تركيبة المجتمع الإسرائيلي تعزز فرص اليمين المتطرف في تغيير التشريعيات وزيادة العنف واستخدام السلاح
Jerusalem, Israel 7 fevrier 2024 - A crowd of Hasidic Jews gather in the street for a demonstration
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. رياض شريم
باحث في الشؤون الفلسطينية والإسرائيلية
يقرّ كبار علماء الاجتماع في إسرائيل أنّ نشأة “المجتمع الإسرائيلي” كانت حديثة، بل وحديثة جداً، وعلى رأس هؤلاء العلماء شموئيل آيزنشتادت الذي أشار إلى تشكّل نواة ذلك المجتمع ومركزه في الهجرتين الثانية (1904-1914م) والثالثة (1919-1923م) إلى فلسطين، وهي الهجرات التي تميّزت بدوافعها الأيديولوجية العالية وأهدافها السياسية الواضحة، وقدرة تلك النواة بعد قيام إسرائيل على استيعاب الهجرات التالية الأقل أدلجة، خاصة من الدول العربية والإسلامية، وهو ما يؤكده كذلك عالم الاجتماع الإسرائيلي باروخ كيمرلينغ في كتابه “المجتمع الإسرائيلي: مهاجرون، مستعمرون، مواليد البلد” الصادر عن المنظمة العربية للترجمة عام 2011م.
بالإضافة إلى تلك النشأة للحديثة للمجتمع الإسرائيلي، من المهم الانطلاق من تشخيص طبيعة ذلك المجتمع الاستعمارية الاستيطانية وارتباطها بالثقافة العبرية ذات النزعة الأوروبية من أجل تقديم قراءة موضوعية للتركيبات الاثنية والمذهبية، واستقراء مفاعيل تلك التركيبات المتباينة وشبكة تفاعلاتها على مستقبل إسرائيل (المجتمع والدولة).
التركيبة الإثنية في المجتمع الإسـرائيلي
يتكون المجتمع الإسرائيلي من الناحية الإثنية/ العرقية من اليهود الغربيين (الأشكناز)، واليهود الشرقيين (السفارديم والمزراحيين)، واليهود الاثيوبيين (الفلاشا)، إلى جانب العرب الفلسطينيين الذين بقوا في البلاد بعد النكبة وتأسيس دولة إسرائيل، ويشكّل اليهود الغربيون الذين ينحدرون من أوروبا الشرقية في الأساس أكثر من 80% من اليهود في العالم (بلغ عددهم 16 مليون نسمة تقريباً نهاية عام 2024)، منهم حوالي سبعة ملايين ونصف في إسرائيل، وستة ملايين ونصف في الولايات المتحدة، كما يشكّلون نحو 32 % من المجتمع الإسرائيلي، وقد تعزز وجودهم الديمغرافي بعد موجات هجرة اليهود الروس مطلع تسعينيات القرن الماضي (قارب عدد اليهود الروس مليون ونصف في عام 2025)، وترسّخت سيطرتهم على أجهزة الدولة الحكومية ودوائر صنع السياسات فيها، كالجيش والمؤسسة الأمنية بكافة فروعها، بموازاة الهيمنة على قطاعات القضاء والتعليم والاقتصاد، وتربّع (الطبقة الأشكنازية الرأسمالية) على قمة الهرم الاقتصادي/ الاجتماعي بحكم قوتها في القطاع الخاص، وحيازتها للأملاك والعقارات ووسائل الإنتاج التقليدية والمتقدمة.
أما اليهود الشرقيين (السفارديم من يهود اسبانيا/ الأندلس، والمزراحيين من أبناء المجتمعات العربية والإسلامية) فتتراوح نسبتهم في المجتمع الإسرائيلي من بين 40 إلى 45% من مجموع السكان، وعانوا من التهميش السياسي والتمييز الاجتماعي والتفاوت الطبقي من قبل النخب اليهودية الغربية التي تتحكم في مفاصل الدولة والمجتمع، وتحسّنت أوضاعهم بشكل طفيف بفعل “الإصلاحات السياسية” التي قام بها حزب “الليكود” لصالحهم، وبعد تأسيس أحزابهم الخاصة، وعلى رأسها حزب “شاس” في العام 1984م.
اليهود الأثيوبيون يبلغ تعدادهم نحو 145 ألف نسمة (2% من السكان)، ويعانون من التمييز الشديد في المجتمع الإسرائيلي، سواء من حيث إسكانهم في المناطق النائية أو مدن التطوير، أو ارتفاع نسبة الفقر (أكثر من 50% منهم تحت خط الفقر)، أو انخفاض مستوى الدخل، أو تدني المستوى التعليمي، أو حتى التشكيك في يهوديتهم، وكثيراً ما تشهد مناطق تواجدهم احتجاجات وصدامات مع الشرطة نتيجة الممارسات العنصرية ضدهم.
العرب الفلسطينيون، وهم أهل البلاد الأصليين الذين بقوا في مدنهم وبلداتهم وقراهم، بلغ تعدادهم عام 2025 نحو 2,1 مليون نسمة (21% من السكان)، ويتركز وجودهم في مناطق الجليل، والمثلث، والنقب، حيث يشكّلون أغلبية ديمغرافية، بالإضافة إلى المدن والبلدات المختلطة، وقد تعرضوا لمستويات مركبة من التمييز والتهميش والاقصاء والقمع رغم اكتسابهم صفة المواطنة القانونية، حيث خضعوا للحكم العسكري الإسرائيلي من عام 1948 وحتى عام 1966م، ولا يزالون يتعرضون للتمييز في كافة المجالات، القانونية والسياسية والاقتصادية وغيرها.
وبالإضافة إلى المجموعات الإثنية السابقة، تعيش في المجتمع الإسرائيلي عدة مجموعات صغيرة، بعضها يكتسب صفة المواطنة القانونية، كالمجموعة الشركسية (مسلمون سنّة)، البالغ عددها نحو خمسة آلاف نسمة، بالإضافة إلى 250 ألف شخص آخرين (2.5% من السكان) من الطلاب الدوليين والعمال الأجانب والمهاجرين غير المسجلين.
تعدديات موازية
بالتقاطع مع التباينات الإثنية تظهر في المجتمع الإسرائيلي مستويات أخرى مختلفة من التعدديات التي لا تقل أهمية في بعض الأحيان، وعلى رأسها التباين الديني/ العلماني، والتباين المناطقي، والتباين الوطني/ القومي، وتباين الصابرا/ المهاجر، والتباين الطبقي، والتباين السياسي، والتباين داخل الإثنية الواحدة.
في مستوى التباين الديني/ العلماني، وحسب الإحصاءات الإسرائيلية عام 2023م، فإنّ 43.9% من اليهود يعرّفون أنفسهم على أنهم علمانيون، و32.9% على أنهم تقليديون، و11.5% على أنهم متدينون، و10.9% على أنهم أرثوذكسيون. وهذا التباين الديني/ العلماني يظهر حزبياً/ سياسياً في البعد العمودي، كما يظهر مجتمعياً/ ديمغرافياً في البعد الأفقي، حيث تتوزع الأحزاب الإسرائيلية عمودياً ما بين أحزاب علمانية (يمين، ووسط، ويسار)، كأحزاب الليكود، والعمل، وميرتس، وهناك مستقبل، وإسرائيل بيتنا، ومعسكر الدولة، وأحزاب متدينة (صهيونية، ومتزمتة/ حريدية)، كأحزاب الصهيونية الدينية (سموتريتش)، والعظمة اليهودية (بن غفير)، وشاس، ويهودية التوراة.
أفقياً ينقسم المجتمع كله، بسائر مكوناته الديمغرافية، إلى علمانيين ومتدينين، حيث تظهر لدى اليهود الغربيين (الأشكناز) أحزاب علمانية، كالليكود، والعمل، وإسرائيل بيتنا (اليهود الروس)، وأحزاب دينية/ صهيونية كحزب الصهيونية الدينية (سموتريتش)، وأحزاب متزمتة/ حريدية غير صهيونية كحزب يهودية التوراة (أغودات يسرائيل وديجل هتوراة)، وحريدية معادية للصهيونية ولا تعترف بإسرائيل كحركة ناطوري كارتا، كما تظهر لدى اليهود الشرقيين (السفارديم والمزراحيين) أحزاب دينية/ صهيونية كحزب العظمة اليهودية (بن غفير)، وأحزاب متزمتة/ حريدية غير صهيونية كحزب شاس، فيما لا يوجد حزب علماني يمثلهم، ويتوزع العلمانيون منهم على أحزاب اليمين والوسط كالليكود، وهناك مستقبل، ومعسكر الدولة، وغيرها.
مستوى التباين المناطقي يظهر في وجود مركزين حضريين كبيرين، والعديد من الأطراف، حيث تمثل مدينة القدس مركزاً بوصفها أكبر مدينة من حيث عدد السكان، ومن اعتبارها عاصمة سياسية وادارية للدولة، وبما تضمه من مراكز السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، وبما تمثله من مكانة رمزية، والأهم: باعتبارها التجمع الأهم والأكبر لليهود المتدينين المتزمتين (الحريديم)، فيما تمثل مدينة تل أبيب مركزاً بوصفها ثاني أكبر مدينة من حيث عدد السكان، وباعتبارها عاصمة اقتصادية، وبحكم موقعها في مركز البلاد وعلى شاطئ البحر المتوسط، والأهم: باعتبارها التجمع الأهم للإسرائيليين العلمانيين والليبراليين.
أما الأطراف فهي كثيرة، وتتوزع بناء على اعتبارات ديمغرافية إثنية، وأيديولوجية، ودينية، وأحياناً اقتصادية وعسكرية، حيث يتركز الوجود اليهودي الغربي في المدن الكبرى ذات الامتيازات، كتل أبيب وحيفا وهرتسيليا والأحياء الحديثة في مدينة القدس، ويتركز الوجود اليهودي الشرقي في المدن والبلدات الأقل تحضراً، كبيسان وعسقلان وأسدود وبئر السبع ورأس العين، أو في أحياء ضيقة في المدن الكبرى، في حين يتركز وجود اليهود الأثيوبيين في الأحياء الفقيرة في ضواحي تل أبيب الجنوبية، كما يتركز الوجود العربي الفلسطيني في مناطق الجليل والمثلث والنقب.
الاعتبارات الأيديولوجية كان لها دور في التباين المناطقي من خلال حركة الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، كما في مناطق الجليل والنقب ذات الأغلبية العربية الفلسطينية، في حين تبرز الاعتبارات الدينية في وجود بلدات وأحياء كبرى مغلقة لليهود المتدينين المتزمتين (الحريديم)، كحي مائة شعاريم في القدس، ومدينة بني براك شرق تل أبيب، في حين تظهر الاعتبارات الاقتصادية والعسكرية في انشاء التجمعات السكانية الحدودية والمناطق التطويرية التي يتم إسكان المهاجرين الجدد فيها (من غير الأشكناز غالباً).
مستوى التباين الوطني/ القومي يظهر بوضوح في علاقات (الأقلية القومية العربية الفلسطينية) مع باقي مكونات المجتمع الإسرائيلي اليهودية، على اختلاف تنوعاتها، في حين تظهر تباينات أخرى داخل المجتمع الاسرائيلي، كتباين (الصابرا/ المهاجر) بين من ولد في إسرائيل ومن هاجر إليها، حيث يشير مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي إلى أن 68% من اليهود الإسرائيليين عام 2020 ولدوا في إسرائيل، والتباين الطبقي كظاهرة موجودة في كل المجتمعات، والتباين السياسي على خلفية الموقف من القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، والتباين داخل الإثنية الواحدة، كتباين اليهود الروس عن اليهود الغربيين، أو تباين اليهود الشرقيين السفارديم عن اليهود الشرقيين المزراحيين.
من التباين إلى الصراع
حالات التباين المركبّة في المجتمع الإسرائيلي شكّلت، ولا زالت تشكّل، مجال الصراعات المستمرة في ذلك المجتمع، وهي صراعات قد يتم تأجيلها أو تغييبها نسبياً في بعض الأحيان بحكم الظروف الموضوعية التي تعمل على تراجع تأثير تلك التباينات في مواجهة خطر داهم أو عدو مشترك، كما يحصل في حالة الحروب، وآخرها حروب السابع من أكتوبر، لكنها في المقابل تظهر على شكل صراعات حادة في حالة الهدوء النسبي، كما كان الحال قبل السابع من أكتوبر، أو في العام 1995م، حين وصلت تلك الصراعات ذروتها باغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق اسحق رابين في ذلك العام.
فالمجتمع الإسرائيلي يواجه مشكلات (غير تقليدية) بحكم طبيعته التأسيسية وبنيته التكوينية وحالة الصراع الدائم على أكثر من صعيد، وهي مشكلات تحمل بذور تطور التباينات إلى صراعات حادة في حالة توفر الظروف المواتية، كمشكلة التطرف والعسكرة، والتي طغت على المجتمع الإسرائيلي في العقدين الأخيرين، ومشكلة عصابات الجريمة المنظمة، وارتفاع نسب الجرائم الخطيرة المرتبطة بتلك العصابات، خاصة تجارة السلاح والمخدرات والقتل، حيث شهد عام 2023م، ارتفاعًا كبيرًا في عدد جرائم القتل ومشكلة التمييز العنصري والسياسي والطبقي، وهو تمييز مركب ومتعدد الطبقات، يظهر عنصرياً في التمييز الإثني من قبل اليهود الغربيين بحق اليهود الشرقيين والأثيوبيين، كما يظهر من عموم المجتمع اليهودي بحق الفلسطينيين العرب والعمال الأجانب، ويظهر في ارتفاع نسبة الفقر، ومشكلة تأثر الاقتصاد بالحروب الأخيرة، خاصة الحرب في غزة، رغم أنّ ذلك التأثر لم يصل درجة التهديد الخطير حتى اللحظة.
كل ذلك يأتي في ظل الانقسامات المركبّة والعميقة في المجتمع الإسرائيلي، وهو ما عبّر عنه الرئيس الإسرائيلي الأسبق رؤوفين ريفلين في خطابه أمام (مؤتمر هرتسليا) السنوي عام 2015م، حين قال إنّ المجتمع الإسرائيلي يتكون الآن من أربع قبائل (Tribes) رئيسة، وهي قبيلة اليهود العلمانيين والمتديّنين المعتدلين الذين يشكّلون معاً أكثر من نصف المجتمع الإسرائيلي، وقبيلة المتدينين القوميين (تيّار الصهيونية الدينية) الذين يشكلون قرابة 15% من السكّان، وقبيلة اليهود الحريديم المتشدّدين الذين يشكّلون 13% من السكّان، وقبيلة المواطنين العرب الذين يشكلون نحو 22% من السكان، والتحديات القومية والسياسية الناتجة عن التغيرات الكمية والنوعية التي تشهدها الأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل، والتي تجاوز عددها مليوني نسمة، وزادت نسبتها عن 20% من مجموع السكان، والتحديات الخارجية والداخلية التي أشار اليها زعيم حزب (معسكر الدولة) المعارض بيني غانتس والمتمثلة في تداعيات حرب أوكرانيا، والمسألة الإيرانية، والحفاظ على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، والوضع الداخلي في إسرائيل، وضرورة إحراز تقدم على صعيد القضية الفلسطينية.
خاتمة
كل التباينات السابقة سيترتب عليها الكثير من التداعيات المستقبلية داخل المجتمع الإسرائيلي، كتعزيز فرص حكومة اليمين المتطرف في سنّ قوانين جديدة تساهم في تغيير البنية التشريعية والقانونية لصالح أحزاب تلك الحكومة، واحتمالات زيادة مظاهر العنف واستخدام السلاح، وتعميق الانقسامات المركبة لسؤال هوية الدولة/ المجتمع ومستقبلها المدني الديمقراطي، خاصة بعد تلاشي جيل الآباء والمؤسسين، وتطور رؤى الهويات الفرعية داخل المجموعات الرئيسة في المجتمع الإسرائيلي وصولاً إلى ظاهرة (تعدد المجتمعات) تحت سقف الدولة الواحدة، وازدياد الطابع (غير الصهيوني) للمجتمع الإسرائيلي، بحكم الاتجاهات المناوئة للصهيونية لدى المجتمعات الأرثوذكسية اليهودية من جانب، وبحكم التطلعات الوطنية والقومية لدى العرب الفلسطينيين من جانب ثان، وتداعيات انهيار مشروع (حل الدولتين) وبقاء الثقل الديمغرافي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة غربي نهر الأردن بدون حل سياسي، وبالتالي تشكيل أغلبية ديمغرافية عربية ما بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.
