انعكاسات الحالة العراقية على مستقبل الدولة في المنطقة العربية
::cck::2437::/cck::
::introtext::
منذ ما يزيد على ربع قرن والتحولات الكبرى في العالم العربي مرتبطة بدائرة مركزها بغداد ومحيطها يتسع ويضيق ليشمل العديد من الأطراف العربية والإقليمية، فصيرورة الثورة الإيرانية والثروة الخليجية ارتبطت -إلى حد كبير- بالحالة العراقية. بحيث يمكن القول – دون مبالغة- إن طبيعة جمهورية إيران الإسلامية وعلاقاتها الإقليمية والدولية كانت ستصبح مختلفة إذا لم يدخل النظام العراقي في حالة حرب معها، كذلك فإن الثروة النفطية في دول الخليج كانت ستقود تلك المجتمعات إلى وضعيات مختلفة لو لم يدخل العراق الكويت، ولو لم يتم استنفاد هذه الثروة مرة في دعم العراق ومرة أخرى في هدمه. وتأسيساً على ذلك فإن الحالة العراقية ليست حالة داخلية تتعلق بالوضع العراقي، الوطني بل إنها في جوهرها تجل للحالة العربية من ناحية وعامل قوي التأثير في الوضع العربي من ناحية أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
منذ ما يزيد على ربع قرن والتحولات الكبرى في العالم العربي مرتبطة بدائرة مركزها بغداد ومحيطها يتسع ويضيق ليشمل العديد من الأطراف العربية والإقليمية، فصيرورة الثورة الإيرانية والثروة الخليجية ارتبطت -إلى حد كبير- بالحالة العراقية. بحيث يمكن القول – دون مبالغة- إن طبيعة جمهورية إيران الإسلامية وعلاقاتها الإقليمية والدولية كانت ستصبح مختلفة إذا لم يدخل النظام العراقي في حالة حرب معها، كذلك فإن الثروة النفطية في دول الخليج كانت ستقود تلك المجتمعات إلى وضعيات مختلفة لو لم يدخل العراق الكويت، ولو لم يتم استنفاد هذه الثروة مرة في دعم العراق ومرة أخرى في هدمه. وتأسيساً على ذلك فإن الحالة العراقية ليست حالة داخلية تتعلق بالوضع العراقي، الوطني بل إنها في جوهرها تجل للحالة العربية من ناحية وعامل قوي التأثير في الوضع العربي من ناحية أخرى.
ومن ثم فإن مقاربة انعكاسات الحالة العراقية على مستقبل الدولة في الوطن العربي تستلزم الاستشراف المعمق لآثار ونتائج الظواهر الجنينية التي تشكلت في مدارات الحالة العراقية، وبدأت تحدث آثارها ونتائجها في مختلف الدول العربية، ويمكن تلخيص تلك الانعكاسات في ما يلي:
أولاً: تآكل مفهوم السيادة
مثلث حرب تحرير الكويت وما ترتب عليها من فرض لمناطق الحظر الجوي شمال العراق وجنوبه بداية لحدوث حالة من التآكل في مفهوم السيادة، ذلك المفهوم الذي اعتبر أساساً في العلاقات الدولية وقاعدة لاستقلال الدولة وضمانا لسلطتها على إقليمها الجغرافي، سلطة لا ينازعها فيها أحد، فقد كانت الحالة العراقية منذ ذلك التاريخ حقلاً لاختبار مدى امكانية سريان سيادة دولة أو مجموعة من الدول – ممثلة في الولايات المتحدة وما استطاعت بناءه من تحالفات- على دولة أخرى خارج إطار الأمم المتحدة ومؤسسات الشرعية الدولية الأخرى. فقد استطاعت الولايات المتحدة وبريطانيا تقييد سيادة الدولة العراقية على إقليمها بإرادة منفردة.
وانطلاقا من الحالة العراقية تم تعميم هذا النموذج على دول مثل الصومال، ويوغسلافيا في حالة كوسوفو واندونيسيا في حالة تيمور الشرقية، ويجري الآن تعميمها على مختلف الدول العربية وإن كان في مجالات أقل ظهورا وأعمق تأثيرا مثل الاقتصاد والتعليم وغيرهما.
ثانياً: تفكك مفهوم الدولة لصالح كيانات مجتمعية أصغر وأضعف
في حين تشهد دول الشمال تجاوز مفهوم الدولة لصالح كيانات سياسية أكبر من الدولة فإن الحالة العراقية تنذر ببداية النهاية لمفهوم الدولة العربية كما صاغتها اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث برزت الجماعات العرقية كما في حالة الأكراد، والمذهبية الدينية كما في حالة الشيعة كبديل عن الدولة يهدد وجودها كرابطة سياسية تنظم المجتمع وتستحوذ على الانتماء والولاء وتمثل إطاراً للحركة السياسية، إذ إن الدولة العربية ليست دولة قومية كما في النموذج الأوروبي، أي ليست دولة تعبر عن جماعة قومية معينة ذات تمايز عما يحيط بها من جماعات، بل على العكس فإن الدول العربية هي إما خليط من قوميات وأعراق ومذاهب، أو أنها جزء من قومية أكبر وجماعة أوسع. ولذلك فإن مستقبل الدولة العربية قد يواجه تحديات عديدة إذا ما استطاعت الجماعات العرقية والدينية العراقية بناء نظام سياسي على أساس طائفي أو عرقي.
ثالثاً: تصاعد الولاءات الأولية على حساب الولاءات السياسية
أبرزت الحالة العراقية أن الولاءات الأولية عرقية أو مذهبية أو دينية أكثر قوة وتأثيراً من الولاءات السياسية ممثلة في الولاء للدولة ككيان سياسي جامع يمثل رابطة أعلى تنظم جميع المنتمين إليها وتستحوذ على ولائهم وانتمائهم. فعلى الرغم من إقرار جميع العراقيين أن الدولة في حالة احتلال، فإن الاستقلال لم يكن مطلباً مشتركاً لهم، بل على العكس كان هناك من رأى في حالة الاحتلال فرصة للثأر من شركاء الوطن أو لتحقيق مكاسب على حسابهم. وبالنظر إلى المجتمعات العربية الأخرى نجد أن تلك الولاءات الأولية، عرقية، أو قبلية أو مذهبية لا تزال فاعلة ومؤثرة بصورة قد تكرر نموذج العراق في دول عربية أخرى.
رابعاً: ضعف الدولة وقوة القبيلة
لقد كان من المنطقي أن يؤدي ضعف الولاء السياسي للدولة وقوة الولاءات الأولية للعرق أو المذهب الديني إلى اشتعال حرب أهلية في العراق، خصوصاً مع توافر العوامل المساعدة المتمثلة في حالة من المظلومية التاريخية لبعض الأطراف، وتاريخ القمع السياسي والأمني، بل وانتهاك الحقوق الأولية للإنسان في بعض تكوينات الشعب العربي، ووجود القوى الدولية التي دفعت لذلك على مستوى الخطاب الإعلامي والسياسي، على الرغم من كل ذلك إلا أن الحرب الأهلية لم تكن الخيار الأقرب للتحقق وذلك يعود فقط إلى قوة البنية القبلية التي مثلت قاسماً مشتركاَ بين الشيعة والسنة وهما الطرفان اللذان تمت المراهنة على اشتعال حرب أهلية بينهما. ولعل هذه الوضعية تبين أن القبيلة قد استطاعت أن تحقق ما فشلت الدولة الحديثة في تحقيقه، كما أنها استطاعت الاستمرار وبنفس القوة، بل ازدادت قوتها في ظل دولة قمعية يهيمن عليها حزب واحد، وتدار بطريقة بوليسية، وهذه الحال تدفع إلى إعادة النظر في دور القبيلة وكيفية توظيفه سياسياً بما يخدم تماسك الدولة وتطورها.
خامساً: المصدر الخارجي للشرعية والمصدر الخارجي للتغيير
خلال الربع الأخير من القرن العشرين، اعتمدت الدولة العربية في شرعيتها على مصادر خارجية بعد أن فشلت في تأمين المصدر الداخلي والطبيعي لشرعية الوجود والاستمرار نظراً لفشلها في تحقيق أهداف المجتمع في التنمية والديمقراطية والمشاركة وتأمين حياة كريمة للمواطن، فقد لجأت الدولة العربية إلى الاعتماد على مصادر خارجية للشرعية من خلال تأمين مصالح القوى الدولية المؤثرة ومن خلال السعي الدائم لإرضاء تلك القوى ولو على حساب المصالح القومية العليا لمجتمعاتها. ومع استمرار هذا الوضع لفترات زمنية ليست بالقصيرة برزت نخب سياسية بديلة استعارت الاستراتيجية نفسها ولكن لتحقيق التغيير السياسي، فقد لجأت تلك النخب إلى أطراف خارجية للتخلص من نظم الحكم التي تعارضها، وأثبت هذا النموذج نجاحاً ولو مؤقتاً في الحالة العراقية، لذلك فإنه من المتوقع أن تلجأ نخب عربية أخرى إلى الوسيلة نفسها، لعل نموذج غرب السودان والحالة اللبنانية بعد اغتيال رفيق الحريري أفضل مثال على هذا التوجه الذي يسعى لاستدعاء القوى الدولية من أجل تحقيق تغيير سياسي داخلي. أي أن يسعى محررو الوطن إلى إفقاد الوطن حريته واستقلاله من أجل تحريره من الاستبداد السياسي، وكأنما كتب على المجتمعات العربية أن تختار ما بين الاستبداد أو الاستعباد.
سادساً: تصاعد دور الكهنوت السياسي
قد لا يكون من قبيل المبالغة القول إن الوضع الذي آل إليه العراق كان نتيجة لصراع بين السيستاني وصدام كرمزين سياسيين مختلفين، وقد حسم الصراع لمصلحة السيستاني ولو على حساب ضياع وطن وتهديد مستقبل منطقة بأكملها، ولعل مراجعة الدور الذي يلعبه السيستاني سواء في تأمين استمرار وشرعية التكوينات الشيعية التي أفرزها الاحتلال أو في تحقيق الانتقال المقبول من صيغة حكومية إلى أخرى، أو في دوره في عملية الانتخابات…إلخ. كل ذلك يؤكد على حقيقة أن المرجعية الدينية لعبت دوراً سياسياً غير مسبوق في تاريخ العراق مما يفتح الباب إلى أدوار مشابهة وإن كانت ليست بنفس الوزن أو الدرجة لقيادات دينية أخرى سواء مسلمة أو مسيحية في دول عربية مختلفة.
وختاماً يمكن القول إن ما حدث في العراق ستكون له تداعيات عديدة سلبية على مستقبل الدولة العربية، لعل أبرزها هو أن هذه الدولة ستمر بسلسلة من التحولات تقود إلى ضعفها وتآكلها سواءً في مواجهة القوى الدولية أو الكيانات الأولية الداخلية عرقية أو مذهبية، لذلك فإن المراهنة على الدولة ككيان يحمي المجتمع ويحقق مثالياته وأهدافه، قد لا تكون مراهنة صائبة، بل الأحرى تركيز الفعاليات الأساسية على تقوية المجتمع ومؤسساته ومحاولة إيجاد مجتمع مدني قادر على إعادة تشكيل الدولة وضبطها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2437::/cck::
::introtext::
منذ ما يزيد على ربع قرن والتحولات الكبرى في العالم العربي مرتبطة بدائرة مركزها بغداد ومحيطها يتسع ويضيق ليشمل العديد من الأطراف العربية والإقليمية، فصيرورة الثورة الإيرانية والثروة الخليجية ارتبطت -إلى حد كبير- بالحالة العراقية. بحيث يمكن القول – دون مبالغة- إن طبيعة جمهورية إيران الإسلامية وعلاقاتها الإقليمية والدولية كانت ستصبح مختلفة إذا لم يدخل النظام العراقي في حالة حرب معها، كذلك فإن الثروة النفطية في دول الخليج كانت ستقود تلك المجتمعات إلى وضعيات مختلفة لو لم يدخل العراق الكويت، ولو لم يتم استنفاد هذه الثروة مرة في دعم العراق ومرة أخرى في هدمه. وتأسيساً على ذلك فإن الحالة العراقية ليست حالة داخلية تتعلق بالوضع العراقي، الوطني بل إنها في جوهرها تجل للحالة العربية من ناحية وعامل قوي التأثير في الوضع العربي من ناحية أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
منذ ما يزيد على ربع قرن والتحولات الكبرى في العالم العربي مرتبطة بدائرة مركزها بغداد ومحيطها يتسع ويضيق ليشمل العديد من الأطراف العربية والإقليمية، فصيرورة الثورة الإيرانية والثروة الخليجية ارتبطت -إلى حد كبير- بالحالة العراقية. بحيث يمكن القول – دون مبالغة- إن طبيعة جمهورية إيران الإسلامية وعلاقاتها الإقليمية والدولية كانت ستصبح مختلفة إذا لم يدخل النظام العراقي في حالة حرب معها، كذلك فإن الثروة النفطية في دول الخليج كانت ستقود تلك المجتمعات إلى وضعيات مختلفة لو لم يدخل العراق الكويت، ولو لم يتم استنفاد هذه الثروة مرة في دعم العراق ومرة أخرى في هدمه. وتأسيساً على ذلك فإن الحالة العراقية ليست حالة داخلية تتعلق بالوضع العراقي، الوطني بل إنها في جوهرها تجل للحالة العربية من ناحية وعامل قوي التأثير في الوضع العربي من ناحية أخرى.
ومن ثم فإن مقاربة انعكاسات الحالة العراقية على مستقبل الدولة في الوطن العربي تستلزم الاستشراف المعمق لآثار ونتائج الظواهر الجنينية التي تشكلت في مدارات الحالة العراقية، وبدأت تحدث آثارها ونتائجها في مختلف الدول العربية، ويمكن تلخيص تلك الانعكاسات في ما يلي:
أولاً: تآكل مفهوم السيادة
مثلث حرب تحرير الكويت وما ترتب عليها من فرض لمناطق الحظر الجوي شمال العراق وجنوبه بداية لحدوث حالة من التآكل في مفهوم السيادة، ذلك المفهوم الذي اعتبر أساساً في العلاقات الدولية وقاعدة لاستقلال الدولة وضمانا لسلطتها على إقليمها الجغرافي، سلطة لا ينازعها فيها أحد، فقد كانت الحالة العراقية منذ ذلك التاريخ حقلاً لاختبار مدى امكانية سريان سيادة دولة أو مجموعة من الدول – ممثلة في الولايات المتحدة وما استطاعت بناءه من تحالفات- على دولة أخرى خارج إطار الأمم المتحدة ومؤسسات الشرعية الدولية الأخرى. فقد استطاعت الولايات المتحدة وبريطانيا تقييد سيادة الدولة العراقية على إقليمها بإرادة منفردة.
وانطلاقا من الحالة العراقية تم تعميم هذا النموذج على دول مثل الصومال، ويوغسلافيا في حالة كوسوفو واندونيسيا في حالة تيمور الشرقية، ويجري الآن تعميمها على مختلف الدول العربية وإن كان في مجالات أقل ظهورا وأعمق تأثيرا مثل الاقتصاد والتعليم وغيرهما.
ثانياً: تفكك مفهوم الدولة لصالح كيانات مجتمعية أصغر وأضعف
في حين تشهد دول الشمال تجاوز مفهوم الدولة لصالح كيانات سياسية أكبر من الدولة فإن الحالة العراقية تنذر ببداية النهاية لمفهوم الدولة العربية كما صاغتها اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى، حيث برزت الجماعات العرقية كما في حالة الأكراد، والمذهبية الدينية كما في حالة الشيعة كبديل عن الدولة يهدد وجودها كرابطة سياسية تنظم المجتمع وتستحوذ على الانتماء والولاء وتمثل إطاراً للحركة السياسية، إذ إن الدولة العربية ليست دولة قومية كما في النموذج الأوروبي، أي ليست دولة تعبر عن جماعة قومية معينة ذات تمايز عما يحيط بها من جماعات، بل على العكس فإن الدول العربية هي إما خليط من قوميات وأعراق ومذاهب، أو أنها جزء من قومية أكبر وجماعة أوسع. ولذلك فإن مستقبل الدولة العربية قد يواجه تحديات عديدة إذا ما استطاعت الجماعات العرقية والدينية العراقية بناء نظام سياسي على أساس طائفي أو عرقي.
ثالثاً: تصاعد الولاءات الأولية على حساب الولاءات السياسية
أبرزت الحالة العراقية أن الولاءات الأولية عرقية أو مذهبية أو دينية أكثر قوة وتأثيراً من الولاءات السياسية ممثلة في الولاء للدولة ككيان سياسي جامع يمثل رابطة أعلى تنظم جميع المنتمين إليها وتستحوذ على ولائهم وانتمائهم. فعلى الرغم من إقرار جميع العراقيين أن الدولة في حالة احتلال، فإن الاستقلال لم يكن مطلباً مشتركاً لهم، بل على العكس كان هناك من رأى في حالة الاحتلال فرصة للثأر من شركاء الوطن أو لتحقيق مكاسب على حسابهم. وبالنظر إلى المجتمعات العربية الأخرى نجد أن تلك الولاءات الأولية، عرقية، أو قبلية أو مذهبية لا تزال فاعلة ومؤثرة بصورة قد تكرر نموذج العراق في دول عربية أخرى.
رابعاً: ضعف الدولة وقوة القبيلة
لقد كان من المنطقي أن يؤدي ضعف الولاء السياسي للدولة وقوة الولاءات الأولية للعرق أو المذهب الديني إلى اشتعال حرب أهلية في العراق، خصوصاً مع توافر العوامل المساعدة المتمثلة في حالة من المظلومية التاريخية لبعض الأطراف، وتاريخ القمع السياسي والأمني، بل وانتهاك الحقوق الأولية للإنسان في بعض تكوينات الشعب العربي، ووجود القوى الدولية التي دفعت لذلك على مستوى الخطاب الإعلامي والسياسي، على الرغم من كل ذلك إلا أن الحرب الأهلية لم تكن الخيار الأقرب للتحقق وذلك يعود فقط إلى قوة البنية القبلية التي مثلت قاسماً مشتركاَ بين الشيعة والسنة وهما الطرفان اللذان تمت المراهنة على اشتعال حرب أهلية بينهما. ولعل هذه الوضعية تبين أن القبيلة قد استطاعت أن تحقق ما فشلت الدولة الحديثة في تحقيقه، كما أنها استطاعت الاستمرار وبنفس القوة، بل ازدادت قوتها في ظل دولة قمعية يهيمن عليها حزب واحد، وتدار بطريقة بوليسية، وهذه الحال تدفع إلى إعادة النظر في دور القبيلة وكيفية توظيفه سياسياً بما يخدم تماسك الدولة وتطورها.
خامساً: المصدر الخارجي للشرعية والمصدر الخارجي للتغيير
خلال الربع الأخير من القرن العشرين، اعتمدت الدولة العربية في شرعيتها على مصادر خارجية بعد أن فشلت في تأمين المصدر الداخلي والطبيعي لشرعية الوجود والاستمرار نظراً لفشلها في تحقيق أهداف المجتمع في التنمية والديمقراطية والمشاركة وتأمين حياة كريمة للمواطن، فقد لجأت الدولة العربية إلى الاعتماد على مصادر خارجية للشرعية من خلال تأمين مصالح القوى الدولية المؤثرة ومن خلال السعي الدائم لإرضاء تلك القوى ولو على حساب المصالح القومية العليا لمجتمعاتها. ومع استمرار هذا الوضع لفترات زمنية ليست بالقصيرة برزت نخب سياسية بديلة استعارت الاستراتيجية نفسها ولكن لتحقيق التغيير السياسي، فقد لجأت تلك النخب إلى أطراف خارجية للتخلص من نظم الحكم التي تعارضها، وأثبت هذا النموذج نجاحاً ولو مؤقتاً في الحالة العراقية، لذلك فإنه من المتوقع أن تلجأ نخب عربية أخرى إلى الوسيلة نفسها، لعل نموذج غرب السودان والحالة اللبنانية بعد اغتيال رفيق الحريري أفضل مثال على هذا التوجه الذي يسعى لاستدعاء القوى الدولية من أجل تحقيق تغيير سياسي داخلي. أي أن يسعى محررو الوطن إلى إفقاد الوطن حريته واستقلاله من أجل تحريره من الاستبداد السياسي، وكأنما كتب على المجتمعات العربية أن تختار ما بين الاستبداد أو الاستعباد.
سادساً: تصاعد دور الكهنوت السياسي
قد لا يكون من قبيل المبالغة القول إن الوضع الذي آل إليه العراق كان نتيجة لصراع بين السيستاني وصدام كرمزين سياسيين مختلفين، وقد حسم الصراع لمصلحة السيستاني ولو على حساب ضياع وطن وتهديد مستقبل منطقة بأكملها، ولعل مراجعة الدور الذي يلعبه السيستاني سواء في تأمين استمرار وشرعية التكوينات الشيعية التي أفرزها الاحتلال أو في تحقيق الانتقال المقبول من صيغة حكومية إلى أخرى، أو في دوره في عملية الانتخابات…إلخ. كل ذلك يؤكد على حقيقة أن المرجعية الدينية لعبت دوراً سياسياً غير مسبوق في تاريخ العراق مما يفتح الباب إلى أدوار مشابهة وإن كانت ليست بنفس الوزن أو الدرجة لقيادات دينية أخرى سواء مسلمة أو مسيحية في دول عربية مختلفة.
وختاماً يمكن القول إن ما حدث في العراق ستكون له تداعيات عديدة سلبية على مستقبل الدولة العربية، لعل أبرزها هو أن هذه الدولة ستمر بسلسلة من التحولات تقود إلى ضعفها وتآكلها سواءً في مواجهة القوى الدولية أو الكيانات الأولية الداخلية عرقية أو مذهبية، لذلك فإن المراهنة على الدولة ككيان يحمي المجتمع ويحقق مثالياته وأهدافه، قد لا تكون مراهنة صائبة، بل الأحرى تركيز الفعاليات الأساسية على تقوية المجتمع ومؤسساته ومحاولة إيجاد مجتمع مدني قادر على إعادة تشكيل الدولة وضبطها.
::/fulltext::
::cck::2437::/cck::
