ضريبة القيمة المضافة…هل تمثل بالفعل قيمة إضافية؟
::cck::2123::/cck::
::introtext::
برزت تقارير إخبارية خلال الأسابيع القليلة المنصرمة تفيد بعزم دول مجلس التعاون الخليجي على تفعيل ضريبة القيمة المضافة تستهدف بدايةً مادة التبغ وما يماثلها من مواد توصف بـ”الضارة”، وذلك مع حلول عام 2005. ويبدو أن السلطات الاقتصادية الخليجية تسعى إلى تنويع سلة مداخيلها كجزء لا يتجزأ من توجهات المنطقة نحو تطبيق حملة من الإصلاحات الاقتصادية، غير أن فرض ضريبة القيمة المضافة تثير حملة من التساؤلات، خصوصاً فيما يرتبط باحتمال وقوع تضخم مالي وفتح ملف “لا تمثيل سياسياً من دون نظام ضريبي”، على الأقل في الأوساط الاجتماعية والاقتصادية التي تهيمن عليها الجاليات الوافدة.
::/introtext::
::fulltext::
برزت تقارير إخبارية خلال الأسابيع القليلة المنصرمة تفيد بعزم دول مجلس التعاون الخليجي على تفعيل ضريبة القيمة المضافة تستهدف بدايةً مادة التبغ وما يماثلها من مواد توصف بـ”الضارة”، وذلك مع حلول عام 2005. ويبدو أن السلطات الاقتصادية الخليجية تسعى إلى تنويع سلة مداخيلها كجزء لا يتجزأ من توجهات المنطقة نحو تطبيق حملة من الإصلاحات الاقتصادية، غير أن فرض ضريبة القيمة المضافة تثير حملة من التساؤلات، خصوصاً فيما يرتبط باحتمال وقوع تضخم مالي وفتح ملف “لا تمثيل سياسياً من دون نظام ضريبي”، على الأقل في الأوساط الاجتماعية والاقتصادية التي تهيمن عليها الجاليات الوافدة.
ولعل التوجه نحو فرض ضريبة القيمة المضافة تبلور أساساً بوصفه يمثل حلاً وسطاً يستعيض عن مقترح سابق يدعم فكرة فرض ضريبة على المبيعات، وهو الأمر الذي يستدعي صياغة نظام ضريبي شامل. إضافة إلى أن فرض ضريبة القيمة المضافة يأتي تماشياً مع توصيات صندوق النقد الدولي الذي يرمي إلى خلق حالة من التوازن الاقتصادي ضمن سياق التذبذبات التي يشهدها حجم المداخيل النفطية ومحاولة إيجاد حلول تصحح عجز الموازنات العامة. ففي شهر مايو 2004، صرح الدكتور محمد خلفان بن خرباش، وزير الدولة الإماراتي لشؤون المالية والصناعة، بأن الحكومة “قد تفرض ضريبة القيمة المضافة، لأن الواقع أثبت أن هذه الضريبة تمثل أكثر أنواع الضرائب عدلاً وتوحيداً”. وأضاف قائلاً: “إن ضريبة القيمة المضافة تنسحب على قاعدة اجتماعية واسعة، ولا تنحاز لصالح أي مجموعة ذات مصالح بعينها على حساب مجموعة أو مجموعات أخرى. كما أنها تجسد ضريبة غير مباشرة تنطبق على الدخل وتتناسب مع حجم الاستهلاك”. وأردف الوزير خرباش بالقول: “من ميزات ومحاسن ضريبة القيمة المضافة أنها لا تؤثر سلباً في حجم الادخار والاستثمار”.
الجدير بالذكر هنا أن ضريبة القيمة المضافة تحمل تعريفات متعددة ومختلفة، لكنها عموماً وبشكل نسبي تمثل نوعاً جديداً من الضرائب، بمعنى أنها تمثل ضريبة على الاستهلاك، وليس على الإنتاج. ففي حين يعتبر بعض المحللين الاقتصاديين أن فرض ضريبة شاملة وموحدة على السلع والمنتجات الاستهلاكية خلال عملية البيع بالمفرق ربما يفضي إلى فرض ضرائب على مراحل متعددة على المنتج نفسه خلال دورته الإنتاجية، فإن ضريبة القيمة المضافة يتم تحصيلها على مدار كل مرحلة من مراحل الإنتاج بغض النظر عن الاستخدام النهائي للمنتج. وبهذا المفهوم، فإن ضريبة القيمة المضافة تمثل ضريبة استهلاكية عامة ترتبط بالقيمة الإضافية للسلع والمنتجات ابتداءً من مرحلة الإنتاج وانتهاءً بعملية التوزيع، وتمثل نسبة من الفارق الذي يفصل بين تكلفة الإنتاج والسعر النهائي للمنتج.
ويعود تاريخ أول إدراج لضريبة القيمة المضافة إلى أواسط القرن العشرين، إذ تم فرضها على منتجات محددة مثل السجائر، إلا أنها أصبحت مع مرور السنين تمثل أحد أهم مصادر الدخل في معظم دول العالم، بما في ذلك مصر ولبنان على مستوى العالم العربي. وبحسب تقديرات بعض المحللين الاقتصاديين، فإن حجم ضرائب القيمة المضافة يناهز ربع المداخيل الضريبية مجتمعة في العالم برمته، ونحو خمسة في المائة من إجمالي الناتج المحلي في العالم.
إلا أن تطبيق نظام ضريبة القيمة المضافة ينطوي على جانب سلبي، إذ من المحتمل أن يدفع بالمؤسسات التجارية إلى تفضيل استيراد السلع الخارجية على حساب السلع المصنعة محلياً، لأن السلع المستوردة تقتضي دفع ضريبة واحدة فقط. وبالتالي، وفي سياق الواقع الاقتصادي لدول الخليج، يبدو أن ضريبة القيمة المضافة من شأنها أن تثبت همة وجهود الوحدات الصناعية الفتية التي برزت على الساحة الصناعية في الأعوام القليلة الماضية. علاوة على ذلك، سوف يتحمل المستهلك وزر هذه الضريبة وبشكل كامل، لأنها تمثل في جوهرها ضريبة استهلاكية تستهدف بالدرجة الأولى محفظة المستهلك سواء كان ينتمي إلى الطبقة الغنية أو ينحدر من الطبقات الفقيرة. كما أن تطبيقها على أرض الواقع تكتنفه تعقيدات عديدة ويستدعي إقامة نظام محاسبي خاص، وهو ما تفتقر إليه دول المنطقة في الوقت الراهن. وبالتالي، فإن ضريبة القيمة المضافة ربما تحمل بين ثناياها خطر التطبيق غير المتوازن، بل وربما الخاطئ.
وفي الوقت الذي تقفز فيه إلى الواجهة مجموعة من المعوقات المتصلة بإدارة عملية فرض ضريبة القيمة المضافة وما يمكن أن ينجم عنها من تداعيات سياسية، خصوصاً فيما يتعلق بالمطالبة بضرورة تطبيق مبدأي المساءلة القانونية وحق التمثيل الشعبي، إلاّ أن الواقع الاقتصادي يقتضي فرض هذه الضريبة في ظل الوضع الضريبي السائد في منطقة الخليج والتراجع النسبي لإيرادات النفط والغاز إلى جانب الزيادة المطردة بعدد السكان والضغوط المتفاقمة في حقل سوق العمل. كل هذه المعطيات تدعو إلى ضرورة إيجاد مصادر جديدة للدخل القومي لدول المنطقة.
وعلى صعيد آخر، ربما تجسد ضريبة القيمة المضافة خطوة تمهيدية في اتجاه صياغة استراتيجية ضريبية جماعية تتبناها الدول الأعضاء في منظومة مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً على ضوء النهج الوحدوي على مستوى العملة والرسوم الجمركية المرتقب تفعيله في المستقبل المنظور.
وبينما أثار الجدال الدائر حول ضريبة القيمة المضافة زوبعة دقت أجراس الخطر في بعض الأوساط الاقتصادية، فلا بد من الأخذ في الاعتبار بأن دول مجلس التعاون الخليجي لديها سجل تاريخي يبرهن على أن مجموعة من الضرائب غير المباشرة والمستترة أو الضمنية تم بالفعل العمل بها في الماضي، واستهدفت على أقل تقدير الجاليات الوافدة. فالخدمات الصحية والكهرباء والماء والخدمات البلدية كلها تحمل تكلفة مالية، بالإضافة إلى التكلفة الناجمة عن عملية تغيير التأشيرات، وجميعها تندرج ضمن قائمة من الخدمات التي تحمل أسعاراً محددة، بل إن أسعارها آخذة في الصعود.
وفي الواقع، فإن بعض دول مجلس التعاون الخليجي تفرض فعلياً مجموعة من الضرائب غير المباشرة. فسلطنة عُمان، على سبيل المثال، تعمل حالياً بنظام ضريبي يشبه في بعض جوانبه نظام الضرائب المفروضة على الشركات في عدد من دول العالم. وفي الإمارات العربية المتحدة، تدفع المؤسسات المصرفية الأجنبية جزءاً من أرباحها للحكومة. وتظل المملكة العربية السعودية إحدى الدول الخليجية التي لا تفرض أي نوع من الضرائب، سواء تعلق الأمر بضرائب محلية أو إقليمية أو ضرائب على الملكية أو أي ضرائب على المبيعات. كما أن أجور الموظفين غير السعوديين المقيمين في المملكة، وما يستحصلون عليه من حوافز مالية لا يخضعان في الوقت الراهن لأي نوع من الضرائب على الدخل. أما بالنسبة للمواطنين غير السعوديين وغير المقيمين في المملكة الذين يجنون مداخيل من استثمارات في شركات سعودية أو من أنشطة مهنية أخرى، فإنهم يدفعون ضرائب تتراوح بين خمسة في المائة وثلاثين في المائة بحسب حجم الدخل.
وخلال شهر مايو 2003، أثار المشروع السعودي الخاص بفرض ضريبة على دخل العمال الوافدين بنسبة عشرة في المائة في أوساط الفئة التي تتجاوز رواتبها الشهرية ثلاثة آلاف ريال سعودي، موجة من القلق. إلا أن مجلس الشورى السعودي صوت ضد المشروع. وكان الهدف من طرح مسودة مشروع القانون الذي يتضمن خمساً وسبعين مادة هو تعديل قانون سابق تم إصداره قبل ما يزيد على خمسين عاماً، لكنه لم يحظَ قط بالتطبيق. وكان من المتوقع أن تجني الخزينة السعودية نحو ستة مليارات ريال سعودي في حال تمت المصادقة على مشروع القانون الضريبي المذكور.
ومن جهتها، أقدمت الحكومة الكويتية على إعادة صياغة قانون ضريبة الدخل الصادر عام 1955، وذلك ضمن خطة ترمي إلى فرض ضريبة على الدخل مع حلول شهر يناير 2005. وتستهدف هذه الضريبة دخل المؤسسات التجارية أكثر من استهدافها دخل الأفراد، حيث إن السلطات الكويتية سوف تقتطع ما نسبته خمسة في المائة بالنسبة للمؤسسات التي تفوق أرباحها ألفي دينار كويتي وخمسة وعشرين في المائة بالنسبة للمؤسسات التي يتجاوز حجم أرباحها مليون دينار كويتي سنوياً، فيما يعفي نص مسودة القانون الذي لا يزال قيد المداولة في البرلمان الكويتي الأفراد غير المتزوجين الذين تقل رواتبهم عن اثني عشر ألف دينار كويتي، شأنهم في ذلك شأن الأزواج الذين ليس لديهم أطفال، والذين تقل رواتبهم عن أربعة عشر ألف دينار سنوياً.
وعلى الرغم من الحديث عن ضرورة فرض ضريبة القيمة المضافة على رواتب الأفراد وعلى الرغم من أن الشركات الأجنبية استمرت في دفع مجموعة من الضرائب لفترة من الزمن، غير أن قرار فرض أي نوع من الضرائب لا شك في أنه سوف يؤثر في العمال الوافدين الذين طالما استفادوا من غياب نظام ضريبي في دول الخليج العربية، والتي تُعتبر في عيون الكثيرين حول العالم “جنة ضريبية”.
وباعتبار أن مستوى الأداء الحكومي لدول مجلس التعاون الخليجي أفضل بكثير من مستوى الأداء في معظم الدول الأم للجاليات المقيمة في المنطقة، فإن العامل المحوري المرتبط بمدى استعداد الوافدين لدفع الضرائب يعتمد بدرجة أساسية على مستوى الكفاءة في الأداء الخدمي.
فلا ضرر في دفع قيمة الضرائب مقابل الحصول على خدمات ذات مستويات عالية من حيث الجودة. أما إذا تبين أن التوجه نحو فرض الضرائب لا يحقق سوى تضخيم الجهاز البيروقراطي وتفويض فاعليته، فحينذاك سوف يثير الوضع علامات استفهام كبيرة وكثيرة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2123::/cck::
::introtext::
برزت تقارير إخبارية خلال الأسابيع القليلة المنصرمة تفيد بعزم دول مجلس التعاون الخليجي على تفعيل ضريبة القيمة المضافة تستهدف بدايةً مادة التبغ وما يماثلها من مواد توصف بـ”الضارة”، وذلك مع حلول عام 2005. ويبدو أن السلطات الاقتصادية الخليجية تسعى إلى تنويع سلة مداخيلها كجزء لا يتجزأ من توجهات المنطقة نحو تطبيق حملة من الإصلاحات الاقتصادية، غير أن فرض ضريبة القيمة المضافة تثير حملة من التساؤلات، خصوصاً فيما يرتبط باحتمال وقوع تضخم مالي وفتح ملف “لا تمثيل سياسياً من دون نظام ضريبي”، على الأقل في الأوساط الاجتماعية والاقتصادية التي تهيمن عليها الجاليات الوافدة.
::/introtext::
::fulltext::
برزت تقارير إخبارية خلال الأسابيع القليلة المنصرمة تفيد بعزم دول مجلس التعاون الخليجي على تفعيل ضريبة القيمة المضافة تستهدف بدايةً مادة التبغ وما يماثلها من مواد توصف بـ”الضارة”، وذلك مع حلول عام 2005. ويبدو أن السلطات الاقتصادية الخليجية تسعى إلى تنويع سلة مداخيلها كجزء لا يتجزأ من توجهات المنطقة نحو تطبيق حملة من الإصلاحات الاقتصادية، غير أن فرض ضريبة القيمة المضافة تثير حملة من التساؤلات، خصوصاً فيما يرتبط باحتمال وقوع تضخم مالي وفتح ملف “لا تمثيل سياسياً من دون نظام ضريبي”، على الأقل في الأوساط الاجتماعية والاقتصادية التي تهيمن عليها الجاليات الوافدة.
ولعل التوجه نحو فرض ضريبة القيمة المضافة تبلور أساساً بوصفه يمثل حلاً وسطاً يستعيض عن مقترح سابق يدعم فكرة فرض ضريبة على المبيعات، وهو الأمر الذي يستدعي صياغة نظام ضريبي شامل. إضافة إلى أن فرض ضريبة القيمة المضافة يأتي تماشياً مع توصيات صندوق النقد الدولي الذي يرمي إلى خلق حالة من التوازن الاقتصادي ضمن سياق التذبذبات التي يشهدها حجم المداخيل النفطية ومحاولة إيجاد حلول تصحح عجز الموازنات العامة. ففي شهر مايو 2004، صرح الدكتور محمد خلفان بن خرباش، وزير الدولة الإماراتي لشؤون المالية والصناعة، بأن الحكومة “قد تفرض ضريبة القيمة المضافة، لأن الواقع أثبت أن هذه الضريبة تمثل أكثر أنواع الضرائب عدلاً وتوحيداً”. وأضاف قائلاً: “إن ضريبة القيمة المضافة تنسحب على قاعدة اجتماعية واسعة، ولا تنحاز لصالح أي مجموعة ذات مصالح بعينها على حساب مجموعة أو مجموعات أخرى. كما أنها تجسد ضريبة غير مباشرة تنطبق على الدخل وتتناسب مع حجم الاستهلاك”. وأردف الوزير خرباش بالقول: “من ميزات ومحاسن ضريبة القيمة المضافة أنها لا تؤثر سلباً في حجم الادخار والاستثمار”.
الجدير بالذكر هنا أن ضريبة القيمة المضافة تحمل تعريفات متعددة ومختلفة، لكنها عموماً وبشكل نسبي تمثل نوعاً جديداً من الضرائب، بمعنى أنها تمثل ضريبة على الاستهلاك، وليس على الإنتاج. ففي حين يعتبر بعض المحللين الاقتصاديين أن فرض ضريبة شاملة وموحدة على السلع والمنتجات الاستهلاكية خلال عملية البيع بالمفرق ربما يفضي إلى فرض ضرائب على مراحل متعددة على المنتج نفسه خلال دورته الإنتاجية، فإن ضريبة القيمة المضافة يتم تحصيلها على مدار كل مرحلة من مراحل الإنتاج بغض النظر عن الاستخدام النهائي للمنتج. وبهذا المفهوم، فإن ضريبة القيمة المضافة تمثل ضريبة استهلاكية عامة ترتبط بالقيمة الإضافية للسلع والمنتجات ابتداءً من مرحلة الإنتاج وانتهاءً بعملية التوزيع، وتمثل نسبة من الفارق الذي يفصل بين تكلفة الإنتاج والسعر النهائي للمنتج.
ويعود تاريخ أول إدراج لضريبة القيمة المضافة إلى أواسط القرن العشرين، إذ تم فرضها على منتجات محددة مثل السجائر، إلا أنها أصبحت مع مرور السنين تمثل أحد أهم مصادر الدخل في معظم دول العالم، بما في ذلك مصر ولبنان على مستوى العالم العربي. وبحسب تقديرات بعض المحللين الاقتصاديين، فإن حجم ضرائب القيمة المضافة يناهز ربع المداخيل الضريبية مجتمعة في العالم برمته، ونحو خمسة في المائة من إجمالي الناتج المحلي في العالم.
إلا أن تطبيق نظام ضريبة القيمة المضافة ينطوي على جانب سلبي، إذ من المحتمل أن يدفع بالمؤسسات التجارية إلى تفضيل استيراد السلع الخارجية على حساب السلع المصنعة محلياً، لأن السلع المستوردة تقتضي دفع ضريبة واحدة فقط. وبالتالي، وفي سياق الواقع الاقتصادي لدول الخليج، يبدو أن ضريبة القيمة المضافة من شأنها أن تثبت همة وجهود الوحدات الصناعية الفتية التي برزت على الساحة الصناعية في الأعوام القليلة الماضية. علاوة على ذلك، سوف يتحمل المستهلك وزر هذه الضريبة وبشكل كامل، لأنها تمثل في جوهرها ضريبة استهلاكية تستهدف بالدرجة الأولى محفظة المستهلك سواء كان ينتمي إلى الطبقة الغنية أو ينحدر من الطبقات الفقيرة. كما أن تطبيقها على أرض الواقع تكتنفه تعقيدات عديدة ويستدعي إقامة نظام محاسبي خاص، وهو ما تفتقر إليه دول المنطقة في الوقت الراهن. وبالتالي، فإن ضريبة القيمة المضافة ربما تحمل بين ثناياها خطر التطبيق غير المتوازن، بل وربما الخاطئ.
وفي الوقت الذي تقفز فيه إلى الواجهة مجموعة من المعوقات المتصلة بإدارة عملية فرض ضريبة القيمة المضافة وما يمكن أن ينجم عنها من تداعيات سياسية، خصوصاً فيما يتعلق بالمطالبة بضرورة تطبيق مبدأي المساءلة القانونية وحق التمثيل الشعبي، إلاّ أن الواقع الاقتصادي يقتضي فرض هذه الضريبة في ظل الوضع الضريبي السائد في منطقة الخليج والتراجع النسبي لإيرادات النفط والغاز إلى جانب الزيادة المطردة بعدد السكان والضغوط المتفاقمة في حقل سوق العمل. كل هذه المعطيات تدعو إلى ضرورة إيجاد مصادر جديدة للدخل القومي لدول المنطقة.
وعلى صعيد آخر، ربما تجسد ضريبة القيمة المضافة خطوة تمهيدية في اتجاه صياغة استراتيجية ضريبية جماعية تتبناها الدول الأعضاء في منظومة مجلس التعاون الخليجي، خصوصاً على ضوء النهج الوحدوي على مستوى العملة والرسوم الجمركية المرتقب تفعيله في المستقبل المنظور.
وبينما أثار الجدال الدائر حول ضريبة القيمة المضافة زوبعة دقت أجراس الخطر في بعض الأوساط الاقتصادية، فلا بد من الأخذ في الاعتبار بأن دول مجلس التعاون الخليجي لديها سجل تاريخي يبرهن على أن مجموعة من الضرائب غير المباشرة والمستترة أو الضمنية تم بالفعل العمل بها في الماضي، واستهدفت على أقل تقدير الجاليات الوافدة. فالخدمات الصحية والكهرباء والماء والخدمات البلدية كلها تحمل تكلفة مالية، بالإضافة إلى التكلفة الناجمة عن عملية تغيير التأشيرات، وجميعها تندرج ضمن قائمة من الخدمات التي تحمل أسعاراً محددة، بل إن أسعارها آخذة في الصعود.
وفي الواقع، فإن بعض دول مجلس التعاون الخليجي تفرض فعلياً مجموعة من الضرائب غير المباشرة. فسلطنة عُمان، على سبيل المثال، تعمل حالياً بنظام ضريبي يشبه في بعض جوانبه نظام الضرائب المفروضة على الشركات في عدد من دول العالم. وفي الإمارات العربية المتحدة، تدفع المؤسسات المصرفية الأجنبية جزءاً من أرباحها للحكومة. وتظل المملكة العربية السعودية إحدى الدول الخليجية التي لا تفرض أي نوع من الضرائب، سواء تعلق الأمر بضرائب محلية أو إقليمية أو ضرائب على الملكية أو أي ضرائب على المبيعات. كما أن أجور الموظفين غير السعوديين المقيمين في المملكة، وما يستحصلون عليه من حوافز مالية لا يخضعان في الوقت الراهن لأي نوع من الضرائب على الدخل. أما بالنسبة للمواطنين غير السعوديين وغير المقيمين في المملكة الذين يجنون مداخيل من استثمارات في شركات سعودية أو من أنشطة مهنية أخرى، فإنهم يدفعون ضرائب تتراوح بين خمسة في المائة وثلاثين في المائة بحسب حجم الدخل.
وخلال شهر مايو 2003، أثار المشروع السعودي الخاص بفرض ضريبة على دخل العمال الوافدين بنسبة عشرة في المائة في أوساط الفئة التي تتجاوز رواتبها الشهرية ثلاثة آلاف ريال سعودي، موجة من القلق. إلا أن مجلس الشورى السعودي صوت ضد المشروع. وكان الهدف من طرح مسودة مشروع القانون الذي يتضمن خمساً وسبعين مادة هو تعديل قانون سابق تم إصداره قبل ما يزيد على خمسين عاماً، لكنه لم يحظَ قط بالتطبيق. وكان من المتوقع أن تجني الخزينة السعودية نحو ستة مليارات ريال سعودي في حال تمت المصادقة على مشروع القانون الضريبي المذكور.
ومن جهتها، أقدمت الحكومة الكويتية على إعادة صياغة قانون ضريبة الدخل الصادر عام 1955، وذلك ضمن خطة ترمي إلى فرض ضريبة على الدخل مع حلول شهر يناير 2005. وتستهدف هذه الضريبة دخل المؤسسات التجارية أكثر من استهدافها دخل الأفراد، حيث إن السلطات الكويتية سوف تقتطع ما نسبته خمسة في المائة بالنسبة للمؤسسات التي تفوق أرباحها ألفي دينار كويتي وخمسة وعشرين في المائة بالنسبة للمؤسسات التي يتجاوز حجم أرباحها مليون دينار كويتي سنوياً، فيما يعفي نص مسودة القانون الذي لا يزال قيد المداولة في البرلمان الكويتي الأفراد غير المتزوجين الذين تقل رواتبهم عن اثني عشر ألف دينار كويتي، شأنهم في ذلك شأن الأزواج الذين ليس لديهم أطفال، والذين تقل رواتبهم عن أربعة عشر ألف دينار سنوياً.
وعلى الرغم من الحديث عن ضرورة فرض ضريبة القيمة المضافة على رواتب الأفراد وعلى الرغم من أن الشركات الأجنبية استمرت في دفع مجموعة من الضرائب لفترة من الزمن، غير أن قرار فرض أي نوع من الضرائب لا شك في أنه سوف يؤثر في العمال الوافدين الذين طالما استفادوا من غياب نظام ضريبي في دول الخليج العربية، والتي تُعتبر في عيون الكثيرين حول العالم “جنة ضريبية”.
وباعتبار أن مستوى الأداء الحكومي لدول مجلس التعاون الخليجي أفضل بكثير من مستوى الأداء في معظم الدول الأم للجاليات المقيمة في المنطقة، فإن العامل المحوري المرتبط بمدى استعداد الوافدين لدفع الضرائب يعتمد بدرجة أساسية على مستوى الكفاءة في الأداء الخدمي.
فلا ضرر في دفع قيمة الضرائب مقابل الحصول على خدمات ذات مستويات عالية من حيث الجودة. أما إذا تبين أن التوجه نحو فرض الضرائب لا يحقق سوى تضخيم الجهاز البيروقراطي وتفويض فاعليته، فحينذاك سوف يثير الوضع علامات استفهام كبيرة وكثيرة.
::/fulltext::
::cck::2123::/cck::
