التعليم العالي: الواقع والحلول
::cck::2533::/cck::
::introtext::
يتناول هذا الجزء من التقرير مسيرة التطور التي مر بها قطاع التعليم العالي في دول مجلس التعاون الخليجي، مع رصد وتحليل أبرز القضايا التي يواجهها. ولذلك، فهو يقدم خلفية تاريخية موجزة لنشأة التعليم العالي في دول المجلس، ويرصد النمو الكمي والنوعي لمؤسسات التعليم العالي في هذه الدول، وبعض العوامل المؤثرة في ذلك النمو، ثم يطرح أهم القضايا التي يتعين التعامل معها خلال المرحلة المقبلة، وينتهي القسم بإشارة سريعة إلى جهود العمل المشترك القائمة بين مؤسسات التعليم العالي بدول المجلس.
::/introtext::
::fulltext::
يتناول هذا الجزء من التقرير مسيرة التطور التي مر بها قطاع التعليم العالي في دول مجلس التعاون الخليجي، مع رصد وتحليل أبرز القضايا التي يواجهها. ولذلك، فهو يقدم خلفية تاريخية موجزة لنشأة التعليم العالي في دول المجلس، ويرصد النمو الكمي والنوعي لمؤسسات التعليم العالي في هذه الدول، وبعض العوامل المؤثرة في ذلك النمو، ثم يطرح أهم القضايا التي يتعين التعامل معها خلال المرحلة المقبلة، وينتهي القسم بإشارة سريعة إلى جهود العمل المشترك القائمة بين مؤسسات التعليم العالي بدول المجلس.
أولاً: ظهور مؤسسة التعليم العالي
يجسد التطور الذي طرأ على كليات المعلمين، وكليات التعليم الفني (الصناعي والتجاري والصحي والزراعي)، والتدرج نحو الكليات الجامعية والجامعات في المراحل المتأخرة جزءاً من استجابة التعليم لمتطلبات النمو والتغيير التي شهدتها المنطقة، فقد أدت الحاجة إلى معلمين في مدارس التعليم العام إلى إنشاء معاهد للمعلمين على مستوى التعليم المتوسط والثانوي، تدرجت مع مضي الوقت، إلى كليات تستقبل الدارسين بعد المرحلة الثانوية. ويُلاحظ التدرج نفسه بالنسبة للتعليم الفني، من حيث النمو من معاهد ومدارس متخصصة تخدم أغراضاً معينة وفقا لحاجات الجهات المشرفة عليها، إلى مؤسسات تعليم عالٍ متعددة الأغراض.
ومع تنامي الحاجة إلى موظفين وقياديين للعمل في مختلف أجهزة الدولة، والنقص الشديد في المؤهلات المواطنة، ووفرة الخريجين من المرحلة الثانوية، بدأت تظهر الجامعة الحديثة، والتي ظلت كليات التربية تمثل النواة الأولى لها في معظم الحالات، كما نلاحظ في جامعة أم القرى، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة البحرين، وجامعة قطر. وتمثل كل من جامعة الملك سعود التي أنشئت في عام 1957، والجامعة الإسلامية عام 1961، وجامعة الكويت 1966، أولى الجامعات الحكومية، التي اكتمل إنشاؤها في جميع دول المجلس بإنشاء جامعة البحرين، وجامعة السلطان قابوس في عام 1986. وحالياً، يوجد 18 جامعة حكومية على مستوى دول المجلس. وفي مراحل لاحقة، أدى التدفق المتنامي في أعداد الخريجين من المرحلة الثانوية، واشتداد الطلب على التعليم العالي، مع محدودية الطاقة الاستيعابية للجامعات الحكومية، إلى ظهور أنواع جديدة من الكليات الحكومية (المعاهد والكليات المتخصصة، وكليات المجتمع)، فضلاً عن الجامعات والكليات التابعة للقطاع الخاص، والجامعة المفتوحة.
وعلى المستوى التنظيمي والإشرافي، توجد ثلاث وزارات للتعليم العالي (السعودية، عُمان، والكويت)، وذلك بعد دمج وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التعليم والشباب في الإمارات لتصبحا وزارة التربية والتعليم والشباب، إضافة إلى مجالس عليا أو مجالس أمناء مسؤولة عن وضع السياسات العامة في مجال التعليم العالي أو الإشراف العام على الجامعات. وتوجد تفاوتات بين دول المجلس بشأن تنظيم كليات المعلمين وكليات التربية والإشراف عليها. أما بالنسبة للتعليم الفني، فبينما توجد ثلاث مؤسسات مركزية في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة، (كليات التقنية العليا)، والمملكة العربية السعودية (مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني)، ودولة الكويت (الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب)، يتبع التعليم التقني في سلطنة عُمان وزارة القوى العاملة، ولم تنم كليات تقنية في كل من مملكة البحرين ودولة قطر تتطلب إنشاء جهات مركزية.
ثانياً: التطور الكمي في مجال التعليم العالي
1ـ أعداد الطلاب:
تشير إحصاءات التعليم العالي إلى أن أعداد الطلاب المقيدين في جميع مؤسسات التعليم العالي بدول مجلس التعاون خلال العام الجامعي 2002/ 2003 تجاوزت ما يزيد قليلا 700 ألف طالب وطالبة (انظر الجدول رقم 1). وخلال الفترة الممتدة من عام 1990 إلى 2001، تضاعفت الأعداد في حدود ثلاث مرات على مستوى دول المجلس، وذلك من خلال معدلات نسب نمو سنوي تمثلت في 2.3 في المائة في قطر، 4.5 في المائة في الكويت، و7.5 في المائة في مملكة البحرين، و11.5 في المائة في السعودية، و19 في المائة في دولة الإمارات، و22.5 في المائة في سلطنة عُمان. ووفقاً لهذه المعدلات، فإنه من المتوقع أن يتجاوز حجم التعليم العالي 1.200 ألف طالب خلال السنوات الخمس المقبلة.
2 – توزيع المقيدين حسب مؤسسات التعليم العالي:
توضح الإحصاءات الرسمية أن نسبة المقيدين في الجامعات الحكومية إلى إجمالي المقيدين في التعليم العالي، تزيد قليلاً على 45 في المائة على مستوى دول المجلس. لكن النسبة تتفاوت حسب كل دولة ومدى وجود بدائل غير الجامعة، حيث تراوحت بين 22 في المائة في سلطنة عُمان، و3 في المائة في الكويت، وما يقرب من 99 في المائة في دولة قطر. وتستأثر كليات المعلمين التي تعمل كمؤسسات مستقلة في المملكة العربية السعودية (مائة كلية تربية أغلبها للمعلمات)، بما يصل إلى نحو 50 في المائة من أعداد الطلاب المقيدين بالتعليم العالي في المملكة، بينما تبلغ هذه النسبة نحو 16 في المائة في حالة سلطنة عُمان (ست كليات معلمين). كما تشكل نسبة أعداد الطلاب في كلية التربية الأساسية التابعة للهيئة العامة للتعليم التطبيقي نحو 16 في المائة من أعداد الطلاب المقيدين في الكويت.
أما من حيث عدد الطلبة (المقيدين) بكليات التعليم التقني والفني فهو إجمالاً لا يزال ضئيلاً، مقارنة بأعداد الطلاب المقيدين في جميع مؤسسات التعليم العالي في دول المجلس، حيث يبلغ عددهم (80,120 طالباً)، وهو ما يمثل نحو 11.5 في المائة من إجمالي المقيدين، وإن كانت تتفاوت هذه النسبة من دولة إلى أخرى. ففي دولة الإمارات على سبيل المثال، بلغت نسبة أعداد الطلاب المقيدين في كليات التقنية العليا، مقارنة بجملة المقيدين في جميع مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة نحو 22 في المائة، وفي السعودية بلغت هذه النسبة أقل من 9 في المائة، وفي عُمان 17 في المائة، وفي الكويت نحو 32 في المائة.
وفيما عدا دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي يوجد بها ما بين أربع وعشرين كلية وجامعة خاصة معترفاً بها من قبل الجهات المختصة وتضم ما نسبته نحو 57 في المائة من أعداد الطلاب المقيدين في التعليم العالي، وسلطنة عُمان التي يوجد بها اثنتا عشرة كلية خاصة وجامعة خاصة تضم نحو 15 في المائة، فإن نصيب التعليم العالي الخاص من جملة الطلاب المقيدين في مؤسسات التعليم العالي يبقى متواضعاً في بقية دول المجلس، حيث لا تزال الكليات والجامعات الخاصة، حديثة أو هي في طور الإنشاء.
3 – التوزيع حسب الجنس:
قطعت دول المجلس شوطاً بعيداً في مجال تعليم الإناث، وهو ما يدل عليه ارتفاع النسب المئوية لأعداد المقيدات، مقارنة بأعداد المقيدين سواء في كل مؤسسات التعليم العالي (67 في المائة، 62 في المائة، 56 في المائة، 54 في المائة، 77 في المائة، 69 في المائة، في كل من: الإمارات، والبحرين، والسعودية، وعُمان، وقطر، والكويت على التوالي، (انظر الجدول رقم 1)، أو في الجامعات (76 في المائة، 60 في المائة، 33 في المائة، 50 في المائة، 77 في المائة، 70 في المائة ) في كل من الإمارات والبحرين وعُمان والسعودية وقطر والكويت، على التوالي. على أنه من الـمُـلاحظ أن معظم نسب الإناث تتركز في الكليات والتخصصات النظرية، مثل التربية والعلوم الاجتماعية، والآداب. وتبلغ النسبة أعلى مستوياتها في حالة المملكة العربية السعودية، حيث يوجد ما يزيد على 76 في المائة من الطالبات في كليات المعلمات الموجودة خارج إطار الجامعات.
4 – التوزيع حسب التخصصات:
تتفاوت نسبة الطلاب المقيدين في التخصصات العلمية والهندسية (الطب والعلوم والعلوم الصحية، وتقنيات المعلومات، والحاسوب، والزراعة، والهندسة) إلى جملة المقيدين في الجامعات بدول المجلس من دولة إلى أخرى، حيث تصل هذه النسبة إلى 23 في المائة في جامعة البحرين، و24 في المائة في جامعة قطر، و37 في المائة في الجامعات السعودية وجامعة الكويت، و43 في المائة في جامعة السلطان قابوس. وتقل هذه النسب بالطبع إذا ما قُورنت بإجمالي المقيدين في جميع مؤسسات التعليم العالي.
ثالثاً: القضايا الرئيسية التي تواجه التعليم العالي
يواجه التعليم العالي بدول مجلس التعاون الكثير من القضايا التي تمثل تحديات يتعين مواجهتها حالياً وفي المستقبل. ويمثل التوسع، والمواءمة، والجودة قضايا رئيسية متداخلة تتمحور حولها قضايا أخرى كثيرة. وتتلخص مشكلة التوسع في وجود فجوة كبيرة من الاحتياج تقتضيها متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والطلب الاجتماعي المتنامي على التعليم العالي، وبين القدرة الاستيعابية للمؤسسات القائمة، وقلة أعدادها وأنواعها. وتمثل قضية المواءمة، والتي تعبر عن مدى توافق مخرجات مؤسسات التعليم العالي مع متطلبات التنمية والتطلعات الاجتماعية قضية لها أهميتها الملحة، وبخاصة مع وجود أعداد زائدة من العمالة الوافدة، وظهور البطالة بين الخريجين. أما قضية الجودة، فتتصل بمستوى ونوعية المؤسسات التعليمية والبرامج التي تعرضها، ومدى توافقها مع الأهداف المتوخاة منها، والمعايير والمحكات المقبولة.
1 – قضية التوسع في التعليم:
توضح المقارنة أن نسب الملتحقين بالتعليم العالي في دول المجلس لا تزال أدنى بكثير من مثيلاتها في عدد من الدول المتقدمة والناهضة. ففي الوقت الذي تصل أو تتجاوز فيه نسبة الملتحقين بالتعليم العالي من الفئة العمرية في سن التعليم العالي لبعض الدول المتقدمة الـ 80 في المائة لا تزيد هذه النسبة على 20 في المائة في معظم دول المجلس. ويواجه التعليم العالي في هذه الدول ارتفاعاً مستمراً في الطلب المجتمعي عليه، وتفاقماً لمشكلات القبول، وذلك نتيجة طبيعة هياكلها السكانية (ارتفاع معدلات النمو، واتساع قاعدة الهرم السكاني)، والتوسع في التعليم العام، وارتفاع أعداد ومعدلات خريجي الثانوية العامة بما يفوق الطاقات الاستيعابية الحالية لمؤسسات التعليم العالي. ففي سلطنة عُمان، على سبيل المثال، فإنه من بين 35044 طالباً وطالبة تخرجوا من الثانوية العامة خلال العام الجامعي 2001/2002، لم يتم قبول سوى 9416 طالباً في جميع مؤسسات التعليم العالي الحكومية على مستوى السلطنة. وإذا أضفنا إلى هؤلاء أعداد من قُبلوا في مؤسسات التعليم العالي الخاصة (1628طالباً)، ومن واصلوا دراستهم في الخارج (2348طالباً)، فإن نسبة من أتيحت لهم فرصة مواصلة دراستهم من خريجي الثانوية في ذلك العام لا تتجاوز 40 في المائة. ويمكن طرح خيارات عدة لمقابلة الحاجة إلى التوسع في التعليم العالي الذي تفرضه مقتضيات التنمية والتطور بدول مجلس التعاون والطلب المتزايد على التعليم، أبرزها ما يلي:
أ – زيادة الاستثمار الحكومي في التعليم العالي:
تظل الحكومات في دول المجلس وفي كثير من دول العالم الممول الرئيسي للتعليم العالي، وإذا ما اتخذت بعض الأرقام القديمة، والمتوفرة في التقارير الصادرة عن بعض المنظمات الدولية، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أو البنك الدولي، كنسب صالحة للمقارنة، فإنه يمكن الاستدلال على أن معدلات الاستثمار في التعليم في دول المجلس منسوبة إلى الناتج المحلي الإجمالي أو إلى الإنفاق العام ليست بعيدة كثيراً عن نظيراتها في بعض الدول المتقدمة والناهضة.
أما في ما يخص الاستثمار في التعليم العالي، فتوضح الإحصاءات المتوفرة من وزارات التخطيط والاقتصاد، وجود تفاوت بين دول المجلس في نسب الإنفاق، وإن كانت كلها، إذا ما أخذنا في الاعتبار أحادية مصدر التمويل لمؤسسات التعليم العالي، وطبيعة أوجه إنفاقها لميزانياتها، ومستوى كفاءتها الداخلية، تُستثمر بدرجة أقل بكثير جداً مما هو مطلوب.
ب – رفع الكفاءة الداخلية لمؤسسات التعليم العالي:
من أهم الجوانب التي يمكن تناولها ضمن هذا الخيار لمقابلة الحاجة إلى التوسع في التعليم العالي وتطويره، موضوعا التنظيم والإدارة، والفاقد التعليمي. وبالنسبة إلى التنظيم والإدارة، لعل ما يهم هنا يتعلق بمركزية القرار، وما يعنيه من محدودية الصلاحيات التي تمتلكها مؤسسات التعليم العالي في إدارة مواردها، والمرونة في البرامج والأساليب التي يمكن أن تبتكرها لمواجهة ظروفها الخاصة. وبداية، فإن معظم مؤسسات التعليم العالي، (أو الجهات التي تعمل في إطارها) تتلقى موازناتها تفاوضياً مع الجهات المالية في الدولة، حيث لا تجد في الأغلب شجون هذه المؤسسات واحتياجاتها الاهتمام المناسب. وفي كثير من الحالات، تجد مؤسسة التعليم العالي نفسها مضطرة، إلى الرجوع إلى الجهة المركز باستمرار لتحصيل الموافقة على خططها وبرامجها، أو السماح لها بتخطي بعض القيود الصارمة في ما يتصل بقرارات الإنفاق.
ويشير الواقع، إلى أن النقص في توظيف التقنية الحديثة في كثير من مؤسسات التعليم العالي لا يقتصر فقط على الجوانب الإدارية، بل يمتد إلى النواحي الأكاديمية والتدريسية، حيث لا تستثمر التقنية بشكل يرفع من مستوى الكفاءة الداخلية أو الخارجية للمؤسسة. ولا تزال قدرات كثير من أعضاء هيئات التدريس، والطلاب والإداريين بحاجة إلى الترقية والتطوير. يُضاف إلى ذلك أن هناك نقصاً شديداً في تكامل الموارد بين مؤسسات التعليم العالي، ليس في ما يتصل بتبادل وتنظيم المعلومات والإفادة منها في مجالات التخطيط والبحث العلمي ومصادر التعلم والتدريس فقط، بل وكذلك في مجال الإفادة من التجهيزات الجيدة، والمعامل والمختبرات، والمكتبات، المتوافرة لدى بعضها.
أما بالنسبة للفاقد التعليمي، فتشير دراسات عدة إلى فقد عام يتراوح من 20 في المائة إلى 50 في المائة بين المقيدين في الجامعات بدول المجلس، مما يعني (من الناحية المالية على الأقل) ضياع ما بين 20 في المائة إلى 50 في المائة من الموارد المالية للجامعات. ومن المؤكد، أن إعطاء اهتمام أكبر لجانب الكفاءة الداخلية من شأنه أن يساعد مؤسسات التعليم العالي في دول المجلس على ترشيد مواردها وخفض التكلفة الفعلية للطالب من جهة، والتركيز على تحسين الجوانب النوعية من جهة أخرى، والتمكن من رفع طاقاتها الاستيعابية.
ج – تنويع مصادر التمويل:
لا يتسع المقام هنا لعرض تجارب مختلف الجامعات في مجال البحوث والاستشارات العلمية، إلا أنه يتعين التنويه بأن الموارد المتاحة حالياً من خلال هذين المصدرين، لا تزال ضئيلة، لأسباب يعود جزء منها إلى عوامل اقتصادية واجتماعية معظمها خارج إرادة الجامعة. أما بالنسبة إلى التدريب، فإن التجربة الحالية لمراكز خدمة المجتمع، والموجودة في معظم مؤسسات التعليم العالي، تعتبر مثالاً جيداً يمكن التوسع فيه، وربطه بالاحتياجات المتنامية في مجال التعليم المستمر الذي تتزايد أهميته في أسواق العمل والاقتصادات الحديثة. ولا تزال الجهود في مجال تنويع المصادر من خلال الخيارات المعروفة، مثل التبرعات، والهبات، والوقفيات، وإنشاء الكراسي الأكاديمية، والاستفادة من عائدات الوقف الإسلامي، بحاجة إلى تعزيز.
د – تنويع أنماط التعليم العالي:
ظلت إلى وقت قريب، أنماط حديثة من التعليم، مثل: التعليم عن بعد، وكليات المجتمع، والجامعة المفتوحة، والجامعة الافتراضية، والكليات الخاصة، جديدة على المنطقة. ونظراً لما تحمله هذه الأنماط من إمكانات واسعة لنشر التعليم العالي، والوفاء باحتياجات الأفراد والمجتمع، من حيث الحصول على تعليم جيد عالي المرونة، إضافة إلى قدرتها على امتصاص كثير من الضغط على المؤسسات التقليدية، فإنها تمثل خيارات ناجعة تحتم الظروف دعم الاستثمار فيها. وحالياً، تضيف تقنية الاتصالات والمعلومات، وتقنية الإنترنت إمكانات غير محدودة في مجال التعلم خارج الإطار التقليدي، ولم يعد المكان أو المسافة عوائق أمام الوصول إلى المعلومات، أو الحصول على التعليم. وتستدعي الحاجة إلى التوسع والمرونة التوجه نحو هذه الأنماط وتوفير الإمكانات اللازمة لنموها.
هـ – تشجيع نمو التعليم العالي الخاص:
يمثل التعليم العالي الخاص خياراً قليل الكلفة للميزانية العامة من جهة، وأسلوباً مرناً في الاستجابة المواتية لمقابلة الطلب على التعليم من جهة أخرى. وحالياً، لا يسهم التعليم العالي الخاص، إلا بنسبة ضئيلة في التعليم العالي بدول المجلس، مقارنة بدول مثل الفلبين وكوريا واليابان، وبلجيكا (85 في المائة، 80 في المائة، 70 في المائة، و65 في المائة على التوالي (البنك الدولي 2000). ومن دون تناول القضايا المتصلة بالتعليم العالي الخاص، مثل الجودة، وضوابط النمو، ومدى المواءمة مع احتياجات المجتمع، وهي أمور بلا شك على جانب كبير من الأهمية والتعقيد، فإن الإمكانات الواسعة التي يقدمها في مجال توسيع التعليم العالي وتجويده تستدعي قيام دول المجلس بجهود حثيثة لدعمه وتشجيع نموه. ويتمثل الدعم المادي في تقديم القروض والمنح والتسهيلات المالية، ومنح الأراضي، والمساهمة في إنشاء المرافق والتجهيزات، وتيسير الاستفادة من مرافق الجامعات ومؤسسات التعليم الحكومية، وتحمل جزء من الرسوم الدراسية للطلاب. ويمكن أن تُربط هذه المساعدات على نحو أو آخر بمستوى المقبولين، ونوعية البرامج والمخرجات، ومدى التكامل مع المؤسسات الأخرى، وغير ذلك مما يساعد على تطوره بما يخدم الأهداف التنموية. كما يمكن أن توفر الدولة دعمها، عن طريق تخفيف القيود والضوابط التي تضعها الجهات المسؤولة في مجال الترخيص والإجراءات المرتبطة بإقامة مشاريع مؤسسات التعليم الخاصة، والتركيز بدلاً من ذلك على ضوابط الجودة بعد نهوض تلك المشاريع.
2- قضية المواءمة :
تمس قضية المواءمة كثيراً من الأبعاد المهمة لدور التعليم العالي في تلبية الاحتياجات المجتمعية والفردية. ولا يتسع المقام لتناول تلك الأبعاد بأي قدر من التفصيل، وسيُكتفى، بدلاً من ذلك، بتناول جانب العرض في البعد الخاص بالعلاقة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل، بسبب ضيق المجال، ووجود عدد كبير من الوثائق والدراسات السابقة التي تناولت الموضوع بكثير من التفصيل. وتكمن أهمية هذا الجانب في ما تثيره العلاقة بين الفائض في العرض من مخرجات التعليم العالي، والنسبة العالية لأعداد العمالة الوافدة في أسواق العمل بدول المجلس، ومشكلة البطالة بين الخريجين من تساؤلات حول مدى توافق مخرجات التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل. وأوضحت المؤشرات الكمية التي جرى ذكرها، وجود اختلالات في مخرجات التعليم العالي، تمثل أبرزها في: قلة أعداد وأنواع مؤسسات التعليم التقني والفني، وقلة أعداد الطلاب المقيدين في هذه المؤسسات، وعدم التناسب في توزيع الطلاب بين التخصصات النظرية والتخصصات العلمية والهندسية، وتفوق أعداد الإناث في التعليم العالي مقارنة بأعداد الذكور مع تركز أغلبهن في التخصصات النظرية.
ومن الاختلالات الأخرى، التي يمكن الإشارة إليها، النقص في مستويات تأهيل وإعداد الخريجين من حيث المهارات المطلوبة في سوق العمل، مثل مهارات الاتصال، أو القدرة على التعبير تحدثاً وكتابة، والإلمام باللغة الإنجليزية، ومهارات استخدام التقنية الحديثة، والقدرة على التعامل مع المشكلات والمواقف الحياتية بقدر من المرونة والابتكار وغيرها. والمتتبع لمناهج الإعداد العام في معظم مؤسسات التعليم العالي، يلاحظ الكثير من الحشو، وضعف التركيز على تنمية تلك المهارات، مع المبالغة في التركيز على الحفظ والتلقين وأساليب المحاضرات والتنظير، من دون اعتبار لتنمية قدرات الطلاب على التفكير الناقد وحل المشكلات، والتعلم الذاتي، وربط التعلم بخبرات الحياة العملية.
يُضاف إلى ما سبق ضعف علاقة مؤسسات التعليم العالي، بمؤسسات المجتمع عموماً، والمؤسسات المستقبلة لخريجيها، بوجه خاص، ونقص تمثيل تلك المؤسسات في الهيئات والمجالس الإشرافية لمؤسسات التعليم العالي، وقلة الاستفادة من تصوراتها أو التعرف إلى احتياجاتها عند التخطيط والتنفيذ للمناهج الدراسية، وتطوير البرامج التعليمية والتدريبية. ويظهر الضعف بصورة أوضح في مجال البحث العلمي والدور المحدود للجامعات في توظيفه لخدمة المجتمع وتحقيق أهداف التقدم العلمي والتنمية الاقتصادية والتقنية في هذا المجال. وواضح أنه للتحسين من مستوى المواءمة، يتعين على مؤسسات التعليمي العالي بدول المجلس تصحيح هذه الاختلالات وتلافي جوانب الضعف الموجودة.
3- قضية الجودة :
يقتضي تطوير نظم تعليم عالية المستوى، وتلبية الحاجة الملحة إلى التوسع في التعليم العالي، وجعله متوائماً مع متطلبات التنمية، وجود نظم للتقويم وضمان الجودة في مؤسسات التعليم العالي. ومن دون الدخول في مناقشة الأبعاد الشاملة للجودة، أو أهميتها بالنسبة لمؤسسات التعليم العالي، يُكتفى هنا بالإشارة إلى بعض الجهود التي تمت على المستويين الجماعي والفردي لبعض مؤسسات التعليم العالي بدول المجلس. فعلى المستوى الجماعي، ومنذ ما يزيد على عشرين عاماً، بُذلت محاولات عدة من خلال مكتب التربية العربي لدول الخليج، تكررت من دون انقطاع على مدى السنين اللاحقة من خلال لجان العمل التربوي المشترك في إطار مجلس التعاون الخليجي لإقامة نظام للاعتماد وتقويم الجودة لمؤسسات التعليم العالي. ولأهمية الموضوع، تقدمت الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون، ضمن مرئياتها حول المنظومة التعليمية والبحث العلمي بدول المجلس بمقترح إنشاء هيئة للاعتماد الأكاديمي وضبط جودة التعليم. وتم تبني المقترح من قبل المجلس الأعلى في قمة مسقط (ديسمبر 2000)، ووجه اللجان المختصة بتنفيذه. وتنفيذاً للقرار، قامت الأمانة العامة لمجلس التعاون بإعداد دراسة موسعة بالتعاون مع المكتب الإقليمي لليونسكو في الدوحة لتحديد المتطلبات البشرية والمادية لإنشاء الهيئة، ووضع التنظيم الإداري الخاص بها والخطوات اللازمة لإقامتها، وعينت الأمانة العامة بالتنسيق مع وزارات التعليم العالي والتربية لجنة متخصصة لمتابعة موضوع الاعتماد، ولا تزال المحاولات والجهود تُبذل من أجل إقامة الهيئة.
وعلى مستوى الدول، توجد حالياً ثلاث هيئات في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي تابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وفي سلطنة عُمان، وهي تابعة للمجلس الأعلى للتعليم، وتقوم وزارة التعليم العالي في السلطنة بأمانتها، وتم في المملكة العربية السعودية حديثاً إنشاء هيئة للتقويم والاعتماد الأكاديمي. ويصعب حالياً تقويم أداء هذه الهيئات أو مدى استقلاليتها أو دورها المستقبلي في الاعتماد، وإن كان من الواضح أن الوظيفة الرئيسية تتركز في المراحل الأولى على الترخيص لمؤسسات التعليم العالي الخاصة. وعلى مستوى الجامعات، توجد محاولات جادة في مجال التقويم الذاتي، من خلال الاستعانة بالخبرات الإقليمية والعالمية، وقد تمكنت عدد من الجامعات في دول المجلس من الحصول على اعتماد برامج كليات الهندسة بها من قبل روابط الاعتماد الأكاديمي العالمية المتخصصة، أما على مستوى الاعتماد المؤسسي، فلا تزال الجهود محدودة.
ومن العرض السابق، يتضح أن التطور في مجال الاعتماد الأكاديمي، وضمان الجودة لا يزال في بدايته. ويعود جزء من هذا التأخر إلى بعض العوامل التي لا يمكن ومنها: إغفالها، أن أغلبية مؤسسات التعليم هي حكومية في الأساس، ومن ثم لا تتوفر لها الاستقلالية والمرونة المالية والإدارية، وما يستتبع ذلك من قيام نظم مستقلة للتقويم والمحاسبة. ولم تواجه معظم مؤسسات التعليم العالي بدول المجلس خلال تاريخها ضغوطاً لتقويم أدائها، أو حاجة إلى تبرير برامجها وخططها، أو شرح أدائها. ومع تزايد الطلب على التعليم، فإن موضوع الجودة، عند الطالب أو المجتمع، يصبح ثانوياً مقارنة بالحصول على فرصة العمر في التعليم أياً كان مستواه. ومن المؤكد أن هذين العاملين سيظلان عائقاً أمام ظهور مؤسسات مستقلة للاعتماد وضمان الجودة، وستبقى المحاولات التي تقوم بها الجامعات مبنية على حوافز ذاتية في معظمها، وليست استجابة لأي من الضغوط الخارجية، على الأقل في الوقت الراهن.
التعاون المشترك بين مؤسسات التعليم العالي بدول “التعاون”
يحظى التعليم باهتمام خاص في مسيرة مجلس التعاون. وتشرف لجنة وزراء التعليم العالي والبحث العلمي، وهي لجنة دائمة، على لجان العمل المشترك، ومن بينها لجنة رؤساء ومديري الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، وعدد كبير من اللجان لعمداء الكليات المتناظرة، مثل الآداب والتربية والهندسة والطب وغيرها. وتتولى الأمانة العامة التنسيق للجنة الوزراء، ولجنة رؤساء الجامعات واللجان التحضيرية لاجتماعاتها، بينما تقوم الكليات ذاتها بأمانة اللجان الخاصة بها. وتهدف اللجان جميعها إلى تحقيق التعاون والتكامل بين مؤسسات التعليم العالي وتبادل الخبرة والمعلومات والاستفادة من الموارد والمصادر المتاحة.
وتوجد نشاطات مكثفة في مجال إقامة الندوات والمؤتمرات واللقاءات العلمية، والزيارات الطلابية، والأنشطة الرياضية والثقافية. ولن يتسع المقام هنا لتناول مسيرة العمل المشترك، أو تقويمها. وتجدر الإشارة إلى أن المجلس الأعلى لمجلس التعاون قد تبنى عدداً من القرارات المهمة في مجال التعليم، لعل أبرزها القرارات الخاصة بالخطة المشتركة لتطوير مناهج التعليم العام (المنامة – ديسمبر 2000)، ومرئيات الهيئة الاستشارية بشأن منظومة التعليم والبحث العلمي بدول مجلس التعاون، (مسقط، 2001)، والتوجهات الخاصة بالتعليم (الدوحة، ديسمبر، 2002)، والتوجهات الواردة في وثيقة الآراء للأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي عهد السعودية في الجانب التعليمي (الدوحة – ديسمبر 2002)، وأخيراً وثيقة التطوير الشامل للتعليم (الكويت – ديسمبر 2003). ويجري العمل حالياً على تنفيذ تلك القرارات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2533::/cck::
::introtext::
يتناول هذا الجزء من التقرير مسيرة التطور التي مر بها قطاع التعليم العالي في دول مجلس التعاون الخليجي، مع رصد وتحليل أبرز القضايا التي يواجهها. ولذلك، فهو يقدم خلفية تاريخية موجزة لنشأة التعليم العالي في دول المجلس، ويرصد النمو الكمي والنوعي لمؤسسات التعليم العالي في هذه الدول، وبعض العوامل المؤثرة في ذلك النمو، ثم يطرح أهم القضايا التي يتعين التعامل معها خلال المرحلة المقبلة، وينتهي القسم بإشارة سريعة إلى جهود العمل المشترك القائمة بين مؤسسات التعليم العالي بدول المجلس.
::/introtext::
::fulltext::
يتناول هذا الجزء من التقرير مسيرة التطور التي مر بها قطاع التعليم العالي في دول مجلس التعاون الخليجي، مع رصد وتحليل أبرز القضايا التي يواجهها. ولذلك، فهو يقدم خلفية تاريخية موجزة لنشأة التعليم العالي في دول المجلس، ويرصد النمو الكمي والنوعي لمؤسسات التعليم العالي في هذه الدول، وبعض العوامل المؤثرة في ذلك النمو، ثم يطرح أهم القضايا التي يتعين التعامل معها خلال المرحلة المقبلة، وينتهي القسم بإشارة سريعة إلى جهود العمل المشترك القائمة بين مؤسسات التعليم العالي بدول المجلس.
أولاً: ظهور مؤسسة التعليم العالي
يجسد التطور الذي طرأ على كليات المعلمين، وكليات التعليم الفني (الصناعي والتجاري والصحي والزراعي)، والتدرج نحو الكليات الجامعية والجامعات في المراحل المتأخرة جزءاً من استجابة التعليم لمتطلبات النمو والتغيير التي شهدتها المنطقة، فقد أدت الحاجة إلى معلمين في مدارس التعليم العام إلى إنشاء معاهد للمعلمين على مستوى التعليم المتوسط والثانوي، تدرجت مع مضي الوقت، إلى كليات تستقبل الدارسين بعد المرحلة الثانوية. ويُلاحظ التدرج نفسه بالنسبة للتعليم الفني، من حيث النمو من معاهد ومدارس متخصصة تخدم أغراضاً معينة وفقا لحاجات الجهات المشرفة عليها، إلى مؤسسات تعليم عالٍ متعددة الأغراض.
ومع تنامي الحاجة إلى موظفين وقياديين للعمل في مختلف أجهزة الدولة، والنقص الشديد في المؤهلات المواطنة، ووفرة الخريجين من المرحلة الثانوية، بدأت تظهر الجامعة الحديثة، والتي ظلت كليات التربية تمثل النواة الأولى لها في معظم الحالات، كما نلاحظ في جامعة أم القرى، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة البحرين، وجامعة قطر. وتمثل كل من جامعة الملك سعود التي أنشئت في عام 1957، والجامعة الإسلامية عام 1961، وجامعة الكويت 1966، أولى الجامعات الحكومية، التي اكتمل إنشاؤها في جميع دول المجلس بإنشاء جامعة البحرين، وجامعة السلطان قابوس في عام 1986. وحالياً، يوجد 18 جامعة حكومية على مستوى دول المجلس. وفي مراحل لاحقة، أدى التدفق المتنامي في أعداد الخريجين من المرحلة الثانوية، واشتداد الطلب على التعليم العالي، مع محدودية الطاقة الاستيعابية للجامعات الحكومية، إلى ظهور أنواع جديدة من الكليات الحكومية (المعاهد والكليات المتخصصة، وكليات المجتمع)، فضلاً عن الجامعات والكليات التابعة للقطاع الخاص، والجامعة المفتوحة.
وعلى المستوى التنظيمي والإشرافي، توجد ثلاث وزارات للتعليم العالي (السعودية، عُمان، والكويت)، وذلك بعد دمج وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التعليم والشباب في الإمارات لتصبحا وزارة التربية والتعليم والشباب، إضافة إلى مجالس عليا أو مجالس أمناء مسؤولة عن وضع السياسات العامة في مجال التعليم العالي أو الإشراف العام على الجامعات. وتوجد تفاوتات بين دول المجلس بشأن تنظيم كليات المعلمين وكليات التربية والإشراف عليها. أما بالنسبة للتعليم الفني، فبينما توجد ثلاث مؤسسات مركزية في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة، (كليات التقنية العليا)، والمملكة العربية السعودية (مؤسسة التعليم الفني والتدريب المهني)، ودولة الكويت (الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب)، يتبع التعليم التقني في سلطنة عُمان وزارة القوى العاملة، ولم تنم كليات تقنية في كل من مملكة البحرين ودولة قطر تتطلب إنشاء جهات مركزية.
ثانياً: التطور الكمي في مجال التعليم العالي
1ـ أعداد الطلاب:
تشير إحصاءات التعليم العالي إلى أن أعداد الطلاب المقيدين في جميع مؤسسات التعليم العالي بدول مجلس التعاون خلال العام الجامعي 2002/ 2003 تجاوزت ما يزيد قليلا 700 ألف طالب وطالبة (انظر الجدول رقم 1). وخلال الفترة الممتدة من عام 1990 إلى 2001، تضاعفت الأعداد في حدود ثلاث مرات على مستوى دول المجلس، وذلك من خلال معدلات نسب نمو سنوي تمثلت في 2.3 في المائة في قطر، 4.5 في المائة في الكويت، و7.5 في المائة في مملكة البحرين، و11.5 في المائة في السعودية، و19 في المائة في دولة الإمارات، و22.5 في المائة في سلطنة عُمان. ووفقاً لهذه المعدلات، فإنه من المتوقع أن يتجاوز حجم التعليم العالي 1.200 ألف طالب خلال السنوات الخمس المقبلة.
2 – توزيع المقيدين حسب مؤسسات التعليم العالي:
توضح الإحصاءات الرسمية أن نسبة المقيدين في الجامعات الحكومية إلى إجمالي المقيدين في التعليم العالي، تزيد قليلاً على 45 في المائة على مستوى دول المجلس. لكن النسبة تتفاوت حسب كل دولة ومدى وجود بدائل غير الجامعة، حيث تراوحت بين 22 في المائة في سلطنة عُمان، و3 في المائة في الكويت، وما يقرب من 99 في المائة في دولة قطر. وتستأثر كليات المعلمين التي تعمل كمؤسسات مستقلة في المملكة العربية السعودية (مائة كلية تربية أغلبها للمعلمات)، بما يصل إلى نحو 50 في المائة من أعداد الطلاب المقيدين بالتعليم العالي في المملكة، بينما تبلغ هذه النسبة نحو 16 في المائة في حالة سلطنة عُمان (ست كليات معلمين). كما تشكل نسبة أعداد الطلاب في كلية التربية الأساسية التابعة للهيئة العامة للتعليم التطبيقي نحو 16 في المائة من أعداد الطلاب المقيدين في الكويت.
أما من حيث عدد الطلبة (المقيدين) بكليات التعليم التقني والفني فهو إجمالاً لا يزال ضئيلاً، مقارنة بأعداد الطلاب المقيدين في جميع مؤسسات التعليم العالي في دول المجلس، حيث يبلغ عددهم (80,120 طالباً)، وهو ما يمثل نحو 11.5 في المائة من إجمالي المقيدين، وإن كانت تتفاوت هذه النسبة من دولة إلى أخرى. ففي دولة الإمارات على سبيل المثال، بلغت نسبة أعداد الطلاب المقيدين في كليات التقنية العليا، مقارنة بجملة المقيدين في جميع مؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة نحو 22 في المائة، وفي السعودية بلغت هذه النسبة أقل من 9 في المائة، وفي عُمان 17 في المائة، وفي الكويت نحو 32 في المائة.
وفيما عدا دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي يوجد بها ما بين أربع وعشرين كلية وجامعة خاصة معترفاً بها من قبل الجهات المختصة وتضم ما نسبته نحو 57 في المائة من أعداد الطلاب المقيدين في التعليم العالي، وسلطنة عُمان التي يوجد بها اثنتا عشرة كلية خاصة وجامعة خاصة تضم نحو 15 في المائة، فإن نصيب التعليم العالي الخاص من جملة الطلاب المقيدين في مؤسسات التعليم العالي يبقى متواضعاً في بقية دول المجلس، حيث لا تزال الكليات والجامعات الخاصة، حديثة أو هي في طور الإنشاء.
3 – التوزيع حسب الجنس:
قطعت دول المجلس شوطاً بعيداً في مجال تعليم الإناث، وهو ما يدل عليه ارتفاع النسب المئوية لأعداد المقيدات، مقارنة بأعداد المقيدين سواء في كل مؤسسات التعليم العالي (67 في المائة، 62 في المائة، 56 في المائة، 54 في المائة، 77 في المائة، 69 في المائة، في كل من: الإمارات، والبحرين، والسعودية، وعُمان، وقطر، والكويت على التوالي، (انظر الجدول رقم 1)، أو في الجامعات (76 في المائة، 60 في المائة، 33 في المائة، 50 في المائة، 77 في المائة، 70 في المائة ) في كل من الإمارات والبحرين وعُمان والسعودية وقطر والكويت، على التوالي. على أنه من الـمُـلاحظ أن معظم نسب الإناث تتركز في الكليات والتخصصات النظرية، مثل التربية والعلوم الاجتماعية، والآداب. وتبلغ النسبة أعلى مستوياتها في حالة المملكة العربية السعودية، حيث يوجد ما يزيد على 76 في المائة من الطالبات في كليات المعلمات الموجودة خارج إطار الجامعات.
4 – التوزيع حسب التخصصات:
تتفاوت نسبة الطلاب المقيدين في التخصصات العلمية والهندسية (الطب والعلوم والعلوم الصحية، وتقنيات المعلومات، والحاسوب، والزراعة، والهندسة) إلى جملة المقيدين في الجامعات بدول المجلس من دولة إلى أخرى، حيث تصل هذه النسبة إلى 23 في المائة في جامعة البحرين، و24 في المائة في جامعة قطر، و37 في المائة في الجامعات السعودية وجامعة الكويت، و43 في المائة في جامعة السلطان قابوس. وتقل هذه النسب بالطبع إذا ما قُورنت بإجمالي المقيدين في جميع مؤسسات التعليم العالي.
ثالثاً: القضايا الرئيسية التي تواجه التعليم العالي
يواجه التعليم العالي بدول مجلس التعاون الكثير من القضايا التي تمثل تحديات يتعين مواجهتها حالياً وفي المستقبل. ويمثل التوسع، والمواءمة، والجودة قضايا رئيسية متداخلة تتمحور حولها قضايا أخرى كثيرة. وتتلخص مشكلة التوسع في وجود فجوة كبيرة من الاحتياج تقتضيها متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والطلب الاجتماعي المتنامي على التعليم العالي، وبين القدرة الاستيعابية للمؤسسات القائمة، وقلة أعدادها وأنواعها. وتمثل قضية المواءمة، والتي تعبر عن مدى توافق مخرجات مؤسسات التعليم العالي مع متطلبات التنمية والتطلعات الاجتماعية قضية لها أهميتها الملحة، وبخاصة مع وجود أعداد زائدة من العمالة الوافدة، وظهور البطالة بين الخريجين. أما قضية الجودة، فتتصل بمستوى ونوعية المؤسسات التعليمية والبرامج التي تعرضها، ومدى توافقها مع الأهداف المتوخاة منها، والمعايير والمحكات المقبولة.
1 – قضية التوسع في التعليم:
توضح المقارنة أن نسب الملتحقين بالتعليم العالي في دول المجلس لا تزال أدنى بكثير من مثيلاتها في عدد من الدول المتقدمة والناهضة. ففي الوقت الذي تصل أو تتجاوز فيه نسبة الملتحقين بالتعليم العالي من الفئة العمرية في سن التعليم العالي لبعض الدول المتقدمة الـ 80 في المائة لا تزيد هذه النسبة على 20 في المائة في معظم دول المجلس. ويواجه التعليم العالي في هذه الدول ارتفاعاً مستمراً في الطلب المجتمعي عليه، وتفاقماً لمشكلات القبول، وذلك نتيجة طبيعة هياكلها السكانية (ارتفاع معدلات النمو، واتساع قاعدة الهرم السكاني)، والتوسع في التعليم العام، وارتفاع أعداد ومعدلات خريجي الثانوية العامة بما يفوق الطاقات الاستيعابية الحالية لمؤسسات التعليم العالي. ففي سلطنة عُمان، على سبيل المثال، فإنه من بين 35044 طالباً وطالبة تخرجوا من الثانوية العامة خلال العام الجامعي 2001/2002، لم يتم قبول سوى 9416 طالباً في جميع مؤسسات التعليم العالي الحكومية على مستوى السلطنة. وإذا أضفنا إلى هؤلاء أعداد من قُبلوا في مؤسسات التعليم العالي الخاصة (1628طالباً)، ومن واصلوا دراستهم في الخارج (2348طالباً)، فإن نسبة من أتيحت لهم فرصة مواصلة دراستهم من خريجي الثانوية في ذلك العام لا تتجاوز 40 في المائة. ويمكن طرح خيارات عدة لمقابلة الحاجة إلى التوسع في التعليم العالي الذي تفرضه مقتضيات التنمية والتطور بدول مجلس التعاون والطلب المتزايد على التعليم، أبرزها ما يلي:
أ – زيادة الاستثمار الحكومي في التعليم العالي:
تظل الحكومات في دول المجلس وفي كثير من دول العالم الممول الرئيسي للتعليم العالي، وإذا ما اتخذت بعض الأرقام القديمة، والمتوفرة في التقارير الصادرة عن بعض المنظمات الدولية، مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أو البنك الدولي، كنسب صالحة للمقارنة، فإنه يمكن الاستدلال على أن معدلات الاستثمار في التعليم في دول المجلس منسوبة إلى الناتج المحلي الإجمالي أو إلى الإنفاق العام ليست بعيدة كثيراً عن نظيراتها في بعض الدول المتقدمة والناهضة.
أما في ما يخص الاستثمار في التعليم العالي، فتوضح الإحصاءات المتوفرة من وزارات التخطيط والاقتصاد، وجود تفاوت بين دول المجلس في نسب الإنفاق، وإن كانت كلها، إذا ما أخذنا في الاعتبار أحادية مصدر التمويل لمؤسسات التعليم العالي، وطبيعة أوجه إنفاقها لميزانياتها، ومستوى كفاءتها الداخلية، تُستثمر بدرجة أقل بكثير جداً مما هو مطلوب.
ب – رفع الكفاءة الداخلية لمؤسسات التعليم العالي:
من أهم الجوانب التي يمكن تناولها ضمن هذا الخيار لمقابلة الحاجة إلى التوسع في التعليم العالي وتطويره، موضوعا التنظيم والإدارة، والفاقد التعليمي. وبالنسبة إلى التنظيم والإدارة، لعل ما يهم هنا يتعلق بمركزية القرار، وما يعنيه من محدودية الصلاحيات التي تمتلكها مؤسسات التعليم العالي في إدارة مواردها، والمرونة في البرامج والأساليب التي يمكن أن تبتكرها لمواجهة ظروفها الخاصة. وبداية، فإن معظم مؤسسات التعليم العالي، (أو الجهات التي تعمل في إطارها) تتلقى موازناتها تفاوضياً مع الجهات المالية في الدولة، حيث لا تجد في الأغلب شجون هذه المؤسسات واحتياجاتها الاهتمام المناسب. وفي كثير من الحالات، تجد مؤسسة التعليم العالي نفسها مضطرة، إلى الرجوع إلى الجهة المركز باستمرار لتحصيل الموافقة على خططها وبرامجها، أو السماح لها بتخطي بعض القيود الصارمة في ما يتصل بقرارات الإنفاق.
ويشير الواقع، إلى أن النقص في توظيف التقنية الحديثة في كثير من مؤسسات التعليم العالي لا يقتصر فقط على الجوانب الإدارية، بل يمتد إلى النواحي الأكاديمية والتدريسية، حيث لا تستثمر التقنية بشكل يرفع من مستوى الكفاءة الداخلية أو الخارجية للمؤسسة. ولا تزال قدرات كثير من أعضاء هيئات التدريس، والطلاب والإداريين بحاجة إلى الترقية والتطوير. يُضاف إلى ذلك أن هناك نقصاً شديداً في تكامل الموارد بين مؤسسات التعليم العالي، ليس في ما يتصل بتبادل وتنظيم المعلومات والإفادة منها في مجالات التخطيط والبحث العلمي ومصادر التعلم والتدريس فقط، بل وكذلك في مجال الإفادة من التجهيزات الجيدة، والمعامل والمختبرات، والمكتبات، المتوافرة لدى بعضها.
أما بالنسبة للفاقد التعليمي، فتشير دراسات عدة إلى فقد عام يتراوح من 20 في المائة إلى 50 في المائة بين المقيدين في الجامعات بدول المجلس، مما يعني (من الناحية المالية على الأقل) ضياع ما بين 20 في المائة إلى 50 في المائة من الموارد المالية للجامعات. ومن المؤكد، أن إعطاء اهتمام أكبر لجانب الكفاءة الداخلية من شأنه أن يساعد مؤسسات التعليم العالي في دول المجلس على ترشيد مواردها وخفض التكلفة الفعلية للطالب من جهة، والتركيز على تحسين الجوانب النوعية من جهة أخرى، والتمكن من رفع طاقاتها الاستيعابية.
ج – تنويع مصادر التمويل:
لا يتسع المقام هنا لعرض تجارب مختلف الجامعات في مجال البحوث والاستشارات العلمية، إلا أنه يتعين التنويه بأن الموارد المتاحة حالياً من خلال هذين المصدرين، لا تزال ضئيلة، لأسباب يعود جزء منها إلى عوامل اقتصادية واجتماعية معظمها خارج إرادة الجامعة. أما بالنسبة إلى التدريب، فإن التجربة الحالية لمراكز خدمة المجتمع، والموجودة في معظم مؤسسات التعليم العالي، تعتبر مثالاً جيداً يمكن التوسع فيه، وربطه بالاحتياجات المتنامية في مجال التعليم المستمر الذي تتزايد أهميته في أسواق العمل والاقتصادات الحديثة. ولا تزال الجهود في مجال تنويع المصادر من خلال الخيارات المعروفة، مثل التبرعات، والهبات، والوقفيات، وإنشاء الكراسي الأكاديمية، والاستفادة من عائدات الوقف الإسلامي، بحاجة إلى تعزيز.
د – تنويع أنماط التعليم العالي:
ظلت إلى وقت قريب، أنماط حديثة من التعليم، مثل: التعليم عن بعد، وكليات المجتمع، والجامعة المفتوحة، والجامعة الافتراضية، والكليات الخاصة، جديدة على المنطقة. ونظراً لما تحمله هذه الأنماط من إمكانات واسعة لنشر التعليم العالي، والوفاء باحتياجات الأفراد والمجتمع، من حيث الحصول على تعليم جيد عالي المرونة، إضافة إلى قدرتها على امتصاص كثير من الضغط على المؤسسات التقليدية، فإنها تمثل خيارات ناجعة تحتم الظروف دعم الاستثمار فيها. وحالياً، تضيف تقنية الاتصالات والمعلومات، وتقنية الإنترنت إمكانات غير محدودة في مجال التعلم خارج الإطار التقليدي، ولم يعد المكان أو المسافة عوائق أمام الوصول إلى المعلومات، أو الحصول على التعليم. وتستدعي الحاجة إلى التوسع والمرونة التوجه نحو هذه الأنماط وتوفير الإمكانات اللازمة لنموها.
هـ – تشجيع نمو التعليم العالي الخاص:
يمثل التعليم العالي الخاص خياراً قليل الكلفة للميزانية العامة من جهة، وأسلوباً مرناً في الاستجابة المواتية لمقابلة الطلب على التعليم من جهة أخرى. وحالياً، لا يسهم التعليم العالي الخاص، إلا بنسبة ضئيلة في التعليم العالي بدول المجلس، مقارنة بدول مثل الفلبين وكوريا واليابان، وبلجيكا (85 في المائة، 80 في المائة، 70 في المائة، و65 في المائة على التوالي (البنك الدولي 2000). ومن دون تناول القضايا المتصلة بالتعليم العالي الخاص، مثل الجودة، وضوابط النمو، ومدى المواءمة مع احتياجات المجتمع، وهي أمور بلا شك على جانب كبير من الأهمية والتعقيد، فإن الإمكانات الواسعة التي يقدمها في مجال توسيع التعليم العالي وتجويده تستدعي قيام دول المجلس بجهود حثيثة لدعمه وتشجيع نموه. ويتمثل الدعم المادي في تقديم القروض والمنح والتسهيلات المالية، ومنح الأراضي، والمساهمة في إنشاء المرافق والتجهيزات، وتيسير الاستفادة من مرافق الجامعات ومؤسسات التعليم الحكومية، وتحمل جزء من الرسوم الدراسية للطلاب. ويمكن أن تُربط هذه المساعدات على نحو أو آخر بمستوى المقبولين، ونوعية البرامج والمخرجات، ومدى التكامل مع المؤسسات الأخرى، وغير ذلك مما يساعد على تطوره بما يخدم الأهداف التنموية. كما يمكن أن توفر الدولة دعمها، عن طريق تخفيف القيود والضوابط التي تضعها الجهات المسؤولة في مجال الترخيص والإجراءات المرتبطة بإقامة مشاريع مؤسسات التعليم الخاصة، والتركيز بدلاً من ذلك على ضوابط الجودة بعد نهوض تلك المشاريع.
2- قضية المواءمة :
تمس قضية المواءمة كثيراً من الأبعاد المهمة لدور التعليم العالي في تلبية الاحتياجات المجتمعية والفردية. ولا يتسع المقام لتناول تلك الأبعاد بأي قدر من التفصيل، وسيُكتفى، بدلاً من ذلك، بتناول جانب العرض في البعد الخاص بالعلاقة بين مخرجات التعليم العالي واحتياجات سوق العمل، بسبب ضيق المجال، ووجود عدد كبير من الوثائق والدراسات السابقة التي تناولت الموضوع بكثير من التفصيل. وتكمن أهمية هذا الجانب في ما تثيره العلاقة بين الفائض في العرض من مخرجات التعليم العالي، والنسبة العالية لأعداد العمالة الوافدة في أسواق العمل بدول المجلس، ومشكلة البطالة بين الخريجين من تساؤلات حول مدى توافق مخرجات التعليم العالي مع احتياجات سوق العمل. وأوضحت المؤشرات الكمية التي جرى ذكرها، وجود اختلالات في مخرجات التعليم العالي، تمثل أبرزها في: قلة أعداد وأنواع مؤسسات التعليم التقني والفني، وقلة أعداد الطلاب المقيدين في هذه المؤسسات، وعدم التناسب في توزيع الطلاب بين التخصصات النظرية والتخصصات العلمية والهندسية، وتفوق أعداد الإناث في التعليم العالي مقارنة بأعداد الذكور مع تركز أغلبهن في التخصصات النظرية.
ومن الاختلالات الأخرى، التي يمكن الإشارة إليها، النقص في مستويات تأهيل وإعداد الخريجين من حيث المهارات المطلوبة في سوق العمل، مثل مهارات الاتصال، أو القدرة على التعبير تحدثاً وكتابة، والإلمام باللغة الإنجليزية، ومهارات استخدام التقنية الحديثة، والقدرة على التعامل مع المشكلات والمواقف الحياتية بقدر من المرونة والابتكار وغيرها. والمتتبع لمناهج الإعداد العام في معظم مؤسسات التعليم العالي، يلاحظ الكثير من الحشو، وضعف التركيز على تنمية تلك المهارات، مع المبالغة في التركيز على الحفظ والتلقين وأساليب المحاضرات والتنظير، من دون اعتبار لتنمية قدرات الطلاب على التفكير الناقد وحل المشكلات، والتعلم الذاتي، وربط التعلم بخبرات الحياة العملية.
يُضاف إلى ما سبق ضعف علاقة مؤسسات التعليم العالي، بمؤسسات المجتمع عموماً، والمؤسسات المستقبلة لخريجيها، بوجه خاص، ونقص تمثيل تلك المؤسسات في الهيئات والمجالس الإشرافية لمؤسسات التعليم العالي، وقلة الاستفادة من تصوراتها أو التعرف إلى احتياجاتها عند التخطيط والتنفيذ للمناهج الدراسية، وتطوير البرامج التعليمية والتدريبية. ويظهر الضعف بصورة أوضح في مجال البحث العلمي والدور المحدود للجامعات في توظيفه لخدمة المجتمع وتحقيق أهداف التقدم العلمي والتنمية الاقتصادية والتقنية في هذا المجال. وواضح أنه للتحسين من مستوى المواءمة، يتعين على مؤسسات التعليمي العالي بدول المجلس تصحيح هذه الاختلالات وتلافي جوانب الضعف الموجودة.
3- قضية الجودة :
يقتضي تطوير نظم تعليم عالية المستوى، وتلبية الحاجة الملحة إلى التوسع في التعليم العالي، وجعله متوائماً مع متطلبات التنمية، وجود نظم للتقويم وضمان الجودة في مؤسسات التعليم العالي. ومن دون الدخول في مناقشة الأبعاد الشاملة للجودة، أو أهميتها بالنسبة لمؤسسات التعليم العالي، يُكتفى هنا بالإشارة إلى بعض الجهود التي تمت على المستويين الجماعي والفردي لبعض مؤسسات التعليم العالي بدول المجلس. فعلى المستوى الجماعي، ومنذ ما يزيد على عشرين عاماً، بُذلت محاولات عدة من خلال مكتب التربية العربي لدول الخليج، تكررت من دون انقطاع على مدى السنين اللاحقة من خلال لجان العمل التربوي المشترك في إطار مجلس التعاون الخليجي لإقامة نظام للاعتماد وتقويم الجودة لمؤسسات التعليم العالي. ولأهمية الموضوع، تقدمت الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون، ضمن مرئياتها حول المنظومة التعليمية والبحث العلمي بدول المجلس بمقترح إنشاء هيئة للاعتماد الأكاديمي وضبط جودة التعليم. وتم تبني المقترح من قبل المجلس الأعلى في قمة مسقط (ديسمبر 2000)، ووجه اللجان المختصة بتنفيذه. وتنفيذاً للقرار، قامت الأمانة العامة لمجلس التعاون بإعداد دراسة موسعة بالتعاون مع المكتب الإقليمي لليونسكو في الدوحة لتحديد المتطلبات البشرية والمادية لإنشاء الهيئة، ووضع التنظيم الإداري الخاص بها والخطوات اللازمة لإقامتها، وعينت الأمانة العامة بالتنسيق مع وزارات التعليم العالي والتربية لجنة متخصصة لمتابعة موضوع الاعتماد، ولا تزال المحاولات والجهود تُبذل من أجل إقامة الهيئة.
وعلى مستوى الدول، توجد حالياً ثلاث هيئات في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي تابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وفي سلطنة عُمان، وهي تابعة للمجلس الأعلى للتعليم، وتقوم وزارة التعليم العالي في السلطنة بأمانتها، وتم في المملكة العربية السعودية حديثاً إنشاء هيئة للتقويم والاعتماد الأكاديمي. ويصعب حالياً تقويم أداء هذه الهيئات أو مدى استقلاليتها أو دورها المستقبلي في الاعتماد، وإن كان من الواضح أن الوظيفة الرئيسية تتركز في المراحل الأولى على الترخيص لمؤسسات التعليم العالي الخاصة. وعلى مستوى الجامعات، توجد محاولات جادة في مجال التقويم الذاتي، من خلال الاستعانة بالخبرات الإقليمية والعالمية، وقد تمكنت عدد من الجامعات في دول المجلس من الحصول على اعتماد برامج كليات الهندسة بها من قبل روابط الاعتماد الأكاديمي العالمية المتخصصة، أما على مستوى الاعتماد المؤسسي، فلا تزال الجهود محدودة.
ومن العرض السابق، يتضح أن التطور في مجال الاعتماد الأكاديمي، وضمان الجودة لا يزال في بدايته. ويعود جزء من هذا التأخر إلى بعض العوامل التي لا يمكن ومنها: إغفالها، أن أغلبية مؤسسات التعليم هي حكومية في الأساس، ومن ثم لا تتوفر لها الاستقلالية والمرونة المالية والإدارية، وما يستتبع ذلك من قيام نظم مستقلة للتقويم والمحاسبة. ولم تواجه معظم مؤسسات التعليم العالي بدول المجلس خلال تاريخها ضغوطاً لتقويم أدائها، أو حاجة إلى تبرير برامجها وخططها، أو شرح أدائها. ومع تزايد الطلب على التعليم، فإن موضوع الجودة، عند الطالب أو المجتمع، يصبح ثانوياً مقارنة بالحصول على فرصة العمر في التعليم أياً كان مستواه. ومن المؤكد أن هذين العاملين سيظلان عائقاً أمام ظهور مؤسسات مستقلة للاعتماد وضمان الجودة، وستبقى المحاولات التي تقوم بها الجامعات مبنية على حوافز ذاتية في معظمها، وليست استجابة لأي من الضغوط الخارجية، على الأقل في الوقت الراهن.
التعاون المشترك بين مؤسسات التعليم العالي بدول “التعاون”
يحظى التعليم باهتمام خاص في مسيرة مجلس التعاون. وتشرف لجنة وزراء التعليم العالي والبحث العلمي، وهي لجنة دائمة، على لجان العمل المشترك، ومن بينها لجنة رؤساء ومديري الجامعات ومؤسسات التعليم العالي، وعدد كبير من اللجان لعمداء الكليات المتناظرة، مثل الآداب والتربية والهندسة والطب وغيرها. وتتولى الأمانة العامة التنسيق للجنة الوزراء، ولجنة رؤساء الجامعات واللجان التحضيرية لاجتماعاتها، بينما تقوم الكليات ذاتها بأمانة اللجان الخاصة بها. وتهدف اللجان جميعها إلى تحقيق التعاون والتكامل بين مؤسسات التعليم العالي وتبادل الخبرة والمعلومات والاستفادة من الموارد والمصادر المتاحة.
وتوجد نشاطات مكثفة في مجال إقامة الندوات والمؤتمرات واللقاءات العلمية، والزيارات الطلابية، والأنشطة الرياضية والثقافية. ولن يتسع المقام هنا لتناول مسيرة العمل المشترك، أو تقويمها. وتجدر الإشارة إلى أن المجلس الأعلى لمجلس التعاون قد تبنى عدداً من القرارات المهمة في مجال التعليم، لعل أبرزها القرارات الخاصة بالخطة المشتركة لتطوير مناهج التعليم العام (المنامة – ديسمبر 2000)، ومرئيات الهيئة الاستشارية بشأن منظومة التعليم والبحث العلمي بدول مجلس التعاون، (مسقط، 2001)، والتوجهات الخاصة بالتعليم (الدوحة، ديسمبر، 2002)، والتوجهات الواردة في وثيقة الآراء للأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي عهد السعودية في الجانب التعليمي (الدوحة – ديسمبر 2002)، وأخيراً وثيقة التطوير الشامل للتعليم (الكويت – ديسمبر 2003). ويجري العمل حالياً على تنفيذ تلك القرارات.
::/fulltext::
::cck::2533::/cck::
