مأزق المثقف العراقي والعملية السياسية
::cck::2435::/cck::
::introtext::
يطلعنا تاريخ الشعوب في وصفه للتغيرات الكبرى التي شهدتها البشرية، أن مرحلة التحولات والشروع بالتغير أيا كان نمطه ووتريته، تسبقها في العادة مرحلة تهيئة، أبطالها نخب فكرية، تأخذ على عاتقها مسؤولية نشر الثقافة والتوعية بأهمية وضرورة التغييرات المستجدة، بعبارة أخرى لعب دور مهم في عملية التثقيف السياسي الجديدة.
::/introtext::
::fulltext::
يطلعنا تاريخ الشعوب في وصفه للتغيرات الكبرى التي شهدتها البشرية، أن مرحلة التحولات والشروع بالتغير أيا كان نمطه ووتريته، تسبقها في العادة مرحلة تهيئة، أبطالها نخب فكرية، تأخذ على عاتقها مسؤولية نشر الثقافة والتوعية بأهمية وضرورة التغييرات المستجدة، بعبارة أخرى لعب دور مهم في عملية التثقيف السياسي الجديدة.
وحتى تكتسب قيادة حملة التغيير الفكري الزخم المطلوب، لا بد من خطوط عريضة تتفق عليها هذه النخب، وتكون بمثابة المظلة التي يلوذون بها والتي يتجاوزون من خلالها الانتماءات الضيقة القبلية والعرقية والطائفية التي تشظظ مجتمعهم، حتى لو اختلفت وجهات النظر حول سبل الوصول للهدف الأسمى.
ويشعر المثقف العراقي اليوم بأنه أعزل ووحيد في الساحة إذ لم يبق له الآخرون أي دور يمكن أن يمارسه ولا حتى أي موقف قد يتسنى له اتخاذه، فقد صادر رجال الدين آراءه حول الممارسة السياسية في العراق الجديد وكيفية التعامل معها. وها هي الانتخابات تؤيد ما سبق، إذ صدرت فتاوى تحض على المشاركة فيها، وتتغنى بفضائلها وفوائدها وموجبات الإسهام فيها، وانبرت أخرى تدفع إلى الامتناع عن المشاركة فيها وتتوعد المشاركين.
وأنت محكوم عليك بالمروق إذا تبنيت وجهة نظر دون الأخرى، فلم يتبق للمثقف سوى إيثار السلامة وشراء الرضا والركون إلى السلبية، فلا مكان لإعمال العقل والمنطق ولا سبيل للإقناع بالحجة ولا مجال للحوار إلا بين طرفين متفقين بالرأي فالاختلاف بالرأي يعني وقف الحوار، إذ إن استمرار الجدل سيؤدي إلى الغضب وجرح المشاعر والقطيعة أو أن تسود المجاملة والكذب والتملق على مجرى الحوار.
لم يستطع المثقف العراقي الصمود أمام موجة المد التراجعي التي ألمت بالمجتمع بسبب انهيار الدولة ومؤسساتها وأفضت إلى أن يجد الفرد العراقي نفسه متحررا من الكم الهائل من الضوابط السياسية التي كانت تحيط به، ليجد نفسه يواجه حالة من الانفلات السياسي الكامل ولتعصف به مؤثرات شتى اضطرته للانكفاء مجددا داخل دائرة الولاءات الضيقة لكي تحميه وتناسي الولاء للوطن.
هذا الخوف وذاك التشتت، فوتا على المثقفين فرصة الاصطفاف سوية ليؤسسا قوة ضاغطة ومؤثرة وسط الأمواج المتلاطمة، وفي الوقت الذي كانوا يمنون النفس بأنهم سيمثلون البوصلة التي سترشد مجتمعهم إلى بر الأمان، ألفوا أنفسهم يدافعون عن وجهة نظر الطائفة أو القومية أو القبيلة التي ينتمون إليها بدلا من اصطفافهم مع زملائهم في المهنة أو شركائهم في الثقافة، فأخفقوا بذلك في التمرد على سيكولوجية التوجه الفئوي، وبات ضغط الطائفة وأولويتها يطارد المثقف، ويعلو على توجهاته وأولويته العليا، وإذا ما اعترض عليها أو خالفها وجد نفسه يعيش حالة من الاغتراب والعزلة، فطائفته ستنبذه وتعتبره خارجا عليها، والطوائف الأخرى ستنظر إليه بعين الشك، وهو بين هذا وذاك يرنو إلى إيجاد القواسم المشتركة التي ستمثل الأساس للبناء الاجتماعي والسياسي الجديد باتجاه تحقيق مصالح الوطن العليا.
وتدلنا، في هذا السياق، سلوكيات المنضوين للكيانات السياسية، على حقيقة الانقسام الطائفي والمناطقي وسواه، فمواقف معظم الأحزاب والشخصيات السنية تراوحت بين مطالب بالتأجيل الانتخابات أو مقاطعتها، كما أن الفئة السنية في معظمها حسمت أمرها باتجاه عدم الاشتراك في التصويت، ويمكن تلمس التوجه ذاته على صعيد المناطق ذات الأغلبية السنية التي خلت من أي مظهر من مظاهر الفعاليات الانتخابية سواء على صعيد الترشيح أو الدعاية، حتى إن وكلاء المواد الغذائية امتنعوا عن تسلم الاستمارات الانتخابية وآخرين طالبوا المواطنين باسترجاعها بعد تسليمهم إياها تحسبا من العواقب. وكذلك الراغبون في المشاركة وجدوا أنفسهم بعد أحداث الفلوجة وغيرها من المدن العراقية في موقف حرج للغاية إذ لا يمكن تصور إمكانية الاستمرار في العملية الانتخابية في ظل استخدام مفرط للقوة من قبل قوات الاحتلال، لذا تصاعدت مطالب التأجيل أملا في توفر حد أدنى من مستلزمات الأمن، كما أن رجوع أهالي الفلوجة والشروع بإعادة أعمار المدينة كفيلان بخلق حالة من الأمل والتفاؤل بالمستقبل.
وعلى الرغم من الحماس الذي تبديه المناطق ذات الأغلبية الشيعية للمشاركة في الانتخابات، إلا أن أغلب الكيانات السياسية التي شكلت القوائم لم تخف قلقها من تدهور الوضع الأمني، لذا نجدها امتنعت عن الكشف عن أسماء كل المشاركين حرصا على حياتهم.
لقد كانت الانتخابات السكة التي سارت عليها عربة الديمقراطية، خاصة عندما دخل الاقتراع العام حيز التنفيذ، ومنها انبثقت الشرعية الدستورية للدولة وأجهزتها التي استندت إلى قاعدة مادية متطورة، أسلوب الإنتاج الرأسمالي. وهي في الوقت نفسه دولة القانون الذي طورته الطبقة البورجوازية ليخدم مصالحها الجديدة.
أن العملية الانتخابية ليست غاية في حد ذاتها، كما أن وجود برلمان منتخب لن يضمن وحده تحقيق الديمقراطية أو يحول دون إساءته استخدام السلطة. فانتخاب المؤتمر الوطني الفرنسي على أساس الاقتراع العام المباشر عام 1792 كان مقدمة لظهور حكم دكتاتوري، إذ لم يقدر للوضع النظري لحكومة الجمعية أن يعمر طويلا، فسرعان ما تسربت سلطة المؤتمر بسبب الانشقاقات الخطيرة إلى لجنة الأمن العام ثم إلى روبسبير ليقيم حكما دكتاتوريا رهيبا انتهى بإعدامه، وبعدها بدأت فرنسا تشهد محاولات التمهيد لنظام دستوري جمهوري جديد.
فحينما لا يمكن الحديث عن نضج في الظروف الاجتماعية والاقتصادية تكون محصلته قوى تمتلك إمكانات النفوذ والتأثير وخلق حالة من الاستقرار، عندها سيدرك العراقيون أن عهداً جديداً للحرية لم يحن أوانه بعد، كما أن زوال الطغاة بالرغم من أهميته لم يكن إيذانا بانتهاء عصر الطغاة، فالحرية تطور أخلاقي بقدر ما هي تطور سياسي، وأن المشكلة لا تكمن في شكل الحكم الخارجي وطريقة اختيار الحكام فحسب، بل تتعلق بالكيفية التي يتعامل بها المرء مع ذاته ثم مع الآخرين.
إن عجزنا عن الاعتراف بحرية الآخر وحقه في الاختلاف بالرأي، وبحق الحوار والنقد دون إلغاء أو تكفير أو تخوين هو عجز في فهمنا لحقيقة الديمقراطية. فالتطرف في المواقف والتمسك بالمطلق ورفض النسبية يحول حواراتنا إلى جدل يسوده إما الكذب والمجاملة أو التهجم والسخرية، أن الحرية لا يصنعها إلا الشعب المؤمن بها حقا، عندها يصبح من حق أي تيار أن يدعو لأفكاره بشرط ألا يقمع الآخر، فجميع التيارات السياسية والفكرية لها أهميتها وفائدتها للمجتمع وعملها بشكل متناغم كفيل بخلق مجتمع منسجم.
في خضم الجدل الدائر اليوم بين أهمية العملية السياسية ومستلزمات نجاحها وبين تفجر أعمال العنف وشرعية أعمال المقاومة، يقل هامش حركة النخب الفكرية فهي ما بين مطرقة العنف وسندان الاستبداد، فأعمال العنف تدفع أطراف النظام للتضامن وتبرير الاستبداد، كما أن التيارات التي تتبع أسلوب القوة تقع في مشكلة خضوعها لهيمنة العقلية العنفية وانحسار استخدام الوسائل السلمية والفكرية الممكنة، كما أن تدهور الوضع الاقتصادي يعوق إمكانات صعود الطبقة المتوسطة الأساس المادي للنخب الذي يمدها بالقدرة على التضامن والصمود ويزيد من حرية حركتها.
وهكذا سيبقى المثقف العراقي متوحدا عما يجري حوله على الساحة السياسية، سواء أكانت انتخابات أم سواها. وسيظل ديدنه السلبية ومراقبة الأحداث عن بعد وتستغرقه الحياة اليومية بتفاصيلها المرهقة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2435::/cck::
::introtext::
يطلعنا تاريخ الشعوب في وصفه للتغيرات الكبرى التي شهدتها البشرية، أن مرحلة التحولات والشروع بالتغير أيا كان نمطه ووتريته، تسبقها في العادة مرحلة تهيئة، أبطالها نخب فكرية، تأخذ على عاتقها مسؤولية نشر الثقافة والتوعية بأهمية وضرورة التغييرات المستجدة، بعبارة أخرى لعب دور مهم في عملية التثقيف السياسي الجديدة.
::/introtext::
::fulltext::
يطلعنا تاريخ الشعوب في وصفه للتغيرات الكبرى التي شهدتها البشرية، أن مرحلة التحولات والشروع بالتغير أيا كان نمطه ووتريته، تسبقها في العادة مرحلة تهيئة، أبطالها نخب فكرية، تأخذ على عاتقها مسؤولية نشر الثقافة والتوعية بأهمية وضرورة التغييرات المستجدة، بعبارة أخرى لعب دور مهم في عملية التثقيف السياسي الجديدة.
وحتى تكتسب قيادة حملة التغيير الفكري الزخم المطلوب، لا بد من خطوط عريضة تتفق عليها هذه النخب، وتكون بمثابة المظلة التي يلوذون بها والتي يتجاوزون من خلالها الانتماءات الضيقة القبلية والعرقية والطائفية التي تشظظ مجتمعهم، حتى لو اختلفت وجهات النظر حول سبل الوصول للهدف الأسمى.
ويشعر المثقف العراقي اليوم بأنه أعزل ووحيد في الساحة إذ لم يبق له الآخرون أي دور يمكن أن يمارسه ولا حتى أي موقف قد يتسنى له اتخاذه، فقد صادر رجال الدين آراءه حول الممارسة السياسية في العراق الجديد وكيفية التعامل معها. وها هي الانتخابات تؤيد ما سبق، إذ صدرت فتاوى تحض على المشاركة فيها، وتتغنى بفضائلها وفوائدها وموجبات الإسهام فيها، وانبرت أخرى تدفع إلى الامتناع عن المشاركة فيها وتتوعد المشاركين.
وأنت محكوم عليك بالمروق إذا تبنيت وجهة نظر دون الأخرى، فلم يتبق للمثقف سوى إيثار السلامة وشراء الرضا والركون إلى السلبية، فلا مكان لإعمال العقل والمنطق ولا سبيل للإقناع بالحجة ولا مجال للحوار إلا بين طرفين متفقين بالرأي فالاختلاف بالرأي يعني وقف الحوار، إذ إن استمرار الجدل سيؤدي إلى الغضب وجرح المشاعر والقطيعة أو أن تسود المجاملة والكذب والتملق على مجرى الحوار.
لم يستطع المثقف العراقي الصمود أمام موجة المد التراجعي التي ألمت بالمجتمع بسبب انهيار الدولة ومؤسساتها وأفضت إلى أن يجد الفرد العراقي نفسه متحررا من الكم الهائل من الضوابط السياسية التي كانت تحيط به، ليجد نفسه يواجه حالة من الانفلات السياسي الكامل ولتعصف به مؤثرات شتى اضطرته للانكفاء مجددا داخل دائرة الولاءات الضيقة لكي تحميه وتناسي الولاء للوطن.
هذا الخوف وذاك التشتت، فوتا على المثقفين فرصة الاصطفاف سوية ليؤسسا قوة ضاغطة ومؤثرة وسط الأمواج المتلاطمة، وفي الوقت الذي كانوا يمنون النفس بأنهم سيمثلون البوصلة التي سترشد مجتمعهم إلى بر الأمان، ألفوا أنفسهم يدافعون عن وجهة نظر الطائفة أو القومية أو القبيلة التي ينتمون إليها بدلا من اصطفافهم مع زملائهم في المهنة أو شركائهم في الثقافة، فأخفقوا بذلك في التمرد على سيكولوجية التوجه الفئوي، وبات ضغط الطائفة وأولويتها يطارد المثقف، ويعلو على توجهاته وأولويته العليا، وإذا ما اعترض عليها أو خالفها وجد نفسه يعيش حالة من الاغتراب والعزلة، فطائفته ستنبذه وتعتبره خارجا عليها، والطوائف الأخرى ستنظر إليه بعين الشك، وهو بين هذا وذاك يرنو إلى إيجاد القواسم المشتركة التي ستمثل الأساس للبناء الاجتماعي والسياسي الجديد باتجاه تحقيق مصالح الوطن العليا.
وتدلنا، في هذا السياق، سلوكيات المنضوين للكيانات السياسية، على حقيقة الانقسام الطائفي والمناطقي وسواه، فمواقف معظم الأحزاب والشخصيات السنية تراوحت بين مطالب بالتأجيل الانتخابات أو مقاطعتها، كما أن الفئة السنية في معظمها حسمت أمرها باتجاه عدم الاشتراك في التصويت، ويمكن تلمس التوجه ذاته على صعيد المناطق ذات الأغلبية السنية التي خلت من أي مظهر من مظاهر الفعاليات الانتخابية سواء على صعيد الترشيح أو الدعاية، حتى إن وكلاء المواد الغذائية امتنعوا عن تسلم الاستمارات الانتخابية وآخرين طالبوا المواطنين باسترجاعها بعد تسليمهم إياها تحسبا من العواقب. وكذلك الراغبون في المشاركة وجدوا أنفسهم بعد أحداث الفلوجة وغيرها من المدن العراقية في موقف حرج للغاية إذ لا يمكن تصور إمكانية الاستمرار في العملية الانتخابية في ظل استخدام مفرط للقوة من قبل قوات الاحتلال، لذا تصاعدت مطالب التأجيل أملا في توفر حد أدنى من مستلزمات الأمن، كما أن رجوع أهالي الفلوجة والشروع بإعادة أعمار المدينة كفيلان بخلق حالة من الأمل والتفاؤل بالمستقبل.
وعلى الرغم من الحماس الذي تبديه المناطق ذات الأغلبية الشيعية للمشاركة في الانتخابات، إلا أن أغلب الكيانات السياسية التي شكلت القوائم لم تخف قلقها من تدهور الوضع الأمني، لذا نجدها امتنعت عن الكشف عن أسماء كل المشاركين حرصا على حياتهم.
لقد كانت الانتخابات السكة التي سارت عليها عربة الديمقراطية، خاصة عندما دخل الاقتراع العام حيز التنفيذ، ومنها انبثقت الشرعية الدستورية للدولة وأجهزتها التي استندت إلى قاعدة مادية متطورة، أسلوب الإنتاج الرأسمالي. وهي في الوقت نفسه دولة القانون الذي طورته الطبقة البورجوازية ليخدم مصالحها الجديدة.
أن العملية الانتخابية ليست غاية في حد ذاتها، كما أن وجود برلمان منتخب لن يضمن وحده تحقيق الديمقراطية أو يحول دون إساءته استخدام السلطة. فانتخاب المؤتمر الوطني الفرنسي على أساس الاقتراع العام المباشر عام 1792 كان مقدمة لظهور حكم دكتاتوري، إذ لم يقدر للوضع النظري لحكومة الجمعية أن يعمر طويلا، فسرعان ما تسربت سلطة المؤتمر بسبب الانشقاقات الخطيرة إلى لجنة الأمن العام ثم إلى روبسبير ليقيم حكما دكتاتوريا رهيبا انتهى بإعدامه، وبعدها بدأت فرنسا تشهد محاولات التمهيد لنظام دستوري جمهوري جديد.
فحينما لا يمكن الحديث عن نضج في الظروف الاجتماعية والاقتصادية تكون محصلته قوى تمتلك إمكانات النفوذ والتأثير وخلق حالة من الاستقرار، عندها سيدرك العراقيون أن عهداً جديداً للحرية لم يحن أوانه بعد، كما أن زوال الطغاة بالرغم من أهميته لم يكن إيذانا بانتهاء عصر الطغاة، فالحرية تطور أخلاقي بقدر ما هي تطور سياسي، وأن المشكلة لا تكمن في شكل الحكم الخارجي وطريقة اختيار الحكام فحسب، بل تتعلق بالكيفية التي يتعامل بها المرء مع ذاته ثم مع الآخرين.
إن عجزنا عن الاعتراف بحرية الآخر وحقه في الاختلاف بالرأي، وبحق الحوار والنقد دون إلغاء أو تكفير أو تخوين هو عجز في فهمنا لحقيقة الديمقراطية. فالتطرف في المواقف والتمسك بالمطلق ورفض النسبية يحول حواراتنا إلى جدل يسوده إما الكذب والمجاملة أو التهجم والسخرية، أن الحرية لا يصنعها إلا الشعب المؤمن بها حقا، عندها يصبح من حق أي تيار أن يدعو لأفكاره بشرط ألا يقمع الآخر، فجميع التيارات السياسية والفكرية لها أهميتها وفائدتها للمجتمع وعملها بشكل متناغم كفيل بخلق مجتمع منسجم.
في خضم الجدل الدائر اليوم بين أهمية العملية السياسية ومستلزمات نجاحها وبين تفجر أعمال العنف وشرعية أعمال المقاومة، يقل هامش حركة النخب الفكرية فهي ما بين مطرقة العنف وسندان الاستبداد، فأعمال العنف تدفع أطراف النظام للتضامن وتبرير الاستبداد، كما أن التيارات التي تتبع أسلوب القوة تقع في مشكلة خضوعها لهيمنة العقلية العنفية وانحسار استخدام الوسائل السلمية والفكرية الممكنة، كما أن تدهور الوضع الاقتصادي يعوق إمكانات صعود الطبقة المتوسطة الأساس المادي للنخب الذي يمدها بالقدرة على التضامن والصمود ويزيد من حرية حركتها.
وهكذا سيبقى المثقف العراقي متوحدا عما يجري حوله على الساحة السياسية، سواء أكانت انتخابات أم سواها. وسيظل ديدنه السلبية ومراقبة الأحداث عن بعد وتستغرقه الحياة اليومية بتفاصيلها المرهقة.
::/fulltext::
::cck::2435::/cck::
