التعايش بين العرب والأمازيغ والطوارق والتبو ركيزة الدولة الليبية على أسس ديمقراطية واستيعاب التنوع

Group,Of,Moroccan,Amazigh,Men,And,Women,From,Ouarzazate,Performing

Group of Moroccan Amazigh men and women from Ouarzazate performing traditional music and dancing during the Roses Festival in the city of Kalaat Mgouna, Morocco in May 4th 2024.

Getting your Trinity Audio player ready...

د. حسن فتحي عبد المولى الجازوي

عضو هيئة تدريس ـ قسم العلوم السياسية ـ كلية الاقتصاد ـ جامعة بنغازي


   تُعدّ ليبيا نموذجًا فريدًا في بنية المجتمع العربي-الإفريقي نظرًا لتداخل أبعادها العرقية والثقافية والدينية والقبلية، حيث يجتمع في جغرافيتها الواسعة مزيج من المكونات العربية والأمازيغية والتبو والطوارق وغيرهم. وقد أسهم هذا التنوع، عبر التاريخ، في تشكيل هوية وطنية معقّدة تتأرجح بين الانتماء العربي والإفريقي والمتوسطي، ومع اندلاع أحداث الربيع العربي عام 2011م، دخلت ليبيا مرحلة جديدة من التحوّلات السياسية والاجتماعية، برزت فيها التحديات المتعلقة بالتعايش السلمي، والانتماءات القبلية، والانقسام الثقافي، وتدفّق المهاجرين غير النظاميين من إفريقيا جنوب الصحراء.

   تهدف هذه المقالة إلى وصف وتحليل البنية العرقية والثقافية والدينية للمجتمع الليبي وتأثيرها على استقرار الدولة والتعايش بين مكوناتها، وكذلك استكشاف أثر هذه البنية على تدفقات الهجرة غير النظامية تجاهها بعد عام 2011م.

أولًا: التركيبة العرقية في المجتمع الليبي.

    يُعدّ المجتمع الليبي متعدد الأعراق، رغم سيطرة العنصر العربي على الغالبية السكانية. فالعرب يشكلون نحو 85% من السكان، وهم أحفاد القبائل العربية التي استقرت في ليبيا منذ الفتح الإسلامي وحتى الهجرات الهلالية في القرن الحادي عشر الميلادي. إلى جانبهم، يوجد الأمازيغ الذين يُعدّون السكان الأصليين لشمال إفريقيا، ويتركزون في مناطق جبل نفوسة وزوارة وغدامس ونالوت، محتفظين بلغتهم وثقافتهم وهويتهم التاريخية.

   كما توجد مكونات أخرى مثل الطوارق في الجنوب الغربي (غدامس وغات)، والتبو في الجنوب الشرقي (الكفرة ومرزق)، وهاتان المجموعتان تتصلان ثقافيًا ولغويًا بمجتمعات عبر الحدود في النيجر وتشاد والجزائر، وتُظهر الدراسات التاريخية أنّ التنوّع العرقي في ليبيا لم يكن وليد المرحلة الحديثة، بل هو نتاج تراكم تاريخي طويل ارتبط بموقع ليبيا الجغرافي كجسر بين المشرق والمغرب العربيين، وبين الساحل الإفريقي والبحر المتوسط. أسهمت طرق القوافل عبر فزان ومرزق وودان في مزج البنية السكانية بعناصر إفريقية وصحراوية وعربية، مما جعل ليبيا مركز تفاعل حضاري وتجاري عبر القرون، هذا الامتداد الإقليمي العميق جعل المكونات العرقية في الجنوب الليبي خاصة التبو والطوارق تمتلك روابط اجتماعية واقتصادية تتجاوز الحدود السياسية للدولة، الأمر الذي انعكس لاحقًا على سياسات الأمن والهجرة.

  هذا التنوع العرقي لم يكن دائمًا مصدر توتر بل شكّل أحيانًا عنصر ثراء حضاري وثقافي، إلا أنّ غياب السياسات الوطنية العادلة أوجد شعورًا بالتهميش بين الأقليات، مما أثّر في مسار التعايش الوطني، وتُظهر المقاربات الحديثة في علم الاجتماع السياسي أنّ قدرة الدولة على إدارة التنوع العرقي تمثل مؤشرًا جوهريًا على استقرارها المؤسسي، وفي الحالة الليبية أدى غياب سياسات الإدماج الوطني والمواطنة المتساوية إلى بروز الهويات الفرعية بوصفها بدائل عن الهوية الوطنية الجامعة، وتشير الدراسات المقارنة إلى أن المجتمعات المتعددة إثنيًا، عندما تفتقر إلى آليات عادلة لتوزيع السلطة والثروة، تميل إلى إنتاج صراعات مجتمعية مزمنة.

ثانيًا: البنية الثقافية والدينية للمجتمع الليبي.

    تتشكل الهوية الثقافية الليبية من تفاعل عناصر عربية وأمازيغية وإسلامية وإفريقية. اللغة العربية هي الرسمية والأكثر انتشارًا، بينما تسعى المكونات الأمازيغية إلى إحياء لغتها (تمازيغت) كلغة موروث حضاري. أما الديانة، فالإسلام هو الدين الرسمي، ويتبع معظم السكان المذهب المالكي، مع وجود أقلية صغيرة من الإباضين في مناطق أمازيغية مثل جبل نفوسة وغدامس.

    هذه التعددية الدينية والمذهبية رغم ضيق نطاقها أسهمت تاريخيًا في ترسيخ قيم التسامح، إلا أن غياب مشروع وطني جامع بعد 2011م، جعل بعض التوترات المذهبية تظهر في الخطاب العام، ورغم أنّ الإسلام المالكي تاريخيًا شكّل عامل توحيد روحي واجتماعي في ليبيا، فإن مرحلة ما بعد 2011م، شهدت بروز أنماط جديدة من التدين السياسي والإسلام الحركي، حيث تنافست الجماعات ذات التوجهات السلفية أو الإخوانية على شرعنة سلطتها الاجتماعية، هذا التحول أضعف الطابع التوافقي للمذهب المالكي التقليدي، وخلق حالة من التوتر بين الديني والسياسي داخل المجال العام، كما أثّرت الثقافة القبلية في سلوك المجتمع السياسي إذ ظل الولاء القبلي أقوى من الانتماء للدولة الحديثة مما انعكس على ضعف الهوية الوطنية الجامعة، ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن الثقافة القبلية في ليبيا تمثل نموذجًا لما يسميه بيير بورديو بـ“رأس المال الاجتماعي التقليدي”، أي شبكة العلاقات التي تُنتج الولاء والتضامن لكنها تُقيد التحول نحو الدولة الحديثة. فكلما ارتفع الاعتماد على العصبية القبلية كمصدر شرعية، تراجع منسوب الثقة في مؤسسات الدولة الرسمية.

ثالثًا: الانتماء القبلي وتأثيره على البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع الليبي.

   يُعتبر الانتماء القبلي أحد أبرز ملامح المجتمع الليبي، إذ يُعدّ الإطار الأساسي الذي تُبنى عليه العلاقات الاجتماعية والسياسية. وقد لعبت القبيلة دورًا مركزيًا في الاستقرار الاجتماعي، لكنها في المقابل شكلت عائقًا أمام بناء مؤسسات الدولة الحديثة.

    في عهد النظام السابق اعتمد العقيد معمر القذافي على شبكة من التحالفات القبلية لضمان الولاء السياسي، مما عزز سلطة القبيلة على حساب الدولة. وبعد سقوط النظام عام 2011م، برزت الانقسامات القبلية مجددًا، وظهرت صراعات بين قبائل الشرق والغرب والجنوب، ما ساهم في تعميق الانقسام الداخلي وأعاق مسار المصالحة الوطنية، وتحوّلت القبيلة في ليبيا من وحدة اجتماعية تقليدية إلى فاعل سياسي مؤثر في مسار الصراع بعد 2011م. فبعض القبائل الكبرى امتلكت قدرات تنظيمية وعسكرية جعلتها تتعامل مع الدولة كطرف تفاوضي، لا ككيان سيادي أعلى، وهذا التسييس للقبيلة خلق حالة من “التجزؤ السلطوي” الذي يقوض فكرة الدولة الحديثة،  وفق نظرية الدولة الريعية فإن اعتماد ليبيا شبه الكامل على عوائد النفط جعل الدولة توزع الثروة على أسس قبلية ومناطقية، مما عزز اعتماد القبائل على النظام السياسي بدلًا من مؤسسات السوق أو المواطنة، وبعد عام 2011م، تحولت هذه البنية إلى أداة تفاوضية للسيطرة على الموارد النفطية وهو ما يفسر استمرار الصراع حول مناطق الإنتاج والتصدير.

   غير أن القبيلة ظلت أيضًا أداة للوساطة وحل النزاعات المحلية وأسهمت في إعادة بناء النسيج الاجتماعي في بعض المناطق، ما يشير إلى إمكانية تحويلها من عنصر تفكيك إلى عنصر استقرار إذا ما أُحسن توظيفها في إطار دولة مدنية عادلة.

رابعًا: التعايش السلمي والاندماج الاجتماعي بين المكونات الليبية بعد عام 2011

   قبل عام 2011م، كانت الدولة الليبية تعيش حالة من “الاستقرار السلطوي”، حيث حافظ النظام السابق على توازن نسبي بين المكونات المختلفة من خلال السيطرة الأمنية، وليس من خلال سياسات إدماج حقيقية، وبعد الثورة أدت حالة الفراغ السياسي إلى بروز الهويات الفرعية من جديد.

   وتشير بيانات المسح الوطني لمركز كارنيجي (2019م) إلى أن أكثر من 65% من الليبيين في الغرب يفضلون الولاء القبلي على الولاء للدولة، مقابل 55% في الشرق و50% في الجنوب مما يوضح تأثير البنية الاجتماعية على التعايش.”

  رغم ذلك، شهدت مناطق مثل جبل نفوسة وغدامس مبادرات محلية للتعايش والمصالحة بين العرب والأمازيغ والطوارق، وقد أدت هذه المبادرات، مثل برامج جمعية ‘إحياء التراث الأمازيغي، إلى انخفاض النزاعات المحلية بنسبة 40% وفق تقارير UNDP 2021، مما يعكس دور المجتمع المدني في تعزيز التعايش السلمي والاندماج المجتمعي وتعكس رغبة المجتمع في الحفاظ على السلم الأهلي، إلا أن غياب مؤسسات وطنية جامعة واستمرار التدخلات الخارجية جعلا عملية التعايش تواجه تحديات كبيرة خصوصًا مع تنامي النزاعات على الموارد النفطية والمناطق الحدودية.

خامسًا: تأثير التنوع العرقي والقبلي في ليبيا على الأمن الإقليمي وعلاقات دول الجوار

   إن الطابع العابر للحدود للمكونات العرقية الليبية — مثل الأمازيغ والطوارق والتبو — جعل التفاعلات الاجتماعية تمتد إلى الجزائر وتونس والنيجر وتشاد. وقد ساهمت هذه الروابط في تعزيز التبادل الثقافي والاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه خلقت مخاوف أمنية لدى دول الجوار،” وتشير الدراسات إلى أن المكونات العرقية العابرة للحدود مثل الأمازيغ والطوارق والتبو تستخدم شبكاتها العابرة للحدود أحيانًا لأغراض اقتصادية وأمنية، مما أثر على الأمن في الجزائر وتونس والنيجر وتشاد خصوصًا في ظل غياب سلطة مركزية قوية في ليبيا بعد عام 2011م.

   وقد أصبحت الحدود الجنوبية الليبية ممرًا رئيسيًا للهجرة غير النظامية، ووفق تقرير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية 2020م، فإن ضعف الدولة المركزية أدى إلى زيادة 60% في الحوادث الأمنية العابرة للحدود بين 2012 و2018م، مما أبرز الحاجة لتنسيق أمني إقليمي، ما جعل دول المنطقة تتعامل مع ليبيا كمنطقة عبور خطيرة تتطلب تعاونًا أمنيًا إقليميًا واسع النطاق.

سادسًا: أثر البنية العرقية والقبلية للمجتمع الليبي على تدفق الهجرة غير النظامية بعد عام 2011

    يشكل الجنوب الليبي بامتداده الصحراوي الشاسع بوابة رئيسية للهجرة غير النظامية من إفريقيا جنوب الصحراء نحو أوروبا وفق تقرير منظمة الهجرة الدولية IOM 2022، يُقدّر عدد المهاجرين المقيمين مؤقتًا في ليبيا بحوالي 700 ألف شخص أغلبهم من النيجر وتشاد والسودان ونيجيريا، ويعتمد كثيرون على شبكات التبو والطوارق للعبور وتُعتبر قبائل التبو والطوارق عناصر محلية أساسية في هذه الحركة، حيث يعتمد بعض أفرادها اقتصاديًا على شبكات التهريب،

    ويعد غياب الدولة المركزية، وانفتاح الحدود، والانقسامات القبلية، والصراع الجهوي والاقتتال الداخلي، وتراجع سلطة القانون من بين أهم العوامل التي جعلت ليبيا مركز جذب للمهاجرين غير النظاميين، وقد أدى هذا الواقع إلى تفشي شبكات التهريب المنظمة التي توفر دخولًا سريعًا للمهاجرين مقابل مبالغ مالية، مما خلق أزمة إنسانية تشمل نقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية، وفقًا لتقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين UNHCR 2021.

   كما أن الانتماءات العرقية العابرة للحدود سهلت حركة المهاجرين عبر شبكات اجتماعية تمتد بين ليبيا وتشاد والنيجر والسودان، وقد أدى ذلك إلى أزمة إنسانية وأمنية معقدة حيث أصبحت ليبيا ليست فقط دولة عبور، بل أيضًا دولة إقامة مؤقتة لعشرات الآلاف من المهاجرين الذين يعيشون في أوضاع صعبة، مما زاد الضغط على النسيج الاجتماعي المحلي.

سابعًا: الخاتمة

      تُبرز دراسة التركيبة العرقية والثقافية والدينية للمجتمع الليبي أهمية فهم التنوع بوصفه عامل قوة لا مصدر انقسام. فاستقرار ليبيا المستقبلي مرهون بقدرة الدولة على إدارة التعددية بروح العدالة والمواطنة المتساوية، وبناء مشروع وطني يتجاوز الولاءات القبلية والعرقية. كما أن معالجة ملف الهجرة غير النظامية تتطلب تعاونًا إقليميًا وأوروبيًا يراعي خصوصية البنية الاجتماعية الليبية، كما أن تحقيق التعايش السلمي بين العرب والأمازيغ والطوارق والتبو يمثل الركيزة الأساسية لإعادة بناء الدولة الليبية على أسس ديمقراطية مستقرة، قادرة على استيعاب التنوع والتفاعل معه بمرونة حضارية.

   يُظهر التحليل أنّ البنية العرقية والقبلية في ليبيا ليست مجرد موروث اجتماعي بل هي عامل بنيوي فاعل في صياغة سياساتها الداخلية والخارجية، فالتنوع الذي يفترض أن يكون مصدر ثراء حضاري تحوّل بفعل غياب إدارة رشيدة وسلطة موحدة إلى عامل انقسام سياسي واجتماعي وتبرز الحاجة اليوم إلى مشروع وطني لإعادة بناء الهوية الجامعة على أساس المواطنة والعدالة في توزيع الموارد.

  وتوصي الدراسة بضرورة تبنّي سياسة إدماج ومصالحة وطنية تُعيد الاعتبار لجميع مكونات المجتمع الليبي، وتفعيل التنمية المتوازنة في جل مناطق الدولة الليبية دون تمييز أو إقصاء، مما يحدّ من دوافع الهجرة غير النظامية ويعزز الاستقرار لليبيا على المستويين الداخلي والخارجي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *