صحافة الخليج الإنجليزية، لسان أم فكر غربي

::cck::2314::/cck::
::introtext::

منذ أن قدمت إلى منطقة الخليج العربي عام 1999 للعمل كمترجم في شركة الأستاذ الفاضل والزميل العزيز أحمد سالم وأنا أتابع صحف الخليج باللغة الإنجليزية. 

::/introtext::
::fulltext::

منذ أن قدمت إلى منطقة الخليج العربي عام 1999 للعمل كمترجم في شركة الأستاذ الفاضل والزميل العزيز أحمد سالم وأنا أتابع صحف الخليج باللغة الإنجليزية.  ومنذ اليوم الأول، لاحظت فجوات كبيرة في تلك الصحف من الناحية المهنية والتحريرية. لطالما بدت هذه الصحف بالنسبة لي صحفاً إما غربية أو متملقة للغرب. لم تكن مثل تلك الصحف التي تصدر في البلدان غير الناطقة بالإنجليزية تهدف إلى تعريف القارئ الغربي بثقافة البلد التي تصدر فيه الصحيفة، بل كانت في أغلب الأحيان صحفاً تحاول القول للغرب نحن معكم ومنكم، وفي أحيان أخرى تبدو تلك الصحف وكأنها صادرة في جنوب شرق آسيا.

وبعد تمحص وبحث، تبين لي أن أغلب إن لم يكن جميع القائمين على صحف الخليج العربي الصادرة باللغة الإنجليزية هم من جنوب شرق آسيا. وفي الحقيقة، فإنهم لا يُلامون على أي تصرف يقومون به، اللوم يقع على وزارات الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي.
إن أول مأخذ على هذا الوضع هو أن أولئك الزملاء القادمين من وراء البحار لا يعتبرون أنفسهم إعلاميين وأصحاب قضية، بل مجرد موظفين عليهم الحضور في مكان العمل لساعات معينة لتأمين استلامهم لرواتبهم في آخر الشهر. لذلك نجد تلك الصحف تغلق طبعاتها في ساعات المساء الأولى وتصدر في اليوم التالي بأخبار عتيقة أكل عليها الليل وشرب. كان اليوم الرابع من الحرب على العراق من أروع الأيام التي يفتخر بها كل عربي ومسلم ومحب للحق. أبلى العراقيون في ذلك اليوم أحسن البلاء، وكبدوا القوات الغازية خسائر كبيرة أحرجت أكبر قوة في العالم. في صباح ذلك اليوم، خرج المتحدثون العسكريون الأمريكيون على العالم ليقولوا بكل ثقة، وصلنا إلى هذه النقطة وسيطرنا على تلك المدينة، ولكن مع المساء اضطر الأمريكيون إلى الاعتراف بما جرى على الأرض وبأن غنائمهم التي أعلنوها في الصباح وتصرفوا أنها أخذت كتحصيل حاصل حسب الخطة الموضوعة ليست دقيقة وأن مدينة الناصرية قاتلت وردت الهجوم عليها، ولم تسقط كما أعلنوا في الصباح.

كأي عراقي غمرتني الغبطة في تلك الليلة وصحوت في الصباح كلي أمل بأن يستمر النجاح، وتناولت صحيفة الهيرالد تريبيون، وأثلج صدري العنوان على صدر صفحتها الأولى “العراقيون يقاتلون دفاعاً” و”الولايات المتحدة تتكبد خسائر في زحفها نحو الشمال” وتحت العنوان صورة جندي أمريكي مغمض العينين ومكفهر الوجه لأنباء خسائر جيش بلاده. ثم تناولت إحدى الصحف القطرية الصادرة باللغة الانجليزية وكانت الصدمة.

كان العنوان على صدر صفحتها الأولى “سقوط مدينة الناصرية”.. إذا تفحصنا العنوان أعلاه بعين مهنية بحتة، وتركنا مشاعرنا الوطنية جانباً فعلى ماذا يدل؟ يدل على أن تلك الجريدة أوصدت أبوابها قبل الساعة التاسعة مساء وأرسلت الأخبار حتى تلك الساعة إلى المطبعة، وذهب الجوهري في الموقف في ميدان الحرب على العراق أدراج الرياح.

لا أتصور أن هناك صحيفة أو وسيلة إعلامية في العالم أجمع لم تعمل على مدار الساعة في أيام الحرب على العراق. أغلب الناس في العالم أجمع كانوا يتابعون الأخبار ليلاً ونهاراً وساعة بساعة فكيف بصحيفة؟ إن أسلوب الطبعات والأعداد يتغير بتغير الموقف، وطباعة أكثر من طبعة لعدد اليوم الواحد أمور غير واردة، بالنسبة للصحافة الخليجية باللغة الإنجليزية. لذلك نجد أخبارها قديمة ولا تشجع كثيراً على الإقدام على شرائها.

بالطبع، أستطيع التحدث عن المستوى المتدني لهذه الصحف إلى ما شاء الله، ولكنني بدلاً ذلك سأروي هنا رواية تختصر الموضوع. في إبريل الماضي، التحقت بدورة للصحافة الالكترونية في مركز الجزيرة الإعلامي للتدريب والتطوير، كان المحاضر هو الدكتور جي. فيليب ديفيس من تومسون فاونديشن للتدريب الإعلامي.

كان من المفروض أن يجلب هذا الرجل إلى قاعة المحاضرة كل يوم خبراً مفبركاً فيه أخطاء على الصحفي ألاّ يقع بها. ولكن عندما وصل إلى قطر، سهلت مهمته كثيراً، فما كان عليه إلا أن يطالع الصحف الصادرة في الدوحة باللغة الإنجليزية، وبالتأكيد كان يجد كل يوم خبراً فيه من العلل والركاكة ما يكفي ليكون موضوع محاضرته حول الخبر الصحفي وكيفية صياغته وإخراجه بطريقة مهنية.

أما في السادس والعشرين من يناير الماضي، فقد صدرت جميع الصحف الإنجليزية في دولة قطر بملحقات احتفالية خاصة باليوم الوطني للهند. قد لا أبالغ أن أي زائر غربي لدولة قطر في ذلك اليوم يظن أن للهند علاقة أكثر بكثير من الصداقة والتعاون والمنفعة المتبادلة بدولة قطر، ولكن الحقيقة ليست أكثر من أن العاملين في تلك الصحف هم من الجنسية الهندية وشعروا بالرغبة بالاحتفال بيوم بلادهم الوطني.

أثار الحدث الاستهجان لدى كثير من زملائي، وقال بعضهم إن السبب يعود إلى كثرة عدد الجالية الهندية في البلاد، وقال آخر قد يكون هذا النشاط مدفوع الثمن. من الممكن أن تكون تلك الملاحق الملونة والأنيقة مدفوعة الثمن، ولكن هذا ليس مبرراً كافياً لأن تصدر صحافة دولة عربية مسلمة ملاحق احتفالية بدولة غير عربية وغير مسلمة (أي دينها الرسمي ليس الإسلام)، بينما لم نرَ تلك الملاحق الاحتفالية تصدر لا باليوم الوطني لدولة عربية ولا حتى خليجية.

إن كثرة أعداد جالية معينة في بلد ما لا يعني إطلاقاً أن تكتسح ثقافة تلك الجالية ثقافة البلد المضيّف، وكون طاقم صحيفة عربية يتألف من غير العرب لا يعني أن يترك لهم الحبل على الغارب، فأولاً وأخيراً المال عربي والأرض عربية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2314::/cck::
::introtext::

منذ أن قدمت إلى منطقة الخليج العربي عام 1999 للعمل كمترجم في شركة الأستاذ الفاضل والزميل العزيز أحمد سالم وأنا أتابع صحف الخليج باللغة الإنجليزية. 

::/introtext::
::fulltext::

منذ أن قدمت إلى منطقة الخليج العربي عام 1999 للعمل كمترجم في شركة الأستاذ الفاضل والزميل العزيز أحمد سالم وأنا أتابع صحف الخليج باللغة الإنجليزية.  ومنذ اليوم الأول، لاحظت فجوات كبيرة في تلك الصحف من الناحية المهنية والتحريرية. لطالما بدت هذه الصحف بالنسبة لي صحفاً إما غربية أو متملقة للغرب. لم تكن مثل تلك الصحف التي تصدر في البلدان غير الناطقة بالإنجليزية تهدف إلى تعريف القارئ الغربي بثقافة البلد التي تصدر فيه الصحيفة، بل كانت في أغلب الأحيان صحفاً تحاول القول للغرب نحن معكم ومنكم، وفي أحيان أخرى تبدو تلك الصحف وكأنها صادرة في جنوب شرق آسيا.

وبعد تمحص وبحث، تبين لي أن أغلب إن لم يكن جميع القائمين على صحف الخليج العربي الصادرة باللغة الإنجليزية هم من جنوب شرق آسيا. وفي الحقيقة، فإنهم لا يُلامون على أي تصرف يقومون به، اللوم يقع على وزارات الإعلام في دول مجلس التعاون الخليجي.
إن أول مأخذ على هذا الوضع هو أن أولئك الزملاء القادمين من وراء البحار لا يعتبرون أنفسهم إعلاميين وأصحاب قضية، بل مجرد موظفين عليهم الحضور في مكان العمل لساعات معينة لتأمين استلامهم لرواتبهم في آخر الشهر. لذلك نجد تلك الصحف تغلق طبعاتها في ساعات المساء الأولى وتصدر في اليوم التالي بأخبار عتيقة أكل عليها الليل وشرب. كان اليوم الرابع من الحرب على العراق من أروع الأيام التي يفتخر بها كل عربي ومسلم ومحب للحق. أبلى العراقيون في ذلك اليوم أحسن البلاء، وكبدوا القوات الغازية خسائر كبيرة أحرجت أكبر قوة في العالم. في صباح ذلك اليوم، خرج المتحدثون العسكريون الأمريكيون على العالم ليقولوا بكل ثقة، وصلنا إلى هذه النقطة وسيطرنا على تلك المدينة، ولكن مع المساء اضطر الأمريكيون إلى الاعتراف بما جرى على الأرض وبأن غنائمهم التي أعلنوها في الصباح وتصرفوا أنها أخذت كتحصيل حاصل حسب الخطة الموضوعة ليست دقيقة وأن مدينة الناصرية قاتلت وردت الهجوم عليها، ولم تسقط كما أعلنوا في الصباح.

كأي عراقي غمرتني الغبطة في تلك الليلة وصحوت في الصباح كلي أمل بأن يستمر النجاح، وتناولت صحيفة الهيرالد تريبيون، وأثلج صدري العنوان على صدر صفحتها الأولى “العراقيون يقاتلون دفاعاً” و”الولايات المتحدة تتكبد خسائر في زحفها نحو الشمال” وتحت العنوان صورة جندي أمريكي مغمض العينين ومكفهر الوجه لأنباء خسائر جيش بلاده. ثم تناولت إحدى الصحف القطرية الصادرة باللغة الانجليزية وكانت الصدمة.

كان العنوان على صدر صفحتها الأولى “سقوط مدينة الناصرية”.. إذا تفحصنا العنوان أعلاه بعين مهنية بحتة، وتركنا مشاعرنا الوطنية جانباً فعلى ماذا يدل؟ يدل على أن تلك الجريدة أوصدت أبوابها قبل الساعة التاسعة مساء وأرسلت الأخبار حتى تلك الساعة إلى المطبعة، وذهب الجوهري في الموقف في ميدان الحرب على العراق أدراج الرياح.

لا أتصور أن هناك صحيفة أو وسيلة إعلامية في العالم أجمع لم تعمل على مدار الساعة في أيام الحرب على العراق. أغلب الناس في العالم أجمع كانوا يتابعون الأخبار ليلاً ونهاراً وساعة بساعة فكيف بصحيفة؟ إن أسلوب الطبعات والأعداد يتغير بتغير الموقف، وطباعة أكثر من طبعة لعدد اليوم الواحد أمور غير واردة، بالنسبة للصحافة الخليجية باللغة الإنجليزية. لذلك نجد أخبارها قديمة ولا تشجع كثيراً على الإقدام على شرائها.

بالطبع، أستطيع التحدث عن المستوى المتدني لهذه الصحف إلى ما شاء الله، ولكنني بدلاً ذلك سأروي هنا رواية تختصر الموضوع. في إبريل الماضي، التحقت بدورة للصحافة الالكترونية في مركز الجزيرة الإعلامي للتدريب والتطوير، كان المحاضر هو الدكتور جي. فيليب ديفيس من تومسون فاونديشن للتدريب الإعلامي.

كان من المفروض أن يجلب هذا الرجل إلى قاعة المحاضرة كل يوم خبراً مفبركاً فيه أخطاء على الصحفي ألاّ يقع بها. ولكن عندما وصل إلى قطر، سهلت مهمته كثيراً، فما كان عليه إلا أن يطالع الصحف الصادرة في الدوحة باللغة الإنجليزية، وبالتأكيد كان يجد كل يوم خبراً فيه من العلل والركاكة ما يكفي ليكون موضوع محاضرته حول الخبر الصحفي وكيفية صياغته وإخراجه بطريقة مهنية.

أما في السادس والعشرين من يناير الماضي، فقد صدرت جميع الصحف الإنجليزية في دولة قطر بملحقات احتفالية خاصة باليوم الوطني للهند. قد لا أبالغ أن أي زائر غربي لدولة قطر في ذلك اليوم يظن أن للهند علاقة أكثر بكثير من الصداقة والتعاون والمنفعة المتبادلة بدولة قطر، ولكن الحقيقة ليست أكثر من أن العاملين في تلك الصحف هم من الجنسية الهندية وشعروا بالرغبة بالاحتفال بيوم بلادهم الوطني.

أثار الحدث الاستهجان لدى كثير من زملائي، وقال بعضهم إن السبب يعود إلى كثرة عدد الجالية الهندية في البلاد، وقال آخر قد يكون هذا النشاط مدفوع الثمن. من الممكن أن تكون تلك الملاحق الملونة والأنيقة مدفوعة الثمن، ولكن هذا ليس مبرراً كافياً لأن تصدر صحافة دولة عربية مسلمة ملاحق احتفالية بدولة غير عربية وغير مسلمة (أي دينها الرسمي ليس الإسلام)، بينما لم نرَ تلك الملاحق الاحتفالية تصدر لا باليوم الوطني لدولة عربية ولا حتى خليجية.

إن كثرة أعداد جالية معينة في بلد ما لا يعني إطلاقاً أن تكتسح ثقافة تلك الجالية ثقافة البلد المضيّف، وكون طاقم صحيفة عربية يتألف من غير العرب لا يعني أن يترك لهم الحبل على الغارب، فأولاً وأخيراً المال عربي والأرض عربية.

::/fulltext::
::cck::2314::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *