الخليج.. إلى أين؟ (رؤية استشرافية)
::cck::2313::/cck::
::introtext::
على الرغم من التطور الكبير الذي شهدته الدراسات المستقبلية خلال العقود الأخيرة، إلا أن عملية استشراف المستقبل في المنطقة العربية بصفة عامة ومنطقة الخليج بصفة خاصة هي عملية محفوفة بكثير من المحاذير، وذلك نظراً للتعقيد الشديد في المشهد الذي تعيشه منطقة الخليج، والذي هو نتاج لعوامل ومتغيرات عديدة، داخلية وإقليمية ودولية. وفي ضوء ذلك فإن الهدف من هذه الورقة الموجزة هو تقديم رؤية استشرافية عامة للأوضاع في الخليج خلال المستقبل المنظور، وذلك برصد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل هذا المستقبل، ورصد أهم ملامحه واتجاهاته وقضاياه.
::/introtext::
::fulltext::
على الرغم من التطور الكبير الذي شهدته الدراسات المستقبلية خلال العقود الأخيرة، إلا أن عملية استشراف المستقبل في المنطقة العربية بصفة عامة ومنطقة الخليج بصفة خاصة هي عملية محفوفة بكثير من المحاذير، وذلك نظراً للتعقيد الشديد في المشهد الذي تعيشه منطقة الخليج، والذي هو نتاج لعوامل ومتغيرات عديدة، داخلية وإقليمية ودولية. وفي ضوء ذلك فإن الهدف من هذه الورقة الموجزة هو تقديم رؤية استشرافية عامة للأوضاع في الخليج خلال المستقبل المنظور، وذلك برصد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل هذا المستقبل، ورصد أهم ملامحه واتجاهاته وقضاياه.
أولاً: أهم العوامل المؤثرة في مستقبل الأوضاع في الخليج
تتمثل أهم العوامل ذات التأثيرات المباشرة وغير المباشرة في مستقبل الأوضاع في منطقة الخليج في ما يلي:
• الخلل الديموغرافي في دول مجلس التعاون الخليجي وتداعياته
تعاني دول مجلس التعاون الخليجي بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة من مشكلة الخلل في هياكلها السكانية، وهو خلل متعدد الأوجه، فهناك من ناحية أولى، الخلل بين عدد المواطنين مقارنة بعدد الوافدين، حيث يشكل الوافدون الذين يغلب عليهم الطابع الآسيوي النسبة الأكبر من إجمالي عدد السكان، لدرجة أن مواطني بعض الدول هم أقلية في بلدانهم. وبغض النظر عن الأسباب التي خلقت هذا الخلل، إلا أنه أصبح مع مرور الوقت من أهم التحديات التي تواجه دول المجلس، وبخاصة في ظل ما أفرزه ـ ويفرزه ـ من آثار وتداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية. ورغم الجهود التي قامت بها دول المجلس من أجل معالجة هذا الخلل، إلا أن نتائجها تعتبر متواضعة في دول مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت. وهناك من ناحية ثانية، الخلل في التركيبة العمرية للسكان، حيث تغلب نسبة صغار السن والشباب على الهياكل السكانية لدول المجلس، وهو ما يعني ارتفاع معدلات الإعالة، وزيادة الأعباء والضغوط المستقبلية على حكومات دول المجلس من أجل الإيفاء بمتطلبات الأجيال الجديدة من التعليم والصحة والترفيه وفرص العمل والإسكان وغير ذلك. وهناك من ناحية ثالثة، مشكلة الخلل بين وجود أعداد كبيرة من الأجانب العاملين في دول المجلس من جانب وتصاعد معدلات البطالة في صفوف مواطنيها من جانب آخر. ومن المعروف أن مشكلة البطالة تشكل بيئة ملائمة لتنامي ظواهر التطرف والعنف والإرهاب.
• استمرار الضغوط الداخلية والخارجية الدافعة إلى الإصلاح
تعتبر التطورات التي شهدتها ـ وتشهدها ـ دول مجلس التعاون الخليجي على صعيد عملية الإصلاح الاقتصادي والسياسي خلال العقد الماضي محصلة لمجموعة من العوامل والمتغيرات منها وجود ضغوط داخلية وخارجية دفعت في اتجاه العملية الإصلاحية، وبخاصة في أعقاب حرب الخليج الثانية، ثم تزايدت هذه الضغوط ـ وبالذات تلك النابعة من البيئة الخارجية ـ على أثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، والتي ترتب عليها حدوث نوع من التغيير في توجهات واشنطن تجاه ملف الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي.
ومن المؤكد أن استمرار هذه الضغوط أو تزايدها خلال المستقبل المنظور يعتبر من المحددات المهمة لمستقبل الإصلاح السياسي والاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي، فوجودها يعكس تنامي الطلب الداخلي والخارجي على الإصلاح، مما يقلص من قدرة الحكومات على تجاهل هذا الأمر أو الالتفاف عليه.
• الطفرة النفطية الثانية وآثارها
بغض النظر عن كل ما يُقال بشأن بدائل النفط واحتمالات تراجع الطلب الخارجي على النفط الخليجي، فإن دراسات وتقارير عديدة خلصت إلى أن ذلك لن يحدث خلال الأجلين القصير
والمتوسط، وهو ما يعني استمرار الطلب الخارجي على النفط الخليجي بمعدلات عالية خلال العقدين المقبلين على الأقل، خاصة أن المنطقة تضم حوالي 60% من الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط، وهي الأكثر قدرة على تلبية أية زيادة في الطلب على هذه السلعة الاستراتيجية ، وهو ما يعني أن النفط سيظل هو المحرك الرئيسي لاقتصادات دول المجلس، وبخاصة في ظل تواضع نتائج سياسات تنويع مصادر الدخل.
وقد ارتفعت أسعار النفط بشكل غير مسبوق في بعض الفترات من عام 2004، حيث تجاوز السعر حاجز الخمسين دولاراً للبرميل، وبغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى ذلك، والتي من بينها ما يجري في العراق، فالمرجح أن هذا الارتفاع في أسعار النفط، الذي يعتبره البعض طفرة نفطية ثانية، سوف تكون له على الأرجح انعكاساته على التطور الاقتصادي والسياسي في دول المجلس، خاصة إذا بقيت الأسعار مرتفعة، ولو عند مستوى أدنى من الخمسين دولاراً للبرميل لفترة من الزمن. ومغزى ذلك أن الارتفاع في أسعار النفط يُترجم مباشرة إلى زيادة في عائدات الدول النفطية ومن بينها دول مجلس التعاون الخليجي، ولما كانت معظم هذه الدول تواجه بعض المتاعب الاقتصادية وخاصة في ما يتعلق بالعجز في الميزانية، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة المديونية الداخلية والخارجية.. إلخ، فإن الزيادة في عائداتها النفطية توفر لها فرصة لمواجهة هذه المتاعب.
وإذا كانت الطفرة النفطية الأولى التي استمرت لقرابة عقد من الزمان (من منتصف السبعينات حتى منتصف الثمانينات) قد أدت إلى تكريس ظاهرة الدولة الريعية والعقلية الريعية في الخليج، كما أسهمت في تأجيل عملية الإصلاح السياسي والمشاركة السياسية في هذه الدول، فالسؤال هنا يدور حول الانعكاسات المحتملة للارتفاع في أسعار النفط على عمليات الإصلاح السياسي التي تشهدها دول المجلس بدرجات متفاوتة منذ أكثر من عقد من الزمان. ورغم أن هناك من يعتقد بأن هذه الطفرة في أسعار النفط سوف تُوظف بأشكال مختلفة من أجل تجميد عملية الإصلاح السياسي عند حدود دنيا في أفضل الأحوال، إلا أنه من المهم الإشارة في هذا السياق إلى أن عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس أصبحت مرتبطة في جانب منها ببعض العوامل والمتغيرات الأخرى غير العائدات النفطية مثل تنامي قوى وتجمعات وجمعيات سياسية تطالب بالإصلاح السياسي في هذه الدول، ووجود قيادات جديدة تتبنى مشاريع إصلاحية في بعضها سعياً من أجل بناء أسس جديدة للشرعية السياسية، فضلا عن وجود بيئة دولية تنطوي على عناصر دافعة للإصلاح.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن توظيف جانب من الزيادة في العائدات النفطية الناتجة عن الارتفاع في أسعار النفط في معالجة بعض المشكلات والمتاعب الاقتصادية والاجتماعية في دول المجلس سوف يسهم على الأرجح في تهيئة البيئة الداخلية لمزيد من الخطوات على طريق الإصلاح السياسي.
• الوضع في العراق
من المؤكد أن مستقبل الأوضاع في الخليج سوف يتوقف في جانب منه على ما يجري حالياً في العراق، بمعنى أن مستقبل العراق سوف يلقي بتداعياته على منطقة الخليج والمنطقة العربية بصفة عامة، بل وعلى النظام العالمي برمته. وهناك سيناريوهان كبيران لمستقبل العراق، لكل منهما شروطه وتداعياته التي لا يتسع المجال للتفصيل فيها. السيناريو الأول، هو أن يتم وضع العراق على بداية الطريق الصحيح للاستقلال الوطني والديمقراطية والتنمية، أما السيناريو الثاني، هو أن ينزلق العراق إلى حالة من الفوضى وانعدام الأمن، التي يمكن أن تقود إلى حرب أهلية قد تفضي إلى تقسيم الدولة العراقية وتفكيكها ككيان سياسي.
وفي ضوء التطورات التي تجري حاليا على الأرض في العراق، فمن المرجح أن البلاد سوف تشهد حالة من عدم الاستقرار خلال المستقبل المنظور، خاصة أن إجراء الانتخابات في يناير 2005 لا يعني نهاية الأزمة العراقية، حيث إن ذلك يتعلق بأمور أخرى منها على سبيل المثال: مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق، ومدى التوافق بين القوى العراقية الرئيسية على صيغة لمستقبل النظام السياسي والدولة، ومدى التقدم في عملية إعادة الإعمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
• إيران بين تحديات الداخل وضغوط الخارج
إذا كان الوضع في العراق يشكل عنصراً مهماً في التأثير في مستقبل الأوضاع في الخليج، فالمؤكد أن التطورات الجارية في إيران تشكل هي الأخرى عاملاً جوهرياً بهذا الشأن، وبخاصة في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها إيران والضغوط الخارجية التي تتعرض لها. وتبرز في هذا الإطار مسألة التأزم شبه المستمر في العلاقة بين التيارين الإصلاحي والمحافظ، وهو ما أسفر خلال الآونة الأخيرة عن تفوق بارز للمحافظين جسدته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة ، مما يضع المشروع الإصلاحي الإيراني الذي يجسده الرئيس محمد خاتمي على المحك، فضلا عن استمرار حالة التأزم في العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وذلك على خلفية قضايا عديدة منها الملف النووي الإيراني، ودور طهران في الشأن العراقي حسبما تتصوره واشنطن.
وفي ضوء ما سبق، فإن إيران قد تشكل في ظل ظروف ومعطيات معينة مصدرا لعدم الاستقرار الإقليمي، وبخاصة إذا تصاعدت حالة عدم الاستقرار الداخلي فيها، أو سارت العلاقات بين واشنطن وطهران نحو المواجهة، فعندئذ يمكن لإيران أن توظف عدة أساليب تستطيع من خلالها استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة. ولكن بالمقابل يمكن لإيران أن تشكل في ظروف ومعطيات أخرى عاملا للاستقرار الإقليمي في الخليج. وهذا يتوقف على عوامل عديدة في مقدمتها إعادة صياغة العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية على أسس جديدة، وإدماج إيران في أي ترتيبات جماعية لأمن الخليج.
• غياب هيكل مستقر للأمن في الخليج
تعاني منطقة الخليج من غياب هيكل مستقر للأمن الإقليمي، مما أدى إلى كثرة الصراعات والتوترات والحروب في المنطقة، وهو الأمر الذي دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى الارتباط بقوى خارجة، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال اتفاقيات أمنية. وعلى أثر الحرب على العراق التي انتهت بإطاحة نظام صدام حسين ووقوع العراق في قبضة الاحتلال الأمريكي – البريطاني فقد أصبح هناك واقع جديد في المنطقة، حيث اختفى نظام نظرت إليه دول عديدة على أنه مصدر للخطر والتهديد، وبخاصة بعد مغامرته بغزو واحتلال الكويت وما ترتب عليهما من تداعيات.
ولاشك في أن التطورات التي أعقبت احتلال العراق، وبخاصة في ما يتعلق بحل الجيش العراقي وتفكيك أجهزة الدولة العراقية ومؤسساتها، قد أسهمت في حدوث اختلال في التوازن الاستراتيجي الإقليمي في منطقة الخليج لحساب إيران، كما سمحت لواشنطن بأن تكون الفاعل الدولي الرئيسي في المنطقة لا سيما في ظل تمدد وجودها العسكري ودورها السياسي فيها. وفي ظل هذه الظروف والمعطيات تبقى مسألة غياب هيكل مستقر للأمن في الخليج من المحددات الرئيسية لمستقبل الأوضاع في المنطقة، خاصة أن تعدد رؤى وتصورات الأطراف المعنية بهذا الشأن، ووجود تعارض جوهري بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية بخصوصه يجعل عملية التوصل إلى صياغة نظام أمني مستقر في الخليج مسألة صعبة إن لم تكن مستحيلة.
• فوز الرئيس بوش بولاية ثانية وانعكاسات ذلك على الدور الأمريكي في الخليج
تعتبر واشنطن الفاعل الدولي الرئيسي في منطقة الخليج على نحو ما سبق ذكره، حيث إنها لاتزال تحتل العراق من الناحية العملية إن لم يكن من الناحية القانونية، وذلك لوجود أكثر من 130 ألف جندي أمريكي على أراضيها، ووجود أكبر سفارة لها في بغداد، وهي تعتبر بمثابة حكومة موازية. كما أن لها وجوداً عسكرياً بارزاً في منطقة الخليج سواء في شكل قواعد عسكرية أو تسهيلات أو مخازن أسلحة أو غير ذلك، ناهيك عن الاتفاقيات الأمنية التي تربطها مع دول عديدة في المنطقة، كما أنها تتبنى سياسة متشددة تجاه إيران، حيث تضعها ضمن دول محور الشر، وأكد رموز من الإدارة الأمريكية في مناسبات عديدة أنه سيتم استخدام كافة الوسائل لمنع إيران من امتلاك أسلحة دمار شامل بما يعني عدم استبعاد الخيار العسكري في حال فشل الجهود السلمية في احتواء هذا الملف.
ونظراً لفوز الرئيس بوش بولاية ثانية، فإنه من المتوقع أن تستمر السياسة الأمريكية في الخليج من حيث توجهاتها الرئيسية وخطوطها العريضة، خاصة أن بعض التغيرات التي أجراها الرئيس حتى الآن في إدارته تشير إلى استمرار تزايد قبضة الصقور في هذه الإدارة خلال فترة الولاية الثانية، حيث شملت هذه التغييرات تعيين كوندوليزا رايس التي كانت تشغل منصب مستشار الأمن القومي، والمعروفة بأنها من بين الصقور، في منصب وزير الخارجية خلفاً لـ كولن باول. وبالتالي فإن أي تغييرات في السياسة الأمريكية تجاه القضايا الرئيسية في منطقة الخليج والوطن العربي بصفة عامة سوف تكون في حال حدوثها جزئية وهامشية. وهذا يعنى من الناحية العملية استمرار الوجود العسكري الأمريكي المكثف في العراق، حيث أقر الرئيس بوش في غير مناسبة بأن القوات الأمريكية سوف تنسحب من العراق بعد انتهاء المهمة، لكن تحديد طبيعة هذه المهمة، وتحديد الشكل الذي يمكن أن تنتهي عنده هو رهن بإرادة واشنطن، كما أنه من المتوقع أن تستمر السياسة الأمريكية المتشددة تجاه طهران، وبخاصة في حالة فشل أو تعثر جهود معالجة الملف النووي الإيراني بالطرق السلمية. أضف إلى ذلك أنه من المستبعد أن يطرأ تغيير جوهري على الوجود العسكري الأمريكي في دول المنطقة وبخاصة في الدول الصغيرة.
ثانياً: أهم اتجاهات التطور المستقبلي في الخليج
في ضوء المحددات سالفة الذكر، تتمثل أبرز اتجاهات التطور المستقبلي في منطقة الخليج خلال المستقبل المنظور في ما يلي:
• استمرار عملية الانفتاح السياسي (المقيد)، مع استمرار التجاذبات بين الحكم والمعارضة في بعض الدول
من المتوقع أن تستمر حالة الانفتاح السياسي في دول المنطقة، وذلك من خلال انتظام بعض الدول في إجراء الانتخابات المحلية والبرلمانية، ومواصلة عملية تطوير بعض التشريعات والقوانين ذات الصلة بالحياة السياسية، وإقرار الحقوق السياسية للمرأة في الدول التي لم تمنحها هذه الحقوق بعد، كما قد يتم السماح بتأسيس أحزاب سياسية في بعض الدول مثل البحرين والكويت، فضلاً عن مواصلة عملية تحسين سجل حقوق الإنسان بصفة عامة.. إلخ. وفي هذا السياق فإنه من المستبعد أن تفضي عملية الإصلاح السياسي إلى تحول ديمقراطي حقيقي بالمعنى المتعارف عليه، حيث إن هذه العملية لها شروطها ومتطلباتها التي يتعين توفيرها وإنضاجها، وهذا يستغرق فترة طويلة نسبياً من الزمن.
كما أنه من غير المستبعد أن تشهد بعض دول المنطقة توترات سياسية خلال المستقبل المنظور سواء بسبب قضايا داخلية أو عوامل وتفاعلات خارجية. وعلى سبيل المثال، فقد يحدث ذلك بسبب تصاعد حدة الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران، أو بسبب استمرار الخلافات بين الحكم وقوى رئيسية من المعارضة في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، كما أن التطورات على الساحتين الفلسطينية والعراقية قد تقود إلى اندلاع تظاهرات وأعمال احتجاج في بعض الدول، وهي أمور كثيرا ما أدت إلى حدوث اشتباكات ومصادمات بين المتظاهرين وقوات الأمن في بعض الدول الخليجية. وإذا كانت السلطات السعودية قد تمكنت من كسر شوكة جماعات التطرف والإرهاب، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه المملكة يتمثل في وضع وتنفيذ السياسات التي من شأنها تجفيف المنابع الاقتصادية والاجتماعية والدينية والسياسية للتطرف والإرهاب، حيث تؤكد خبرات العديد من الدول أن الحل الأمني لا يكفي بمفردة لاجتثاث جذور هذه الظاهرة.
• إصلاح اقتصادي بطيء دون طفرة في تنويع في مصادر الدخل
لقد اتخذت دول مجلس التعاون الخليجي خطوات متفاوتة على طريق الإصلاح الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة، ومن المتوقع أن تستمر في هذا الطريق خلال المستقبل المنظور وخاصة في ما يتعلق بعمليات الخصخصة وتشجيع القطاع الخاص. ولكن من المستبعد أن تقود هذه الإصلاحات الاقتصادية إلى تحقيق نقلة كبيرة على صعيد تنويع مصادر الدخل في دول المجلس، حيث سيستمر النفط المصدر الرئيسي للدخل والمحرك الأساسي للاقتصادات الوطنية، لاسيما في ظل ارتفاع الأسعار وزيادة العائدات النفطية للدول المنتجة.
ومن المرجح أن يترتب على تواضع قدرات دول المجلس على تحقيق طفرة كبيرة في تنويع مصادر الدخل استمرار معدلات البطالة في هذه الدول عند معدلاتها الحالية، بل وربما تزداد في ظل استمرار تدفق خريجي المؤسسات التعليمية إلى أسواق عمل تعاني من بطالة مقنعة وظاهرة ليس بين المواطنين فحسب، ولكن في صفوف الوافدين في بعض الحالات.
• التعايش مع عراق غير مستقر
تشير التطورات التي شهدها ـ ويشهدها ـ العراق في الوقت الراهن إلى أن هذا البلد سوف يشهد حالة من عدم الاستقرار السياسي لسنوات مقبلة. فعلى الرغم من سعي الإدارة الأمريكية إلى أن تجعل من اجتياح قواتها لمدينة الفلوجة خلال نوفمبر 2004 بمثابة درس لأي قوة تسعى من أجل تحدي الوجود الأمريكي في العراق إلا أن ذلك لن يقضي على المقاومة العراقية حتى إن أضعفها لفترة من الزمن.
وعند هذه المرحلة فإن التوافق بين القوى العراقية الرئيسية ( الشيعة والسنة والأكراد ) على القضايا الرئيسية ذات الصلة بمستقبل النظام السياسي والدولة في العراق يعتبر من الشروط الجوهرية لإصدار الدستور. والمشكلة هنا أن صياغة مثل هذا التوافق ليست من الأمور السهلة، وبخاصة في ظل حرص كل من هذه القوى على تعزيز مصالحها، وبالتالي فإنه من غير المستبعد حدوث توترات وربما مواجهات فيما بين بعض هذه القوى بسبب التعارض في بعض توجهاتها ووجهات نظرها بشأن بعض القضايا الجوهرية التي يتعين تقنينها دستورياً. ولاشك في أن وجود ميليشيات وأجنحة مسلحة تابعة لأحزاب وقوى سياسية يزيد من خطورة مثل هذه الأوضاع.
وثمة عوامل أخرى ذات صلة بمستقبل الاستقرار السياسي / عدم الاستقرار في العراق منها تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة معاناة قطاعات واسعة من العراقيين لا سيما في ظل بطء عملية إعادة الإعمار وعدم جديتها وافتقارها إلى الشفافية، وتواضع نتائج عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة وأجهزتها التي فككتها سلطات الاحتلال، وانتشار السلاح على نطاق واسع في العراق.
أما بالنسبة للاقتصاد العراقي فهو بحاجة إلى سنوات حتى يتعافى، لا سيما في ظل استمرار تدهور الأوضاع الأمنية، وحدوث تدمير كبير في بنية هذا الاقتصاد، وتفاقم مشكلات الديون والتعويضات والبطالة والتضخم، وتدهور مستوى معيشة قطاعات واسعة من العراقيين، ناهيك عن كثرة المشكلات التي تؤثر سلبا في إمكانية إعادة تأهيل قطاع النفط لينهض بدور ريادي في عملية إعادة الإعمار الاقتصادي. وبإيجاز نقول إن الاقتصاد العراقي لن يجد طريقه إلى النهوض من دون حل المعضلات السياسية والأمنية في عراق ما بعد صدام حسين.
• استمرار التوتر في العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
من المرجح أن يستمر طابع التوتر كسمة غالبة على العلاقات الأمريكية – الإيرانية خلال المستقبل المنظور، لا سيما في ظل فوز الرئيس بوش بولاية ثانية ووجود مؤشرات عديدة على تمدد دور الصقور في الإدارة بشكل يفوق دورهم خلال ولايته الأولى من ناحية، وتمدد دور المحافظين على حساب الإصلاحيين في إيران من ناحية أخرى. وفي ظل هذا الوضع تبدو عملية حل القضايا والمشكلات العالقة في العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية صعبة، إن لم تكن مستحيلة، وذلك بسبب اتساع الهوة وصعوبة التوافق بين رؤى وتصورات المحافظين الجدد الذين يسيطرون على مراكز القرار في واشنطن، والمحافظين الذين هم أصحاب التأثير الأكبر على القرار في طهران.
وسوف يصبح الأمر أكثر خطورة إذا ما تطورت العلاقة بين واشنطن وطهران إلى مواجهة وبخاصة في حال تعثر عملية معالجة الملف النووي لإيران سلمياً وقيام واشنطن بضرب المنشآت النووية لإيران سواء بمفردها أو بالتنسيق مع إسرائيل. وفي مثل هذه الحالة فمن المتوقع أن ترد إيران بأشكال مختلفة في الخليج على النحو الذي يلحق الضرر بمصالح واشنطن ومصالح حلفائها في المنطقة، كما أن إقصاء إيران من أي ترتيبات أمنية في منطقة الخليج سوف يدفعها إلى تخريب هذه الترتيبات والعمل ضدها.
• استمرار النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج
إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الفاعل الدولي الرئيسي في منطقة الخليج، فمن المتوقع أن يستمر هذا الدور خلال المستقبل المنظور. وهذا يرتبط بمصالح استراتيجية يأتي في مقدمتها النفط الخليجي، وتطلع واشنطن إلى القيام بدور إمبراطوري على الصعيد العالمي، ومن ثم فهي تنظر إلى دورها المهيمن في الخليج كأحد المرتكزات الرئيسية لدعم نزعتها الإمبراطورية وخاصة في ما يتعلق بإدارة علاقاتها مع قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين واليابان والاتحاد الأوروبي.
ويستند الدور الأمريكي في الخليج إلى مرتكزات ومقومات عسكرية وسياسية وأمنية واقتصادية على نحو ما سبق ذكره. ونظرا لعدم وجود ما يدل على قرب التوصل إلى صياغة هيكل مستقر للأمن في الخليج يشمل جميع الدول الخليجية بما فيها إيران، فالمؤكد أن دولاً خليجية عديدة سوف تظل تعتمد على واشنطن في مجال الأمن، وذلك من خلال الاتفاقيات الأمنية وغيرها.
وفي الختام نقول إنه على الرغم من أن إطاحة نظام صدام حسين المعروف بوحشيته وتسلطيته المفرطة تمثل في التحليل الأخير مكسبا للشعب العراق، إلا أن فشل واشنطن في الإعداد بشكل جيد لمرحلة ما بعد صدام حسين، وارتكابها العديد من الأخطاء بل والخطايا في حق الشعب العراقي قد جعلا الأوضاع تنزلق في هذا البلد نحو مزيد من التدهور سواء على الصعيد الأمني أو السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. كما أنه ليس هناك ما يدل على أن العالم أصبح أكثر أمناً في مرحلة ما بعد صدام حسين، حسبما تروج الإدارة الأمريكية.
وبخصوص منطقة الخليج، فإنه من المرجح أن تستمر كإحدى بؤر التوتر وعدم الاستقرار الإقليمي خلال المستقبل المنظور، وذلك في ظل وجود مؤشرات قوية ترجح أن العراق لن يستقر قبل سنوات، وذلك بافتراض اتخاذ خطوات جدية تضعه على طريق الاستقلال الوطن والتنمية والتوجه نحو الديمقراطية، لأن البديل لذلك هو تفكك الدولة العراقية وتقسيمها إلى ثلاث دويلات بكل ما يترتب على ذلك من آثار وتداعيات، كما أن استمرار التوتر في العلاقات الأمريكية – الإيرانية سوف يغذي حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
وفي مثل هذه الظروف سوف تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام معطيات معقدة واختيارات صعبة، فعليها أن تتعايش مع عراق غير مستقر، وتتأقلم مع علاقات متذبذبة بين واشنطن وطهران، وتتكيف مع حقيقة صعوبة التوصل إلى نظام أمني خليجي خلال المستقبل المنظور، وتلبي بعض تطلعات شعوبها في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتعالج أي تداعيات لعلاقاتها مع واشنطن أو لسياسات الأخيرة تجاه بعض القضايا العربية والإسلامية على أوضاعها الداخلية. وإزاء هذه الأوضاع ليس أمام النظم الحاكمة في هذه الدول سوى مواصلة تعزيز علاقتها بشعوبها بما يدعم من شرعيتها من ناحية، وتكريس التعاون فيما بينها في إطار مجلس التعاون الخليجي على النحو الذي يجعله أكثر قدرة وفاعلية في التعامل مع التحديات والاستحقاقات الجديدة من ناحية ثانية، فضلا عن إعادة صياغة علاقاتها الدولية وبخاصة مع بعض القوى الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والصين واليابان وروسيا بما يسمح لها بقدر أكبر من الاستقلالية وحرية الحركة على الصعيد الدولي من ناحية ثالثة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2313::/cck::
::introtext::
على الرغم من التطور الكبير الذي شهدته الدراسات المستقبلية خلال العقود الأخيرة، إلا أن عملية استشراف المستقبل في المنطقة العربية بصفة عامة ومنطقة الخليج بصفة خاصة هي عملية محفوفة بكثير من المحاذير، وذلك نظراً للتعقيد الشديد في المشهد الذي تعيشه منطقة الخليج، والذي هو نتاج لعوامل ومتغيرات عديدة، داخلية وإقليمية ودولية. وفي ضوء ذلك فإن الهدف من هذه الورقة الموجزة هو تقديم رؤية استشرافية عامة للأوضاع في الخليج خلال المستقبل المنظور، وذلك برصد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل هذا المستقبل، ورصد أهم ملامحه واتجاهاته وقضاياه.
::/introtext::
::fulltext::
على الرغم من التطور الكبير الذي شهدته الدراسات المستقبلية خلال العقود الأخيرة، إلا أن عملية استشراف المستقبل في المنطقة العربية بصفة عامة ومنطقة الخليج بصفة خاصة هي عملية محفوفة بكثير من المحاذير، وذلك نظراً للتعقيد الشديد في المشهد الذي تعيشه منطقة الخليج، والذي هو نتاج لعوامل ومتغيرات عديدة، داخلية وإقليمية ودولية. وفي ضوء ذلك فإن الهدف من هذه الورقة الموجزة هو تقديم رؤية استشرافية عامة للأوضاع في الخليج خلال المستقبل المنظور، وذلك برصد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل هذا المستقبل، ورصد أهم ملامحه واتجاهاته وقضاياه.
أولاً: أهم العوامل المؤثرة في مستقبل الأوضاع في الخليج
تتمثل أهم العوامل ذات التأثيرات المباشرة وغير المباشرة في مستقبل الأوضاع في منطقة الخليج في ما يلي:
• الخلل الديموغرافي في دول مجلس التعاون الخليجي وتداعياته
تعاني دول مجلس التعاون الخليجي بدرجات متفاوتة وأشكال مختلفة من مشكلة الخلل في هياكلها السكانية، وهو خلل متعدد الأوجه، فهناك من ناحية أولى، الخلل بين عدد المواطنين مقارنة بعدد الوافدين، حيث يشكل الوافدون الذين يغلب عليهم الطابع الآسيوي النسبة الأكبر من إجمالي عدد السكان، لدرجة أن مواطني بعض الدول هم أقلية في بلدانهم. وبغض النظر عن الأسباب التي خلقت هذا الخلل، إلا أنه أصبح مع مرور الوقت من أهم التحديات التي تواجه دول المجلس، وبخاصة في ظل ما أفرزه ـ ويفرزه ـ من آثار وتداعيات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية. ورغم الجهود التي قامت بها دول المجلس من أجل معالجة هذا الخلل، إلا أن نتائجها تعتبر متواضعة في دول مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت. وهناك من ناحية ثانية، الخلل في التركيبة العمرية للسكان، حيث تغلب نسبة صغار السن والشباب على الهياكل السكانية لدول المجلس، وهو ما يعني ارتفاع معدلات الإعالة، وزيادة الأعباء والضغوط المستقبلية على حكومات دول المجلس من أجل الإيفاء بمتطلبات الأجيال الجديدة من التعليم والصحة والترفيه وفرص العمل والإسكان وغير ذلك. وهناك من ناحية ثالثة، مشكلة الخلل بين وجود أعداد كبيرة من الأجانب العاملين في دول المجلس من جانب وتصاعد معدلات البطالة في صفوف مواطنيها من جانب آخر. ومن المعروف أن مشكلة البطالة تشكل بيئة ملائمة لتنامي ظواهر التطرف والعنف والإرهاب.
• استمرار الضغوط الداخلية والخارجية الدافعة إلى الإصلاح
تعتبر التطورات التي شهدتها ـ وتشهدها ـ دول مجلس التعاون الخليجي على صعيد عملية الإصلاح الاقتصادي والسياسي خلال العقد الماضي محصلة لمجموعة من العوامل والمتغيرات منها وجود ضغوط داخلية وخارجية دفعت في اتجاه العملية الإصلاحية، وبخاصة في أعقاب حرب الخليج الثانية، ثم تزايدت هذه الضغوط ـ وبالذات تلك النابعة من البيئة الخارجية ـ على أثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، والتي ترتب عليها حدوث نوع من التغيير في توجهات واشنطن تجاه ملف الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي.
ومن المؤكد أن استمرار هذه الضغوط أو تزايدها خلال المستقبل المنظور يعتبر من المحددات المهمة لمستقبل الإصلاح السياسي والاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي، فوجودها يعكس تنامي الطلب الداخلي والخارجي على الإصلاح، مما يقلص من قدرة الحكومات على تجاهل هذا الأمر أو الالتفاف عليه.
• الطفرة النفطية الثانية وآثارها
بغض النظر عن كل ما يُقال بشأن بدائل النفط واحتمالات تراجع الطلب الخارجي على النفط الخليجي، فإن دراسات وتقارير عديدة خلصت إلى أن ذلك لن يحدث خلال الأجلين القصير
والمتوسط، وهو ما يعني استمرار الطلب الخارجي على النفط الخليجي بمعدلات عالية خلال العقدين المقبلين على الأقل، خاصة أن المنطقة تضم حوالي 60% من الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط، وهي الأكثر قدرة على تلبية أية زيادة في الطلب على هذه السلعة الاستراتيجية ، وهو ما يعني أن النفط سيظل هو المحرك الرئيسي لاقتصادات دول المجلس، وبخاصة في ظل تواضع نتائج سياسات تنويع مصادر الدخل.
وقد ارتفعت أسعار النفط بشكل غير مسبوق في بعض الفترات من عام 2004، حيث تجاوز السعر حاجز الخمسين دولاراً للبرميل، وبغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى ذلك، والتي من بينها ما يجري في العراق، فالمرجح أن هذا الارتفاع في أسعار النفط، الذي يعتبره البعض طفرة نفطية ثانية، سوف تكون له على الأرجح انعكاساته على التطور الاقتصادي والسياسي في دول المجلس، خاصة إذا بقيت الأسعار مرتفعة، ولو عند مستوى أدنى من الخمسين دولاراً للبرميل لفترة من الزمن. ومغزى ذلك أن الارتفاع في أسعار النفط يُترجم مباشرة إلى زيادة في عائدات الدول النفطية ومن بينها دول مجلس التعاون الخليجي، ولما كانت معظم هذه الدول تواجه بعض المتاعب الاقتصادية وخاصة في ما يتعلق بالعجز في الميزانية، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة المديونية الداخلية والخارجية.. إلخ، فإن الزيادة في عائداتها النفطية توفر لها فرصة لمواجهة هذه المتاعب.
وإذا كانت الطفرة النفطية الأولى التي استمرت لقرابة عقد من الزمان (من منتصف السبعينات حتى منتصف الثمانينات) قد أدت إلى تكريس ظاهرة الدولة الريعية والعقلية الريعية في الخليج، كما أسهمت في تأجيل عملية الإصلاح السياسي والمشاركة السياسية في هذه الدول، فالسؤال هنا يدور حول الانعكاسات المحتملة للارتفاع في أسعار النفط على عمليات الإصلاح السياسي التي تشهدها دول المجلس بدرجات متفاوتة منذ أكثر من عقد من الزمان. ورغم أن هناك من يعتقد بأن هذه الطفرة في أسعار النفط سوف تُوظف بأشكال مختلفة من أجل تجميد عملية الإصلاح السياسي عند حدود دنيا في أفضل الأحوال، إلا أنه من المهم الإشارة في هذا السياق إلى أن عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس أصبحت مرتبطة في جانب منها ببعض العوامل والمتغيرات الأخرى غير العائدات النفطية مثل تنامي قوى وتجمعات وجمعيات سياسية تطالب بالإصلاح السياسي في هذه الدول، ووجود قيادات جديدة تتبنى مشاريع إصلاحية في بعضها سعياً من أجل بناء أسس جديدة للشرعية السياسية، فضلا عن وجود بيئة دولية تنطوي على عناصر دافعة للإصلاح.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن توظيف جانب من الزيادة في العائدات النفطية الناتجة عن الارتفاع في أسعار النفط في معالجة بعض المشكلات والمتاعب الاقتصادية والاجتماعية في دول المجلس سوف يسهم على الأرجح في تهيئة البيئة الداخلية لمزيد من الخطوات على طريق الإصلاح السياسي.
• الوضع في العراق
من المؤكد أن مستقبل الأوضاع في الخليج سوف يتوقف في جانب منه على ما يجري حالياً في العراق، بمعنى أن مستقبل العراق سوف يلقي بتداعياته على منطقة الخليج والمنطقة العربية بصفة عامة، بل وعلى النظام العالمي برمته. وهناك سيناريوهان كبيران لمستقبل العراق، لكل منهما شروطه وتداعياته التي لا يتسع المجال للتفصيل فيها. السيناريو الأول، هو أن يتم وضع العراق على بداية الطريق الصحيح للاستقلال الوطني والديمقراطية والتنمية، أما السيناريو الثاني، هو أن ينزلق العراق إلى حالة من الفوضى وانعدام الأمن، التي يمكن أن تقود إلى حرب أهلية قد تفضي إلى تقسيم الدولة العراقية وتفكيكها ككيان سياسي.
وفي ضوء التطورات التي تجري حاليا على الأرض في العراق، فمن المرجح أن البلاد سوف تشهد حالة من عدم الاستقرار خلال المستقبل المنظور، خاصة أن إجراء الانتخابات في يناير 2005 لا يعني نهاية الأزمة العراقية، حيث إن ذلك يتعلق بأمور أخرى منها على سبيل المثال: مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق، ومدى التوافق بين القوى العراقية الرئيسية على صيغة لمستقبل النظام السياسي والدولة، ومدى التقدم في عملية إعادة الإعمار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
• إيران بين تحديات الداخل وضغوط الخارج
إذا كان الوضع في العراق يشكل عنصراً مهماً في التأثير في مستقبل الأوضاع في الخليج، فالمؤكد أن التطورات الجارية في إيران تشكل هي الأخرى عاملاً جوهرياً بهذا الشأن، وبخاصة في ظل التحديات الداخلية التي تواجهها إيران والضغوط الخارجية التي تتعرض لها. وتبرز في هذا الإطار مسألة التأزم شبه المستمر في العلاقة بين التيارين الإصلاحي والمحافظ، وهو ما أسفر خلال الآونة الأخيرة عن تفوق بارز للمحافظين جسدته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة ، مما يضع المشروع الإصلاحي الإيراني الذي يجسده الرئيس محمد خاتمي على المحك، فضلا عن استمرار حالة التأزم في العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وذلك على خلفية قضايا عديدة منها الملف النووي الإيراني، ودور طهران في الشأن العراقي حسبما تتصوره واشنطن.
وفي ضوء ما سبق، فإن إيران قد تشكل في ظل ظروف ومعطيات معينة مصدرا لعدم الاستقرار الإقليمي، وبخاصة إذا تصاعدت حالة عدم الاستقرار الداخلي فيها، أو سارت العلاقات بين واشنطن وطهران نحو المواجهة، فعندئذ يمكن لإيران أن توظف عدة أساليب تستطيع من خلالها استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة. ولكن بالمقابل يمكن لإيران أن تشكل في ظروف ومعطيات أخرى عاملا للاستقرار الإقليمي في الخليج. وهذا يتوقف على عوامل عديدة في مقدمتها إعادة صياغة العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية على أسس جديدة، وإدماج إيران في أي ترتيبات جماعية لأمن الخليج.
• غياب هيكل مستقر للأمن في الخليج
تعاني منطقة الخليج من غياب هيكل مستقر للأمن الإقليمي، مما أدى إلى كثرة الصراعات والتوترات والحروب في المنطقة، وهو الأمر الذي دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى الارتباط بقوى خارجة، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال اتفاقيات أمنية. وعلى أثر الحرب على العراق التي انتهت بإطاحة نظام صدام حسين ووقوع العراق في قبضة الاحتلال الأمريكي – البريطاني فقد أصبح هناك واقع جديد في المنطقة، حيث اختفى نظام نظرت إليه دول عديدة على أنه مصدر للخطر والتهديد، وبخاصة بعد مغامرته بغزو واحتلال الكويت وما ترتب عليهما من تداعيات.
ولاشك في أن التطورات التي أعقبت احتلال العراق، وبخاصة في ما يتعلق بحل الجيش العراقي وتفكيك أجهزة الدولة العراقية ومؤسساتها، قد أسهمت في حدوث اختلال في التوازن الاستراتيجي الإقليمي في منطقة الخليج لحساب إيران، كما سمحت لواشنطن بأن تكون الفاعل الدولي الرئيسي في المنطقة لا سيما في ظل تمدد وجودها العسكري ودورها السياسي فيها. وفي ظل هذه الظروف والمعطيات تبقى مسألة غياب هيكل مستقر للأمن في الخليج من المحددات الرئيسية لمستقبل الأوضاع في المنطقة، خاصة أن تعدد رؤى وتصورات الأطراف المعنية بهذا الشأن، ووجود تعارض جوهري بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية بخصوصه يجعل عملية التوصل إلى صياغة نظام أمني مستقر في الخليج مسألة صعبة إن لم تكن مستحيلة.
• فوز الرئيس بوش بولاية ثانية وانعكاسات ذلك على الدور الأمريكي في الخليج
تعتبر واشنطن الفاعل الدولي الرئيسي في منطقة الخليج على نحو ما سبق ذكره، حيث إنها لاتزال تحتل العراق من الناحية العملية إن لم يكن من الناحية القانونية، وذلك لوجود أكثر من 130 ألف جندي أمريكي على أراضيها، ووجود أكبر سفارة لها في بغداد، وهي تعتبر بمثابة حكومة موازية. كما أن لها وجوداً عسكرياً بارزاً في منطقة الخليج سواء في شكل قواعد عسكرية أو تسهيلات أو مخازن أسلحة أو غير ذلك، ناهيك عن الاتفاقيات الأمنية التي تربطها مع دول عديدة في المنطقة، كما أنها تتبنى سياسة متشددة تجاه إيران، حيث تضعها ضمن دول محور الشر، وأكد رموز من الإدارة الأمريكية في مناسبات عديدة أنه سيتم استخدام كافة الوسائل لمنع إيران من امتلاك أسلحة دمار شامل بما يعني عدم استبعاد الخيار العسكري في حال فشل الجهود السلمية في احتواء هذا الملف.
ونظراً لفوز الرئيس بوش بولاية ثانية، فإنه من المتوقع أن تستمر السياسة الأمريكية في الخليج من حيث توجهاتها الرئيسية وخطوطها العريضة، خاصة أن بعض التغيرات التي أجراها الرئيس حتى الآن في إدارته تشير إلى استمرار تزايد قبضة الصقور في هذه الإدارة خلال فترة الولاية الثانية، حيث شملت هذه التغييرات تعيين كوندوليزا رايس التي كانت تشغل منصب مستشار الأمن القومي، والمعروفة بأنها من بين الصقور، في منصب وزير الخارجية خلفاً لـ كولن باول. وبالتالي فإن أي تغييرات في السياسة الأمريكية تجاه القضايا الرئيسية في منطقة الخليج والوطن العربي بصفة عامة سوف تكون في حال حدوثها جزئية وهامشية. وهذا يعنى من الناحية العملية استمرار الوجود العسكري الأمريكي المكثف في العراق، حيث أقر الرئيس بوش في غير مناسبة بأن القوات الأمريكية سوف تنسحب من العراق بعد انتهاء المهمة، لكن تحديد طبيعة هذه المهمة، وتحديد الشكل الذي يمكن أن تنتهي عنده هو رهن بإرادة واشنطن، كما أنه من المتوقع أن تستمر السياسة الأمريكية المتشددة تجاه طهران، وبخاصة في حالة فشل أو تعثر جهود معالجة الملف النووي الإيراني بالطرق السلمية. أضف إلى ذلك أنه من المستبعد أن يطرأ تغيير جوهري على الوجود العسكري الأمريكي في دول المنطقة وبخاصة في الدول الصغيرة.
ثانياً: أهم اتجاهات التطور المستقبلي في الخليج
في ضوء المحددات سالفة الذكر، تتمثل أبرز اتجاهات التطور المستقبلي في منطقة الخليج خلال المستقبل المنظور في ما يلي:
• استمرار عملية الانفتاح السياسي (المقيد)، مع استمرار التجاذبات بين الحكم والمعارضة في بعض الدول
من المتوقع أن تستمر حالة الانفتاح السياسي في دول المنطقة، وذلك من خلال انتظام بعض الدول في إجراء الانتخابات المحلية والبرلمانية، ومواصلة عملية تطوير بعض التشريعات والقوانين ذات الصلة بالحياة السياسية، وإقرار الحقوق السياسية للمرأة في الدول التي لم تمنحها هذه الحقوق بعد، كما قد يتم السماح بتأسيس أحزاب سياسية في بعض الدول مثل البحرين والكويت، فضلاً عن مواصلة عملية تحسين سجل حقوق الإنسان بصفة عامة.. إلخ. وفي هذا السياق فإنه من المستبعد أن تفضي عملية الإصلاح السياسي إلى تحول ديمقراطي حقيقي بالمعنى المتعارف عليه، حيث إن هذه العملية لها شروطها ومتطلباتها التي يتعين توفيرها وإنضاجها، وهذا يستغرق فترة طويلة نسبياً من الزمن.
كما أنه من غير المستبعد أن تشهد بعض دول المنطقة توترات سياسية خلال المستقبل المنظور سواء بسبب قضايا داخلية أو عوامل وتفاعلات خارجية. وعلى سبيل المثال، فقد يحدث ذلك بسبب تصاعد حدة الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين في إيران، أو بسبب استمرار الخلافات بين الحكم وقوى رئيسية من المعارضة في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، كما أن التطورات على الساحتين الفلسطينية والعراقية قد تقود إلى اندلاع تظاهرات وأعمال احتجاج في بعض الدول، وهي أمور كثيرا ما أدت إلى حدوث اشتباكات ومصادمات بين المتظاهرين وقوات الأمن في بعض الدول الخليجية. وإذا كانت السلطات السعودية قد تمكنت من كسر شوكة جماعات التطرف والإرهاب، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه المملكة يتمثل في وضع وتنفيذ السياسات التي من شأنها تجفيف المنابع الاقتصادية والاجتماعية والدينية والسياسية للتطرف والإرهاب، حيث تؤكد خبرات العديد من الدول أن الحل الأمني لا يكفي بمفردة لاجتثاث جذور هذه الظاهرة.
• إصلاح اقتصادي بطيء دون طفرة في تنويع في مصادر الدخل
لقد اتخذت دول مجلس التعاون الخليجي خطوات متفاوتة على طريق الإصلاح الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة، ومن المتوقع أن تستمر في هذا الطريق خلال المستقبل المنظور وخاصة في ما يتعلق بعمليات الخصخصة وتشجيع القطاع الخاص. ولكن من المستبعد أن تقود هذه الإصلاحات الاقتصادية إلى تحقيق نقلة كبيرة على صعيد تنويع مصادر الدخل في دول المجلس، حيث سيستمر النفط المصدر الرئيسي للدخل والمحرك الأساسي للاقتصادات الوطنية، لاسيما في ظل ارتفاع الأسعار وزيادة العائدات النفطية للدول المنتجة.
ومن المرجح أن يترتب على تواضع قدرات دول المجلس على تحقيق طفرة كبيرة في تنويع مصادر الدخل استمرار معدلات البطالة في هذه الدول عند معدلاتها الحالية، بل وربما تزداد في ظل استمرار تدفق خريجي المؤسسات التعليمية إلى أسواق عمل تعاني من بطالة مقنعة وظاهرة ليس بين المواطنين فحسب، ولكن في صفوف الوافدين في بعض الحالات.
• التعايش مع عراق غير مستقر
تشير التطورات التي شهدها ـ ويشهدها ـ العراق في الوقت الراهن إلى أن هذا البلد سوف يشهد حالة من عدم الاستقرار السياسي لسنوات مقبلة. فعلى الرغم من سعي الإدارة الأمريكية إلى أن تجعل من اجتياح قواتها لمدينة الفلوجة خلال نوفمبر 2004 بمثابة درس لأي قوة تسعى من أجل تحدي الوجود الأمريكي في العراق إلا أن ذلك لن يقضي على المقاومة العراقية حتى إن أضعفها لفترة من الزمن.
وعند هذه المرحلة فإن التوافق بين القوى العراقية الرئيسية ( الشيعة والسنة والأكراد ) على القضايا الرئيسية ذات الصلة بمستقبل النظام السياسي والدولة في العراق يعتبر من الشروط الجوهرية لإصدار الدستور. والمشكلة هنا أن صياغة مثل هذا التوافق ليست من الأمور السهلة، وبخاصة في ظل حرص كل من هذه القوى على تعزيز مصالحها، وبالتالي فإنه من غير المستبعد حدوث توترات وربما مواجهات فيما بين بعض هذه القوى بسبب التعارض في بعض توجهاتها ووجهات نظرها بشأن بعض القضايا الجوهرية التي يتعين تقنينها دستورياً. ولاشك في أن وجود ميليشيات وأجنحة مسلحة تابعة لأحزاب وقوى سياسية يزيد من خطورة مثل هذه الأوضاع.
وثمة عوامل أخرى ذات صلة بمستقبل الاستقرار السياسي / عدم الاستقرار في العراق منها تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وزيادة معاناة قطاعات واسعة من العراقيين لا سيما في ظل بطء عملية إعادة الإعمار وعدم جديتها وافتقارها إلى الشفافية، وتواضع نتائج عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة وأجهزتها التي فككتها سلطات الاحتلال، وانتشار السلاح على نطاق واسع في العراق.
أما بالنسبة للاقتصاد العراقي فهو بحاجة إلى سنوات حتى يتعافى، لا سيما في ظل استمرار تدهور الأوضاع الأمنية، وحدوث تدمير كبير في بنية هذا الاقتصاد، وتفاقم مشكلات الديون والتعويضات والبطالة والتضخم، وتدهور مستوى معيشة قطاعات واسعة من العراقيين، ناهيك عن كثرة المشكلات التي تؤثر سلبا في إمكانية إعادة تأهيل قطاع النفط لينهض بدور ريادي في عملية إعادة الإعمار الاقتصادي. وبإيجاز نقول إن الاقتصاد العراقي لن يجد طريقه إلى النهوض من دون حل المعضلات السياسية والأمنية في عراق ما بعد صدام حسين.
• استمرار التوتر في العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران
من المرجح أن يستمر طابع التوتر كسمة غالبة على العلاقات الأمريكية – الإيرانية خلال المستقبل المنظور، لا سيما في ظل فوز الرئيس بوش بولاية ثانية ووجود مؤشرات عديدة على تمدد دور الصقور في الإدارة بشكل يفوق دورهم خلال ولايته الأولى من ناحية، وتمدد دور المحافظين على حساب الإصلاحيين في إيران من ناحية أخرى. وفي ظل هذا الوضع تبدو عملية حل القضايا والمشكلات العالقة في العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية صعبة، إن لم تكن مستحيلة، وذلك بسبب اتساع الهوة وصعوبة التوافق بين رؤى وتصورات المحافظين الجدد الذين يسيطرون على مراكز القرار في واشنطن، والمحافظين الذين هم أصحاب التأثير الأكبر على القرار في طهران.
وسوف يصبح الأمر أكثر خطورة إذا ما تطورت العلاقة بين واشنطن وطهران إلى مواجهة وبخاصة في حال تعثر عملية معالجة الملف النووي لإيران سلمياً وقيام واشنطن بضرب المنشآت النووية لإيران سواء بمفردها أو بالتنسيق مع إسرائيل. وفي مثل هذه الحالة فمن المتوقع أن ترد إيران بأشكال مختلفة في الخليج على النحو الذي يلحق الضرر بمصالح واشنطن ومصالح حلفائها في المنطقة، كما أن إقصاء إيران من أي ترتيبات أمنية في منطقة الخليج سوف يدفعها إلى تخريب هذه الترتيبات والعمل ضدها.
• استمرار النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج
إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي الفاعل الدولي الرئيسي في منطقة الخليج، فمن المتوقع أن يستمر هذا الدور خلال المستقبل المنظور. وهذا يرتبط بمصالح استراتيجية يأتي في مقدمتها النفط الخليجي، وتطلع واشنطن إلى القيام بدور إمبراطوري على الصعيد العالمي، ومن ثم فهي تنظر إلى دورها المهيمن في الخليج كأحد المرتكزات الرئيسية لدعم نزعتها الإمبراطورية وخاصة في ما يتعلق بإدارة علاقاتها مع قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين واليابان والاتحاد الأوروبي.
ويستند الدور الأمريكي في الخليج إلى مرتكزات ومقومات عسكرية وسياسية وأمنية واقتصادية على نحو ما سبق ذكره. ونظرا لعدم وجود ما يدل على قرب التوصل إلى صياغة هيكل مستقر للأمن في الخليج يشمل جميع الدول الخليجية بما فيها إيران، فالمؤكد أن دولاً خليجية عديدة سوف تظل تعتمد على واشنطن في مجال الأمن، وذلك من خلال الاتفاقيات الأمنية وغيرها.
وفي الختام نقول إنه على الرغم من أن إطاحة نظام صدام حسين المعروف بوحشيته وتسلطيته المفرطة تمثل في التحليل الأخير مكسبا للشعب العراق، إلا أن فشل واشنطن في الإعداد بشكل جيد لمرحلة ما بعد صدام حسين، وارتكابها العديد من الأخطاء بل والخطايا في حق الشعب العراقي قد جعلا الأوضاع تنزلق في هذا البلد نحو مزيد من التدهور سواء على الصعيد الأمني أو السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. كما أنه ليس هناك ما يدل على أن العالم أصبح أكثر أمناً في مرحلة ما بعد صدام حسين، حسبما تروج الإدارة الأمريكية.
وبخصوص منطقة الخليج، فإنه من المرجح أن تستمر كإحدى بؤر التوتر وعدم الاستقرار الإقليمي خلال المستقبل المنظور، وذلك في ظل وجود مؤشرات قوية ترجح أن العراق لن يستقر قبل سنوات، وذلك بافتراض اتخاذ خطوات جدية تضعه على طريق الاستقلال الوطن والتنمية والتوجه نحو الديمقراطية، لأن البديل لذلك هو تفكك الدولة العراقية وتقسيمها إلى ثلاث دويلات بكل ما يترتب على ذلك من آثار وتداعيات، كما أن استمرار التوتر في العلاقات الأمريكية – الإيرانية سوف يغذي حالة عدم الاستقرار الإقليمي.
وفي مثل هذه الظروف سوف تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام معطيات معقدة واختيارات صعبة، فعليها أن تتعايش مع عراق غير مستقر، وتتأقلم مع علاقات متذبذبة بين واشنطن وطهران، وتتكيف مع حقيقة صعوبة التوصل إلى نظام أمني خليجي خلال المستقبل المنظور، وتلبي بعض تطلعات شعوبها في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتعالج أي تداعيات لعلاقاتها مع واشنطن أو لسياسات الأخيرة تجاه بعض القضايا العربية والإسلامية على أوضاعها الداخلية. وإزاء هذه الأوضاع ليس أمام النظم الحاكمة في هذه الدول سوى مواصلة تعزيز علاقتها بشعوبها بما يدعم من شرعيتها من ناحية، وتكريس التعاون فيما بينها في إطار مجلس التعاون الخليجي على النحو الذي يجعله أكثر قدرة وفاعلية في التعامل مع التحديات والاستحقاقات الجديدة من ناحية ثانية، فضلا عن إعادة صياغة علاقاتها الدولية وبخاصة مع بعض القوى الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والصين واليابان وروسيا بما يسمح لها بقدر أكبر من الاستقلالية وحرية الحركة على الصعيد الدولي من ناحية ثالثة.
::/fulltext::
::cck::2313::/cck::
