العراق في التداعيات الجيو- سياسية: سوريا والعراق نموذج

::cck::2356::/cck::
::introtext::

التداعيات الجيوسياسية التي انعكست بسبب الحرب على العراق وتمركز ساحة عمليات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، لها تأثيرات تذهب إلى أعمق مما يمكن رصده خلال المرحلة الحالية، وخاصة في العلاقات السورية ـ العراقية. فالأمريكيون في احتلالهم للعراق باتوا جزءاً من الجغرافيا السياسية (أصبحوا جيراناً لست دول) دون أن يكون هذا الجوار أكثر من إخلال بالجغرافيا الاستراتيجية (الأرض والموارد والمصالح الجغرافية والبشرية والتاريخ). ذلك أن الأرض ليست أرضهم والموارد ليست مواردهم، وكل ما هنالك أنهم يريدون أن يكونوا جزءاً من الجغرافيا الاستراتيجية للتدخل في شؤون الدول الحالية ورسم سياساتها ووسائلها عبر ما يسمى “الشرق الأوسط الجديد”.

::/introtext::
::fulltext::

التداعيات الجيوسياسية التي انعكست بسبب الحرب على العراق وتمركز ساحة عمليات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، لها تأثيرات تذهب إلى أعمق مما يمكن رصده خلال المرحلة الحالية، وخاصة في العلاقات السورية ـ العراقية. فالأمريكيون في احتلالهم للعراق باتوا جزءاً من الجغرافيا السياسية (أصبحوا جيراناً لست دول) دون أن يكون هذا الجوار أكثر من إخلال بالجغرافيا الاستراتيجية (الأرض والموارد والمصالح الجغرافية والبشرية والتاريخ). ذلك أن الأرض ليست أرضهم والموارد ليست مواردهم، وكل ما هنالك أنهم يريدون أن يكونوا جزءاً من الجغرافيا الاستراتيجية للتدخل في شؤون الدول الحالية ورسم سياساتها ووسائلها عبر ما يسمى “الشرق الأوسط الجديد”.

عندما أتى الأمريكيون إلى المنطقة أحدثوا اختلالاً في المعادلة الجيواستراتيجية، أرادوا أن يحلوا ثقلهم ككبار في المنطقة وإلغاء كل (الكبار) الإقليميين، وكانت النتيجة أنهم يمارسون جيوسياسة في صيغة جيواستراتيجيا. صحيح أن العالم قد تغير، إلا أن إلغاء الوزن الإقليمي لدولة كسوريا، إن في العراق أو في لبنان أو في القضية الفلسطينية، ووضعها في سياق غير سياسي يرى أن على سوريا أن تنفذ ثم بعد ذلك يُنظر في أمرها بشأن مسارها السلمي، لا يفسح المجال أمام ركون وتجانس في تعامل سوريا مع المسألة العراقية التي تبدي دمشق بخصوصها نوساناً بين الاحتراز والبطء في التجاوب احترازيا من ناحية، والشعور بأنها أمام مطالب تعجيزية من ناحية أخرى.

العراق كمدخل للتغيير في المنطقة:

يطرح الأمريكيون ما حدث في العراق باعتباره مدخلا للتغيير في المنطقة على أن يكون التغيير دراماتيكيا على الطريقة العراقية ويكون الدور اللاحق على سوريا، حيث يعتقد البعض أن سوريا ستتخوف من النموذج (الديمقراطي العراقي!) لأنه سيهز ما يدعونه الشمولية السورية، وهذا بحد ذاته يضع المنطقة أمام مأزق مزدوج: الأول مأزق التغيير بالقوة والثاني مأزق الديمقراطية في بلدان عربية لم تتح لها الفرصة التاريخية لتراكم ينتج مفهوم المصلحة أو ينتج مفهوم المواطنة. وعليه فإذا كان العراق هو المدخل للتغيير السياسي الضاغط في سوريا، فإن لدمشق التي اختارت النموذج التدرجي في التغيير، القلق من الخلط المستمر للأوراق السياسية، الذي يضع الاستقرار، الذي هو الحالة الأكثر قداسة في اللغة السياسية السورية، أمام استحقاقات يشكل العراق أحد أخطر هواجسها. فالهوى (العراقي!) كان أحد الدوافع الكامنة والضمنية وغير المباشرة وربما المباشرة أحياناً، وراء التحرك المنافي لمنطق الشعور بالانتماء إلى دولة جامعة، الذي عرفته سوريا في مطلع عام 2004، لبعض المتمردين من السوريين الأكراد وبعض الأكراد الوافدين، والذي هدد، ولو بصورة جزئية، الاستقرار، وكان عملياً رجع الصدى لما حدث في العراق، ولنشوء شعور كرسته تجربة التغيير من الخارج في العراق، فضلا عن تكرار الأمريكيين، بالاستناد إلى ما يرونهم نجاحاً! لتجربتهم في العراق، لتصريحات تحدثت عن أن رياح التغيير الديمقراطي تهب على المنطقة من العراق، وسيتردد صداها بين طهران ودمشق كما ردد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن غير مرة.

وعلى التوازي فإن دمشق تدرك أن على نظامها السياسي أن يتغير، وهي قد وضعت خطة للتغيير (لا برنامج زمنياً لها على اعتبار أن هذا خاضع لتجاوب الشارع والمؤسسات السورية لها، دون أن يعني هذا تهرباً من التغيير) لكنها أيضاً تصر على أن التغييرات الديمقراطية يجب أن تتساوق مع حلٍّ لمشكلة أرضها المحتلة، على ألا يكون التغيير، كما محاولة إلغاء دورها الإقليمي، مدخلاً لإضعافها، وإدخال سوريا في فوضى الانتقالية من نظام سياسي إلى آخر أو الإتيان بحكومة سوريا تقر سلام الأمر الواقع، وهو تخوف قد يبدو لدى البعض تآمرياًـ بوليسياً، وقد يعزوه البعض الآخر (بوليسياً وتآمرياً أيضاً) إلى شماعة لتأجيل أو منع التغيير الديمقراطي، إلاّ أنه يبقى بالنسبة للسوريين مشروعاً، وقرينتهم في هذا أن الرئيس السوري بشار الأسد قد أطلق الحريات العامة وحرية الكلام والتجمع والنقد، وأعلن عبر إحدى مقابلاته مع إحدى الصحف الأجنبية أن سوريا قد تغيرت وأنه قد يأتي الوقت الذي قد لا يكون فيه رئيساً لسوريا لاعتبارات انتخابية وأن كل هذا منوط بالشعب الذي يقرر متى تنتهي هذه المهمة ـ التكليف، وأن في هذا ما يمثل أكثر من إشارات، بل هي وقائع حسن النوايا والتغيير.

الوضع بالنسبة لسوريا:

التحول السياسي في العراق لا يشكل بالنسبة للسوريين، كما يتوهم البعض، موضع قلق من انهيار النظام السياسي أو تبدله القسري بالعدوى، لأن معاملات التغيير في سوريا محسوبة بطريقة مختلفة، فهي مرتبطة بدورها الحتمي في المسألة العراقية المفتوحة على أوضاع عديدة:

1-إن الوضع الأمني سيبقى قلقاً على المدى المنظور، في المعادلة العراقية إن لم يبقَ متفجراً. وبين القلق والتفجر مساحة يحددها خروج قوات الاحتلال أو بقائها.

2-إن استمرار تدهور الوضع الأمني في العراق سيعني بالنسبة للسوريين خطاً أحمر لأنهم معنيون في هذه الحالة بالحفاظ على الاستقرار في العراق، فالمعادلة الأكثر قلقاً بالنسبة لسوريا تتمثل في أن انتصار الاحتلال سيكون مصيبة لأنه سيكون فرصة لاستباحة أمريكية للسيادات في المنطقة بأسرها وسوريا على رأسها، أما انتصار التيار المتشدد وتحوله إلى هوية للمقاومة فسيكون كارثة على السوريين، (حيث ثمة تمييز بين الإرهاب المتشدد الإسلامي في العراق الذي بلا هوية ولا مآل سياسياً وبين المقاومة للاحتلال التي لم تتبلور في قالب سياسي وهذا بحد ذاته مشكلة حقيقية لمثل هذه المقاومة التي لا تستطيع سوريا ولا تملك إن تؤيدها على اعتبار أنها ليست متعينة وغير محددة الهدف والبرنامج السياسي، وتبدو أقرب إلى مقاومة وطنية للاحتلال لكنها في وجه آخر محاولة لاستعادة الحكم السابق وهو ما لا تراه سوريا خياراً إيجابيا، لأن سوريا كانت المتضرر الأول من هذا النظام ولا عقلانيته). وبين المصيبة والكارثة، يبدو أن السوريين يحاولون اللعب على مسألة الوقت من أجل انتظار أن تتمخض المتحولات عن صورة أوضح عن التمايز بين القوى السياسية التي شرعنتها الانتخابات، وأصبحت جزءاً من الواقع السياسي الظاهر، وبين القوى التي ستتأتى عن المقاومة وعن الكتلة السنية في العراق.

3-تعلم سوريا أن دروس الجغرافيا الاستراتيجية التي تحدثنا عنها سابقاً تقول أن انهيار أي دولة أو إعادة بنائها لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يكون داخلياً محضاً (فهذا مطلب سيادي يكاد أن يكون مفهوما ليس له ما صدق بلغة الفلاسفة، أو مجرد مطلب حلمي أو مأمول لن تسعفه الوقائع بالتحقق) فضلا عن أن السيادة المطلقة ليست أكثر من عنوان نظري عريض لا يتحقق في عالم السياسة الذي يتحدد بالاعتماد المتبادل والمصالح المتشابكة.

4-إن الديمقراطية في العراق كما هي أحوال الديمقراطيات في دول لم تنجز الدولة ـ الأمة تفسح المجال أمام تباينات في التمثيل السياسي على أسس طائفية وعشائرية وإثنية ودينية، مما سيعني أن الانتماء العمودي (سابق الذكر الذي ليس كنموذج المجتمع المدني الأفقي: النقابات والأحزاب والجمعيات) سيحكم الوضع في السياسة العراقية بتحالفات العراقيين مع جوارهم ومع الدول الخارجية، أي أن الساحة السياسية العراقية ستكون حبلى بالمصالح الإقليمية والدولية، على أن تتأسس الدولة ـ الأمة في العراق المبنية على الأحزاب والنقابات والمصالح، وهذا ما يجعل سوريا في المستقبل أمام واقعين: الأول أن نفوذها الإقليمي سيزداد في المعادلة السياسية العراقية. والثاني أن تضخيم الصراعات والأدوار الدولية والإقليمية في العراق سيجعل الأخير بوابة متاعب لسوريا، بدليل أن جزءاً من مشكلات سوريا قد نبعت على خلفية الادعاءات بتدخل سوري في الشؤون العراقية بما يخالف النفوذ الأمريكي وما تراه الأخيرة للعراق.

5-ثبت من خلال الأحداث أن “المسألة العراقية” يراد استخدامها “فزّاعة” لسوريا أو هراوة عند اللزوم. فسوريا تعاونت بصورة لا سابق لها في ضبط الحدود السورية ـ العراقية، وسلمت “السبعاوي” ومن معه إلى العراقيين، وطالبت بتوقيع الاتفاقية الأمنية مع الحكومة العراقية المؤقتة، بل ذهبت إلى حدّ الطلب من الأمريكيين تسيير دوريات مشتركة وتزويدها بأجهزة إنذار مبكر حدودية دون أن تسمع رداً، وهو ما يذكر بأجواء شبيهة تعرض لها العراق قبل الغزو الأمريكي، مما يوحي لسوريا بأن الهراوة العراقية لا تزال مشهرة عليها لاستخدام “المسألة العراقية” كذريعة من أجل إدراج سوريا في المشروع الأمريكي لشرق أوسط جديد، لا تعتقد دمشق فيه أن حقوقها في الأرض يمكن أن يتم تحصيلها، بل سيفرض عليها سلام (الأمر الواقع)، الذي يشبه إلى حدّ كبير صلح فيرساي المهين والمذل لألمانيا والذي أدى ـ عملياً ـ إلى الحرب العالمية الثانية.

“المسألة العراقية” تربط بالمطالب الأمريكية ضمن رزمة، الملاحظ أن ليس فيها أي إشارة إلى عملية السلام على المسار السوري ـ الإسرائيلي، وهذا ما يبعث على القلق السوري فعلياً. والرزمة تتلخص في أربعة مطالب:

1-التعاون لضمان أمن واستقرار الحدود العراقية والداخل العراقي.
2-فك الارتباط بين سوريا والمنظمات الفلسطينية المقيمة لديها وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي.
3-تفكيك المنظمات الفلسطينية في لبنان ونزع سلاحها بالتوافق مع انسحاب سوري من لبنان.
4-نزع سلاح وتفكيك حزب الله.

هذه الرزمة الرباعية مرتبطة بوثاقة واضحة، فكلما ازداد الضغط داخل إسرائيل شهرت الهراوة العراقية، حيث يحتفظ الأمريكيون بورقة (عدم التعاون) من جهتهم ومنع الحكومة العراقية من توقيع اتفاقية أمنية مع سوريا وعدم التعاون الحدودي وإبقاء الاتهامات بدور سوريا في الأحداث الدامية في العراق من دون معلومات دقيقة، كي يتم التعتيم الكامل على الدور السوري الحقيقي واستخدام ذلك لإحكام (الأنشوطة) حول السوريين كلما تعطل بند من البنود الأربعة سابقة الذكر. وهذا ما يبعث على القلق السوري أيضاً لأن الدائرة تكتمل ممتدة من العراق إلى إسرائيل إلى لبنان فيما يبقى القطاع الدائري الأردني في وضعية استعداد، ويبقى القطاع الدائري الأخير ممثلاً بتركيا هو آخر المنافذ السورية الذي ليس من الضرورة فعلاً تحريكه لأن ما سبق كافٍ لرجّ سوريا بشدة.

تعتقد سوريا أن الورقة العراقية بيد الأمريكيين تهز استقرارها، لأنها تبقى على الرغم من التعاون الذي تبديه دمشق، مثل اتهامات أسلحة الدمار الشامل العراقية، كاذبة وتشكل فرصة لاستكمال آلية الضغط التي تهدف إلى تغيير النظام (الذي يعني تغيير سياسته أو نسفه) وهذا هو منطق المحافظين الجدد. وعلى هذا ستبقى الورقة العراقية، مادامت القوات الأمريكية هناك وعدم الاستقرار قائماً، مادة ضغط متواصل على سوريا. فإذا كان الهدف هو تغيير سياسة النظام السوري، فإن هذا يستحيل إذا كان المطلوب هو فرض سلام الأمر الواقع عليه الذي لا يُعيد الجولان كاملا، خصوصاً أن المعلومات المتوافرة لدى سوريا تقول إن الأمريكيين نصحوا شارون بعدم الاستجابة للدعوة التي قدمها الرئيس السوري لاستئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة، أي بهدف استمرار الضغط على دمشق، التي باتت في حيرة إزاء مُعاملات الضغط التي تبدو كأنها تعجيزية ولا هدف منها إلا وضع السوريين في بؤرة الهدف وفي إطار تدريجي بهدف تهيئة الرأي العام العالمي لما هو آتٍ. وبات واضحاً أن الضغط الذي مورس منذ استصدار القرار 1559 وصولا إلى اغتيال الحريري، كان يهدف إلى إخراج سوريا من لبنان وإضعاف دورها الإقليمي تمهيداً لتطويعها في الشأن العراقي كهراوة ظاهرة، وفي الشأن الفلسطيني وبخصوص عملية السلام على مسارها التفاوضي كهراوة باطنة، أو بهدف إزالة النظام في سياق آلية لعبة المحافظين الجدد الذين لا يريدون إلا تطبيق مقولة (الديمقراطية) الخلاصية أيديولوجياً باعتبارها السبب الذي تنبع منه مشكلات الإرهاب الذي أصبح عُصاباً سياسياً في الولايات المتحدة الأمريكية.

::/fulltext::

S1-e6e
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2356::/cck::
::introtext::

التداعيات الجيوسياسية التي انعكست بسبب الحرب على العراق وتمركز ساحة عمليات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، لها تأثيرات تذهب إلى أعمق مما يمكن رصده خلال المرحلة الحالية، وخاصة في العلاقات السورية ـ العراقية. فالأمريكيون في احتلالهم للعراق باتوا جزءاً من الجغرافيا السياسية (أصبحوا جيراناً لست دول) دون أن يكون هذا الجوار أكثر من إخلال بالجغرافيا الاستراتيجية (الأرض والموارد والمصالح الجغرافية والبشرية والتاريخ). ذلك أن الأرض ليست أرضهم والموارد ليست مواردهم، وكل ما هنالك أنهم يريدون أن يكونوا جزءاً من الجغرافيا الاستراتيجية للتدخل في شؤون الدول الحالية ورسم سياساتها ووسائلها عبر ما يسمى “الشرق الأوسط الجديد”.

::/introtext::
::fulltext::

التداعيات الجيوسياسية التي انعكست بسبب الحرب على العراق وتمركز ساحة عمليات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، لها تأثيرات تذهب إلى أعمق مما يمكن رصده خلال المرحلة الحالية، وخاصة في العلاقات السورية ـ العراقية. فالأمريكيون في احتلالهم للعراق باتوا جزءاً من الجغرافيا السياسية (أصبحوا جيراناً لست دول) دون أن يكون هذا الجوار أكثر من إخلال بالجغرافيا الاستراتيجية (الأرض والموارد والمصالح الجغرافية والبشرية والتاريخ). ذلك أن الأرض ليست أرضهم والموارد ليست مواردهم، وكل ما هنالك أنهم يريدون أن يكونوا جزءاً من الجغرافيا الاستراتيجية للتدخل في شؤون الدول الحالية ورسم سياساتها ووسائلها عبر ما يسمى “الشرق الأوسط الجديد”.

عندما أتى الأمريكيون إلى المنطقة أحدثوا اختلالاً في المعادلة الجيواستراتيجية، أرادوا أن يحلوا ثقلهم ككبار في المنطقة وإلغاء كل (الكبار) الإقليميين، وكانت النتيجة أنهم يمارسون جيوسياسة في صيغة جيواستراتيجيا. صحيح أن العالم قد تغير، إلا أن إلغاء الوزن الإقليمي لدولة كسوريا، إن في العراق أو في لبنان أو في القضية الفلسطينية، ووضعها في سياق غير سياسي يرى أن على سوريا أن تنفذ ثم بعد ذلك يُنظر في أمرها بشأن مسارها السلمي، لا يفسح المجال أمام ركون وتجانس في تعامل سوريا مع المسألة العراقية التي تبدي دمشق بخصوصها نوساناً بين الاحتراز والبطء في التجاوب احترازيا من ناحية، والشعور بأنها أمام مطالب تعجيزية من ناحية أخرى.

العراق كمدخل للتغيير في المنطقة:

يطرح الأمريكيون ما حدث في العراق باعتباره مدخلا للتغيير في المنطقة على أن يكون التغيير دراماتيكيا على الطريقة العراقية ويكون الدور اللاحق على سوريا، حيث يعتقد البعض أن سوريا ستتخوف من النموذج (الديمقراطي العراقي!) لأنه سيهز ما يدعونه الشمولية السورية، وهذا بحد ذاته يضع المنطقة أمام مأزق مزدوج: الأول مأزق التغيير بالقوة والثاني مأزق الديمقراطية في بلدان عربية لم تتح لها الفرصة التاريخية لتراكم ينتج مفهوم المصلحة أو ينتج مفهوم المواطنة. وعليه فإذا كان العراق هو المدخل للتغيير السياسي الضاغط في سوريا، فإن لدمشق التي اختارت النموذج التدرجي في التغيير، القلق من الخلط المستمر للأوراق السياسية، الذي يضع الاستقرار، الذي هو الحالة الأكثر قداسة في اللغة السياسية السورية، أمام استحقاقات يشكل العراق أحد أخطر هواجسها. فالهوى (العراقي!) كان أحد الدوافع الكامنة والضمنية وغير المباشرة وربما المباشرة أحياناً، وراء التحرك المنافي لمنطق الشعور بالانتماء إلى دولة جامعة، الذي عرفته سوريا في مطلع عام 2004، لبعض المتمردين من السوريين الأكراد وبعض الأكراد الوافدين، والذي هدد، ولو بصورة جزئية، الاستقرار، وكان عملياً رجع الصدى لما حدث في العراق، ولنشوء شعور كرسته تجربة التغيير من الخارج في العراق، فضلا عن تكرار الأمريكيين، بالاستناد إلى ما يرونهم نجاحاً! لتجربتهم في العراق، لتصريحات تحدثت عن أن رياح التغيير الديمقراطي تهب على المنطقة من العراق، وسيتردد صداها بين طهران ودمشق كما ردد الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن غير مرة.

وعلى التوازي فإن دمشق تدرك أن على نظامها السياسي أن يتغير، وهي قد وضعت خطة للتغيير (لا برنامج زمنياً لها على اعتبار أن هذا خاضع لتجاوب الشارع والمؤسسات السورية لها، دون أن يعني هذا تهرباً من التغيير) لكنها أيضاً تصر على أن التغييرات الديمقراطية يجب أن تتساوق مع حلٍّ لمشكلة أرضها المحتلة، على ألا يكون التغيير، كما محاولة إلغاء دورها الإقليمي، مدخلاً لإضعافها، وإدخال سوريا في فوضى الانتقالية من نظام سياسي إلى آخر أو الإتيان بحكومة سوريا تقر سلام الأمر الواقع، وهو تخوف قد يبدو لدى البعض تآمرياًـ بوليسياً، وقد يعزوه البعض الآخر (بوليسياً وتآمرياً أيضاً) إلى شماعة لتأجيل أو منع التغيير الديمقراطي، إلاّ أنه يبقى بالنسبة للسوريين مشروعاً، وقرينتهم في هذا أن الرئيس السوري بشار الأسد قد أطلق الحريات العامة وحرية الكلام والتجمع والنقد، وأعلن عبر إحدى مقابلاته مع إحدى الصحف الأجنبية أن سوريا قد تغيرت وأنه قد يأتي الوقت الذي قد لا يكون فيه رئيساً لسوريا لاعتبارات انتخابية وأن كل هذا منوط بالشعب الذي يقرر متى تنتهي هذه المهمة ـ التكليف، وأن في هذا ما يمثل أكثر من إشارات، بل هي وقائع حسن النوايا والتغيير.

الوضع بالنسبة لسوريا:

التحول السياسي في العراق لا يشكل بالنسبة للسوريين، كما يتوهم البعض، موضع قلق من انهيار النظام السياسي أو تبدله القسري بالعدوى، لأن معاملات التغيير في سوريا محسوبة بطريقة مختلفة، فهي مرتبطة بدورها الحتمي في المسألة العراقية المفتوحة على أوضاع عديدة:

1-إن الوضع الأمني سيبقى قلقاً على المدى المنظور، في المعادلة العراقية إن لم يبقَ متفجراً. وبين القلق والتفجر مساحة يحددها خروج قوات الاحتلال أو بقائها.

2-إن استمرار تدهور الوضع الأمني في العراق سيعني بالنسبة للسوريين خطاً أحمر لأنهم معنيون في هذه الحالة بالحفاظ على الاستقرار في العراق، فالمعادلة الأكثر قلقاً بالنسبة لسوريا تتمثل في أن انتصار الاحتلال سيكون مصيبة لأنه سيكون فرصة لاستباحة أمريكية للسيادات في المنطقة بأسرها وسوريا على رأسها، أما انتصار التيار المتشدد وتحوله إلى هوية للمقاومة فسيكون كارثة على السوريين، (حيث ثمة تمييز بين الإرهاب المتشدد الإسلامي في العراق الذي بلا هوية ولا مآل سياسياً وبين المقاومة للاحتلال التي لم تتبلور في قالب سياسي وهذا بحد ذاته مشكلة حقيقية لمثل هذه المقاومة التي لا تستطيع سوريا ولا تملك إن تؤيدها على اعتبار أنها ليست متعينة وغير محددة الهدف والبرنامج السياسي، وتبدو أقرب إلى مقاومة وطنية للاحتلال لكنها في وجه آخر محاولة لاستعادة الحكم السابق وهو ما لا تراه سوريا خياراً إيجابيا، لأن سوريا كانت المتضرر الأول من هذا النظام ولا عقلانيته). وبين المصيبة والكارثة، يبدو أن السوريين يحاولون اللعب على مسألة الوقت من أجل انتظار أن تتمخض المتحولات عن صورة أوضح عن التمايز بين القوى السياسية التي شرعنتها الانتخابات، وأصبحت جزءاً من الواقع السياسي الظاهر، وبين القوى التي ستتأتى عن المقاومة وعن الكتلة السنية في العراق.

3-تعلم سوريا أن دروس الجغرافيا الاستراتيجية التي تحدثنا عنها سابقاً تقول أن انهيار أي دولة أو إعادة بنائها لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يكون داخلياً محضاً (فهذا مطلب سيادي يكاد أن يكون مفهوما ليس له ما صدق بلغة الفلاسفة، أو مجرد مطلب حلمي أو مأمول لن تسعفه الوقائع بالتحقق) فضلا عن أن السيادة المطلقة ليست أكثر من عنوان نظري عريض لا يتحقق في عالم السياسة الذي يتحدد بالاعتماد المتبادل والمصالح المتشابكة.

4-إن الديمقراطية في العراق كما هي أحوال الديمقراطيات في دول لم تنجز الدولة ـ الأمة تفسح المجال أمام تباينات في التمثيل السياسي على أسس طائفية وعشائرية وإثنية ودينية، مما سيعني أن الانتماء العمودي (سابق الذكر الذي ليس كنموذج المجتمع المدني الأفقي: النقابات والأحزاب والجمعيات) سيحكم الوضع في السياسة العراقية بتحالفات العراقيين مع جوارهم ومع الدول الخارجية، أي أن الساحة السياسية العراقية ستكون حبلى بالمصالح الإقليمية والدولية، على أن تتأسس الدولة ـ الأمة في العراق المبنية على الأحزاب والنقابات والمصالح، وهذا ما يجعل سوريا في المستقبل أمام واقعين: الأول أن نفوذها الإقليمي سيزداد في المعادلة السياسية العراقية. والثاني أن تضخيم الصراعات والأدوار الدولية والإقليمية في العراق سيجعل الأخير بوابة متاعب لسوريا، بدليل أن جزءاً من مشكلات سوريا قد نبعت على خلفية الادعاءات بتدخل سوري في الشؤون العراقية بما يخالف النفوذ الأمريكي وما تراه الأخيرة للعراق.

5-ثبت من خلال الأحداث أن “المسألة العراقية” يراد استخدامها “فزّاعة” لسوريا أو هراوة عند اللزوم. فسوريا تعاونت بصورة لا سابق لها في ضبط الحدود السورية ـ العراقية، وسلمت “السبعاوي” ومن معه إلى العراقيين، وطالبت بتوقيع الاتفاقية الأمنية مع الحكومة العراقية المؤقتة، بل ذهبت إلى حدّ الطلب من الأمريكيين تسيير دوريات مشتركة وتزويدها بأجهزة إنذار مبكر حدودية دون أن تسمع رداً، وهو ما يذكر بأجواء شبيهة تعرض لها العراق قبل الغزو الأمريكي، مما يوحي لسوريا بأن الهراوة العراقية لا تزال مشهرة عليها لاستخدام “المسألة العراقية” كذريعة من أجل إدراج سوريا في المشروع الأمريكي لشرق أوسط جديد، لا تعتقد دمشق فيه أن حقوقها في الأرض يمكن أن يتم تحصيلها، بل سيفرض عليها سلام (الأمر الواقع)، الذي يشبه إلى حدّ كبير صلح فيرساي المهين والمذل لألمانيا والذي أدى ـ عملياً ـ إلى الحرب العالمية الثانية.

“المسألة العراقية” تربط بالمطالب الأمريكية ضمن رزمة، الملاحظ أن ليس فيها أي إشارة إلى عملية السلام على المسار السوري ـ الإسرائيلي، وهذا ما يبعث على القلق السوري فعلياً. والرزمة تتلخص في أربعة مطالب:

1-التعاون لضمان أمن واستقرار الحدود العراقية والداخل العراقي.
2-فك الارتباط بين سوريا والمنظمات الفلسطينية المقيمة لديها وعلى رأسها حماس والجهاد الإسلامي.
3-تفكيك المنظمات الفلسطينية في لبنان ونزع سلاحها بالتوافق مع انسحاب سوري من لبنان.
4-نزع سلاح وتفكيك حزب الله.

هذه الرزمة الرباعية مرتبطة بوثاقة واضحة، فكلما ازداد الضغط داخل إسرائيل شهرت الهراوة العراقية، حيث يحتفظ الأمريكيون بورقة (عدم التعاون) من جهتهم ومنع الحكومة العراقية من توقيع اتفاقية أمنية مع سوريا وعدم التعاون الحدودي وإبقاء الاتهامات بدور سوريا في الأحداث الدامية في العراق من دون معلومات دقيقة، كي يتم التعتيم الكامل على الدور السوري الحقيقي واستخدام ذلك لإحكام (الأنشوطة) حول السوريين كلما تعطل بند من البنود الأربعة سابقة الذكر. وهذا ما يبعث على القلق السوري أيضاً لأن الدائرة تكتمل ممتدة من العراق إلى إسرائيل إلى لبنان فيما يبقى القطاع الدائري الأردني في وضعية استعداد، ويبقى القطاع الدائري الأخير ممثلاً بتركيا هو آخر المنافذ السورية الذي ليس من الضرورة فعلاً تحريكه لأن ما سبق كافٍ لرجّ سوريا بشدة.

تعتقد سوريا أن الورقة العراقية بيد الأمريكيين تهز استقرارها، لأنها تبقى على الرغم من التعاون الذي تبديه دمشق، مثل اتهامات أسلحة الدمار الشامل العراقية، كاذبة وتشكل فرصة لاستكمال آلية الضغط التي تهدف إلى تغيير النظام (الذي يعني تغيير سياسته أو نسفه) وهذا هو منطق المحافظين الجدد. وعلى هذا ستبقى الورقة العراقية، مادامت القوات الأمريكية هناك وعدم الاستقرار قائماً، مادة ضغط متواصل على سوريا. فإذا كان الهدف هو تغيير سياسة النظام السوري، فإن هذا يستحيل إذا كان المطلوب هو فرض سلام الأمر الواقع عليه الذي لا يُعيد الجولان كاملا، خصوصاً أن المعلومات المتوافرة لدى سوريا تقول إن الأمريكيين نصحوا شارون بعدم الاستجابة للدعوة التي قدمها الرئيس السوري لاستئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة، أي بهدف استمرار الضغط على دمشق، التي باتت في حيرة إزاء مُعاملات الضغط التي تبدو كأنها تعجيزية ولا هدف منها إلا وضع السوريين في بؤرة الهدف وفي إطار تدريجي بهدف تهيئة الرأي العام العالمي لما هو آتٍ. وبات واضحاً أن الضغط الذي مورس منذ استصدار القرار 1559 وصولا إلى اغتيال الحريري، كان يهدف إلى إخراج سوريا من لبنان وإضعاف دورها الإقليمي تمهيداً لتطويعها في الشأن العراقي كهراوة ظاهرة، وفي الشأن الفلسطيني وبخصوص عملية السلام على مسارها التفاوضي كهراوة باطنة، أو بهدف إزالة النظام في سياق آلية لعبة المحافظين الجدد الذين لا يريدون إلا تطبيق مقولة (الديمقراطية) الخلاصية أيديولوجياً باعتبارها السبب الذي تنبع منه مشكلات الإرهاب الذي أصبح عُصاباً سياسياً في الولايات المتحدة الأمريكية.

::/fulltext::
::cck::2356::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *