الطوارق الأغنى “بثقافات البدو” على الإطلاق ولديها لغة نادرة بأبجدية تيفيناغ من 33 حرفًا

Sahara,Desert,,Algeria,-,October,3,2025:,Closeup,Of,Tuareg

Sahara Desert, Algeria - October 3 2025: closeup of Tuareg male in yellow clothes and turban, sitting against a rock

Getting your Trinity Audio player ready...

د. عبد السلام يحيى

باحث في التاريخ من موريتانيا


    في المجال الواصل/الفاصل بين بلدان المغرب العربي وإفريقيا الغربية عبر الصحراء الكبرى، ومنذ قرون سحيقة لا يعرف مداها بدقة، عاش في تلك الربوع شعب الطوارق، مؤسسًا لثقافة صحراوية تمزج بين المؤثرات الثلاث: العربية والبربرية والزنجية، ولم يكن بمنأى عما يحدث على أطرافه الأربع، مؤثرًا فيها ومتأثرًا بها، فمن أين أخذ هذا الشعب تسميته؟ وما أبرز الآراء حول أصوله الجغرافية وانتماءاته النَّسَبية؟ وما معالم ثقافته وطبيعة تفاعله مع محيطه السياسي والأمني؟

أولًا –الطوارق: الاشتقاق والدلالة:

  لا يوجد توافق بين الباحثين فيما يتعلق باشتقاق ودلالة عبارة “طوارق”، حيث سلكوا في ذلك طرائق قددا، فمن حيث الاشتقاق هناك من يحاول أن يفكك الكلمة إلى مقطعين هما: “طوا” وتعني الشعب، و”رق” وهي اسم مكان، لتصبح الكلمة مركبة والدلالة واضحة، في حين يبحث آخرون عن جذور جغرافية أو اجتماعية أو وظيفية لهذه اللفظة.

   وقد استعرض الباحث الموريتاني اكنانة ولد النقرة مختلف فرضيات اشتقاق مصطلح الطوارق ودلالته، حيث ذكر من بينها احتمال أن تعود الكلمة إلى وادي درعة (جنوب المغرب الأقصى) حيث كانت تترابع قبائل الطوارق، وقد أعطت لهذا المكان اسم (أو وصف) “تاركا”، وتعني بلغتهم –ببساطة- الوادي أو المجرى. كما نقل ولد النقرة عن المؤرخ المغربي الناصري السلاوي أن عبارة الطوارق تعود في جذورها إلى قبيلة “تارگا”، وقد كانت النسبة إليها “تارگي” وتُجمع على “توارگ”، ثم حرف العرب الصيغة الأخيرة إلى طوارق.

   ويبدو أن احتكاكهم بالعرب قد جعل الأخيرين يضفون أصلًا اشتقاقيًا على اللفظة يجعلها عربية المعنى والمبنى، فقد اقترحت بعض التفسيرات أن الطوارق قد أخذوا اسمهم من طبيعة ترحالهم الليلي، فهم الذين يطرقون ليلًا (لشدة حر الشمس) ويهجعون نهارًا. فيما نجد تفسيرًا آخر يربط اشتقاق اللفظة بوظائف الخفارة الصحراوية ودلالة القوافل التجارية التي دأب هؤلاء القوم على ممارستهما، وبالتالي فالطارقي هو الذي يرافق مرتادي الطريق ليدلهم في المسالك ويحميهم من اللصوص، وأصبح من يقومون بذلك طوارق بدون اعتبار لأنسابهم وأصولهم.

    ورغم اعتراضهم على هذه التسمية واعتبارها أجنبية عليهم، وتفضيلهم لمصطلحات محلية مثل (إموهاغ) و(إموجاغ) و(إموشاغ)، فلم يكن لديهم بد من تقبلها وتبنيها كاسم جامع لمختلف مكوناتهم الاجتماعية التي تنحدر من أصل واحد.

ثانيًا – أصول الطوارق وأنسابهم

    تختلف آراء الباحثين حول أصول قبائل الطوارق، فمنهم من يدافع عن فرضية أنهم من بقايا المجموعات التي تواجدت في هذا النطاق منذ حقب سحيقة لا تعرف بداياتها (مثل قبائل الجرمنت)، في حين يرى آخرون أن أصولهم تعود لشمال إفريقيا، ومنها أوغلوا في الصحراء، إما هربًا من جيوش الرومان والوندال الذين سيطروا على شمال القارة، أو بعد الفتح الإسلامي أثناء مشاركتهم في الحملات المتجهة إلى إفريقيا جنوب الصحراء، وقد أشارت بعض المصادر الوسيطة (مثل البكري) إلى تفضيل مفرزات من جيوش الفاتحين البقاء في بلاد السودان على العودة شمالًا.

     ويستمر الجدل أيضًا على مستوى نسب الطوارق، فهناك من يعتبرهم جزء من المجموعات الصنهاجية القاطنة في الغرب الصحراوي، والتي اختلف أيضًا على نسبها بين من يراها بربرية ومن يقول إنها مع (قبيلة كتامة) عربيتان دون غيرهما من قبائل المغرب الكبير، فضلًا عن ذلك يذهب آخرون إلى أن الطوارق من أصول أمازيغية – بربرية لعدة قرائن منها المشترك الثقافي واللغوي، ونتائج الأسبار الأثرية والدراسات الأنتروبولوجية، دون إغفال أن بعض مجموعاتهم تنمي نفسها تارة إلى الأنصار خاصة وطورًا إلى العرب عامة، وبالتالي فإن مسألة نسبهم تبقى شائكة لما قد يكتنفها من غموض بسبب الاستقطاب الإيديولوجي، فضلًا عن حقيقة أن هويتهم الثقافية الحالية ناتجة عن عملية تثاقف طويلة بين المكونات البربرية والعربية والزنجية، طيلة تاريخ وجودهم في المنطقة.

ثالثًا – تاريخهم السياسي

    بغض النظر عن الرأي القائل بأن الدولة المرابطية (التي نشأت في القرن الخامس الهجري في قلب صحراء الملثمين، وسيطرت على مجالات المغرب الأقصى والأندلس) هي إمبراطورية الطوارق الكبرى خلال العصر الوسيط، إلا أن هذه المجموعة لم تعرف دولة مركزية مسيطرة على كامل النطاق، وإنما تقاسمت مجالهم فسيفساء من السلطنات الصغيرة والمشيخات الصوفية، وكأن الأمر لا يعدو توزيعًا – شبه توافقي –لمجالات النفوذ بين القبائل والإثنيات الطوارقية، وقد اشتهر من هذه السلطنات كل من آزقر والهقار وتمزقدا، بينما تضيف الكتابات الاستشراقية سلطنة القبيلة العربية الكثيرة العدد لبرابيش، والمشيخة الصوفية الشهيرة التي أسستها مجموعة كنتة، إضافة إلى إماراتي الفلان والسونغاي الزنجيتين.

    وقد كان نظام الحكم هرميًا، يبدأ بالسلطان (ويسمى أمنوكال: أي الرئيس)، ويتلوه شيخ القبيلة (أمغار) الذي يساعد السلطان في المهام المتعلقة بمجموعته، ثم يأتي الإمام، وهو بمثابة المفتي العام للسلطنة، وتعود إليه مهام التعليم والإمامة والقضاء أيضًا، وقد تم استحداث هذا المنصب بعد انتشار الإسلام والثقافة العربية في مختلف أماكن تواجد المجتمع الطوارقي.

رابعًا – خارطة تواجد الطوارق

   يعمر الطوارق المجال الصحراوي الشاسع الممتد من الجنوب الشرقي الجزائري والجنوب الغربي الليبي (شمالًا)، إلى الحدود الشمالية الغربية لمالي مع موريتانيا، وكامل شمال كل من مالي والنيجر وتشاد، مع وجود مجموعات متفرقة منهم في بوركينافاسو ونيجيريا، أي أنها تستوعب المجال الذي يطلق عليه حاليًا اسم منطقة الساحل، غير أن تركز المجموعات متباين من منطقة لأخرى.

    ورغم تشتتهم حاليًا بين عدة دول إلا أن الجزء الأكبر من المجتمع الطوارقي يوجد في إقليم أزواغ (أزواد المالية حاليًا)، وهو مجال يمتد من أعالي نهر السنغال غربًا إلى بحيرة تشاد شرقاً، ومن أطراف المناطق الرملية شمالًا إلى غابات السافانا جنوبًا، ويشغل ثلثي مجال دولة مالي بمساحة تبلغ 850000 كلم2، وله حدود طويلة مع كل من موريتانيا والجزائر والنيجر وبوركينافاسو، ومن مدنه الكبرى تمبكتو (الحاضرة العلمية التاريخية للإقليم) وغاو وكيدال، مما يعني أنه يقع في القلب من منطقة الصحراء والساحل، وبالتالي فهو يبقى عرضة للتأثيرات القادمة من مختلف الاتجاهات، ورغم ذلك فقد حافظ على هويته الثقافية القوية.

خامسًا – الدين والثقافة الطوارقية

    رغم بقاء بعض الرواسب ما قبل الإسلامية في سلوكهم ومعتقداتهم إلا أن الغالبية العظمى من المجتمع الطوارقي يدينون بالإسلام وفق المذهب المالكي، وربما يعود ذلك إلى نهاية القرن الخامس عشر، بفضل احتكاكهم بالتجار القادمين من الشمال، وخصوصًا بفعل جهود بعض علماء المسلمين القدامى مثل محمد بن عبد الكريم المغيلي (1505م)، ونشاط الزوايا الصوفية المستحدثة، كالزاوية القادرية الكنتية التي أسسها الشيخ سيد المختار الكبير (1811م)، لتترسخ بذلك بين الطوارق ثنائية التدين السني والصوفي.

   أما على المستوى الثقافي فيحظى الطوارق بإحدى أغنى “ثقافات البدو” على الإطلاق، حيث يعدون من أندر الشعوب التي تملك لغة مكتوبة، ومع وفرة المحكيات الطارقية إلا أن الحرف الذي تكتب به واحد وهو أبجدية تيفيناغ المكونة من 33 حرفًا، وقد مرت هذه الكتابة بعدة محاولات تطويرية حديثة لتلائم الاستخدام العصري والتيكنولوجي لها.

   كذلك يتميز الطوارق بارتداء اللثام، وهي عادة متأصلة فيهم، وتعود جذورها إلى بدايات استيطانهم الصحراء، ورغم كثرة الروايات التاريخية التي تحاول أن تفسر شدة ارتباط الطوارق به حتى “أن الجليس لا يعرف جليسه إلا إذا تلثم”، فإن الراجح أن البيئة الرملية القاسية التي تعيش فيها هذه المجموعة قد فرضت عليها ارتداء اللثام، ليتحول من زي إجباري إلى عنصر ثقافي هام في النسق الطوارقي، حتى أعطوه قدرة على حمايتهم من الأرواح الشريرة.

   وبالرغم من التراتبية المتحكمة في السلم الاجتماعي لدى الطوارق، والتي جعلتهم ينقسمون بين أرستقراطية محاربة وأخرى دينية وثالثة مزيج بين أصحاب الحرف والصنائع والفنون، إلا أن المرأة قد احتلت فيه الصدارة على ثلاثة مستويات: فهي التي يتم نسبة الأبناء إليها (النسب الأمومي)، كما أنها قد تستأثر بالميراث، وتاريخيًا كان يتم اختيار ولي عهد الأمير من أحد أبناء أخواته، لا ابنه المباشر، وتعود هذه الظاهرة الأخيرة إلى عهود سحيقة، حيث نعثر في المصادر الوسيطة على اعتمادها من طرف حكام الصحراء وبلاد السودان الغربي. 

سادسًا – علاقاتهم وتأثيرهم في المنطقة

    تاريخيًا تحددت علاقة الطوارق بمحيطهم العربي أو الإفريقي بحسب الحالة السياسية العامة داخليًا وخارجيًا، فقد كانوا جزءًا من شعوب “دول الطوق التارقي” – إن صح التعبير – قبل قدوم الاستعمار الفرنسي إلى هذه المنطقة، وهو العامل الحاسم الذي جعل الطوارق يشعرون بهويتهم المتمايزة عن الغير، فرفضوا أولًا سياسة الإدماج في إحدى دول الطوق، ثم قاوموا الوجود الأجنبي منذ سنة 1916م.

   وبعد حصول دول الساحل على استقلالهم منذ ستينات القرن الماضي شعر الطوارق بالعزلة والتشتت بين عدة جنسيات وأوطان “مستحدثة”، فكان على نخبهم المثقفة المطالبة –أولا- بالمواساة والتنمية الجهوية والمشاركة السياسية، قبل أن يرفعوا شعار التحرير والاستقلال بإقليم أزواد.

  وقبل الوصول لهذا الهدف خاض الطوارق ثلاث ثورات كبرى ضد الدولة المالية، تعود أولاها إلى مطلع الستينات (ثورة كيدال سنة 1963م)، وسرعان ما تمكنت السلطة الحاكمة من إخمادها عسكريًا، وضمان عدم تكرارها لثلاثة عقود بعد ذلك.

    خلال هذه الفترة استفاد الطوارق من دعم خارجي وجبهة داخلية غير مستقرة وجددوا ثورتهم الثانية مطلع التسعينات، بعد الإعلان عن تأسيس “الحركة الشعبية لتحرير أزواد”، وكانت بقيادة إياد أغ غالي، واستمرت الحرب نحو ست سنوات (من 1990 إلى 1996م)، عرفت فيها المنطقة دمارًا كبيرًا ونزوحًا جماعيًا لدول الجوار، وخصوصًا نحو الجزائر وموريتانيا، قبل أن يصل الطرفان إلى اتفاق “شعلة السلام” سنة 1996م، الذي يقضي بنزع سلاح الحركات المسلحة، ويعد بحكم ذاتي لإقليم أزواد.  

    أما التمرد الثالث (وهو الأكبر والأهم) فقد انتظر حتى العام 2012م، بعد عودة آلاف المقاتلين الأزواديين من ليبيا، مستفيدين من أسلحة ثقيلة ونوعية، لينضموا لكيان حديث التأسيس هو “الحركة الوطنية لتحرير أزواد”، وسرعان ما كثفوا من هجماتها ضد الجيش المالي، مستفيدين من انقلاب مارس 2012 م، ليضموا مدنًا هامة مثل كيدال وتمبكتو وغاو، وإعلان تأسيس مجلس انتقالي لدولة أزواد برئاسة بلال أغ شريف، ولكن اتفاق الجزائر 2015 م، بين الحكومة المالية والحركات الأزوادية ألزم الأخيرين بالتنازل عن مطلب الاستقلال لصالح الحكم الذاتي، مع توسيع التمثيل السياسي ومضاعفة الاستثمارات المخصصة للإقليم، وبقي هذا الاتفاق صامدا حتى سنة 2023م.

   في هذه الأثناء بدأت بعض التنظيمات الجهادية استغلال حالة الهشاشة الأمنية في منطقة الطوارق لتبحث لها عن مجال نفوذ، منها ما هو وافد من الجوار (مثل تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي وتنظيم الدولة الإسلامية – داعش)، ومنها ما تم تأسيسه من طرف الطوارق (مثل حركة أنصار الدين بقيادة إياد أغ غالي)، وقد تدخلت فرنسا لمساعدة الحكومة المالية في مجابهة هذه التمردات التي كانت تتحد أحيانًا وتنشط فرادى أيضًا.

  حاليًا تتميز الوضعية السياسية لطوارق أزواد بالانتقال من كثافة التمثيل السياسي (مثل الحركات الوطنية والعربية لتحرير أزواد)، إلى توحيد القيادة والمطالب والجيوش، حيث أعلن أواخر سنة 2024م، عن تأسيس “جبهة تحرير أزواد” بتحالف بين مختلف الحركات الممثلة للمطالب الأزوادية، فيما تواصل السلطات الانتقالية في مالي هجماتها على قادة التمرد، بدعم من مجموعة فاغنر الروسية سابقًا، قبل أن يحل محلها “فيلق إفريقيا”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *