الانتخابات العراقية: آثار سلبية وتعزيز للطائفية

::cck::2412::/cck::
::introtext::

لا شك في أن خيار الانتخابات العامة، مطلب شعبي لمعظم-إن لم نقل جميع-أطياف ومكونات الشعب العراقي، وأن أية ديمقراطية حقة لابد أن تبدأ بالانتخابات، ولكن هذه العموميات هل تؤخذ على علاتها وظواهرها، أم أن ممارستها ووضعها موضع التطبيق يتطلبان توفر شروط ضرورية وظروف موضوعية تجعل من الانتخابات وسيلة للتعبير عما يعتمر الأغلبية، دون إنكار حقوق أية أقلية؟ وهل يصح استثمار فرصة (الاحتلال) لدى البعض لتأكيد حقوق مميزة على غيرهم والمضي بمشاريعهم التي أعدت قبل الاحتلال، ووفر لها الأخير بيئة وشروطاً لتنفيذها، من دون إغفال ما تخفي العديد من تلك التيارات من أهداف ومشاريع لم يظهر منها إلى الآن سوى القليل، تطال الوطن حاضراً ومستقبلاً، وفي الوقت الذي لا نريد فيه البدء بالتشكيك، إذ لم تكن النيات قد طفت بعد إلى السطح، ولكن مسار العملية السياسية في العراق، لا يشير إلى حسن النيات، ولا ينوي في مآلاته النهائية الوصول بالعراق إلى بر الأمان.

::/introtext::
::fulltext::

لا شك في أن خيار الانتخابات العامة، مطلب شعبي لمعظم-إن لم نقل جميع-أطياف ومكونات الشعب العراقي، وأن أية ديمقراطية حقة لابد أن تبدأ بالانتخابات، ولكن هذه العموميات هل تؤخذ على علاتها وظواهرها، أم أن ممارستها ووضعها موضع التطبيق يتطلبان توفر شروط ضرورية وظروف موضوعية تجعل من الانتخابات وسيلة للتعبير عما يعتمر الأغلبية، دون إنكار حقوق أية أقلية؟ وهل يصح استثمار فرصة (الاحتلال) لدى البعض لتأكيد حقوق مميزة على غيرهم والمضي بمشاريعهم التي أعدت قبل الاحتلال، ووفر لها الأخير بيئة وشروطاً لتنفيذها، من دون إغفال ما تخفي العديد من تلك التيارات من أهداف ومشاريع لم يظهر منها إلى الآن سوى القليل، تطال الوطن حاضراً ومستقبلاً، وفي الوقت الذي لا نريد فيه البدء بالتشكيك، إذ لم تكن النيات قد طفت بعد إلى السطح، ولكن مسار العملية السياسية في العراق، لا يشير إلى حسن النيات، ولا ينوي في مآلاته النهائية الوصول بالعراق إلى بر الأمان.

ولإيضاح حقيقة ما جرى ويجري في العراق، لا بد أن تكون بداية ذلك، هي مشروع بوش “التحضيري” والتحول الديمقراطي” عن طريق القوة والغزو والاحتلال، فبغض النظر عن حقيقة الأهداف الأمريكية في العراق، والتي جرت صياغتها منذ عام 1973 من القرن الماضي، ولم تعد خافية، بل إن العديد من المؤسسات السياسية الأمريكية قد أعلنت عنها قبل أن تتحرك القوات الأمريكية خطوة من الأرض الأمريكية، والتي تتلخص بالمصالح الجيواستراتيجية كون العراق يشكل منطقة القلب الشرق-أوسطي، والثانية المصالح الاقتصادية (النفطية) في دولة تمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، ومن السذاجة من يعتقد أن أية إدارة أمريكية تتباكى على شعب من شعوب العالم يرزح تحت وطأة دكتاتور أو طاغية أو متسلط، وتدفع بجنودها وآلتها الحربية، وتنفق المليارات المتحصلة من دافعي الضرائب الأمريكية، كي تخلصه مما هو فيه، فلطالما تحالفت ودعمت أعتى الأنظمة طغياناً وفساداً وقمعاً، وتاريخها السياسي أوسع من أن تسعه هذه الصفحات. فالحقيقة السياسية التي لا يختلف عليها اثنان في هذا العالم، هي أن الولايات المتحدة لا تحركها إلا مصالحها سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو أمنية.

ومع دامغية هذه الحقيقة نجد أن هناك من مازال يتحدث عن الدور الأمريكي في دمقرطة العالم، ومن هنا رحب البعض وخدعوا الكثيرين من حولهم بما وفر لهم الاحتلال من فرص للديمقراطية والخلاص، وأن ما قامت به الولايات المتحدة كان عملاً تحريرياً يستدعي تقبيل أقدام الجنود الأمريكيين وكرد الجميل إليهم، حتى بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن خطابها السياسي قبيل وأثناء العدوان على العراق بأنها قادمة لتحرير العراق، وذهبت إلى مجلس الأمن وأقرت رسمياً أن قواتها في العراق هي قوات احتلال، ومع ذلك ظلت تسوق لمشروعها نشر الديمقراطية في المنطقة، وعلى الرغم من هذه الخدعة الكبرى، وجهت حاكمها العسكري في العراق بريمر، ليصدر العديد من الأوامر التي تشرع الانتخابات في العراق، وتضع القواعد والوسائل المفضية إلى إجرائها ومراجعة الأوامر التي أصدرتها سلطة الاحتلال في هذا الصدد تغني الباحث والقارئ على السواء، من أن يضيف شيئاً.

فالانتخابات أصبحت مطلباً أمريكياً بالأساس قبل أن تكون ضرورة وحاجة عراقية وطنية، فالنجاح في إجرائها في موعدها وعدم تأجيلها ومن ثم الفراغ منها بأية صورة من الصور، هو أكبر نجاح للدعاية الأمريكية ولسياسة بوش في فرض الديمقراطية عن طريق القوة، فهذه الانتخابات بغض النظر عن نجاحاتها وإخفاقاتها وإرهاصاتها ونتائجها وتداعياتها ومن ثم انعكاساتها، هي مؤشر نجاح لمشروع بوش، ولا يهم الإدارة الأمريكية النتائج التي قد تتركها الانتخابات على الصعيد العراقي من خطورة وتداعيات، لأنها تمسك بضخامة قواتها المسلحة الأرض، ومن ثم المآلات الرئيسية للعملية السياسية في العراق، فلا يهمها من يصل إلى المجلس الوطني، وما يمكن أن تفرزه الانتخابات من حكومة، لأن الأخيرة مهما كان نوعها وشكلها هي في قبضة الوجود العسكري الأمريكي ومن خلفها الإدارة الأمريكية، وإلا كيف يتصور أن ترحب الإدارة الأمريكية وعلى رأسها بوش بالانتخابات ونتائجها، رغم علمها بأن التيارات السياسية التي اجتاحتها، هي الأحزاب والمكونات الدينية ذات البعد الطائفي الأحادي، والساعية في أيديولوجياتها نحو الدولة الدينية، بغض النظر عما أعلنته وتعلنه قيادات ورموز الأحزاب والتيارات هذه عن نأيها عن طائفيتها، وقناعتها بعدم إمكانية قيام الدولة الدينية في المرحلة الراهنة. قد يوجد من يقول إن سبب الترحيب هو كونه يعبر عن نجاح المشروع الأمريكي للرئيس بوش في نشر الديمقراطية في العراق، وجعل الأخير الأنموذج الأمريكي البارز لدول المنطقة، كما أسلفنا. وهذا الرأي لا يبتعد عن الحقيقة كثيراً، ولكن يتعين علينا ألا ننسى أن الأحزاب والتيارات الفائزة، طرحت ومازالت تطرح رأي عدم مقاومة الاحتلال الأمريكي عن طريق القوة، إنما المقاومة بوسائل أخرى، وهذا كما يبدو جلياً موقفاً مهادئاً للاحتلال، كان يستحق من الدولة القائمة عليه مكافأة تلك الأحزاب والتيارات، رغم هويتها الدينية، بدفعها إلى مقدمة الواجهة السياسية، وإن كان ذلك في تقديرنا ومن خلال المعرفة المعمقة بالسياسة الأمريكية بتواضع، يعد تكتيكاً مرحلياً ربما لا يتجاوز حدود ما تبقى من الفترة المقررة للمجلس الوطني المنتخب وهي عشرة أشهر تقريباً.

وتفسير ذلك بأن القوى الحقيقية التي تمسك بالسياسة الخارجية الأمريكية وتضع أساساتها هم المحافظون الجدد والليبراليون، وكلاهما يعتبر الأحزاب والتيارات الدينية الإسلامية تحديداً كلها مصنفة ضمن دائرة (الإرهاب)، والأخير يعد أكبر تحد للديمقراطية التي ينوي بوش نشرها في المنطقة، وحل مثل هذه الجدلية المتناقضة يفسره التكتيك الأمريكي، تمهيداً لقلب المعادلة وتغييرها في مرحلة لاحقة بعد أن تكون استوعبت مد تلك الأحزاب والتيارات واستنقذتها، لتعيد المعادلة السياسية إلى الصورة التي سبق أن جرى رسمها وتحديدها بصورة النظام السياسي الأكثر قبولاً لها، والمستعد للتعاون معها في استكمال مشروعها التحضيري وصولاً إلى الهدف الأبعد وهو مشروع الشرق الأوسط الكبير – بالصورة المعدلة – الذي يخدم المصالح الأمريكية والمستعد للدفاع عنها.

ربما يكون ما قلناه يعبر عن وجهة النظر الأمريكية حيال الانتخابات تحديداً، ولكن ما هو الواقع على الصعيد الداخلي العراقي، هل عكست الانتخابات الخيارات الرئيسية لعموم الشعب العراقي بكل مكوناته وأطيافه، أم أنها عززت النهج والتوجه اللذين سادا بعد الاحتلال؟
قد يكون الخوض في لغط (شرعية) أو عدم “شرعية” الانتخابات، فات أوانه، وقد لا يغير شيئاً مما يجري على صعيد الواقع العراقي، ولكن غض الطرف عنه بصورة نهائية أمر غير صحيح، فمن بين أبرز الحقائق الموضوعية، أن هندسة الانتخابات ووضع آلياتها وطريقة إجرائها هي من خلق الاحتلال والقوى المتعاونة معه-كما أشرنا- وليس سراً جعل العراق منطقة انتخابية واحدة، والانتخاب عن طريق القائمة التي لم يعرف معظم الشعب العراقي من هم المنضمون إلى هذه القائمة أو تلك حتى لحظة إجراء الانتخابات، وأنا كمختص أو أرأس أهم مؤسسة بحثية أكاديمية في العراق، لم أكن أعرف أسماء معظم القوائم، وما هي اتجاهاتها السياسية العامة.

ولهذا صوت معظم من صوت على أسس المشاعر والانتماء الطائفي حصراً، وليس على أساس من هو أكفأ أو على وفق معايير الوطنية أو اختيار من هم أكثر استعداداً لخدمة العراق ومستقبله، فلقد غاب في هذه الانتخابات صوت (الوطن، العراق) والمصالح العليا للشعب، وطغت على الانتخابات فتوى المراجع الدينية الرئيسية، التي اعتبرت الانتخاب واجباً شرعياً لا يقل عن أداء الفرائض المقررة على المسلمين، وربما يمكن قبول ذلك مهما كان التفسيرات الشرعية التي أعطيت لهكذا فتاوى، ولكن الذي لا يمكن قبوله على الإطلاق، الذهاب إلى حد القول إن من لا ينتخب مصيره النار، وإن القائمة (الفلانية) هي قائمة المرجعية، بمعنى يصبح التصويت لها واجباً شرعياً دينياً. ومهما حاولت الأحزاب والتيارات الدينية المنضوية تحت قائمة ما يسمى (الائتلاف العراقي) بعد فوزها الساحق في الانتخابات نفي كل هذه الحقائق وكأنها لم تكن موجودة، فإن الذي عاش مرحلة ما قبل الانتخابات ومن ثم إجرائها وتابعها ميدانياً، لا يمكن أن يتجاوز حقائق ما أشرنا إليه.

وفي محاولة تقييمية أولية لنتائج الانتخابات -وليس الانتخابات لذاتها- يمكن استخلاص الآتي:

1- إن 40% من الشعب العراقي لا يمثل في المجلس الوطني الذي جرى انتخابه، فهو من الناحية القانونية والسياسية مستبعد تماماً، ولا يمكن تصور جلب أشخاص ممثلين لهؤلاء إلى المجلس، ولا إمكانية مشاركتهم في تشريع العملية السياسية برمتها، بما فيها كتابة الدستور وهو أهم وأخطر مهمة موكله للمجلس المنتخب.

2- ترسخت الانتخابات وبرزت الطابع الطائفي لها، وهو ما سوف يترك آثاره السلبية على المكونات الأخرى، حقوقياً وسياسياً، ونأمل ألا ينعكس على الدستور.

3- منحت الانتخابات أكراد العراق حجماً سياسياً من خلال المقاعد التي حصلوا عليها أكبر من حجمهم السكاني، ومن ثم أبرزت الانتخابات واقعاً سياسياً بجعل الأكراد يتبوأون موقعاً سياسياً يستطيعون من خلاله فرض مشاريعهم السياسية، إذ ضمنوا استقلالاً تاماً في شمال العراق لا ينقصه سوى الاعتراف الدولي بعدما قرنوا الانتخابات باستفتاء على الاستقلال، ثم جاؤوا إلى بغداد ليحكموا العراق، أي بقية المحافظات العراقية، بمعنى أنهم لم يكتفوا بما حصلوا عليه من مكاسب في شمال العراق، بل امتد نفوذهم إلى باقي الإقليم العراقي، ومع كل ذلك بدأوا يصرحون من موقع قوة وحقائق سياسية وأخرى على الأرض، بأنهم منفصلون عن العراق ببقائهم ضمن الدولة العراقية- ومن ثم سوف يسعون إلى تغيير الكثير من المعالم الديموغرافية للعديد من المناطق القربية من المناطق الكردية، التي لم يكن يوماً يسكنها الأخوة الأكراد في إطار مساومات على المناصب السياسية.

4- أفرزت الانتخابات الظاهرة الطائفية، والانتماءات القومية الضيقة، وعززتها، ولم يكن هاجس الوطن والوطنية، هو المعيار الفاصل ولا حتى الثانوي في الانتخابات، وهو حالة نكوص في الحالة الوطنية العراقية، ثم ألا تعد العودة إلى ظاهرة الأحزاب والموجات الدينية المسيسة والعمل على ترسيخها ظاهرة تخلف، لاسيما بعد أن غادرها كثير لا بل معظم شعوب الأرض، فكلنا مسلمون أو مسيحيون، وبالتالي مؤمنون، ولكن العمل السياسي وإدارة الدولة ومؤسساتها يحتاجان إلى متخصصين تكنوقراط أكفياء، لا إلى رجال دين مع ما نكنُّ من قدسية واحترام لهم ولدورهم في عقيدتنا وحياتنا.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2412::/cck::
::introtext::

لا شك في أن خيار الانتخابات العامة، مطلب شعبي لمعظم-إن لم نقل جميع-أطياف ومكونات الشعب العراقي، وأن أية ديمقراطية حقة لابد أن تبدأ بالانتخابات، ولكن هذه العموميات هل تؤخذ على علاتها وظواهرها، أم أن ممارستها ووضعها موضع التطبيق يتطلبان توفر شروط ضرورية وظروف موضوعية تجعل من الانتخابات وسيلة للتعبير عما يعتمر الأغلبية، دون إنكار حقوق أية أقلية؟ وهل يصح استثمار فرصة (الاحتلال) لدى البعض لتأكيد حقوق مميزة على غيرهم والمضي بمشاريعهم التي أعدت قبل الاحتلال، ووفر لها الأخير بيئة وشروطاً لتنفيذها، من دون إغفال ما تخفي العديد من تلك التيارات من أهداف ومشاريع لم يظهر منها إلى الآن سوى القليل، تطال الوطن حاضراً ومستقبلاً، وفي الوقت الذي لا نريد فيه البدء بالتشكيك، إذ لم تكن النيات قد طفت بعد إلى السطح، ولكن مسار العملية السياسية في العراق، لا يشير إلى حسن النيات، ولا ينوي في مآلاته النهائية الوصول بالعراق إلى بر الأمان.

::/introtext::
::fulltext::

لا شك في أن خيار الانتخابات العامة، مطلب شعبي لمعظم-إن لم نقل جميع-أطياف ومكونات الشعب العراقي، وأن أية ديمقراطية حقة لابد أن تبدأ بالانتخابات، ولكن هذه العموميات هل تؤخذ على علاتها وظواهرها، أم أن ممارستها ووضعها موضع التطبيق يتطلبان توفر شروط ضرورية وظروف موضوعية تجعل من الانتخابات وسيلة للتعبير عما يعتمر الأغلبية، دون إنكار حقوق أية أقلية؟ وهل يصح استثمار فرصة (الاحتلال) لدى البعض لتأكيد حقوق مميزة على غيرهم والمضي بمشاريعهم التي أعدت قبل الاحتلال، ووفر لها الأخير بيئة وشروطاً لتنفيذها، من دون إغفال ما تخفي العديد من تلك التيارات من أهداف ومشاريع لم يظهر منها إلى الآن سوى القليل، تطال الوطن حاضراً ومستقبلاً، وفي الوقت الذي لا نريد فيه البدء بالتشكيك، إذ لم تكن النيات قد طفت بعد إلى السطح، ولكن مسار العملية السياسية في العراق، لا يشير إلى حسن النيات، ولا ينوي في مآلاته النهائية الوصول بالعراق إلى بر الأمان.

ولإيضاح حقيقة ما جرى ويجري في العراق، لا بد أن تكون بداية ذلك، هي مشروع بوش “التحضيري” والتحول الديمقراطي” عن طريق القوة والغزو والاحتلال، فبغض النظر عن حقيقة الأهداف الأمريكية في العراق، والتي جرت صياغتها منذ عام 1973 من القرن الماضي، ولم تعد خافية، بل إن العديد من المؤسسات السياسية الأمريكية قد أعلنت عنها قبل أن تتحرك القوات الأمريكية خطوة من الأرض الأمريكية، والتي تتلخص بالمصالح الجيواستراتيجية كون العراق يشكل منطقة القلب الشرق-أوسطي، والثانية المصالح الاقتصادية (النفطية) في دولة تمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، ومن السذاجة من يعتقد أن أية إدارة أمريكية تتباكى على شعب من شعوب العالم يرزح تحت وطأة دكتاتور أو طاغية أو متسلط، وتدفع بجنودها وآلتها الحربية، وتنفق المليارات المتحصلة من دافعي الضرائب الأمريكية، كي تخلصه مما هو فيه، فلطالما تحالفت ودعمت أعتى الأنظمة طغياناً وفساداً وقمعاً، وتاريخها السياسي أوسع من أن تسعه هذه الصفحات. فالحقيقة السياسية التي لا يختلف عليها اثنان في هذا العالم، هي أن الولايات المتحدة لا تحركها إلا مصالحها سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو أمنية.

ومع دامغية هذه الحقيقة نجد أن هناك من مازال يتحدث عن الدور الأمريكي في دمقرطة العالم، ومن هنا رحب البعض وخدعوا الكثيرين من حولهم بما وفر لهم الاحتلال من فرص للديمقراطية والخلاص، وأن ما قامت به الولايات المتحدة كان عملاً تحريرياً يستدعي تقبيل أقدام الجنود الأمريكيين وكرد الجميل إليهم، حتى بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن خطابها السياسي قبيل وأثناء العدوان على العراق بأنها قادمة لتحرير العراق، وذهبت إلى مجلس الأمن وأقرت رسمياً أن قواتها في العراق هي قوات احتلال، ومع ذلك ظلت تسوق لمشروعها نشر الديمقراطية في المنطقة، وعلى الرغم من هذه الخدعة الكبرى، وجهت حاكمها العسكري في العراق بريمر، ليصدر العديد من الأوامر التي تشرع الانتخابات في العراق، وتضع القواعد والوسائل المفضية إلى إجرائها ومراجعة الأوامر التي أصدرتها سلطة الاحتلال في هذا الصدد تغني الباحث والقارئ على السواء، من أن يضيف شيئاً.

فالانتخابات أصبحت مطلباً أمريكياً بالأساس قبل أن تكون ضرورة وحاجة عراقية وطنية، فالنجاح في إجرائها في موعدها وعدم تأجيلها ومن ثم الفراغ منها بأية صورة من الصور، هو أكبر نجاح للدعاية الأمريكية ولسياسة بوش في فرض الديمقراطية عن طريق القوة، فهذه الانتخابات بغض النظر عن نجاحاتها وإخفاقاتها وإرهاصاتها ونتائجها وتداعياتها ومن ثم انعكاساتها، هي مؤشر نجاح لمشروع بوش، ولا يهم الإدارة الأمريكية النتائج التي قد تتركها الانتخابات على الصعيد العراقي من خطورة وتداعيات، لأنها تمسك بضخامة قواتها المسلحة الأرض، ومن ثم المآلات الرئيسية للعملية السياسية في العراق، فلا يهمها من يصل إلى المجلس الوطني، وما يمكن أن تفرزه الانتخابات من حكومة، لأن الأخيرة مهما كان نوعها وشكلها هي في قبضة الوجود العسكري الأمريكي ومن خلفها الإدارة الأمريكية، وإلا كيف يتصور أن ترحب الإدارة الأمريكية وعلى رأسها بوش بالانتخابات ونتائجها، رغم علمها بأن التيارات السياسية التي اجتاحتها، هي الأحزاب والمكونات الدينية ذات البعد الطائفي الأحادي، والساعية في أيديولوجياتها نحو الدولة الدينية، بغض النظر عما أعلنته وتعلنه قيادات ورموز الأحزاب والتيارات هذه عن نأيها عن طائفيتها، وقناعتها بعدم إمكانية قيام الدولة الدينية في المرحلة الراهنة. قد يوجد من يقول إن سبب الترحيب هو كونه يعبر عن نجاح المشروع الأمريكي للرئيس بوش في نشر الديمقراطية في العراق، وجعل الأخير الأنموذج الأمريكي البارز لدول المنطقة، كما أسلفنا. وهذا الرأي لا يبتعد عن الحقيقة كثيراً، ولكن يتعين علينا ألا ننسى أن الأحزاب والتيارات الفائزة، طرحت ومازالت تطرح رأي عدم مقاومة الاحتلال الأمريكي عن طريق القوة، إنما المقاومة بوسائل أخرى، وهذا كما يبدو جلياً موقفاً مهادئاً للاحتلال، كان يستحق من الدولة القائمة عليه مكافأة تلك الأحزاب والتيارات، رغم هويتها الدينية، بدفعها إلى مقدمة الواجهة السياسية، وإن كان ذلك في تقديرنا ومن خلال المعرفة المعمقة بالسياسة الأمريكية بتواضع، يعد تكتيكاً مرحلياً ربما لا يتجاوز حدود ما تبقى من الفترة المقررة للمجلس الوطني المنتخب وهي عشرة أشهر تقريباً.

وتفسير ذلك بأن القوى الحقيقية التي تمسك بالسياسة الخارجية الأمريكية وتضع أساساتها هم المحافظون الجدد والليبراليون، وكلاهما يعتبر الأحزاب والتيارات الدينية الإسلامية تحديداً كلها مصنفة ضمن دائرة (الإرهاب)، والأخير يعد أكبر تحد للديمقراطية التي ينوي بوش نشرها في المنطقة، وحل مثل هذه الجدلية المتناقضة يفسره التكتيك الأمريكي، تمهيداً لقلب المعادلة وتغييرها في مرحلة لاحقة بعد أن تكون استوعبت مد تلك الأحزاب والتيارات واستنقذتها، لتعيد المعادلة السياسية إلى الصورة التي سبق أن جرى رسمها وتحديدها بصورة النظام السياسي الأكثر قبولاً لها، والمستعد للتعاون معها في استكمال مشروعها التحضيري وصولاً إلى الهدف الأبعد وهو مشروع الشرق الأوسط الكبير – بالصورة المعدلة – الذي يخدم المصالح الأمريكية والمستعد للدفاع عنها.

ربما يكون ما قلناه يعبر عن وجهة النظر الأمريكية حيال الانتخابات تحديداً، ولكن ما هو الواقع على الصعيد الداخلي العراقي، هل عكست الانتخابات الخيارات الرئيسية لعموم الشعب العراقي بكل مكوناته وأطيافه، أم أنها عززت النهج والتوجه اللذين سادا بعد الاحتلال؟
قد يكون الخوض في لغط (شرعية) أو عدم “شرعية” الانتخابات، فات أوانه، وقد لا يغير شيئاً مما يجري على صعيد الواقع العراقي، ولكن غض الطرف عنه بصورة نهائية أمر غير صحيح، فمن بين أبرز الحقائق الموضوعية، أن هندسة الانتخابات ووضع آلياتها وطريقة إجرائها هي من خلق الاحتلال والقوى المتعاونة معه-كما أشرنا- وليس سراً جعل العراق منطقة انتخابية واحدة، والانتخاب عن طريق القائمة التي لم يعرف معظم الشعب العراقي من هم المنضمون إلى هذه القائمة أو تلك حتى لحظة إجراء الانتخابات، وأنا كمختص أو أرأس أهم مؤسسة بحثية أكاديمية في العراق، لم أكن أعرف أسماء معظم القوائم، وما هي اتجاهاتها السياسية العامة.

ولهذا صوت معظم من صوت على أسس المشاعر والانتماء الطائفي حصراً، وليس على أساس من هو أكفأ أو على وفق معايير الوطنية أو اختيار من هم أكثر استعداداً لخدمة العراق ومستقبله، فلقد غاب في هذه الانتخابات صوت (الوطن، العراق) والمصالح العليا للشعب، وطغت على الانتخابات فتوى المراجع الدينية الرئيسية، التي اعتبرت الانتخاب واجباً شرعياً لا يقل عن أداء الفرائض المقررة على المسلمين، وربما يمكن قبول ذلك مهما كان التفسيرات الشرعية التي أعطيت لهكذا فتاوى، ولكن الذي لا يمكن قبوله على الإطلاق، الذهاب إلى حد القول إن من لا ينتخب مصيره النار، وإن القائمة (الفلانية) هي قائمة المرجعية، بمعنى يصبح التصويت لها واجباً شرعياً دينياً. ومهما حاولت الأحزاب والتيارات الدينية المنضوية تحت قائمة ما يسمى (الائتلاف العراقي) بعد فوزها الساحق في الانتخابات نفي كل هذه الحقائق وكأنها لم تكن موجودة، فإن الذي عاش مرحلة ما قبل الانتخابات ومن ثم إجرائها وتابعها ميدانياً، لا يمكن أن يتجاوز حقائق ما أشرنا إليه.

وفي محاولة تقييمية أولية لنتائج الانتخابات -وليس الانتخابات لذاتها- يمكن استخلاص الآتي:

1- إن 40% من الشعب العراقي لا يمثل في المجلس الوطني الذي جرى انتخابه، فهو من الناحية القانونية والسياسية مستبعد تماماً، ولا يمكن تصور جلب أشخاص ممثلين لهؤلاء إلى المجلس، ولا إمكانية مشاركتهم في تشريع العملية السياسية برمتها، بما فيها كتابة الدستور وهو أهم وأخطر مهمة موكله للمجلس المنتخب.

2- ترسخت الانتخابات وبرزت الطابع الطائفي لها، وهو ما سوف يترك آثاره السلبية على المكونات الأخرى، حقوقياً وسياسياً، ونأمل ألا ينعكس على الدستور.

3- منحت الانتخابات أكراد العراق حجماً سياسياً من خلال المقاعد التي حصلوا عليها أكبر من حجمهم السكاني، ومن ثم أبرزت الانتخابات واقعاً سياسياً بجعل الأكراد يتبوأون موقعاً سياسياً يستطيعون من خلاله فرض مشاريعهم السياسية، إذ ضمنوا استقلالاً تاماً في شمال العراق لا ينقصه سوى الاعتراف الدولي بعدما قرنوا الانتخابات باستفتاء على الاستقلال، ثم جاؤوا إلى بغداد ليحكموا العراق، أي بقية المحافظات العراقية، بمعنى أنهم لم يكتفوا بما حصلوا عليه من مكاسب في شمال العراق، بل امتد نفوذهم إلى باقي الإقليم العراقي، ومع كل ذلك بدأوا يصرحون من موقع قوة وحقائق سياسية وأخرى على الأرض، بأنهم منفصلون عن العراق ببقائهم ضمن الدولة العراقية- ومن ثم سوف يسعون إلى تغيير الكثير من المعالم الديموغرافية للعديد من المناطق القربية من المناطق الكردية، التي لم يكن يوماً يسكنها الأخوة الأكراد في إطار مساومات على المناصب السياسية.

4- أفرزت الانتخابات الظاهرة الطائفية، والانتماءات القومية الضيقة، وعززتها، ولم يكن هاجس الوطن والوطنية، هو المعيار الفاصل ولا حتى الثانوي في الانتخابات، وهو حالة نكوص في الحالة الوطنية العراقية، ثم ألا تعد العودة إلى ظاهرة الأحزاب والموجات الدينية المسيسة والعمل على ترسيخها ظاهرة تخلف، لاسيما بعد أن غادرها كثير لا بل معظم شعوب الأرض، فكلنا مسلمون أو مسيحيون، وبالتالي مؤمنون، ولكن العمل السياسي وإدارة الدولة ومؤسساتها يحتاجان إلى متخصصين تكنوقراط أكفياء، لا إلى رجال دين مع ما نكنُّ من قدسية واحترام لهم ولدورهم في عقيدتنا وحياتنا.

::/fulltext::
::cck::2412::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *