الاستهداف الأمريكي لإيران
::cck::2122::/cck::
::introtext::
على الرغم من اتباع ايران في اثناء الحرب الاخيرة على العراق سياسة الحياد الايجابي الا انها تلقت الاتهامات والتهديدات الامريكية عقب الحرب مباشرة، الامر الذي استنتج بموجبه المراقبون أن ايران ربما تكون هي الهدف القادم بعد العراق. فما هي حقيقة الدوافع الكامنة وراء التصريحات العدائية الامريكية التي خرجت بشكل مكثف مؤخرا ضد ايران؟ وما هي الاحتمالات المتوقعة لسلوك السياسة الخارجية الامريكية تجاهها؟ وما هي حقيقة الموقف الايراني من هذه التهديدات المتصاعدة؟
::/introtext::
::fulltext::
على الرغم من اتباع ايران في اثناء الحرب الاخيرة على العراق سياسة الحياد الايجابي الا انها تلقت الاتهامات والتهديدات الامريكية عقب الحرب مباشرة، الامر الذي استنتج بموجبه المراقبون أن ايران ربما تكون هي الهدف القادم بعد العراق. فما هي حقيقة الدوافع الكامنة وراء التصريحات العدائية الامريكية التي خرجت بشكل مكثف مؤخرا ضد ايران؟ وما هي الاحتمالات المتوقعة لسلوك السياسة الخارجية الامريكية تجاهها؟ وما هي حقيقة الموقف الايراني من هذه التهديدات المتصاعدة؟
يمكن فهم توجهات السياسة الخارجية الامريكية تجاه ايران عبر قراءة الاستراتيجية الامريكية للمنطقة بشكل عام والمتعلقة بحماية منابع النفط والمحافظة على أمن اسرائيل، فضلا عن المخطط الرامي الى اعادة تغيير خارطة الشرق الاوسط على نحو ما جاء بشكل واضح على لسان المسؤولين الامريكيين، حيث يهدف هذا المخطط الى ايجاد شرق اوسط جديد يقوم على الاسس الجغرافية ويتجاهل الانتماءات القومية والخصوصيات الحضارية والثقافية. وترمي السياسة الامريكية ايضا الى احتواء ايران وتهميش قدراتها العسكرية، فالولايات المتحدة تريد ان تكون اللاعب الرئيسي في معادلة أمن الخليج واضعاف وتهميش ومحاصرة أي قوى اقليمية منافسة قد تلعب دورا في التأثير على النفوذ الامريكي في المنطقة.
الملاحظ أن التهديدات الامريكية لايران ليست جديدة، بل يمكن ارجاعها الى قيام الثورة الايرانية وسقوط نظام الشاه، فمنذ ذلك الوقت اصبحت ايران محط اهتمام السياسة الامريكية في منطقة الخليج، حيث تسعى الولايات المتحدة جاهدة الى اضعافها وعزلها عن بيئتها الاقليمية والدولية. فالولايات المتحدة تأخذ على ايران محاولاتها الدائبة لبناء قوة عسكرية غير تقليدية وتتهمها بدعم المنظمات التي تعتبرها واشنطن “ارهابية” مثل حزب الله اللبناني وحركات المقاومة الفلسطينية المختلفة، وتأخذ عليها ايضا مواقفها المتشددة من عملية السلام وعدم اعترافها باسرائيل. وتبعا لذلك ترى الادارة الامريكية أن ايران تقف عائقا امام طموحاتها وتشكل خطرا امنيا استراتيجيا ينبغي مواجهته قبل أن يستفحل أثره ويمتد خطره. وكانت الحرب العراقية الايرانية عاملا اساسيا في تنفيذ الاستراتيجية الامريكية ومن ثم جاءت حرب افغانستان من أجل السيطرة على وسط آسيا ونفط بحر قزوين ومحاصرة ايران، تلتها ازمة الخليج الثانية في العام 1990 التي دخلت بموجبها القوات الامريكية الى الخليج بما يتضمنه ذلك من تبعات استراتيجية وسياسية على دول المنطقة بما فيها ايران. ومن ثم جاءت الحرب الامريكية الاخيرة على العراق التي اطاحت بنظام صدام حسين في ابريل 2003 لتعبر في احد مستوياتها عن عزل ايران ضمن بيئتها الاقليمية.
في هذا السياق ينبغي أن ندرك ان احداث 11 ايلول عززت الاستهداف الامريكي لايران اذ وفرت فرصة مواتية لتوجيه الاتهامات لها التي تزامنت مع تنامي قوة تيار المحافظين الجدد في مجال التأثير على القرار السياسي، فهذه الفئة هي التي اضحت توجه قرارات الرئيس في مجال السياسة الخارجية، فعملت على دفع الادارة لشن الحرب على العراق وهي توجه الانظار اليوم لايران. وكأحد تداعيات الاحداث سالفة الذكر تم التركيز على قضية الارهاب بشكل لم يسبق له مثيل في العلاقات الدولية، واستغلت الولايات المتحدة شعار الحرب على الارهاب لشن حروب عسكرية من دون الاستناد الى الشرعية الدولية او حتى الى القواعد القانونية الدولية التي تكفل حقوق السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى. وتبعا لذلك اصبحت ايران تظهر بصورة سنوية في قائمة الدول الراعية للارهاب، بل ان وزارة الخارجية الامريكية وصفت ايران في تقريرها عن انماط الارهاب العالمي بأنها الاكثر نشاطا في رعاية الارهاب. وقد اتهم وزير الدفاع الامريكي رامسفيلد ايران في اثناء حرب افغانستان بتسهيل عبور افراد تنظيم القاعدة الى اراضيها عبر حدودها المشتركة مع افغانستان، وتم اتهامها بالتورط في الشأن الشيعي الداخلي في جنوب العراق لتأليب الشيعة على قوات الاحتلال الامريكي.
لا شك بأن البرنامج النووي الايراني ساهم بشكل ملحوظ في تأجيج حدة الخلافات بين الجانبين مؤخرا. فقد تأزمت الاوضاع عندما زعم المسؤولون الامريكيون ان ايران قامت ببناء منشأتين نوويتين جديدتين في منطقتي آراك ونانتاز لتخصيب اليورانيوم وانتاج اسلحة نووية، وهو الامر الذي يشكل احد المحرمات على ايران من وجهة النظر الامريكية.
في مواجهة المواقف الامريكية المذكورة آنفا تستمر ايران في الدفاع عن برنامجها النووي ،حيث تقول بأنه مكرس للاغراض السلمية فقط، فسيوفر هذا البرنامج 20% من الطاقة الكهربائية لايران. وهي تؤكد على الدوام امتثالها للاتفاقيات الدولية الناظمة للانشطة النووية بتوقيعها مؤخرا البروتوكول الاضافي الملحق بمعاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية من قبل مندوبها لدى وكالة الطاقة الذرية، وهو الاتفاق الذي يسمح للوكالة الدولية القيام بعمليات تفتيش مفاجئة ومكثفة للمنشآت النووية الايرانية.
تدرك ايران انها مستهدفة بشكل جاد ولذلك فهي تحاول تجنب اي عمل عسكري ضدها باتباع عدة اساليب منها تحسين علاقاتها الاقليمية التي تشمل الدول العربية والخليجية وتعزيز العلاقات مع القوى الدولية مثل الاتحاد الاوربي، اضافة الى تقوية القدرات العسكرية الايرانية وتخفيف حدة الخلافات في الجبهة الداخلية بين تيار المحافظين والاصلاحيين، فضلا عن دفاعها المستمر عن الاغراض السلمية لبرنامجها النووي. وفي تطور آخر وافقت ايران مؤخرا على تعليق برنامجها لتخصيب اليورانيوم بعد ان تلقت وعدا اوروبيا بالتعاون معها، وقد جاء ذلك في اعقاب مفاوضات استمرت لاكثر من شهر بينها وبين الاتحاد الاوربي ممثلا بمندوبي كل من المانيا وفرنسا وبريطانيا. ولا شك ان هذا الامر من شأنه اضاعة الفرصة على الولايات المتحدة برفع ملف ايران النووي الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار يتماهى مع الرغبات الامريكية. ولكن هذا الموقف الذي اتخذته ايران لا يعني المصالحة التامة وفتح صفحة جديدة في العلاقات الامريكية الايرانية، خاصة ان هناك ثوابت في السياسة الايرانية تشكل بمجملها تحديات للسياسة الامريكية، ولذلك ربما يتذبذب الموقف الامريكي من ايران في ظل المتغيرات الجديدة ولكنه لا يزال يحتفظ بعدة مآخذ عليها.
أما فيما يتعلق بالاحتمالات الحالية المتوقعة لسلوك الادارة الامريكية تجاه ايران فيمكن القول ان جوهر العلاقة بين ايران والولايات المتحدة يقوم على الغموض لعدم وجود آلية محددة للتعامل مع ايران. فهناك فريق متشدد ينادي بالمواجهة العسكرية وهناك فريق آخر يرى ضرورة تبني المسعى الدبلوماسي أما الفريق الثالث فيرى اهمية تهديد المكانة الاقليمية لايران بواسطة ترتيبات معينة تدفع ايران الى المثول للمطالب الامريكية. في خضم هذه التيارات والاتجاهات يمكننا القول ان استهداف ايران عسكريا ليس بالامر السهل، اذ ان هذا السلوك سيفرز سلسلة من التفاعلات في محيط ايران الاقليمي قد تنعكس على المنظومة الامنية الخليجية برمتها. وربما يؤدي ذلك الى المساس بالمصالح الامريكية في المنطقة. فايران ليست افغانستان وهي بما تملكه من قدرات وامكانيات تجعل استهدافها صعبا، اخذين بعين الاعتبار ان استخدام الاداة العسكرية له من المحاذير ما يجعل الادارة تمعن النظر في الخيارات الاخرى المتاحة للتعامل مع ايران، بخاصة ان تداعيات اي عمل عسكري محتمل ضد ايران لن تكون مضمونة العواقب.
اضافة الى ما تقدم نجد ان وضع الولايات المتحدة على المستويين الداخلي والدولي قد يمنعها من الاقدام على مغامرة عسكرية ضد ايران في الوقت الراهن. فعلى المستوى الداخلي هناك عجز في الموازنة يقدر للعام الحالي 2004 بـ 455 مليار دولار بفعل كلفة الانفاق العسكري الخارجي وهناك بطالة تصل الى 6% وهناك ضعف في النمو الاقتصادي،حيث ان نسبة النمو في الناتج المحلي الاجمالي تبلغ الان 2،4%. أما على المستوى الدولي فلا يزال الوضع في افغانستان غير مستقر، والتورط الامريكي في العراق لا يزال ماثلا للعيان. وبالتالي فمن المحتمل أن تلجأ الادارة الامريكية في الوقت الراهن الى اسلوب الضغط السياسي عن طريق خلق معطيات جيوسياسية واقعية في منطقة الخليج توصل رسالة لايران بأن الولايات المتحدة هي العنصر الفاعل في أمن الخليج وأنه لا أمن من دون وجودها ومشاركتها في أي ترتيبات امنية مستقبلية في المنطقة. وهذا ما يجري حاليا فالقواعد العسكرية الامريكية المنتشرة في مياه الخليج وتركيا واذربيجان فضلا عن القواعد العسكرية الموجودة في افغانستان والعراق، كل ذلك يجعل ايران محاصرة وبالتالي يمكن توجيه ذات الرسالة الى ايران بكلفة اقل مما لو كانت باستخدام الاداة العسكرية المباشرة. ولكن ينبغي القول ان كل الاحتمالات مفتوحة بشأن العلاقات الامريكية الايرانية تبعا للظروف السياسية التي تتغير بشكل مستمر، الا اننا يجب ان ندرك ان الولايات المتحدة تسعى الى احداث التغيير في ايران بما ينسجم مع استحقاقات وجودها في المنطقة.
نخلص الى القول بأن العلاقة الامريكية الايرانية بين شد وجدب فتارة تتصف بالمرونة وتارة اخرى بالتشدد بل وتتصف احيانا بالغموض والتناقض بسبب تعدد الاتجاهات داخل الادارة الامريكية، ويبقى الموقف الامريكي من ايران رهن المعطيات السياسية سواء على المستوى الداخلي الامريكي او المستوى الدولي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2122::/cck::
::introtext::
على الرغم من اتباع ايران في اثناء الحرب الاخيرة على العراق سياسة الحياد الايجابي الا انها تلقت الاتهامات والتهديدات الامريكية عقب الحرب مباشرة، الامر الذي استنتج بموجبه المراقبون أن ايران ربما تكون هي الهدف القادم بعد العراق. فما هي حقيقة الدوافع الكامنة وراء التصريحات العدائية الامريكية التي خرجت بشكل مكثف مؤخرا ضد ايران؟ وما هي الاحتمالات المتوقعة لسلوك السياسة الخارجية الامريكية تجاهها؟ وما هي حقيقة الموقف الايراني من هذه التهديدات المتصاعدة؟
::/introtext::
::fulltext::
على الرغم من اتباع ايران في اثناء الحرب الاخيرة على العراق سياسة الحياد الايجابي الا انها تلقت الاتهامات والتهديدات الامريكية عقب الحرب مباشرة، الامر الذي استنتج بموجبه المراقبون أن ايران ربما تكون هي الهدف القادم بعد العراق. فما هي حقيقة الدوافع الكامنة وراء التصريحات العدائية الامريكية التي خرجت بشكل مكثف مؤخرا ضد ايران؟ وما هي الاحتمالات المتوقعة لسلوك السياسة الخارجية الامريكية تجاهها؟ وما هي حقيقة الموقف الايراني من هذه التهديدات المتصاعدة؟
يمكن فهم توجهات السياسة الخارجية الامريكية تجاه ايران عبر قراءة الاستراتيجية الامريكية للمنطقة بشكل عام والمتعلقة بحماية منابع النفط والمحافظة على أمن اسرائيل، فضلا عن المخطط الرامي الى اعادة تغيير خارطة الشرق الاوسط على نحو ما جاء بشكل واضح على لسان المسؤولين الامريكيين، حيث يهدف هذا المخطط الى ايجاد شرق اوسط جديد يقوم على الاسس الجغرافية ويتجاهل الانتماءات القومية والخصوصيات الحضارية والثقافية. وترمي السياسة الامريكية ايضا الى احتواء ايران وتهميش قدراتها العسكرية، فالولايات المتحدة تريد ان تكون اللاعب الرئيسي في معادلة أمن الخليج واضعاف وتهميش ومحاصرة أي قوى اقليمية منافسة قد تلعب دورا في التأثير على النفوذ الامريكي في المنطقة.
الملاحظ أن التهديدات الامريكية لايران ليست جديدة، بل يمكن ارجاعها الى قيام الثورة الايرانية وسقوط نظام الشاه، فمنذ ذلك الوقت اصبحت ايران محط اهتمام السياسة الامريكية في منطقة الخليج، حيث تسعى الولايات المتحدة جاهدة الى اضعافها وعزلها عن بيئتها الاقليمية والدولية. فالولايات المتحدة تأخذ على ايران محاولاتها الدائبة لبناء قوة عسكرية غير تقليدية وتتهمها بدعم المنظمات التي تعتبرها واشنطن “ارهابية” مثل حزب الله اللبناني وحركات المقاومة الفلسطينية المختلفة، وتأخذ عليها ايضا مواقفها المتشددة من عملية السلام وعدم اعترافها باسرائيل. وتبعا لذلك ترى الادارة الامريكية أن ايران تقف عائقا امام طموحاتها وتشكل خطرا امنيا استراتيجيا ينبغي مواجهته قبل أن يستفحل أثره ويمتد خطره. وكانت الحرب العراقية الايرانية عاملا اساسيا في تنفيذ الاستراتيجية الامريكية ومن ثم جاءت حرب افغانستان من أجل السيطرة على وسط آسيا ونفط بحر قزوين ومحاصرة ايران، تلتها ازمة الخليج الثانية في العام 1990 التي دخلت بموجبها القوات الامريكية الى الخليج بما يتضمنه ذلك من تبعات استراتيجية وسياسية على دول المنطقة بما فيها ايران. ومن ثم جاءت الحرب الامريكية الاخيرة على العراق التي اطاحت بنظام صدام حسين في ابريل 2003 لتعبر في احد مستوياتها عن عزل ايران ضمن بيئتها الاقليمية.
في هذا السياق ينبغي أن ندرك ان احداث 11 ايلول عززت الاستهداف الامريكي لايران اذ وفرت فرصة مواتية لتوجيه الاتهامات لها التي تزامنت مع تنامي قوة تيار المحافظين الجدد في مجال التأثير على القرار السياسي، فهذه الفئة هي التي اضحت توجه قرارات الرئيس في مجال السياسة الخارجية، فعملت على دفع الادارة لشن الحرب على العراق وهي توجه الانظار اليوم لايران. وكأحد تداعيات الاحداث سالفة الذكر تم التركيز على قضية الارهاب بشكل لم يسبق له مثيل في العلاقات الدولية، واستغلت الولايات المتحدة شعار الحرب على الارهاب لشن حروب عسكرية من دون الاستناد الى الشرعية الدولية او حتى الى القواعد القانونية الدولية التي تكفل حقوق السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى. وتبعا لذلك اصبحت ايران تظهر بصورة سنوية في قائمة الدول الراعية للارهاب، بل ان وزارة الخارجية الامريكية وصفت ايران في تقريرها عن انماط الارهاب العالمي بأنها الاكثر نشاطا في رعاية الارهاب. وقد اتهم وزير الدفاع الامريكي رامسفيلد ايران في اثناء حرب افغانستان بتسهيل عبور افراد تنظيم القاعدة الى اراضيها عبر حدودها المشتركة مع افغانستان، وتم اتهامها بالتورط في الشأن الشيعي الداخلي في جنوب العراق لتأليب الشيعة على قوات الاحتلال الامريكي.
لا شك بأن البرنامج النووي الايراني ساهم بشكل ملحوظ في تأجيج حدة الخلافات بين الجانبين مؤخرا. فقد تأزمت الاوضاع عندما زعم المسؤولون الامريكيون ان ايران قامت ببناء منشأتين نوويتين جديدتين في منطقتي آراك ونانتاز لتخصيب اليورانيوم وانتاج اسلحة نووية، وهو الامر الذي يشكل احد المحرمات على ايران من وجهة النظر الامريكية.
في مواجهة المواقف الامريكية المذكورة آنفا تستمر ايران في الدفاع عن برنامجها النووي ،حيث تقول بأنه مكرس للاغراض السلمية فقط، فسيوفر هذا البرنامج 20% من الطاقة الكهربائية لايران. وهي تؤكد على الدوام امتثالها للاتفاقيات الدولية الناظمة للانشطة النووية بتوقيعها مؤخرا البروتوكول الاضافي الملحق بمعاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية من قبل مندوبها لدى وكالة الطاقة الذرية، وهو الاتفاق الذي يسمح للوكالة الدولية القيام بعمليات تفتيش مفاجئة ومكثفة للمنشآت النووية الايرانية.
تدرك ايران انها مستهدفة بشكل جاد ولذلك فهي تحاول تجنب اي عمل عسكري ضدها باتباع عدة اساليب منها تحسين علاقاتها الاقليمية التي تشمل الدول العربية والخليجية وتعزيز العلاقات مع القوى الدولية مثل الاتحاد الاوربي، اضافة الى تقوية القدرات العسكرية الايرانية وتخفيف حدة الخلافات في الجبهة الداخلية بين تيار المحافظين والاصلاحيين، فضلا عن دفاعها المستمر عن الاغراض السلمية لبرنامجها النووي. وفي تطور آخر وافقت ايران مؤخرا على تعليق برنامجها لتخصيب اليورانيوم بعد ان تلقت وعدا اوروبيا بالتعاون معها، وقد جاء ذلك في اعقاب مفاوضات استمرت لاكثر من شهر بينها وبين الاتحاد الاوربي ممثلا بمندوبي كل من المانيا وفرنسا وبريطانيا. ولا شك ان هذا الامر من شأنه اضاعة الفرصة على الولايات المتحدة برفع ملف ايران النووي الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار يتماهى مع الرغبات الامريكية. ولكن هذا الموقف الذي اتخذته ايران لا يعني المصالحة التامة وفتح صفحة جديدة في العلاقات الامريكية الايرانية، خاصة ان هناك ثوابت في السياسة الايرانية تشكل بمجملها تحديات للسياسة الامريكية، ولذلك ربما يتذبذب الموقف الامريكي من ايران في ظل المتغيرات الجديدة ولكنه لا يزال يحتفظ بعدة مآخذ عليها.
أما فيما يتعلق بالاحتمالات الحالية المتوقعة لسلوك الادارة الامريكية تجاه ايران فيمكن القول ان جوهر العلاقة بين ايران والولايات المتحدة يقوم على الغموض لعدم وجود آلية محددة للتعامل مع ايران. فهناك فريق متشدد ينادي بالمواجهة العسكرية وهناك فريق آخر يرى ضرورة تبني المسعى الدبلوماسي أما الفريق الثالث فيرى اهمية تهديد المكانة الاقليمية لايران بواسطة ترتيبات معينة تدفع ايران الى المثول للمطالب الامريكية. في خضم هذه التيارات والاتجاهات يمكننا القول ان استهداف ايران عسكريا ليس بالامر السهل، اذ ان هذا السلوك سيفرز سلسلة من التفاعلات في محيط ايران الاقليمي قد تنعكس على المنظومة الامنية الخليجية برمتها. وربما يؤدي ذلك الى المساس بالمصالح الامريكية في المنطقة. فايران ليست افغانستان وهي بما تملكه من قدرات وامكانيات تجعل استهدافها صعبا، اخذين بعين الاعتبار ان استخدام الاداة العسكرية له من المحاذير ما يجعل الادارة تمعن النظر في الخيارات الاخرى المتاحة للتعامل مع ايران، بخاصة ان تداعيات اي عمل عسكري محتمل ضد ايران لن تكون مضمونة العواقب.
اضافة الى ما تقدم نجد ان وضع الولايات المتحدة على المستويين الداخلي والدولي قد يمنعها من الاقدام على مغامرة عسكرية ضد ايران في الوقت الراهن. فعلى المستوى الداخلي هناك عجز في الموازنة يقدر للعام الحالي 2004 بـ 455 مليار دولار بفعل كلفة الانفاق العسكري الخارجي وهناك بطالة تصل الى 6% وهناك ضعف في النمو الاقتصادي،حيث ان نسبة النمو في الناتج المحلي الاجمالي تبلغ الان 2،4%. أما على المستوى الدولي فلا يزال الوضع في افغانستان غير مستقر، والتورط الامريكي في العراق لا يزال ماثلا للعيان. وبالتالي فمن المحتمل أن تلجأ الادارة الامريكية في الوقت الراهن الى اسلوب الضغط السياسي عن طريق خلق معطيات جيوسياسية واقعية في منطقة الخليج توصل رسالة لايران بأن الولايات المتحدة هي العنصر الفاعل في أمن الخليج وأنه لا أمن من دون وجودها ومشاركتها في أي ترتيبات امنية مستقبلية في المنطقة. وهذا ما يجري حاليا فالقواعد العسكرية الامريكية المنتشرة في مياه الخليج وتركيا واذربيجان فضلا عن القواعد العسكرية الموجودة في افغانستان والعراق، كل ذلك يجعل ايران محاصرة وبالتالي يمكن توجيه ذات الرسالة الى ايران بكلفة اقل مما لو كانت باستخدام الاداة العسكرية المباشرة. ولكن ينبغي القول ان كل الاحتمالات مفتوحة بشأن العلاقات الامريكية الايرانية تبعا للظروف السياسية التي تتغير بشكل مستمر، الا اننا يجب ان ندرك ان الولايات المتحدة تسعى الى احداث التغيير في ايران بما ينسجم مع استحقاقات وجودها في المنطقة.
نخلص الى القول بأن العلاقة الامريكية الايرانية بين شد وجدب فتارة تتصف بالمرونة وتارة اخرى بالتشدد بل وتتصف احيانا بالغموض والتناقض بسبب تعدد الاتجاهات داخل الادارة الامريكية، ويبقى الموقف الامريكي من ايران رهن المعطيات السياسية سواء على المستوى الداخلي الامريكي او المستوى الدولي.
::/fulltext::
::cck::2122::/cck::
