انعكاسات احتلال العراق على الأمن في الخليج
::cck::2410::/cck::
::introtext::
أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على احتلال العراق تحت حجج وذرائع سياسية تبين، لاحقاً، أن لا أساس لها من الصحة، وتلخصت تلك الحجج في ادعاءات، مجملها امتلاكه لأسلحة دمار شامل يهدد بها السلم والأمن والدوليين، وأنه يشكل خطراً على أمن المنطقة واستقرارها وبالأخص الدول الصديقة للولايات المتحدة فضلاً عن قيامه بحملة إبادة جماعية على قسم من شعبه في الشمال والجنوب.
::/introtext::
::fulltext::
أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على احتلال العراق تحت حجج وذرائع سياسية تبين، لاحقاً، أن لا أساس لها من الصحة، وتلخصت تلك الحجج في ادعاءات، مجملها امتلاكه لأسلحة دمار شامل يهدد بها السلم والأمن والدوليين، وأنه يشكل خطراً على أمن المنطقة واستقرارها وبالأخص الدول الصديقة للولايات المتحدة فضلاً عن قيامه بحملة إبادة جماعية على قسم من شعبه في الشمال والجنوب.
وبعد استكمال الاستعدادات العسكرية التي تمثلت في حشد حوالي نصف مليون جندي على الحدود المتاخمة لجنوب العراق (وبالقرب منها) وتجميع الأساطيل في المياه الإقليمية العربية والمياه الدولية القريبة من العراق والمنطقة العربية، تم تحديد ساعة الصفر في ليلة 19/مارس/2003 وبدء العمليات العسكرية التي انتهت بالإطاحة بالنظام الحاكم، ليعقب ذلك بداية لمرحلة جديدة من تاريخ العراق المعاصر، ربما تشابه في تداعياتها، جزئياً، تلك التي أحاطت به خلال الفترة 1914-1917 والتي انتهت بدخول القوات البريطانية المحتلة إلى بغداد في 11/آذار/1917 حيث أعلن قائد الحملة العسكرية، الجنرال معرد، أن بريطانيا جاءت محررة للعراق لا فاتحة له، وهو الخطاب نفسه الذي حملته الإدارة الأمريكية على سطح بوارجها وفوق أبراج دباباتها ومصفحاتها المدرعة، حيث أذاعت أنها أتت لتحرر العراق من نظام ظالم مضطهد لشعبه، مهدد لجيرانه ولمسيرة السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.
هكذا يبدو، ظاهرياً، أن مسألة ضمان الأمن، بأشكاله الداخلية والإقليمية والدولية، كانت أحد مسوغات اندفاع الولايات المتحدة نحو العراق إن لم يكن هو المسوغ الأساس، ولكي تكمل، بعد احتلاله، مضامين مشروعها المعد للمنطقة الذي عرف باسم الشرق الأوسط الكبير، والذي من بين أبرز أهدافه ضمان أمن إسرائيل، وإدماجها في المنطقة خصوصاً أن تطبيع العلاقات بينها وبين جيرانها، العرب كان قد أصبح في متناول اليد بعد تلك الاتفاقات السياسية، التي عقدتها مع عدد من جيرانها المهمين (مصر والأردن) واستعداد أغلبية المتبقين للسير في ذلك المسار نفسه.
وهنا لابد من التذكير بتلك الطروحات الأمريكية التي صيغت، وقدمت إلى هذه المنطقة لاحتوائها ضمن أبعاد استراتيجيتها الخليجية التي تشمل العراق من دون شك. فتم طرح مشاريع عسكرية – أمنية، تجعل من دول المشرق العربي، بما فيها إسرائيل، ودول شرق أوسطية أخرى بمثابة حزام أمني يطوق الاتحاد السوفييتي من الجنوب، ليحول دون اندفاعه أو تسلله إلى المياه الدافئة: الخليجية والمتوسطية، واتخذت هذه المشاريع مسميات عديدة: كالقيادة الحليفة للشرق الأوسط ومنظمة الدفاع عن الشرق الأوسط ومشروع الحزام الشمالي.
غير أن معارضة بريطانيا لهذا التحرك الأمريكي، ورفض عدد من الدول العربية له جعلا الوضع يتحول باتجاه صيغة بديلة تضمن استمرار النفوذ البريطاني في المنطقة، وتحافظ على استمرار وجودها فيها، فكان حلف بغداد الذي استبعد من عضويته إسرائيل، واكتفى، مبدئياً، بتجميع العراق وإيران وتركيا وباكستان وبريطانيا (إضافة إلى الولايات المتحدة بصفة مراقب) في كتلة سياسية – عسكرية هدفها الأساس، ضمان أمن إسرائيل ومواجهة التهديد السوفييتي. وكان المخطط له أن تنضم مصر إلى الحلف لاحقاً حتى تضطر سوريا إلى الالتحاق بركبه أيضاً.
لكن مصر، مؤيدة سوريا، لم تستجب لرغبات الغرب وخططه مما حال دون توسيع عضوية حلف بغداد، وبالتالي انفراط عقده بعد قيام ثورة 14/تموز /1958 التي كان من نتائجها القيام بإنزال عسكري أمريكي في لبنان وآخر بريطاني في الأردن حماية لنظام هاتين الدولتين من أن يؤول مصيرهما إلى نفس ما آل إليه مصير النظام الحاكم في العراق. وخلال السنوات القليلة اللاحقة لم تتردد بريطانيا بإعادة الكرة ثانية، فقامت بإنزال قوتها العسكرية في الكويت عام 1961 إثر التهديدات التي أطلقها رئيس وزراء العراق عبدالكريم قاسم بضم الكويت إلى العراق بالقوة.
غير أن استعراض القوة هذا ما لبث أن تلاشى تحت ضغط المتغيرات الاقتصادية والسياسية مما اضطر بريطانيا إلى الإعلان عن نيتها الانسحاب من شرق السويس عام 1968، ومن منطقة الخليج العربي في موعد لا يتعدى عام 1970، مما جعل موضوع أمن الخليج يقفز مجدداً ليحتل مكان الصدارة. فمن هي القوة المرشحة لملء الفراغ في هذه المنطقة البالغة الأهمية للعالم أجمع؟ هل هي القوى الإقليمية الرئيسية فيها (إيران، السعودية، والعراق) أم أن هناك قوى أخرى يمكنها بالتعاون مع إمارات الخليج العربية أن تنهض بمثل هذه المهمة ؟
وآثرت الولايات المتحدة الأمريكية التريث ومراقبة ما سيؤول إليه الوضع في الخليج، وفيما إذا كانت القوى الإقليمية الرئيسية فيه ستتناغم، في سياساتها مع بقية الدول الخليجية الأخرى فتتفق على أبعاد سياسة (مقبولة) من الجميع تضمن لها مصالحها الوطنية والقومية ولا تتقاطع أو تهدد مصالح الدول الكبرى في المنطقة.
غير أن الواقع أفصح عن وجود طموحات لدى القوى الخليجية الرئيسية تجاه دول الخليج الأخرى، وتجسد ذلك في تلك الخطوط العريضة التي تم طرحها باعتبارها جوهر مضامين سياسات ومشروعات مستقبلية للمنطقة. فمن إقامة منظمة دفاعية خليجية تضم بالإضافة إلى دول الخليج كلاً من باكستان وتركيا وحتى الهند إلى إقامة تحالف عسكري يقتصر على دول المنطقة حسب، إلى التأكيد على عروبة الخليج وجعل مسؤولية الأمن فيه تقع على عاتق دوله.
هذا التعدد في الرؤى الأمنية جعل الإدارة الأمريكية تتحرك لتفصح عن رؤيتها الأمنية التي تضن لها مصالحها الحيوية في الخليج وتؤمن الاستقرار فيه من خلال ضبط إيقاع السياسات المرسومة له، فكانت سياسة التوازن بين قوى المنطقة التي ترجمها مبدأ (نيكون) القائل بضرورة الإسهام في إقامة أنظمة دفاعية لدول معينة في المنطقة لها القدرة والإدارة على حماية مصالح دول الخليج ومصالح الغرب والولايات المتحدة، وبالمقابل تتعهد هذه الاخيرة بتوفير مظلة نووية لحماية هذه الدول الحليفة من احتمالات الاعتداء الخارجي عليها أو تهديد بقائها، وعرفت هذه السياسة باسم مبدأ نيكون، أو سياسة (العمودين)، مادامت تعتمد بالأساس على التعاون التام بين إيران والمملكة العربية السعودية.
وخلال السنوات اللاحقة طورت الإدارات الأمريكية أبعاد سياستها هذه ودفعتها خطوات أبعد تمثلت في وضع خطط تستوعب بموجبها منطقة الخليج والتدخل في شؤونها أحكاماً للسيطرة على مواردها النفطية، وأدواتها في ذلك عديدة ربما كان أبرزها مبدأ التحالف الذي تسترت خلفه الإدارة العسكرية الأمريكية للوجود في المنطقة والذي أخذ أشكالاً عديدة منها التسهيلات العسكرية والقواعد والمناورات المشتركة ومجلس التعاون، ورسمت لنفسها خططاً تقضي باحتلالها تحت أي ذريعة خارجية كانت أو داخلية تراها مناسبة. وهكذا يظهر أن المتغير العسكري هو الذي سيطر على التعامل مع منطقة الخليج العربي، بحيث أصبح هذا الإدراك يحيل أي مشكلة سياسية إلى مجرد عنصر من عناصر البعد العسكري للتعامل مع المنطقة وتبعاً لذلك تم بناء الاستراتيجية الأمريكية على أساس متغير جوهري هو الاعتماد على قوة التدخل السريع وبحيث تحيط بها مجموعة من الجيوش المحلية والقواعد المنتشرة ليصل مجموع القوات إلى ما يقارب المليون مقاتل. وبذلك أصبح الأمن هو بالأساس قضية عسكرية تستدعي المزيد من التنسيق والتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص ومع الدول الغربية بشكل عام، إضافة إلى حث دول الخليج على تخصيص جزء مهم من مواردها المالية للإنفاق على قضايا الدفاع.
ونجحت الولايات المتحدة الأمريكية في جر العراق إلى صراع جديد (بعد أن كان قد خاض صراعاً دموياً مع إيران على مدى ثماني سنوات) أطرافه كانت هذه المرة عربية (الكويت) فتهيأت لها ولحلفائها الفرصة للإجهاز على قوته العسكرية المتنامية عام 1991، ومن ثم تكبيله من خلال فرض عقوبات (اقتصادية –عسكرية) قاسية عليه بموجب رزمة من القرارات التي لا يمكن الفكاك من أحكامها المفروضة مما قاد إلى معاناة شعبه بشكل لم يشهد التاريخ الحديث مثيلاً له.
وبالمقابل وقعت الكويت ودول الخليج العربي الأخرى تحت طائلة اتفاقات أمنية تم عقدها مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين منحت بموجبها هذه الدول حق إقامة القواعد العسكرية على أراضيها ووجود قواتها الفعلي عليها استخدام أساطيلها لموانئها. ولا شك في أن تحقيق مثل هذه الصيغة للتعاون العسكري هو ما كان قد خططت له الإدارة الأمريكية أساساً من دون أن يعني أن ذلك سيكون متحققاً ومقبولاً بمثل هذه السرعة.
وأردفت الإدارة الأمريكية ذلك بإطلاق مجموعة من الاتهامات أكدت فيها امتلاك العراق أسلحة دمار شامل تشكل تهديداً لجيرانه وللولايات المتحدة الأمريكية فضلاً عن مساندته للإرهاب وصلاته بتنظيم القاعدة، حيث إن اتهامات بهذه الدرجة من الخطورة تعني أن هناك تصميماً على الإطاحة بالنظام في العراق واستبداله بنظام آخر يستجيب لتحقيق مضامين الاستراتيجية الأمريكية المرسومة للمنطقة.
وبالرغم من تجاوب العراق مع تلك المطالب التي سوقتها الولايات المتحدة بواسطة الأمم المتحدة (التعاون مع فرق التفتيش الدولية والإفصاح عن مخزونات أسلحته) إلا أن ذلك لم يحل دون تنفيذ المخطط الأمريكي، فتم غزو العراق من دون موافقة الأمم المتحدة، وأنجزت مهمة احتلاله بشكل كامل في التاسع من نيسان عام 2003.
ولاشك في أن شن الحرب على العراق بهذا الشكل غير المبرر، يعتبر سلوكاً مفروضاً من طرف واحد، واستفزازياً وخطيراً وغير قانوني، ولكن وبالرغم من ذلك فقد آلت هذه الحرب إلى نتائج مرغوب فيها لم يكن بالإمكان تحقيقها على الإطلاق وبهذه السرعة. لقد أسفر الاحتلال ليس عن إزالة الدولة الوطنية فقط وإنما عن انهيار ذلك العقد الاجتماعي الذي أقام عليه مجتمعها أيضاً. لكن المسألة لم تتوقف عند حدود انهيار ذلك العقد الاجتماعي وإزالة الدولة كناظم للعلاقات الداخلية وتحطيم أجهزتها الرقابية وأدوات سيطرتها وإنما تجاوزت ذلك إلى حدوث تخلخل بنيوي في أسس التعايش التاريخي بين الطوائف والمذاهب والاثنيات. وهذا يعني أن الاحتلال لم يكن عملية استيلاء على الأرض والثروات والمقدرات تقوم بها قوة غاشمة قادمة من الخارج فقط وإنما هو أيضا عملية متراكبة الأبعاد والأهداف أدت إلى اختلال بنيوي في التوازنات والتوافقات القائمة سابقاً في المجتمع.
ومع أن المحتلين أعلنوا أنهم جاؤوا محررين لا فاتحين إلا أن سلوكهم اللاحق أثبت عكس ذلك. وأول مظاهر هذا السلوك الذي يعكس تخطيطهم للبقاء في العراق هو شروعهم ببناء قواعد عسكرية دائمة توزعت جغرافياً على جهات العراق الأربع مواجهة منهم لدول الجوار إضافة إلى بسط سيطرتهم على وسط العراق أيضا ورفضهم قبول الإعلان عن جدول زمني للانسحاب مما يعني أن هناك ترتيبات أمنية محددة يعكسها الوجود العسكري الدائم الذي غرضه تحقيق مفردات المشروع المصمم لهذه المنطقة وهو مشروع الشرق الأوسط الكبير، وبحيث يصبح العراق بوابة هذا المشروع باتجاه الأعضاء المحتلين والمرغوب في انضمامهم إليه.
ولأن التصورات كانت مبنية على أساس احتمالية وقوف دول خليجية مثل إيران ضد هذا المشروع والتصدي لمعطياته السياسية/ العسكرية، كان من البديهي أن يتم العمل على جعل النظام العراقي الجديد يصطف إلى جانب قوى الاحتلال في مواجهتها لإيران باعتبارها “دولة منبوذة” وأحد الأركان الثلاثة لما عرف بـ “محور الشر” فيتم التصريح بأن الخطر الأكبر الذي يواجه العراق إنما يتمثل في هذه الدولة التي تعمل بشكل مباشر أو غير مباشر على إقامة نظام سياسي في العراق يماثل في هياكله وفلسفته السياسية وتوجيهاته الخارجية النظام الإيراني ولاشك في أن سلوكاً سياسياً كهذا كان سيتصاعد مع القول إن امتلاك إيران لقوة عسكرية متنامية لا تكافئها أية قوة أخرى في منطقة الخليج العربي وقرب امتلاكها لسلاح دمار (نووي) شامل من شأن كل ذلك أن يجعل من الجمهورية الإسلامية لاعباً رئيسياً مؤثراً في المنطقة وفي مجريات توجيهات دولها السياسية، مما يقود إلى زيادة مظاهر عدم الاستقرار فيها نظراً لتوجه هذه الدول نحو زيادة حجم مشتريات سلاحها، وبالتالي الدخول في سباق للتسلح أو، على الأقل، اعتمادها على قوة الولايات المتحدة العسكرية لمواجهة مثل هذا الوضع مما يعني تبرير استمرار الوجود العسكري الأمريكي في الخطر الداهم القادم إليها من الشرق.
وهذا يعني أن الدول الخليجية سوف تعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية في تأمين أمنها ليس بالاستناد إلى الاتفاقات الأمنية التي سبق لها أن عقدتها معها في عقد التسعينات من القرن الماضي فقط وإنما أيضا من خلال الترحيب أو الإفصاح عن عدم الممانعة من وجود القوات الأمريكية في العراق بشكل دائم مادام ذلك من شأنه ليس التصدي لمصالح إيران في العراق فقط وإنما تحجيم الخطر المتصور القادم بالتربص به سواء بمواجهته بشكل مباشر أو تحذير الزعامة الإيرانية بأن هناك مصيراً ينتظرها كالذي حدث في العراق، وأن من المصلحة التخلي عن خطط التسلح النووي والانفتاح على القوى السياسية الأخرى، مما يتيح الفرصة أمام إقامة نظام ديمقراطي تعددي حقيقي.
وإذا كانت إحدى النتائج المترتبة على احتلال العراق هي تكريس الوجود العسكري الدائم أو شبه الدائم فيه وفي بقية دول الخليج العربي الأخرى فإن من بين أبرز النتائج الأخرى هو التخطيط لربط هذه الأقطار مع دول الجوار وإسرائيل بروابط التحالف مما يؤدي إلى التأثير على هوية الأقطار الوطنية والقومية، وكذلك إحداث تغيير في فلسفة أنظمة الحكم فيها أيضا مما يقود، في النهاية، إلى انبثاق نظم ديمقراطية، علاقة الحاكم بالمحكوم فيها ليست مبنية على رابطة الطاعة والولاء المطلق وإنما هي مرتبطة بمفهوم المواطنة الذي سوف يرتب للشعوب، في هذه المنطقة، حقوقاً وواجبات تقود، في الأمد البعيد، إلى تغيير أساسي في بنية وتراكيب وهياكل النظم.
من هنا يمكن إدراك أبعاد الدعوة التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها قبل وأثناء وبعد الإغارة على العراق، بشأن ضرورة الإصلاح السياسي في هذه الدول الحليفة لها ودفع عملية بناء ما أسمته بالديمقراطية قي “العراق الجديد” حتى يصبح نموذجاً تحتذي به هذه الدول في تبني ونشر القيم والمفاهيم الديمقراطية في المنطقة. ومع أن هذه المطالب قد وجدت استجابات لها من دول الخليج العربي ودول عربية أخرى معينة فبدأت مظاهر تغييرات سياسية وثقافية محدودة تظهر في هذا القطر أو ذاك إلا أن الواقع يشير إلى أن الشعوب في هذه الأقطار لم تكن تنزع نحو القيام بمثل هذه التغييرات بقدر نزوعها نحو رفض جوهر مضمون السياسة المصممة أصلا لتجذير حالة تبعية المنطقة بأسرها إلى القطب السائد الأوحد على الساحة الدولية وهو الولايات المتحدة الأمريكية وجعله المستثمر الأكبر والمهيمن المطلق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً على مقدرات الشرق الأوسط بأوسع معانيه ودلالاته.
ويمكن الاعتراف بأن احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وحلفائهما يكمن في جعله نقطة البداية في تنفيذ التحرك الأمريكي الجديد إزاء الوطن العربي سواء لوزنه النفطي أو لمكانته الإقليمية أو لتوجهاته السياسية المناوئة للمخططات الأمريكية، وأن التصور الأصلي أن يكون احتلال العراق ثم تغييره وفق الخطوط الأمريكية رأس رمح في تغيير المنطقة برمتها، وهو المعنى الذي ظهر بوضوح في خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش في فبراير-2003 حين قال: إن عراقاً محرراً يمكنه أن يظهر الدور الذي تستطيع الحرية أن تلعبه في تغيير هذا الإقليم بأهميته الاستراتيجية الكبيرة. لكن الأحداث التي أعقبت الاحتلال أظهرت استعصاء العراق على محتليه: فمن جانب بدأت المقاومة العسكرية للاحتلال في توقيت أسرع من المعتاد وفقاً لدلالات الخبرة الماضية في حركات التحرر الوطني المعاصرة واستطاعت أن تسبب إرباكاً للمحتل. ومن جانب آخر تكشف للأمريكيين حقيقة أن الوضع الاجتماعي والسياسي في العراق بالغ التعقيد الأمر الذي جعل خططهم المعدة للإعمار ترتبك وحملهم على تغيير سياستهم القائمة على أساس إصلاح العراق ليكون نموذجاً للآخرين واستبدالها بسياسة جديدة جوهرها المطالبة بالإصلاح الكلي، لعل نجاح ذلك يقود إلى تطبيقها في العراق. من هنا وجدنا الولايات المتحدة تطرح مشروعها الخاص بمستقبل، ما أسمته بالشرق الأوسط الكبير.
غير أن الوقائع أظهرت لاحقاً، أن المشروع الأمريكي المعد للعراق ودول المنطقة يشتمل على تناقضات داخلية ولا يجيب، بشكل صحيح، عن تلك الأسئلة التي تثيرها إشكاليات الديمقراطية والتنمية في هذه المنطقة. فإذا ما أضيف إلى ذلك تلك المقاومة والمعارضة اللتين أظهرتهما القوى السياسية في عموم منطقة الشرق الأوسط لهذا المشروع الأمريكي المرسوم لها، فإن التوقع بفشله سيكون وارداً مادامت المشاريع التي سبق للإدارة الأمريكية أن طرحتها على نظم المنطقة العربية باءت بالفشل ولم يقدر لها أن ترى النور.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2410::/cck::
::introtext::
أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على احتلال العراق تحت حجج وذرائع سياسية تبين، لاحقاً، أن لا أساس لها من الصحة، وتلخصت تلك الحجج في ادعاءات، مجملها امتلاكه لأسلحة دمار شامل يهدد بها السلم والأمن والدوليين، وأنه يشكل خطراً على أمن المنطقة واستقرارها وبالأخص الدول الصديقة للولايات المتحدة فضلاً عن قيامه بحملة إبادة جماعية على قسم من شعبه في الشمال والجنوب.
::/introtext::
::fulltext::
أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على احتلال العراق تحت حجج وذرائع سياسية تبين، لاحقاً، أن لا أساس لها من الصحة، وتلخصت تلك الحجج في ادعاءات، مجملها امتلاكه لأسلحة دمار شامل يهدد بها السلم والأمن والدوليين، وأنه يشكل خطراً على أمن المنطقة واستقرارها وبالأخص الدول الصديقة للولايات المتحدة فضلاً عن قيامه بحملة إبادة جماعية على قسم من شعبه في الشمال والجنوب.
وبعد استكمال الاستعدادات العسكرية التي تمثلت في حشد حوالي نصف مليون جندي على الحدود المتاخمة لجنوب العراق (وبالقرب منها) وتجميع الأساطيل في المياه الإقليمية العربية والمياه الدولية القريبة من العراق والمنطقة العربية، تم تحديد ساعة الصفر في ليلة 19/مارس/2003 وبدء العمليات العسكرية التي انتهت بالإطاحة بالنظام الحاكم، ليعقب ذلك بداية لمرحلة جديدة من تاريخ العراق المعاصر، ربما تشابه في تداعياتها، جزئياً، تلك التي أحاطت به خلال الفترة 1914-1917 والتي انتهت بدخول القوات البريطانية المحتلة إلى بغداد في 11/آذار/1917 حيث أعلن قائد الحملة العسكرية، الجنرال معرد، أن بريطانيا جاءت محررة للعراق لا فاتحة له، وهو الخطاب نفسه الذي حملته الإدارة الأمريكية على سطح بوارجها وفوق أبراج دباباتها ومصفحاتها المدرعة، حيث أذاعت أنها أتت لتحرر العراق من نظام ظالم مضطهد لشعبه، مهدد لجيرانه ولمسيرة السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.
هكذا يبدو، ظاهرياً، أن مسألة ضمان الأمن، بأشكاله الداخلية والإقليمية والدولية، كانت أحد مسوغات اندفاع الولايات المتحدة نحو العراق إن لم يكن هو المسوغ الأساس، ولكي تكمل، بعد احتلاله، مضامين مشروعها المعد للمنطقة الذي عرف باسم الشرق الأوسط الكبير، والذي من بين أبرز أهدافه ضمان أمن إسرائيل، وإدماجها في المنطقة خصوصاً أن تطبيع العلاقات بينها وبين جيرانها، العرب كان قد أصبح في متناول اليد بعد تلك الاتفاقات السياسية، التي عقدتها مع عدد من جيرانها المهمين (مصر والأردن) واستعداد أغلبية المتبقين للسير في ذلك المسار نفسه.
وهنا لابد من التذكير بتلك الطروحات الأمريكية التي صيغت، وقدمت إلى هذه المنطقة لاحتوائها ضمن أبعاد استراتيجيتها الخليجية التي تشمل العراق من دون شك. فتم طرح مشاريع عسكرية – أمنية، تجعل من دول المشرق العربي، بما فيها إسرائيل، ودول شرق أوسطية أخرى بمثابة حزام أمني يطوق الاتحاد السوفييتي من الجنوب، ليحول دون اندفاعه أو تسلله إلى المياه الدافئة: الخليجية والمتوسطية، واتخذت هذه المشاريع مسميات عديدة: كالقيادة الحليفة للشرق الأوسط ومنظمة الدفاع عن الشرق الأوسط ومشروع الحزام الشمالي.
غير أن معارضة بريطانيا لهذا التحرك الأمريكي، ورفض عدد من الدول العربية له جعلا الوضع يتحول باتجاه صيغة بديلة تضمن استمرار النفوذ البريطاني في المنطقة، وتحافظ على استمرار وجودها فيها، فكان حلف بغداد الذي استبعد من عضويته إسرائيل، واكتفى، مبدئياً، بتجميع العراق وإيران وتركيا وباكستان وبريطانيا (إضافة إلى الولايات المتحدة بصفة مراقب) في كتلة سياسية – عسكرية هدفها الأساس، ضمان أمن إسرائيل ومواجهة التهديد السوفييتي. وكان المخطط له أن تنضم مصر إلى الحلف لاحقاً حتى تضطر سوريا إلى الالتحاق بركبه أيضاً.
لكن مصر، مؤيدة سوريا، لم تستجب لرغبات الغرب وخططه مما حال دون توسيع عضوية حلف بغداد، وبالتالي انفراط عقده بعد قيام ثورة 14/تموز /1958 التي كان من نتائجها القيام بإنزال عسكري أمريكي في لبنان وآخر بريطاني في الأردن حماية لنظام هاتين الدولتين من أن يؤول مصيرهما إلى نفس ما آل إليه مصير النظام الحاكم في العراق. وخلال السنوات القليلة اللاحقة لم تتردد بريطانيا بإعادة الكرة ثانية، فقامت بإنزال قوتها العسكرية في الكويت عام 1961 إثر التهديدات التي أطلقها رئيس وزراء العراق عبدالكريم قاسم بضم الكويت إلى العراق بالقوة.
غير أن استعراض القوة هذا ما لبث أن تلاشى تحت ضغط المتغيرات الاقتصادية والسياسية مما اضطر بريطانيا إلى الإعلان عن نيتها الانسحاب من شرق السويس عام 1968، ومن منطقة الخليج العربي في موعد لا يتعدى عام 1970، مما جعل موضوع أمن الخليج يقفز مجدداً ليحتل مكان الصدارة. فمن هي القوة المرشحة لملء الفراغ في هذه المنطقة البالغة الأهمية للعالم أجمع؟ هل هي القوى الإقليمية الرئيسية فيها (إيران، السعودية، والعراق) أم أن هناك قوى أخرى يمكنها بالتعاون مع إمارات الخليج العربية أن تنهض بمثل هذه المهمة ؟
وآثرت الولايات المتحدة الأمريكية التريث ومراقبة ما سيؤول إليه الوضع في الخليج، وفيما إذا كانت القوى الإقليمية الرئيسية فيه ستتناغم، في سياساتها مع بقية الدول الخليجية الأخرى فتتفق على أبعاد سياسة (مقبولة) من الجميع تضمن لها مصالحها الوطنية والقومية ولا تتقاطع أو تهدد مصالح الدول الكبرى في المنطقة.
غير أن الواقع أفصح عن وجود طموحات لدى القوى الخليجية الرئيسية تجاه دول الخليج الأخرى، وتجسد ذلك في تلك الخطوط العريضة التي تم طرحها باعتبارها جوهر مضامين سياسات ومشروعات مستقبلية للمنطقة. فمن إقامة منظمة دفاعية خليجية تضم بالإضافة إلى دول الخليج كلاً من باكستان وتركيا وحتى الهند إلى إقامة تحالف عسكري يقتصر على دول المنطقة حسب، إلى التأكيد على عروبة الخليج وجعل مسؤولية الأمن فيه تقع على عاتق دوله.
هذا التعدد في الرؤى الأمنية جعل الإدارة الأمريكية تتحرك لتفصح عن رؤيتها الأمنية التي تضن لها مصالحها الحيوية في الخليج وتؤمن الاستقرار فيه من خلال ضبط إيقاع السياسات المرسومة له، فكانت سياسة التوازن بين قوى المنطقة التي ترجمها مبدأ (نيكون) القائل بضرورة الإسهام في إقامة أنظمة دفاعية لدول معينة في المنطقة لها القدرة والإدارة على حماية مصالح دول الخليج ومصالح الغرب والولايات المتحدة، وبالمقابل تتعهد هذه الاخيرة بتوفير مظلة نووية لحماية هذه الدول الحليفة من احتمالات الاعتداء الخارجي عليها أو تهديد بقائها، وعرفت هذه السياسة باسم مبدأ نيكون، أو سياسة (العمودين)، مادامت تعتمد بالأساس على التعاون التام بين إيران والمملكة العربية السعودية.
وخلال السنوات اللاحقة طورت الإدارات الأمريكية أبعاد سياستها هذه ودفعتها خطوات أبعد تمثلت في وضع خطط تستوعب بموجبها منطقة الخليج والتدخل في شؤونها أحكاماً للسيطرة على مواردها النفطية، وأدواتها في ذلك عديدة ربما كان أبرزها مبدأ التحالف الذي تسترت خلفه الإدارة العسكرية الأمريكية للوجود في المنطقة والذي أخذ أشكالاً عديدة منها التسهيلات العسكرية والقواعد والمناورات المشتركة ومجلس التعاون، ورسمت لنفسها خططاً تقضي باحتلالها تحت أي ذريعة خارجية كانت أو داخلية تراها مناسبة. وهكذا يظهر أن المتغير العسكري هو الذي سيطر على التعامل مع منطقة الخليج العربي، بحيث أصبح هذا الإدراك يحيل أي مشكلة سياسية إلى مجرد عنصر من عناصر البعد العسكري للتعامل مع المنطقة وتبعاً لذلك تم بناء الاستراتيجية الأمريكية على أساس متغير جوهري هو الاعتماد على قوة التدخل السريع وبحيث تحيط بها مجموعة من الجيوش المحلية والقواعد المنتشرة ليصل مجموع القوات إلى ما يقارب المليون مقاتل. وبذلك أصبح الأمن هو بالأساس قضية عسكرية تستدعي المزيد من التنسيق والتحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص ومع الدول الغربية بشكل عام، إضافة إلى حث دول الخليج على تخصيص جزء مهم من مواردها المالية للإنفاق على قضايا الدفاع.
ونجحت الولايات المتحدة الأمريكية في جر العراق إلى صراع جديد (بعد أن كان قد خاض صراعاً دموياً مع إيران على مدى ثماني سنوات) أطرافه كانت هذه المرة عربية (الكويت) فتهيأت لها ولحلفائها الفرصة للإجهاز على قوته العسكرية المتنامية عام 1991، ومن ثم تكبيله من خلال فرض عقوبات (اقتصادية –عسكرية) قاسية عليه بموجب رزمة من القرارات التي لا يمكن الفكاك من أحكامها المفروضة مما قاد إلى معاناة شعبه بشكل لم يشهد التاريخ الحديث مثيلاً له.
وبالمقابل وقعت الكويت ودول الخليج العربي الأخرى تحت طائلة اتفاقات أمنية تم عقدها مع الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين منحت بموجبها هذه الدول حق إقامة القواعد العسكرية على أراضيها ووجود قواتها الفعلي عليها استخدام أساطيلها لموانئها. ولا شك في أن تحقيق مثل هذه الصيغة للتعاون العسكري هو ما كان قد خططت له الإدارة الأمريكية أساساً من دون أن يعني أن ذلك سيكون متحققاً ومقبولاً بمثل هذه السرعة.
وأردفت الإدارة الأمريكية ذلك بإطلاق مجموعة من الاتهامات أكدت فيها امتلاك العراق أسلحة دمار شامل تشكل تهديداً لجيرانه وللولايات المتحدة الأمريكية فضلاً عن مساندته للإرهاب وصلاته بتنظيم القاعدة، حيث إن اتهامات بهذه الدرجة من الخطورة تعني أن هناك تصميماً على الإطاحة بالنظام في العراق واستبداله بنظام آخر يستجيب لتحقيق مضامين الاستراتيجية الأمريكية المرسومة للمنطقة.
وبالرغم من تجاوب العراق مع تلك المطالب التي سوقتها الولايات المتحدة بواسطة الأمم المتحدة (التعاون مع فرق التفتيش الدولية والإفصاح عن مخزونات أسلحته) إلا أن ذلك لم يحل دون تنفيذ المخطط الأمريكي، فتم غزو العراق من دون موافقة الأمم المتحدة، وأنجزت مهمة احتلاله بشكل كامل في التاسع من نيسان عام 2003.
ولاشك في أن شن الحرب على العراق بهذا الشكل غير المبرر، يعتبر سلوكاً مفروضاً من طرف واحد، واستفزازياً وخطيراً وغير قانوني، ولكن وبالرغم من ذلك فقد آلت هذه الحرب إلى نتائج مرغوب فيها لم يكن بالإمكان تحقيقها على الإطلاق وبهذه السرعة. لقد أسفر الاحتلال ليس عن إزالة الدولة الوطنية فقط وإنما عن انهيار ذلك العقد الاجتماعي الذي أقام عليه مجتمعها أيضاً. لكن المسألة لم تتوقف عند حدود انهيار ذلك العقد الاجتماعي وإزالة الدولة كناظم للعلاقات الداخلية وتحطيم أجهزتها الرقابية وأدوات سيطرتها وإنما تجاوزت ذلك إلى حدوث تخلخل بنيوي في أسس التعايش التاريخي بين الطوائف والمذاهب والاثنيات. وهذا يعني أن الاحتلال لم يكن عملية استيلاء على الأرض والثروات والمقدرات تقوم بها قوة غاشمة قادمة من الخارج فقط وإنما هو أيضا عملية متراكبة الأبعاد والأهداف أدت إلى اختلال بنيوي في التوازنات والتوافقات القائمة سابقاً في المجتمع.
ومع أن المحتلين أعلنوا أنهم جاؤوا محررين لا فاتحين إلا أن سلوكهم اللاحق أثبت عكس ذلك. وأول مظاهر هذا السلوك الذي يعكس تخطيطهم للبقاء في العراق هو شروعهم ببناء قواعد عسكرية دائمة توزعت جغرافياً على جهات العراق الأربع مواجهة منهم لدول الجوار إضافة إلى بسط سيطرتهم على وسط العراق أيضا ورفضهم قبول الإعلان عن جدول زمني للانسحاب مما يعني أن هناك ترتيبات أمنية محددة يعكسها الوجود العسكري الدائم الذي غرضه تحقيق مفردات المشروع المصمم لهذه المنطقة وهو مشروع الشرق الأوسط الكبير، وبحيث يصبح العراق بوابة هذا المشروع باتجاه الأعضاء المحتلين والمرغوب في انضمامهم إليه.
ولأن التصورات كانت مبنية على أساس احتمالية وقوف دول خليجية مثل إيران ضد هذا المشروع والتصدي لمعطياته السياسية/ العسكرية، كان من البديهي أن يتم العمل على جعل النظام العراقي الجديد يصطف إلى جانب قوى الاحتلال في مواجهتها لإيران باعتبارها “دولة منبوذة” وأحد الأركان الثلاثة لما عرف بـ “محور الشر” فيتم التصريح بأن الخطر الأكبر الذي يواجه العراق إنما يتمثل في هذه الدولة التي تعمل بشكل مباشر أو غير مباشر على إقامة نظام سياسي في العراق يماثل في هياكله وفلسفته السياسية وتوجيهاته الخارجية النظام الإيراني ولاشك في أن سلوكاً سياسياً كهذا كان سيتصاعد مع القول إن امتلاك إيران لقوة عسكرية متنامية لا تكافئها أية قوة أخرى في منطقة الخليج العربي وقرب امتلاكها لسلاح دمار (نووي) شامل من شأن كل ذلك أن يجعل من الجمهورية الإسلامية لاعباً رئيسياً مؤثراً في المنطقة وفي مجريات توجيهات دولها السياسية، مما يقود إلى زيادة مظاهر عدم الاستقرار فيها نظراً لتوجه هذه الدول نحو زيادة حجم مشتريات سلاحها، وبالتالي الدخول في سباق للتسلح أو، على الأقل، اعتمادها على قوة الولايات المتحدة العسكرية لمواجهة مثل هذا الوضع مما يعني تبرير استمرار الوجود العسكري الأمريكي في الخطر الداهم القادم إليها من الشرق.
وهذا يعني أن الدول الخليجية سوف تعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية في تأمين أمنها ليس بالاستناد إلى الاتفاقات الأمنية التي سبق لها أن عقدتها معها في عقد التسعينات من القرن الماضي فقط وإنما أيضا من خلال الترحيب أو الإفصاح عن عدم الممانعة من وجود القوات الأمريكية في العراق بشكل دائم مادام ذلك من شأنه ليس التصدي لمصالح إيران في العراق فقط وإنما تحجيم الخطر المتصور القادم بالتربص به سواء بمواجهته بشكل مباشر أو تحذير الزعامة الإيرانية بأن هناك مصيراً ينتظرها كالذي حدث في العراق، وأن من المصلحة التخلي عن خطط التسلح النووي والانفتاح على القوى السياسية الأخرى، مما يتيح الفرصة أمام إقامة نظام ديمقراطي تعددي حقيقي.
وإذا كانت إحدى النتائج المترتبة على احتلال العراق هي تكريس الوجود العسكري الدائم أو شبه الدائم فيه وفي بقية دول الخليج العربي الأخرى فإن من بين أبرز النتائج الأخرى هو التخطيط لربط هذه الأقطار مع دول الجوار وإسرائيل بروابط التحالف مما يؤدي إلى التأثير على هوية الأقطار الوطنية والقومية، وكذلك إحداث تغيير في فلسفة أنظمة الحكم فيها أيضا مما يقود، في النهاية، إلى انبثاق نظم ديمقراطية، علاقة الحاكم بالمحكوم فيها ليست مبنية على رابطة الطاعة والولاء المطلق وإنما هي مرتبطة بمفهوم المواطنة الذي سوف يرتب للشعوب، في هذه المنطقة، حقوقاً وواجبات تقود، في الأمد البعيد، إلى تغيير أساسي في بنية وتراكيب وهياكل النظم.
من هنا يمكن إدراك أبعاد الدعوة التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها قبل وأثناء وبعد الإغارة على العراق، بشأن ضرورة الإصلاح السياسي في هذه الدول الحليفة لها ودفع عملية بناء ما أسمته بالديمقراطية قي “العراق الجديد” حتى يصبح نموذجاً تحتذي به هذه الدول في تبني ونشر القيم والمفاهيم الديمقراطية في المنطقة. ومع أن هذه المطالب قد وجدت استجابات لها من دول الخليج العربي ودول عربية أخرى معينة فبدأت مظاهر تغييرات سياسية وثقافية محدودة تظهر في هذا القطر أو ذاك إلا أن الواقع يشير إلى أن الشعوب في هذه الأقطار لم تكن تنزع نحو القيام بمثل هذه التغييرات بقدر نزوعها نحو رفض جوهر مضمون السياسة المصممة أصلا لتجذير حالة تبعية المنطقة بأسرها إلى القطب السائد الأوحد على الساحة الدولية وهو الولايات المتحدة الأمريكية وجعله المستثمر الأكبر والمهيمن المطلق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً على مقدرات الشرق الأوسط بأوسع معانيه ودلالاته.
ويمكن الاعتراف بأن احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وحلفائهما يكمن في جعله نقطة البداية في تنفيذ التحرك الأمريكي الجديد إزاء الوطن العربي سواء لوزنه النفطي أو لمكانته الإقليمية أو لتوجهاته السياسية المناوئة للمخططات الأمريكية، وأن التصور الأصلي أن يكون احتلال العراق ثم تغييره وفق الخطوط الأمريكية رأس رمح في تغيير المنطقة برمتها، وهو المعنى الذي ظهر بوضوح في خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش في فبراير-2003 حين قال: إن عراقاً محرراً يمكنه أن يظهر الدور الذي تستطيع الحرية أن تلعبه في تغيير هذا الإقليم بأهميته الاستراتيجية الكبيرة. لكن الأحداث التي أعقبت الاحتلال أظهرت استعصاء العراق على محتليه: فمن جانب بدأت المقاومة العسكرية للاحتلال في توقيت أسرع من المعتاد وفقاً لدلالات الخبرة الماضية في حركات التحرر الوطني المعاصرة واستطاعت أن تسبب إرباكاً للمحتل. ومن جانب آخر تكشف للأمريكيين حقيقة أن الوضع الاجتماعي والسياسي في العراق بالغ التعقيد الأمر الذي جعل خططهم المعدة للإعمار ترتبك وحملهم على تغيير سياستهم القائمة على أساس إصلاح العراق ليكون نموذجاً للآخرين واستبدالها بسياسة جديدة جوهرها المطالبة بالإصلاح الكلي، لعل نجاح ذلك يقود إلى تطبيقها في العراق. من هنا وجدنا الولايات المتحدة تطرح مشروعها الخاص بمستقبل، ما أسمته بالشرق الأوسط الكبير.
غير أن الوقائع أظهرت لاحقاً، أن المشروع الأمريكي المعد للعراق ودول المنطقة يشتمل على تناقضات داخلية ولا يجيب، بشكل صحيح، عن تلك الأسئلة التي تثيرها إشكاليات الديمقراطية والتنمية في هذه المنطقة. فإذا ما أضيف إلى ذلك تلك المقاومة والمعارضة اللتين أظهرتهما القوى السياسية في عموم منطقة الشرق الأوسط لهذا المشروع الأمريكي المرسوم لها، فإن التوقع بفشله سيكون وارداً مادامت المشاريع التي سبق للإدارة الأمريكية أن طرحتها على نظم المنطقة العربية باءت بالفشل ولم يقدر لها أن ترى النور.
::/fulltext::
::cck::2410::/cck::
