الدولة العلوية وفقت بين الخصوصية والعصرنة وإمارة المؤمنين أهم ركائز الهوية المغربية
1429147031
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


أ.د. عبد الرزاق وورقية
أستاذ جامعي ـــــ جامعة سيدي محمد بن عبد الله، بفاس
تتميّز الهوية المغربية بكونها إحدى أكثر الهويات ثراءً وعمقاً في غرب البحر الأبيض المتوسط. فهي ليست نتاجاً لثقافة واحدة، ولا امتداداً خطياً بسيطاً لتاريخ واحد، بل هي بناء لحضارة تراكمت واندمجت فيها عناصر متعددة، وانصهرت فيها تجارب بشرية متنوعة عبر قرون طويلة. وقد ساهمت الجغرافيا الواسعة للمغرب، الممتدة من الحوض المتوسطي شمالًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، ومنه إلى الصحراء جنوبًا، في جعل المغرب ملتقى حضارات كبرى، وتفاعلات ثقافية ثرية، ما أتاح للهوية المغربية أن تكون شجرة ذات جذور عديدة، لكن لها جذع واحد متماسك ممتد في التاريخ والأرض والعمران.
تُفهم الهوية في الأنثروبولوجيا الثقافية، على أنها البناء الرمزي الذي تتشكل من خلاله نظرة الجماعة إلى ذاتها وإلى العالم. وهي بناء مركب يتأسس على أربعة أبعاد مترابطة:
فهناك أوّلاً البعد التاريخي الذي يمثّل الذاكرة الجمعية للمجتمع بما تحمله من أحداث وتحولات وتداخلات وإبداعات، ويمنح الجماعة البشرية إحساساً بالاستمرارية. ثم يأتي البعد الثقافي بكل ما يتضمنه من لغة وفنون وعادات وتقاليد ومعانٍ رمزية، ليعبّر عن الذات الحضارية للمجتمع. ويضاف إلى ذلك البعد الديني والقيمي الذي يمنح الهوية عمقها الروحي ومرجعيتها الأخلاقية، ويصوغ منظور الجماعة للخير والشر والمعنى. كما يوجد البعد السياسي والمؤسساتي بوصفه الإطار الذي تنتظم داخله الهوية عبر الدولة ومؤسساتها، بما يحفظ تماسك المجتمع ويضمن وحدته.
وقد تفاعلت هذه الأبعاد الأربعة في المغرب بطريقة نادرة وفريدة، إذ تداخلت وتعاضدت ولم تتعارض؛ فالتاريخ المغربي الطويل يؤطر الثقافة المتنوعة، والدين يوجّهها ويمنحها معناها، والدولة تحميها وتوفّر لها إطاراً للامتداد. وبذلك تصبح الهوية المغربية بناءً مركّباً، دينامياً، قادراً على التجدد، وفي الوقت نفسه قويًا في جذوره وثوابته. ومن أجل فهم هذا البناء، يمكن تقسيم الحديث عن عناصر الهوية المغربية إلى ثلاثة محاور رئيسة:
أولاً: تشكّل الهوية المغربية عبر التاريخ، ثانياً: الثوابت الدينية والوطنية، وثالثاً: التنوع اللغوي والثقافي.
- أولاً: تشكّل الهوية المغربية عبر التاريخ
- الجذور الأمازيغية والحضارات القديمة
تشكل الجذور الأمازيغية الركيزة الأولى للهوية المغربية. فالأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال إفريقيا، وقد عاشوا في هذه الرقعة منذ آلاف السنين، وطوروا نظمًا اجتماعية متماسكة اعتمدت في بدايتها على القبيلة والعرف، وبعدها ابتكروا أشكالاً متنوعة من التنظيم السياسي المحلي. وقد دخل الأمازيغ في تفاعل حضاري مع حضارات متوسطية كبرى مثل الفينيقيين والرومان، فشكلوا بدورهم ممالك وامبراطوريات وحدت شمال إفريقيا في بعض مراحل التاريخ، وراكموا تجارب وخبرات في التدبير السياسي والاقتصادي، وبرعوا في الزراعة والتجارة والحِرف…كما شكلوا هوية ثقافية ولغوية متميزة، ومنظومة قيم وأخلاق تتسم بالانفتاح وخصال الكرم والشجاعة والتعايش مع الآخر.
مما جعل الأمازيغ يمتلكون بنية اجتماعية وأخلاقية قوية قادرة على امتصاص الوافد دون التفريط في الأصل والخصوصية، وهي سمة ستستمر لاحقاً في مراحل التفاعل مع الإسلام والعربية ومع الحضارة الأوروبية لاحقاً.
- الفتح الإسلامي وصياغة النموذج المغربي
جاء الإسلام إلى المغرب في القرن السابع الميلادي، وكان دخوله بداية مرحلة حضارية جديدة. حيث استقبل المغاربة الإسلام لا بوصفه ديناً وافداً فقط، بل باعتباره منظومة قيمية وروحية وثقافية تتلاءم مع قيمهم الثقافية الفطرية. وقد أدى هذا التفاعل العميق إلى تشكّل النموذج المغربي الفريد للتدين، الذي يجمع بين الانتماء العربي الإسلامي وبين الخصوصية الأمازيغية المحلية.
وقد تميز هذا التفاعل بثلاث خصائص بارزة:
أولاً، الاندماج السلس للأمازيغ في الإسلام، نظراً لما وجدوه فيه من أجوبة عن أسئلتهم الوجودية والروحية، ولما لمسوه فيه من القيم الأخلاقية الإيجابية ذات الأثر في النفوس المحافظة على الفطرة.
ثانياً، انتشار العربية بوصفها لغة للعلم والدين مع استمرار الأمازيغية لغة للوجدان والثقافة والهويات المحلية.
ثالثاً، ظهور تركيبة ثقافية جديدة تجمع بين الروح الإسلامية والبنية الاجتماعية والثقافية الأمازيغية، مما أدى إلى ظهور نمط مغربي من التدين والعلم والعمران.
- الدولة المغربية واستمرارية التنظيم السياسي
من أبرز السمات التي ساهمت في تشكيل الهوية المغربية استمرارية الدولة عبر قرون طويلة. فقد كان للأمازيغ ممالك قبل دخول الإسلام، وترسخ في عقلهم الجمعي أنه لا يمكن بناء دولة موحدة وقوية إلا بوجود سلطان/ ملك بوصفه رمزًا للأمة، وكان يسمى عندهم “أكَليذ” أي الملك.
ولما جاء الإسلام لم يتوحد المغرب ويستقر إلا بعد مبايعة الأمازيغ لأول سلطان جمع كلمتهم ونظم إدارة شؤونهم (المولى إدريس الأول)، حيث تأسست الدولة المغربية الموحدة الأولى، في عصر ما بعد الفتح، مع الدولة الإدريسية في القرن الثامن الميلادي، وكانت أول كيان سياسي مستقل بعد دخول الإسلام يجمع بين الشرعية الدينية والسيادة المحلية. ثم جاءت الدولة المرابطية والموحدية لتؤسسا إمبراطوريات كبرى امتدت من الأندلس شمالاً وإلى حدود مصر شرقًا، وإلى أعماق إفريقيا جنوب الصحراء، وأسهمتا في تعميق الشعور بوحدة المجال السياسي المغربي، وفي بناء مؤسسات علمية وثقافية قوية.
وتواصلت هذه الاستمرارية مع الدول المرينية والوطاسية والسعدية، رغم ما عرفته بعض الفترات من اضطرابات، لكنها كانت دوماً قادرة على إعادة بناء ذاتها.
ومع الدولة العلوية، التي حكمت منذ القرن السابع عشر إلى اليوم، دخل المغرب مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي، حيث حافظت هذه السلالة على وحدة البلاد وأعادت بناء مؤسساتها، ونجحت في التوفيق بين الخصوصية المغربية ومتطلبات العصر. ورغم فترة الاستعمار، ظلت الدولة المغربية رمز السيادة والهوية، وبقيت مؤسسة إمارة المؤمنين الرابط الجامع الذي يحفظ تماسك الأمة.
- العصر الحديث وصراع الهوية
خلال فترة الحماية الفرنسية والإسبانية، حاول المستعمر إعادة تشكيل الهوية المغربية عبر محاولة تغيير اللغة وإضعاف البنية الدينية والمؤسسات التقليدية. غير أن السلطان والحركة الوطنية قاوموا هذه المحاولات عبر إحياء اللغة العربية، وتعزيز التعليم الديني، وربط النضال السياسي بالهوية الروحية والثقافية للمملكة المغربية. ولذلك استعاد المغرب استقلاله بينما كانت هويته محافظة على جوهرها، وقادرة على الانفتاح على العصر دون التفريط في الثوابت.
- المغرب المعاصر وتثبيت التعدد دستورياً
أكد دستور 2011م، الرؤية الناضجة للهوية المغربية بأنها هوية متعددة الروافد ومتنوعة الثقافات. إذ تشمل العربية والأمازيغية والحسانية والإفريقية والأندلسية والمتوسطية والعبريّة، في اعتراف واضح بأن الهوية المغربية ليست وحدة أحادية مغلقة، بل هي بناء متعدّد الجذور ينصهر داخل وحدة سياسية وروحية جامعة.
ثانياً: الثوابت الدينية والوطنية الأساس المتين للهوية المغربية
- الإسلام الوسطي: روح الهوية المغربية
قام الإسلام في المغرب على نموذج وسطي متوازن تشكل عبر التاريخ من تفاعل ثلاثة عناصر كبرى. حيث شكّل المذهب المالكي الأساس التشريعي للتدين المغربي، لما يمتاز به من مرونة وقدرة على استيعاب العادات المحلية ضمن إطار الشريعة عبر آليات المصلحة والاستحسان وسد الذرائع ومراعاة المقاصد الشرعية. وبذلك أصبح الفقه قريباً من حياة الناس، وغير منفصل عن واقعهم.
أما على المستوى العقدي، فقد منحت العقيدة السنية الأشعرية المغرب إطاراً فكرياً متوازناً يجمع بين النقل والعقل، ويواجه الغلوّ بالحجة والبرهان، مما حافظ على استقرار العقيدة المغربية وحماها من الاتجاهات التكفيرية والنزعات الحرفية. وعلى مستوى السلوك والأخلاق، منح التصوف السني الهوية المغربية عمقها الروحي والأخلاقي، من خلال الزوايا التي قامت بأدوار تربوية واجتماعية كبرى، ورسخت قيم السلم والمحبة والزهد، وأسهمت في بناء الأمن الروحي للمجتمع، كما نشرت دعوة الإسلام في عمق القارة الإفريقية بالتأثير الروحي القيمي، دون عنف ولا إكراه.
وبالتقاء هذه العناصر الثلاثة، تشكل “التدين المغربي” بوصفه نموذجاً حضارياً يجمع بين التشريع المنضبط، والعقيدة المتوازنة، والروحانية الرفيعة، مما جعل الإسلام في المغرب قوة للوحدة والاستقرار، لا أداة للصراع والانقسام.
- إمارة المؤمنين: إطار للوحدة الروحية والسياسية
تعدّ إمارة المؤمنين إحدى أهم ركائز الهوية المغربية، فهي المؤسسة التي تنتظم داخلها المرجعية الدينية وتستمد منها الدولة المغربية شرعيتها الروحية. وتستند هذه المؤسسة إلى نظام البيعة الذي يربط الحاكم بالمحكوم، وبموجبه يتولى أمير المؤمنين حماية الدين ورعاية المصالح العامة. وقد قامت إمارة المؤمنين عبر التاريخ بوظائف محورية في صيانة وحدة الاختيارات الدينية، وحماية المذهب المالكي والعقيدة السنية الأشعرية والتصوف السني من محاولات التشويه أو التسييس، أو الغلو.
كما أدت إمارة المؤمنين وظيفة مهمة في تعزيز الأمن الروحي للمغاربة، عبر تنظيم الحقل الديني من خلال المجلس العلمي الأعلى، وتكوين الأئمة، وتوحيد الخطاب الديني، مما جعل المجتمع المغربي بمنأى عن الغلوّ والفوضى الدينية التي تشهدها كثير من البلدان. وإلى جانب ذلك، كانت إمارة المؤمنين رمزاً لوحدة الدولة، خاصة في لحظات الأزمات، حيث حافظت على تماسك البنية السياسية للمغرب ومنعت الانقسام العرقي والصراع الثقافي أو الديني. وهكذا أصبحت إمارة المؤمنين الإطار الذي تنتظم داخله عناصر الهوية المغربية وتكتسب من خلاله انسجامها وقوتها ومناعتها.
- جامعة القرويين: منارة علمية وإشعاع عالمي
تُعتبر جامعة القرويين بفاس، التي تأسست سنة 859م، أقدم جامعة في العالم تواصل التدريس بشكل مستمر. وقد قامت هذه الجامعة بوظيفة محورية، عبر التاريخ، تتمثل في صياغة الهوية الدينية والعلمية للمغرب. فهي التي أنتجت علماء المذهب المالكي، وخرجت القضاة والفقهاء والمفتين، وكانت مركزاً علمياً يدرّس فيه القرآن والحديث والعقائد والفقه واللغة، إلى جانب الفلسفة والطب والرياضيات والفلك وغيرها من العلوم الدينية والعقلية النافعة.
كما كان للقرويين تأثير عالمي، خاصة في أوروبا، إذ انتقلت إليها عبر فاس والأندلس علوم كثيرة، واستفادت الجامعات الأوروبية من نظام الإجازة والدراسة المعتمد في القرويين. وبهذا شكّلت الجامعة أحد أعمدة الهوية العلمية للمغرب، وأحد روافد تأثيره الحضاري الخارجي.
ثالثاً: التعدد اللغوي والثقافي: التنوع في إطار الوحدة
يمثّل التنوع اللغوي والثقافي في المغرب عنصر قوة في هويته، لا عنصر ضعف وانقسام. فالعربية والأمازيغية هما الركيزتان الأساسيتان للتواصل بجميع وجوهه ومجالاته في المغرب، وقد امتزجتا عبر القرون ليولد منهما لسان دارج مغربي متعدد الطبقات. ويضاف إلى ذلك الرافد العبري اليهودي، إذ استقر اليهود في المغرب قبل الفتح الإسلامي وتعايشوا مع الأمازيغ، وأسهموا في التجارة والصناعة والفنون والوساطة الدبلوماسية. وقد اعترف الدستور المغربي حديثاً بهذا الرافد باعتباره جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية.
ويمتد التنوع إلى الرافد الحساني في الجنوب، والرافد الأندلسي الذي حمله الموريسكيون بعد سقوط الأندلس، والرافد الإفريقي الذي يعكس امتداد المغرب نحو إفريقيا جنوب الصحراء.
كما تميزت الثقافة المغربية بتعدد أشكالها الفنية الإبداعية، من الطرب الأندلسي إلى الملحون والعيطة وأحواش وكناوة، وأحيدوس…، ومن الأزياء التقليدية إلى المطبخ المتنوع، وإلى العمارة والزخرفة والخط وغيره. ويعكس هذا التنوع قدرة الهوية المغربية على الإبداع والتجدد.
وهكذا تشكل المشهد الثقافي المغربي المتنوع من فسيفساء غنية تنصهر داخل وحدة وطنية متماسكة.
وختامًا يمكن الخلوص إلى أن الهوية المغربية ليست مجرد تراكم لطبقات لغوية أو عرقية أو دينية، بل هي مشروع حضاري متكامل تشكل عبر قرون طويلة. وقد استطاع المغرب، بفضل استمرارية دولته، واعتدال تدينه، وغنى ثقافته، وتنوع روافده، أن يصوغ هوية متوازنة ومتماسكة تجمع بين الأصالة والحداثة، وبين الدين والدولة، وبين التراث والانفتاح، وبين التعدد والوحدة، ولذلك تعد الهوية المغربية اليوم نموذجاً فريداً في العالم الإسلامي والمتوسطي، لأنها استطاعت أن تدير التنوع وتحوّله إلى مصدر قوة، وأن توحّد المجتمع داخل إطار الثوابت الدينية والوطنية الجامعة.
