون بعدم الأمان.
ويستقر اليوم آلاف الصابئة في دول المهجر، ولاسيما في أستراليا والسويد والدنمارك وألمانيا، حيث بدأوا يمارسون طقوسهم الدينية بحرية وانفتاح، مع ما في الهجرة من آثار نفسية وانقسامات للعائلة الواحدة، واحتمالات الذوبان في مجتمعات المهجر. وبكل أسف فإن استمرار الهجرة القسرية للصابئة المندائيين ستؤدي مستقبلًا إلى تفكك مجتمعهم التاريخي، ما يعني استمرارية تهديد تراثٍ ديني وثقافي عريق ظلّ قرونًا جزءًا من هوية بلاد الرافدين.
