لم تُبنَ الهوية المغربية على ثنائية الأصل بل على تراكمٍ ثقافيٍّ وتفاعل الإنسان والمكان والانتماء للجغرافيا

Kelaat,Mgouna,,Morocco,-,May,6th,,2025.,Group,Of,Moroccan

Kelaat Mgouna, Morocco - May 6th, 2025. Group of Moroccan men and women in traditional attire playing drums and singing during The Roses Festival. African culture, music,ethnic, dance celebration.

Getting your Trinity Audio player ready...

د. محمد شهمات

باحث في علم الأديان ــ المملكة المغربية


لا تُبنى الأمم الكبرى على الانغلاق، ولا تُصاغ الهويات الأصيلة من نقاءٍ عرقيٍّ متخيَّل، بل من تفاعلٍ تاريخيٍّ عميق بين الموروث والمكتسب، بين الذاكرة والواقع. فالتعدّد العرقي والثقافي، الذي يُفترض أن يكون مصدرًا غنيًا يُوحِّد الأرض والمصير المشترك، تحوّل في كثيرٍ من التجارب التاريخية والمعاصرة إلى بؤرٍ للتعثر والانقسام والصراع. فكيف تمكّن المغرب، من منظورٍ أنثروبولوجي ولساني وتاريخي، من تحويل تعدّده إلى تماسكٍ ووحدةٍ، رغم ما عرفه – شأنه شأن سائر الأمم – من لحظات شدّةٍ وانفراج؟ لقد ظلّ في النهاية يجسّد هذا المعنى بأبهى تجلياته: فضاءً تشكّلت هويته من تراكمٍ زمنيٍّ طويلٍ، جعل من التنوّع قاعدةً للتماسك لا سببًا للتفكّك.

لقد التقت في المجال المغربي أنساقٌ إثنية وثقافية متعددة – من الأمازيغ والعرب واليهود والأندلسيين وأفارقة الجنوب وغيرهم – فاندمجت في سيرورة متواصلة من التلاقح الرمزي، حيث غدت الأرض وسيطًا حضاريًا يوحِّد ما يبدو متعدّدًا. فالهويّة المغربية، كما تكشفها العلوم الاجتماعية الحديثة، ليست كيانًا مغلقًا، بل منظومة دينامية تُعيد إنتاج ذاتها عبر التفاعل، واللغة فيها ليست أداة تعبير فحسب، بل وعاءً للذاكرة الجمعية، وهي المسألة التي سيتناولها هذا المقال عبر خمسة محاور متكاملة تكشف أبعاد هذا التفاعل التاريخي والثقافي.

أولا: من الجينوم إلى المجال: تأسيس الوجود المغربي المُبكّر

حين تُطرح مسألة الهوية الثقافية في سياقات التحقيب التاريخي، كثيرًا ما تنزلق المقاربات نحو أسئلة العِرق والنسب والدم، وهي أسئلة تعكس تباين الرؤى أكثر مما تُنتج توافقًا معرفيًا. غير أن الحالة المغربية تُستثنى من هذا النمط من التأطير الهويّاتي، إذ لم تُبنَ الهوية الوطنية على ثنائية الأصل والوافد، بل على تراكمٍ ثقافيٍّ ممتدٍّ في الزمن، تشكّل عبر التفاعل المستمر بين الإنسان والمجال، حيث ظلّ الانتماء إلى الجغرافيا سابقًا على الانتماء إلى العرق والسلالة.

وتُجمِع الأبحاث الأركيولوجية والجينومية الحديثة، المنجزة من قِبل فريق دولي متعدد التخصصات عام 2017م، على أن الامتداد البشري في المجال المغربي يعود إلى أكثر من 300 ألف سنة، كما تؤكّده حفريات جبل “إيغود”، غرب المغرب، التي كشفت عن أقدم بقايا معروفة للإنسان العاقل (Homo sapiens)، وتُبرز تحاليل الحمض النووي أن الغالبية العظمى من المغاربة المعاصرين يحملون بصمة جينية محلية إفريقية غير مهاجرة، ما يُعزّز فرضية الاستمرارية السكانية العميقة، وهو ما يدل أيضًا على أن الوافدين إلى المغرب، رغم محدوديتهم العددية، قد ذابوا تدريجيًا في النسيج السكاني الأصلي، دون أن يُحدثوا انقطاعًا ثقافيًا يُذكر. ولا يتعلق الأمر بمجرد وجود أوليٍّ للإنسان في شمال إفريقيا، بل باستمرارية حضارية عضوية متجذّرة، نشأت من تفاعل الإنسان مع المجال، ومن إنتاج نسق اجتماعي واقتصادي وثقافي متميّز.

وعليه، لا نُعيد طرح سؤال الأصل بوصفه “عرضًا” يُطلّ علينا من حين إلى آخر، بل نؤكّد أنه تجاوزٌ فعليٌّ لهذا النقاش، لصالح فكرة أعمق: أن المغرب مبني على التحام مكوّن أصلي برافدٍ وافد، لا على إقصاء أحدهما. ولذلك، فالهوية المغربية، في أصلها، هي هوية أرضٍ لا تُفرّق بين من وُلد فيها ومن عاش بها وتشبع بروحها.

ثانيًا: المكوّن اليهودي في التاريخ المغربي: حضورٌ ممتدّ في نسيج التعدد الحضاري

إن بداياتِ علاماتِ التعدّدِ التاريخي المُندمج ظهرت مع استقرار الجماعاتِ اليهودية في المغرب، والتي يصفها المؤرخُ حاييم الزعفراني في (ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب، تاريخُ ثقافة دين) بأنها أولُ مجموعةٍ وَفَدَت إلى المغرب الذي يُعَدّ الأمازيغُ سُكّانَه الأصليين. حضورٌ لم يكن ظرفيًا، ولا موسميًا، بل امتدَّ عبر قرون طويلة، وتحوّل من وجودٍ دينيٍّ إلى مُكوّنٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ أصيل.

وقد اندمج اليهود في النسيج المغربي بدرجات متفاوتة، وكان بعض القبائل الأمازيغية قد اعتنقت اليهودية قبل دخول الإسلام إلى المنطقة. ولم يكن الانتماء الديني عائقًا أمام التفاعل؛ فالتعايش لم يأتِ فقط من قبول الآخر، بل من تشابه سياقات العيش، والاندماج في اقتصاديات المدن والأسواق، ومن المساهمة في الثقافة العامة من لغة، وحِرف، وموسيقى غرناطية، وتقاليد عائلية. في بعض المناطق، كانت العبرية، ولاحقًا العربية، بما حملتاه من فنونٍ وعلومٍ، جسورًا ثقافيةً خلقت تنوّعًا ثقافيًّا متناسقًا في توليفةٍ مع الهوية الأصلية.

واللاّفت أن الاندماج اليهودي لم يكن صهرًا بالقوة، ولا انزواءً على الهوامش، بل مسارًا تاريخيًا قائمًا على التفاعل المتبادل. فقد شارك اليهود في تأسيس نخب اقتصادية وحرفية، بل وأنتجوا تراثًا فقهيًا وفكريًا داخل بيئتهم، دون أن ينفصلوا عن “روح المغرب”، بما تحمله من تسامح ديني وتنوع لغوي.

إن استحضار المُكوّن اليهودي يُبرز بُعدًا بنيويًا في المعمار المغربي للتعدّد؛ فقد شكّلت تجربتهم شاهدًا مبكرًا على كفاءة الهوية المغربية في الاستيعاب، وعلى إنتاج وعيٍ مشتركٍ عبر الزمن، لا في مواجهته. وهكذا، يتحوّل وجودهم إلى ذاكرةٍ ثقافيةٍ حيّةٍ إلى اليوم، تؤكّد أنّ التعدّد من أبرز ملامح التوازن المجتمعي المغربي.

ثالثاً: تاريخ المغرب القديم والوسيط: وحدة الهوية في إطار التعدد

لم تكن أرض المغرب معزولة يومًا عن حركة التاريخ وتبدّل الحضارات. فمنذ الأزمنة القديمة، شكّلت هذه الرقعة الجغرافية ملتقى للشعوب ومختبرًا للتفاعل الثقافي؛ استقبلت الفينيقيين، ثم القرطاجيين، فالرومان، فالوندال، فالبيزنطيين، قبل أن تدخل في مدار العالم الإسلامي في القرن السابع الميلادي. ومع أن هذه الموجات تركت بصماتها العمرانية والثقافية، فإن الأصل الأمازيغي ظلّ النواة للهوية، يستوعب الوافد ويعيد تشكيله. لقد وُجدت في المغرب ممالك محلية قبل الإسلام، أسهمت في تراكم حضاري مهّد لقيام الدولة المغربية بوعي سياسي وثقافي متقدم.

ومع قيام الدولة الإدريسية في القرن الثامن الميلادي، وُضعت اللبنات الأولى لدولة مغربية ضمن الغرب الإسلامي، استندت إلى شرعية دينية وثقافية. ثم تعاقبت دولٌ مغربية متصلة في المسار التاريخي: المرابطون، والموحّدون، والمرينيون، والوطاسيون، والسعديون، ثم العلويون الأشراف الذين حافظوا على وحدة التراب واستمرار الشرعية التاريخية.

وإذا كانت فاس مركز الإشعاع العلمي في الشمال، فإن مراكش مثّلت القلب السياسي والثقافي، خصوصًا في عهد المرابطين والموحدين الذين أعادوا التوازن بين الدين والسياسة والمعرفة في أفق حضاري امتد من الأندلس إلى إفريقيا. وهكذا تبلورت عبر القرون هوية مغربية موحّدة بتعدّدها، صاغتها الأرض والتاريخ معًا، وجعلت من الاختلاف مصدرًا للثراء والتنوع.

رابعاً: من نَفَسِ الأندلس إلى روح الأطلس: التفاعل المغربي بين الدين واللغة

رغم ما يرافق الشأن اللساني والاجتماعي من تحوّلات وتحديات، فإن الإيمان المغربي العميق بالتعدّد والانفتاح جعل من التفاعل الثقافي واللغوي سمةً متجذّرة في الشخصية المغربية. وكان دخول العرب إلى المغرب في القرن السابع الميلادي لحظةً روحية دالة، ارتبطت بانتشار الإسلام كنظام قيمي أسهم في إعادة تركيب النسيج الاجتماعي وإعادة بناء الوعي الجمعي. ولم يكن الإسلام غريبًا عن المجتمع المحلي، إذ التقت تعاليمه مع القيم الأمازيغية الأصيلة في العدل والتسامح والعيش المشترك، فكان اعتناقه نتاج تفاعل حضاريٍّ واعٍ، لا نتيجةَ إكراهٍ أو قطيعةٍ، بل امتدادًا لتقاليد أصيلة في احترام الإنسان.

وجاء اعتناق الإسلام في المغرب مسارًا تدريجيًا اتخذته القبائل عن اقتناع عام، ضمن سيرورة طبيعية لم تخلُ من صعوبات ترافق عادةً التحولات الكبرى في التاريخ. وقد تماهى الإسلام مع البيئة المحلية ولغاتها وأعرافها، فكان التديّن المغربي تعبيرًا عن تفاعل الدين مع روح الأرض. في هذا الإطار، أصبحت العربية إلى جانب الأمازيغية لغة تواصل حضاريٍّ ومشترك ثقافيٍّ لا يُقصي أحدًا. واعتنى المغاربة بالعربية ويدل على ذلك ابن أجرّوم الصنهاجي الأمازيغي – على غرار سيبويه- الذي ألّف “الآجرومية” في القرن الثالث عشر الميلادي، فصارت مرجعًا معتمدًا لقواعد النحو العربي. وبعد سقوط غرناطة سنة 1492م، جاءت الهجرات الأندلسية محمّلة برصيد ثقافيٍّ وفنيٍّ غنيٍّ، ضمّ أمازيغَ وعربًا ويهودًا ومستعربين أسهموا في إثراء مدنٍ مثل فاس وتطوان والرباط وشفشاون، وكانت تلك الهجرات عاملًا في ترسيخ قيم التعايش والانفتاح.

ومع مرور الزمن، برزت “الدارجة المغربية” بوصفها ظاهرة سوسيولسانيّة مركّبة، نشأت على بنية أمازيغية غنية، وتشربت تأثيرات عربية، ثم مفردات من الإسبانية والفرنسية. ويقرّ اللّسانيون أن بنيتها غير عربية، ما يفسّر صعوبة فهمها لدى المشارقة. لكنها رغم ذلك، وحّدت المغاربة في الخطاب اليومي، وأصبحت مرآة لذاكرتهم الجمعية، ومنتوجًا جماعيًا متجذرًا، نابعًا من التعدد نفسه.

خامساً: ترسيم الهوية المغربية في إطار مؤسسي بتعددٍ ثقافي

لقد رسّخ دستور 2011 م، الهوية المغربية الموحدة، الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، والمتميزة بتنوعها الثقافي الذي تجلّى في اللسان والذاكرة وأنماط العيش. ولم يكن ذلك تأسيسًا لهوية جديدة، بل تثبيتًا مؤسسيًا لهوية عريقة، متجذرة في النسيج السوسيوثقافي للمجتمع المغربي. وتنص ديباجة الدستور على أن هذه الهوية ترتكز على انصهار مكوناتها: “العربية-الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية”، وغناها بروافدها الإفريقية، والأندلسية، والعبرية، والمتوسطية. وبهذا يعيد النص ترتيب الذاكرة الوطنية، موسّعًا مفهوم الانتماء خارج أي اختزال عرقي، ومؤسسًا لفهم تعددي للهوية الواحدة.

إن هذه الصياغة الدقيقة لا تسرد المكونات سردًا، بل تعكس تصورًا بنيويًا لهوية تتجاوز المحددات الإثنية الصلبة دون الحاجة إلى إعلان ذلك. فالأمازيغية، باعتبارها لغة وهوية الأرض الأصلية، تتبوأ موقعًا مركزيًا إلى جانب الرافد العربي-الإسلامي، والحسانية، كلسان وثقافة الجنوب، تُدمج كعنصر أصيل في الذات الجماعية. أما الروافد الإفريقية، والأندلسية، والعبرية، والمتوسطية، فهي ليست ملحقات رمزية، بل دلائل تاريخية على انفتاح المغرب وتعدده. وبهذا يصبح الامتزاج الواعي إطارًا ناظمًا لهوية واحدة تُجسّدها الوثيقة الدستورية بوصفها صدى للوجدان الجماعي لا أداة لإعادة تركيبه.

ويُعزّز هذا التصوّر بإقرار رسمية الأمازيغية إلى جانب العربية، في تجاوزٍ للعرق واغتناءٍ بالثقافات، تأكيدًا على أن لغة الأرض مكوّن جوهري في الهوية الوطنية، وأن صون الذاكرة اللغوية حقّ مشروع يعبّر عن استمرارية الذات الجماعية. كما يجعل الدستور من التنوع مبدأً مؤسسًا لوحدة النسيج الوطني، تُصان به المكوّنات جميعها عبر التفاعل لا الإقصاء.

خاتمة:

إن ما تمّ تناوله من التجربة المغربية لا يستثني ما عرفته من صعوباتٍ ومساراتٍ متباينة، غير أن ما تمّ عرضه يظلّ طابعه العام شاهدًا على قدرة الهوية الوطنية، التي حكمتها الأرض بهويتها وتنوّع موروثها الثقافي، على تجديد ذاتها عبر الزمن، وصياغة وحدتها من تنوّعها، ونسج تاريخها من تفاعلات الجغرافيا والإنسان والقيم. فمن الجينوم إلى المجال، ومن التكوين الديني واللغوي إلى الترسيم الدستوري، ظلّ المغرب وفيًّا لخصوصيةٍ حضاريةٍ جعلت من الاختلاف انسجامًا، ومن التعدّد قوةً خلاقة. وهكذا تتجلى الهوية المغربية بوصفها مشروعًا مستمرًّا لبناء الذات في مرآة الآخر، لا تعرف القطيعة ولا الانغلاق، بل تفتح أسئلتها نحو المستقبل: كيف يمكن صون هذا التوازن بين الأصالة والتعدّد، بين الجذور والتحولات، في عالمٍ تتسارع فيه الهويات وتتشابك الانتماءات؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *