الهوية العربية في عصر العولمة
::cck::2806::/cck::
::introtext::
جاء المؤتمر السنوي الخامس لمركز الخليج للدراسات هذا العام وهو يضرب على أكثر من وتر حساس، إن لم يكن قد وضع يده على جروح غائرة متعلقة بجذورنا وهويتنا ومراحل قوتنا وضعفنا وما ننتظره نحن العرب من تحديات تفرضها الهيمنة الاستعمارية المتمثلة في القطب الواحد من جانب، ومن آخر ما تحمله العولمة قصراً إلينا وما تفرضه تداعياتها وآثارها التي يبدو بعض منها حلواً في مقابل كثير تزداد مرارته طردياً مع تردي أوضاعنا وتقهقرنا وأصوات دعاة التفتت.
::/introtext::
::fulltext::
جاء المؤتمر السنوي الخامس لمركز الخليج للدراسات هذا العام وهو يضرب على أكثر من وتر حساس، إن لم يكن قد وضع يده على جروح غائرة متعلقة بجذورنا وهويتنا ومراحل قوتنا وضعفنا وما ننتظره نحن العرب من تحديات تفرضها الهيمنة الاستعمارية المتمثلة في القطب الواحد من جانب، ومن آخر ما تحمله العولمة قصراً إلينا وما تفرضه تداعياتها وآثارها التي يبدو بعض منها حلواً في مقابل كثير تزداد مرارته طردياً مع تردي أوضاعنا وتقهقرنا وأصوات دعاة التفتت.
أمام قضايا كثيرة شائكة ارتكزت في مصب أو عنوان المؤتمر (الهوية العربية في عصر العولمة) اجتمع خيرة من أبرز الساسة والمفكرين والإعلاميين والكتاب العرب حول طاولة المؤتمر الخامس في مقر دار ((الخليج)) واستهل الدكتور عبد الله عمران رئيس مجلس إدارة الخليج للصحافة والطباعة والنشر فعاليات المؤتمر بكلمة أكد فيها أن الهوية العربية قائمة بالوجود العربي تحددها المواقف والممارسات، وأن العولمة ليست مجرد عبور للحدود وتجاوز للفضاء الجغرافي، بل هي فكر يسعى لأن يسود، منوهاً بمواقف المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ومآثره من أجل أن يتماسك العرب في مواقفهم، وأن يتعاونوا لنهضة أمتهم، ولافتاً كذلك إلى اهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بالثقافة والعلم واحتضان الأعمال الإنسانية.
وحرك الدكتور عبد الله عمران كثيراً من المياه الراكدة بكلمته وفتح الباب لمشاعر جياشة يحملها السياسيون والمفكرون العرب تجاه المغفور له بإذن الله تعالى تريم عمران الذي حمل مشعل القومية وسيف الدفاع عن قضايا أمته في كثير من المحن والمواقف العصيبة. وسجل الدكتور يوسف الحسن بهذه المناسبة كلمة في حق المغفور له عكس خلالها فداحة الخسارة العربية والقومية برحيل تريم عمران الذي كان مسكوناً بهموم أمته، يتنفس هويتها ويملك القدرة على الممانعة، ولم يشتبك في الطريق مع أحد لتهريب الواقع أو لتحميل الآخرين الأوزار كلها وتبرئة الذات.
قبل الدخول في فعاليات الجلسة الأولى أكد الدكتور سليم الحص رئيس وزراء لبنان الأسبق أن السير في طريق العولمة بما ينبغي من وعي وتبصر وإدراك لا يكون على حساب ثوابتنا أو قيمنا أو هويتنا، واختصر موقف الهوية العربية من قضية العولمة في توضيح قال فيه: نحن العرب أولى بالاتحاد من أوروبا فبيننا لغة واحدة وثقافة مشتركة وتاريخ جامع، ومصالح متبادلة، وإحساس بالمصير المشترك، داعياً إلى أن يكون الاتحاد هو طريقنا.
وأشار الدكتور عبد الرزاق الفارس مدير مركز الخليج للدراسات إلى أن الحديث عن العولمة شغل حيزاً كبيراً من الأدبيات الفكرية والثقافية ليس في العالم العربي وحده، بل في جميع أنحاء المعمورة، في وقت تفاوتت المدارس الفكرية في عالمنا العربي بين قطبين متناقضين يبرز الأول منهما كل الجوانب السلبية للعولمة، ويؤكد الآخر أنها أحد أهم التطورات الإيجابية في الحياة الإنسانية.
حملت الجلسة الأولى في اليوم الأول للمؤتمر والتي ترأسها خلفان الرومي عنوان (أسئلة الهوية العربية) فيما شهدت ورقتي عمل حول هذا العنوان، جاءت الأولى من الدكتور تركي الحمد وطرح من خلالها تساؤلات عدة حول مفهوم الهوية وأبعادها وهل هي قالب ثابت محدد المعالم والأبعاد؟ وأوضح أن العرب يتحدثون عن الهوية وأزمتها كثيراً، وأن هذا الحديث يروج في حالات الضعف والعجز في مقابل متغيرات العصر من دون دراية عن أي شيء يتحدثون، معتبراً أن الأزمة هي أزمة عقل وآليات عقل قبل أن تكون أزمة واقع وهي ليست في الهوية وإنما في العقل المأزوم غير القادر على استيعاب متغيرات الواقع أو الرافض لقبول المتغيرات.
وعقّب الدكتور محمد الركن على كثير مما طرحته الورقة لافتاً إلى أنها ركزت على مسألة الهوس الموجود لدى العرب والمسلمين بموضوع الهوية، بالرغم أن الأمة ليست مهووسة كما ورد، وتساءل هل سؤال الهوية مقصور علينا وعلى الأمم المهزومة أو المأزومة فقط؟
وفي ورقة العمل الثانية استهل الدكتور عبد الإله بلقزيز طرحه بالتأكيد على أن العولمة لم تكن حالة اقتصادية وسياسية وأمنية حصراً، بل لها وجوه ثقافية لم يكن من الممكن تجاهل أبعادها ولا نتائجها، فيما أشار إلى أن الهوية العربية لم توضع في امتحان مصيري كما توضع اليوم في امتداد ما وصفه بمفاعيل العولمة التجارية ولاسيما الوجه الثقافي منها.
وفي تعقيبه قال الدكتور محمد الرميحي إن الورقة انطلقت من مجموعة افتراضات أهمها أن العولمة قد درست في فضائنا العربي من المنظور الاقتصادي والسياسي والعسكري وأهملت دراسة تأثيرها في الثقافة. وفي مداخلاتهم لما حملته ورقتا العمل الأولى والثانية أثار المشاركون كثيراً من الأمور والقضايا المتشابكة والمهمة، وأكد الدكتور علي فخرو على ضرورة أن يكون لكل فرد هوية داخل المجتمع وهي في تقديره نتاج لتفاعل مجموعة من العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
وسخر أحمد الجمال من استخدام مصطلحات نفسية وسيكولوجية للتعبير عن حالة القلق التي تثور داخل نفوس المثقفين والكتاب العرب إزاء المخاطر التي تحيط بالهوية العربية والإسلامية. ودعا محمد خالد إلى الانتباه للخطر الذي يهدد الهوية العربية في العراق ودول الخليج، الى جانب مخاطر التفتيت الثقافي والجغرافي، فيما أكد ناصيف حتي أن الأمة العربية والإسلامية تعيش أزمة متعددة الجوانب، وتحتاج إلى دراسة الإرهاصات الحالية في الغرب حول مفهوم القومية وأزمة السلطة والشرعية في الدول المركبة.
وأوضح عوني فرسخ أن الهوية بوجه عام لها جانبان أحدهما ثابت أسسته تجارب الأمة على مر التاريخ من خلال القدرة والمقاومة والآخر متغير. ووجه فهد بن عبد الرحمن آل ثاني سؤالاً للدكتور تركي الحمد حول الآليات التي يفترض على العرب استخدامها للتعامل مع أمريكا وفي الوقت نفسه تمكنهم من المحافظة على الهوية من الضياع.
ووصف الدكتور خير الدين حسيب ورقة الدكتور تركي الحمد بأنها كانت انتقائية وأخذت من الاستثناءات نماذج للتعميم على القاعدة في الوطن العربي في ما يتعلق بغياب الهوية. وفي مداخلته أكد محمد فائق وجود محاولات جادة قسرية لتفتيت الهوية العربية وفصلها بشكل تعسفي عن محيطها الإفريقي، مسلطاً الضوء على التغيرات التي شهدها السودان من خلال فصل كل ما هو عربي عن كل ما هو إفريقي.
وكشف الدكتور علي شمو عن مخاوف كبيرة لدول العالم الثالث من مفاوضات التجارة الحرة واتفاقية الجات على الهوية، مؤكداً أن الهوية والثقافة في عصر العولمة هما الأمور المحسومة، بمعنى أن أبواب الدول وهويتها وثقافتها باتت مفتوحة. في السياق نفسه عقد الدكتور عبد الرحمن النعيمي مقارنة بين الواقع الاقتصادي العالمي الذي تسيطر عليه فكرة المادة وبين الواقع الفكري، وقال إن الجانب المادي هو سمة الصراعات الدولية.
وأثارت الدكتورة حياة الحويك ملاحظات عدة حول ورقة الدكتور بلقزيز فقالت إنه يجب النظر إلى الهوية باعتبارها صيرورة متناقضة ووجودها هو هويتها وهي عملية استمرارية حضارية تبنى بالتناغم بين المكتسب والموروث والتزاوج الحضاري. وشهدت فعاليات الجلسة الثانية ثلاث أوراق عمل تخص عنوان ( أسئلة الثقافة العربية)، وترأس جلسة مناقشة الورقة الأولى الدكتور عبد الخالق عبد الله حيث أثار السيد ياسين في ورقته العديد من علامات الاستفهام حول ما يجري في العالم وتفسيره وصورة النظام العالمي الجديد الذي يزحف ببطء ولكن بثبات، فيما ألقى الضوء على مرحلة اختبار الحداثة السياسية والتي بدأت بمواجهة الوطن العربي لمشكلة التخلف ولا سيما بعد ارتفاع الوعي الثقافي نتيجة الاحتكاك بالغرب وخروج التيار الليبرالي ثم ما عرف بالشخصية القومية ونشوء الخطاب العربي التقليدي صاحب النزعة القطرية التي تمثل في نظره العقبة الحقيقية أمام تحقيق الوحدة العربية.
وعقب الدكتور باقر النجار على الورقة مؤكداً أن صورة الانكفاء العربي تقابلها نماذج النهوض الرأسمالي في مواقع شتى في العالم، ومع ذلك فمن الصعب – على حد قوله – مشاهدة ما يسمى بالشمولية الرأسمالية. وفي مداخلته قال الدكتور كمال حمدان إن الأنساق الثقافية التي تطورت منها العملية الديمقراطية في الغرب كانت مشروطة بالثورة الصناعية، وأبدى الدكتور أحمد عبد القادر اتفاقه مع ما طرحه السيد ياسين، غير أنه قال إن مسألة التوازن تجعلني أعتقد أن الغلبة ستكون للقديم وبالتالي سنصل إلى نتائج قد لا تكون مرضية لنا. وتساءل الدكتور أحمد التدمري: هل نحن في حاجة إلى النقد الذاتي ؟ ويجيب قد نحتاج الى ذلك بشرط عدم التفريط في الثوابت. ورأت إقبال التميمي أننا نتحدث عن العولمة لكن لدينا نظرة دونية للغير.
وأبدى محمد محمود رحال ملاحظة عدم استشهاد السيد ياسين في ورقته بما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة عند الحديث عن الإعجاز العلمي. وأكد الدكتور علي فخرو على أهمية ربط كل ما يطرح بالهوية بشكل محكم مع الموضوع المطروح. وفي الورقة الثانية التي ترأسها الدكتور محمد النقبي أثارت الدكتورة مريم لوتاه إشكاليات الواقع العربي الراهن على صعيد الثقافة والهوية، وقدمت صورة لملامح ومعطيات المشهد الدولي، وسلطت الضوء على ثورة التقنيات وما ترتب عليها من عولمة ثقافية واقتصادية وسياسية، ورأت أن هناك تحدياً متمثلاً في تعمد الولايات المتحدة استحداث مصطلحات ومفاهيم جديدة وتوظيف مفاهيم مغلوطة.
ورأى جميل مطر في تعقيبه أن العولمة ليست طريقاً واحداً، بل هي طريقان في اتجاهين يصاحبهما ما سماه التدفق الثقافي الذي ينتقل بنفس القدر والخطورة من الأقوى إلى الأضعف، وأشار إلى أن أميركا نفسها في أزمة حقيقية بسبب العولمة، وأنها تحاول أن تعيد ذاتها إلى الفكر المؤسسي والثوابت والدين.
وفي تعليقه على ورقة الدكتورة مريم لوتاه يقول الدكتور كلوفيس مقصود إن الاختراق ناتج عن فقدان المناعة والتفكك الحادث من بقايا الهيمنة الاستعمارية والحالية، والسؤال كيف نوفر لمجتمعاتنا المناعة للحيلولة دون الاختراق؟ ويؤكد أحمد الجمال أن مسألة القومية هي أكبر تحد نظراً لعدم معرفة بعضنا البعض، ويبدي طلال سلمان استغراباً شديداً تجاه البيان الذي ظهر في لبنان قبل ثلاثة أيام والذي يستنكر ويرفض أن يكون لبنان عربياً ويعتبره متعدد الأعراق والجنسيات كما هو الأمر في العراق.
وقالت الدكتورة حياة الحويك: أعتقد أنه يتوجب علينا ألا ننخدع حتى لا نسوق لأسلوب الهوية الأمريكية الذي يصب في مصلحة إسرائيل.
ويعتبر محمد فائق أن الخطر الأكبر على الهوية يكمن في الداخل وهو متمثل فيما ينتج عن القهر والقمع الذي يفكك الهوية على حد قوله.
وفي ورقة العمل الأخيرة لليوم الأول والتي ترأس جلسة مناقشتها الدكتور غانم النجار، طرح الدكتور طيب تيزيني العديد من النقاط المهمة موضحاً أن رهاناً تاريخياً هائلاً يبرز الآن في أوساط النظام العولمي على إمكانية اختراق الثقافة العربية، وتساءل: هل سيكتشف العرب ما عليهم أن ينجزوه على هذا الصعيد؟ ورأى ناصر الظاهري في تعقيبه أن الورقة ركزت على محنة الثقافة العربية والتي بدأ منعطفها التاريخي وعناصر الاستفزاز والتحدي وتجلى حضورها عام 1967 أي منذ هزيمة يونيو/ حزيران أمام إسرائيل.
وفي مداخلته اتفق الدكتور كمال حمدان على ما أثير من تساؤلات حول الحرية والتقدم والوجود والتاريخ، ووصف الدكتور علي شمو ورقة الدكتور تيزيني بالعميقة، وأشار الدكتور كلوفيس مقصود إلى أن الهوية الأمريكية نفسها مرت بتطورات من مرحلة الطاغية حتى أصبحت سائدة في العالم، فيما لاحظ عبد الله العليان وجود نظرة تشاؤمية في أطروحات البعض، ودعا الدكتور أحمد التدمري إلى التركيز على المؤثرات الداخلية إلى جانب مفهوم الهوية والعولمة والمؤثرات الخارجية.
وفي اليوم الثاني للمؤتمر افتتح الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التربية والتعليم أعمال الجلسة الثالثة المخصصة لمناقشة ورقتي (التفاعل الإنساني والحضاري) المقدمة من فهمي هويدي، و(البعد التنموي) التي طرحها الدكتور كمال حمدان، وأكد الشيخ نهيان في كلمة له بهذه المناسبة أن الوطن العربي يمر الآن بتحديات جسيمة، وأن العولمة تعني بالأساس مد علاقات متعددة بين الأمم وتكثيف التواصل وتؤدي إلى بث روح الحيوية والنشاط، غير أن لها في المقابل جوانب سلبية تنبع من عدم التكافؤ الاقتصادي أو العسكري أو
التقني، وأن هناك ضرورة لدعم قدرة العرب على التعامل مع معطيات عصر العولمة وبناء قدرات تنافسية، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر واقعنا من جديد. واستعرض فهمي هويدي في ورقته تفرد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي الذي أصبح يقوم على إرادة القطب الواحد، الأمر الذي أدخل العالم في طور جديد اختل فيه التوازن الذي ظل قائماً – حسب إشارته – طوال سنوات الحرب الباردة بين القطبين الكبيرين، وقد ساعد على الأزمة أو المأزق انهيار النظام العربي وهشاشة الأوضاع السياسية والثقافية في عالمه، كما أشار إلى أن لافتة الحرب على الإرهاب فتحت شهية قوى الهيمنة لتفكيك العافية في العالم العربي.
ودعت الدكتور ابتسام الكتبي في تعقيبها إلى الاعتراف بحالتنا الراهنة وما فيها من مظالم وأسباب تخلف، والاعتراف بأن هذه الحالة ليست من صنع الاستعمار أو القوى الخارجية وفقط، ولكن من صنعنا نحن في الداخل. وفي المداخلات التي أثيرت حول الورقة يقول الدكتور سليم الحص: أعتقد أن العرب يستطيعون أن يبرزوا أنفسهم في وجه القوى العظمى في العالم، وأرى أن ثقافتنا غير مهددة بالعولمة، وإنما هي مهددة بقوة الدولة الغاشمة، فنحن نواجه عدواً شرساً تقف وراءه دولة عظمى ولن ننهزم، ومجرد صمودنا أمام إسرائيل وأمريكا هو عين الانتصار.
وحذر الدكتور سيف الشريف من الدعاة الجدد داخل الأمة العربية ممن يدعون إلى شرذمة الهوية العربية والإسلامية. ويرى الدكتور معن بشور أن دول الاستقلال تواجه مشكلة حقيقية مع المواطنين وليس مع الأقليات وفقط، مشيراً إلى أولى محاولات الإبادة للأكراد التي تمت على أيدي القوات البريطانية وبوساطة السلاح الكيماوي. ويؤكد الدكتور عزمي بشارة قائلاً: إذا أردنا أن نطور مشروعنا القومي العربي فلا بد من التخلص من مسألة التوازن في القومية، وهذا يتطلب بالضرورة احترام ثقافات الآخرين. ومع اتفاقه على ما جاء في الورقة أشار الدكتور خير الدين حسيب إلى أن بعض المصطلحات أخذت معاني أخرى لدى الناس ولم تعكس المفهوم الصحيح لديهم، وأبرز ذلك مفهوم العلمانية الذي عرفه البعض على أنه ضد الدين.
وفي الجلسة الأخيرة التي ترأسها الدكتور عبد الرحمن العور طرح الدكتور كمال حمدان رؤية لإعادة تشكيل المجال العربي للتكامل الاقتصادي بحيث يكون ركيزة أساسية لحفز القدرات التنافسية للمجتمع ككل، وإعادة النظر في ما أعلن من مشروعات وتجارب عربية، غير أن الدكتور جاسم المناعي أكد في تعقيبه على أهمية أن تكون العالم العربي عوالم عربية وليس عالماً واحداً نظراً لما يمثله التكامل من تركيز على الجانب السياسي.
وأعرب عوني فرسخ خلال مداخلته عن قلقه إزاء مسألة مواكبة المتطلبات التي تفرضها العولمة، وتساءل الدكتور خير الدين حسيب عن أسباب فشل العرب في تطبيق منطقة التجارة العربية الموحدة كما فعل الأوروبيون. واختتم المؤتمر السنوي الخامس فعالياته بقوة كما بدأها وذلك بمائدة مستديرة ترأسها الدكتور يوسف الحسن وانضم إليها الدكتور سليم الحص والدكتور خير الدين حسيب، والدكتور كلوفيس مقصود، والدكتور عزمي بشارة، والدكتور علي شمو، وسعد محيو، وطرح الدكتور يوسف الحسن تساؤلات عدة حول ما أثارته أوراق العمل والمناقشات من قضايا وقال: ما هو العمل تجاه الأزمة التي نعيشها؟ وكيف نطور ونجدد ونتفاعل؟ وبدأت المناقشات والإجابات ليؤكد الدكتور سليم الحص أن الطريق إلى الوحدة العربية يمر بإصلاح شامل يحقق الحريات العامة والممارسة الديمقراطية الفاعلة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقال الدكتور خير الدين حسيب إنه لا خوف على هوية العراق، وأن الخوف هو على هوية الخليج ولاسيما مع خلل التركيبة السكانية، ولفت الدكتور علي شمو إلى أهمية المساهمة الفاعلة في الصناعة الثقافية من خلال صناعة السينما والقنوات الفضائية المترجمة إلى كل لغات العالم.
ومن جانبه طالب الدكتور كلوفيس مقصود الجامعة العربية بضرورة ترتيب أوراقها، ذلك لأنها ليست جامعة للحكومات، وإنما المجتمعات، وعلق الدكتور عزمي بشارة مؤكداً أن الهوية القومية هي المهددة وليست العربية، وطالب القوميين العرب بحمل مفهوم المواطنة ومفهوم الوحدة العربية. وتساءل خليفة زايد: لماذا لا يعقد اجتماع دوري يضم النخبة العربية الموجودة ليبقى هم الهوية والهم العربي حاضراً وحياً. وأرجع الدكتور علي فخرو عمليات التغيير الجذرية في ساحة التربية والتعليم والمناهج إلى الأنظمة العربية الضعيفة وليست الصهيونية. وقال سعد محيو: إذا أردنا الانطلاق من الواقع لا من التفكير (الرغائبي) فعلينا أن نعترف بأن ديناميات العولمة أطلقت ظاهرة جديدة هي الوطنيات العربية.
وفي الختام أعرب الدكتور عبد الله عمران عن تقديره لنخبة المفكرين والسياسيين والإعلاميين العرب الذين حرصوا على توضيح كثير من الصورة المبهمة والقضايا المتشابكة الفاصلة في حياة الأمة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2806::/cck::
::introtext::
جاء المؤتمر السنوي الخامس لمركز الخليج للدراسات هذا العام وهو يضرب على أكثر من وتر حساس، إن لم يكن قد وضع يده على جروح غائرة متعلقة بجذورنا وهويتنا ومراحل قوتنا وضعفنا وما ننتظره نحن العرب من تحديات تفرضها الهيمنة الاستعمارية المتمثلة في القطب الواحد من جانب، ومن آخر ما تحمله العولمة قصراً إلينا وما تفرضه تداعياتها وآثارها التي يبدو بعض منها حلواً في مقابل كثير تزداد مرارته طردياً مع تردي أوضاعنا وتقهقرنا وأصوات دعاة التفتت.
::/introtext::
::fulltext::
جاء المؤتمر السنوي الخامس لمركز الخليج للدراسات هذا العام وهو يضرب على أكثر من وتر حساس، إن لم يكن قد وضع يده على جروح غائرة متعلقة بجذورنا وهويتنا ومراحل قوتنا وضعفنا وما ننتظره نحن العرب من تحديات تفرضها الهيمنة الاستعمارية المتمثلة في القطب الواحد من جانب، ومن آخر ما تحمله العولمة قصراً إلينا وما تفرضه تداعياتها وآثارها التي يبدو بعض منها حلواً في مقابل كثير تزداد مرارته طردياً مع تردي أوضاعنا وتقهقرنا وأصوات دعاة التفتت.
أمام قضايا كثيرة شائكة ارتكزت في مصب أو عنوان المؤتمر (الهوية العربية في عصر العولمة) اجتمع خيرة من أبرز الساسة والمفكرين والإعلاميين والكتاب العرب حول طاولة المؤتمر الخامس في مقر دار ((الخليج)) واستهل الدكتور عبد الله عمران رئيس مجلس إدارة الخليج للصحافة والطباعة والنشر فعاليات المؤتمر بكلمة أكد فيها أن الهوية العربية قائمة بالوجود العربي تحددها المواقف والممارسات، وأن العولمة ليست مجرد عبور للحدود وتجاوز للفضاء الجغرافي، بل هي فكر يسعى لأن يسود، منوهاً بمواقف المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ومآثره من أجل أن يتماسك العرب في مواقفهم، وأن يتعاونوا لنهضة أمتهم، ولافتاً كذلك إلى اهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بالثقافة والعلم واحتضان الأعمال الإنسانية.
وحرك الدكتور عبد الله عمران كثيراً من المياه الراكدة بكلمته وفتح الباب لمشاعر جياشة يحملها السياسيون والمفكرون العرب تجاه المغفور له بإذن الله تعالى تريم عمران الذي حمل مشعل القومية وسيف الدفاع عن قضايا أمته في كثير من المحن والمواقف العصيبة. وسجل الدكتور يوسف الحسن بهذه المناسبة كلمة في حق المغفور له عكس خلالها فداحة الخسارة العربية والقومية برحيل تريم عمران الذي كان مسكوناً بهموم أمته، يتنفس هويتها ويملك القدرة على الممانعة، ولم يشتبك في الطريق مع أحد لتهريب الواقع أو لتحميل الآخرين الأوزار كلها وتبرئة الذات.
قبل الدخول في فعاليات الجلسة الأولى أكد الدكتور سليم الحص رئيس وزراء لبنان الأسبق أن السير في طريق العولمة بما ينبغي من وعي وتبصر وإدراك لا يكون على حساب ثوابتنا أو قيمنا أو هويتنا، واختصر موقف الهوية العربية من قضية العولمة في توضيح قال فيه: نحن العرب أولى بالاتحاد من أوروبا فبيننا لغة واحدة وثقافة مشتركة وتاريخ جامع، ومصالح متبادلة، وإحساس بالمصير المشترك، داعياً إلى أن يكون الاتحاد هو طريقنا.
وأشار الدكتور عبد الرزاق الفارس مدير مركز الخليج للدراسات إلى أن الحديث عن العولمة شغل حيزاً كبيراً من الأدبيات الفكرية والثقافية ليس في العالم العربي وحده، بل في جميع أنحاء المعمورة، في وقت تفاوتت المدارس الفكرية في عالمنا العربي بين قطبين متناقضين يبرز الأول منهما كل الجوانب السلبية للعولمة، ويؤكد الآخر أنها أحد أهم التطورات الإيجابية في الحياة الإنسانية.
حملت الجلسة الأولى في اليوم الأول للمؤتمر والتي ترأسها خلفان الرومي عنوان (أسئلة الهوية العربية) فيما شهدت ورقتي عمل حول هذا العنوان، جاءت الأولى من الدكتور تركي الحمد وطرح من خلالها تساؤلات عدة حول مفهوم الهوية وأبعادها وهل هي قالب ثابت محدد المعالم والأبعاد؟ وأوضح أن العرب يتحدثون عن الهوية وأزمتها كثيراً، وأن هذا الحديث يروج في حالات الضعف والعجز في مقابل متغيرات العصر من دون دراية عن أي شيء يتحدثون، معتبراً أن الأزمة هي أزمة عقل وآليات عقل قبل أن تكون أزمة واقع وهي ليست في الهوية وإنما في العقل المأزوم غير القادر على استيعاب متغيرات الواقع أو الرافض لقبول المتغيرات.
وعقّب الدكتور محمد الركن على كثير مما طرحته الورقة لافتاً إلى أنها ركزت على مسألة الهوس الموجود لدى العرب والمسلمين بموضوع الهوية، بالرغم أن الأمة ليست مهووسة كما ورد، وتساءل هل سؤال الهوية مقصور علينا وعلى الأمم المهزومة أو المأزومة فقط؟
وفي ورقة العمل الثانية استهل الدكتور عبد الإله بلقزيز طرحه بالتأكيد على أن العولمة لم تكن حالة اقتصادية وسياسية وأمنية حصراً، بل لها وجوه ثقافية لم يكن من الممكن تجاهل أبعادها ولا نتائجها، فيما أشار إلى أن الهوية العربية لم توضع في امتحان مصيري كما توضع اليوم في امتداد ما وصفه بمفاعيل العولمة التجارية ولاسيما الوجه الثقافي منها.
وفي تعقيبه قال الدكتور محمد الرميحي إن الورقة انطلقت من مجموعة افتراضات أهمها أن العولمة قد درست في فضائنا العربي من المنظور الاقتصادي والسياسي والعسكري وأهملت دراسة تأثيرها في الثقافة. وفي مداخلاتهم لما حملته ورقتا العمل الأولى والثانية أثار المشاركون كثيراً من الأمور والقضايا المتشابكة والمهمة، وأكد الدكتور علي فخرو على ضرورة أن يكون لكل فرد هوية داخل المجتمع وهي في تقديره نتاج لتفاعل مجموعة من العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
وسخر أحمد الجمال من استخدام مصطلحات نفسية وسيكولوجية للتعبير عن حالة القلق التي تثور داخل نفوس المثقفين والكتاب العرب إزاء المخاطر التي تحيط بالهوية العربية والإسلامية. ودعا محمد خالد إلى الانتباه للخطر الذي يهدد الهوية العربية في العراق ودول الخليج، الى جانب مخاطر التفتيت الثقافي والجغرافي، فيما أكد ناصيف حتي أن الأمة العربية والإسلامية تعيش أزمة متعددة الجوانب، وتحتاج إلى دراسة الإرهاصات الحالية في الغرب حول مفهوم القومية وأزمة السلطة والشرعية في الدول المركبة.
وأوضح عوني فرسخ أن الهوية بوجه عام لها جانبان أحدهما ثابت أسسته تجارب الأمة على مر التاريخ من خلال القدرة والمقاومة والآخر متغير. ووجه فهد بن عبد الرحمن آل ثاني سؤالاً للدكتور تركي الحمد حول الآليات التي يفترض على العرب استخدامها للتعامل مع أمريكا وفي الوقت نفسه تمكنهم من المحافظة على الهوية من الضياع.
ووصف الدكتور خير الدين حسيب ورقة الدكتور تركي الحمد بأنها كانت انتقائية وأخذت من الاستثناءات نماذج للتعميم على القاعدة في الوطن العربي في ما يتعلق بغياب الهوية. وفي مداخلته أكد محمد فائق وجود محاولات جادة قسرية لتفتيت الهوية العربية وفصلها بشكل تعسفي عن محيطها الإفريقي، مسلطاً الضوء على التغيرات التي شهدها السودان من خلال فصل كل ما هو عربي عن كل ما هو إفريقي.
وكشف الدكتور علي شمو عن مخاوف كبيرة لدول العالم الثالث من مفاوضات التجارة الحرة واتفاقية الجات على الهوية، مؤكداً أن الهوية والثقافة في عصر العولمة هما الأمور المحسومة، بمعنى أن أبواب الدول وهويتها وثقافتها باتت مفتوحة. في السياق نفسه عقد الدكتور عبد الرحمن النعيمي مقارنة بين الواقع الاقتصادي العالمي الذي تسيطر عليه فكرة المادة وبين الواقع الفكري، وقال إن الجانب المادي هو سمة الصراعات الدولية.
وأثارت الدكتورة حياة الحويك ملاحظات عدة حول ورقة الدكتور بلقزيز فقالت إنه يجب النظر إلى الهوية باعتبارها صيرورة متناقضة ووجودها هو هويتها وهي عملية استمرارية حضارية تبنى بالتناغم بين المكتسب والموروث والتزاوج الحضاري. وشهدت فعاليات الجلسة الثانية ثلاث أوراق عمل تخص عنوان ( أسئلة الثقافة العربية)، وترأس جلسة مناقشة الورقة الأولى الدكتور عبد الخالق عبد الله حيث أثار السيد ياسين في ورقته العديد من علامات الاستفهام حول ما يجري في العالم وتفسيره وصورة النظام العالمي الجديد الذي يزحف ببطء ولكن بثبات، فيما ألقى الضوء على مرحلة اختبار الحداثة السياسية والتي بدأت بمواجهة الوطن العربي لمشكلة التخلف ولا سيما بعد ارتفاع الوعي الثقافي نتيجة الاحتكاك بالغرب وخروج التيار الليبرالي ثم ما عرف بالشخصية القومية ونشوء الخطاب العربي التقليدي صاحب النزعة القطرية التي تمثل في نظره العقبة الحقيقية أمام تحقيق الوحدة العربية.
وعقب الدكتور باقر النجار على الورقة مؤكداً أن صورة الانكفاء العربي تقابلها نماذج النهوض الرأسمالي في مواقع شتى في العالم، ومع ذلك فمن الصعب – على حد قوله – مشاهدة ما يسمى بالشمولية الرأسمالية. وفي مداخلته قال الدكتور كمال حمدان إن الأنساق الثقافية التي تطورت منها العملية الديمقراطية في الغرب كانت مشروطة بالثورة الصناعية، وأبدى الدكتور أحمد عبد القادر اتفاقه مع ما طرحه السيد ياسين، غير أنه قال إن مسألة التوازن تجعلني أعتقد أن الغلبة ستكون للقديم وبالتالي سنصل إلى نتائج قد لا تكون مرضية لنا. وتساءل الدكتور أحمد التدمري: هل نحن في حاجة إلى النقد الذاتي ؟ ويجيب قد نحتاج الى ذلك بشرط عدم التفريط في الثوابت. ورأت إقبال التميمي أننا نتحدث عن العولمة لكن لدينا نظرة دونية للغير.
وأبدى محمد محمود رحال ملاحظة عدم استشهاد السيد ياسين في ورقته بما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة عند الحديث عن الإعجاز العلمي. وأكد الدكتور علي فخرو على أهمية ربط كل ما يطرح بالهوية بشكل محكم مع الموضوع المطروح. وفي الورقة الثانية التي ترأسها الدكتور محمد النقبي أثارت الدكتورة مريم لوتاه إشكاليات الواقع العربي الراهن على صعيد الثقافة والهوية، وقدمت صورة لملامح ومعطيات المشهد الدولي، وسلطت الضوء على ثورة التقنيات وما ترتب عليها من عولمة ثقافية واقتصادية وسياسية، ورأت أن هناك تحدياً متمثلاً في تعمد الولايات المتحدة استحداث مصطلحات ومفاهيم جديدة وتوظيف مفاهيم مغلوطة.
ورأى جميل مطر في تعقيبه أن العولمة ليست طريقاً واحداً، بل هي طريقان في اتجاهين يصاحبهما ما سماه التدفق الثقافي الذي ينتقل بنفس القدر والخطورة من الأقوى إلى الأضعف، وأشار إلى أن أميركا نفسها في أزمة حقيقية بسبب العولمة، وأنها تحاول أن تعيد ذاتها إلى الفكر المؤسسي والثوابت والدين.
وفي تعليقه على ورقة الدكتورة مريم لوتاه يقول الدكتور كلوفيس مقصود إن الاختراق ناتج عن فقدان المناعة والتفكك الحادث من بقايا الهيمنة الاستعمارية والحالية، والسؤال كيف نوفر لمجتمعاتنا المناعة للحيلولة دون الاختراق؟ ويؤكد أحمد الجمال أن مسألة القومية هي أكبر تحد نظراً لعدم معرفة بعضنا البعض، ويبدي طلال سلمان استغراباً شديداً تجاه البيان الذي ظهر في لبنان قبل ثلاثة أيام والذي يستنكر ويرفض أن يكون لبنان عربياً ويعتبره متعدد الأعراق والجنسيات كما هو الأمر في العراق.
وقالت الدكتورة حياة الحويك: أعتقد أنه يتوجب علينا ألا ننخدع حتى لا نسوق لأسلوب الهوية الأمريكية الذي يصب في مصلحة إسرائيل.
ويعتبر محمد فائق أن الخطر الأكبر على الهوية يكمن في الداخل وهو متمثل فيما ينتج عن القهر والقمع الذي يفكك الهوية على حد قوله.
وفي ورقة العمل الأخيرة لليوم الأول والتي ترأس جلسة مناقشتها الدكتور غانم النجار، طرح الدكتور طيب تيزيني العديد من النقاط المهمة موضحاً أن رهاناً تاريخياً هائلاً يبرز الآن في أوساط النظام العولمي على إمكانية اختراق الثقافة العربية، وتساءل: هل سيكتشف العرب ما عليهم أن ينجزوه على هذا الصعيد؟ ورأى ناصر الظاهري في تعقيبه أن الورقة ركزت على محنة الثقافة العربية والتي بدأ منعطفها التاريخي وعناصر الاستفزاز والتحدي وتجلى حضورها عام 1967 أي منذ هزيمة يونيو/ حزيران أمام إسرائيل.
وفي مداخلته اتفق الدكتور كمال حمدان على ما أثير من تساؤلات حول الحرية والتقدم والوجود والتاريخ، ووصف الدكتور علي شمو ورقة الدكتور تيزيني بالعميقة، وأشار الدكتور كلوفيس مقصود إلى أن الهوية الأمريكية نفسها مرت بتطورات من مرحلة الطاغية حتى أصبحت سائدة في العالم، فيما لاحظ عبد الله العليان وجود نظرة تشاؤمية في أطروحات البعض، ودعا الدكتور أحمد التدمري إلى التركيز على المؤثرات الداخلية إلى جانب مفهوم الهوية والعولمة والمؤثرات الخارجية.
وفي اليوم الثاني للمؤتمر افتتح الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التربية والتعليم أعمال الجلسة الثالثة المخصصة لمناقشة ورقتي (التفاعل الإنساني والحضاري) المقدمة من فهمي هويدي، و(البعد التنموي) التي طرحها الدكتور كمال حمدان، وأكد الشيخ نهيان في كلمة له بهذه المناسبة أن الوطن العربي يمر الآن بتحديات جسيمة، وأن العولمة تعني بالأساس مد علاقات متعددة بين الأمم وتكثيف التواصل وتؤدي إلى بث روح الحيوية والنشاط، غير أن لها في المقابل جوانب سلبية تنبع من عدم التكافؤ الاقتصادي أو العسكري أو
التقني، وأن هناك ضرورة لدعم قدرة العرب على التعامل مع معطيات عصر العولمة وبناء قدرات تنافسية، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر واقعنا من جديد. واستعرض فهمي هويدي في ورقته تفرد الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي الذي أصبح يقوم على إرادة القطب الواحد، الأمر الذي أدخل العالم في طور جديد اختل فيه التوازن الذي ظل قائماً – حسب إشارته – طوال سنوات الحرب الباردة بين القطبين الكبيرين، وقد ساعد على الأزمة أو المأزق انهيار النظام العربي وهشاشة الأوضاع السياسية والثقافية في عالمه، كما أشار إلى أن لافتة الحرب على الإرهاب فتحت شهية قوى الهيمنة لتفكيك العافية في العالم العربي.
ودعت الدكتور ابتسام الكتبي في تعقيبها إلى الاعتراف بحالتنا الراهنة وما فيها من مظالم وأسباب تخلف، والاعتراف بأن هذه الحالة ليست من صنع الاستعمار أو القوى الخارجية وفقط، ولكن من صنعنا نحن في الداخل. وفي المداخلات التي أثيرت حول الورقة يقول الدكتور سليم الحص: أعتقد أن العرب يستطيعون أن يبرزوا أنفسهم في وجه القوى العظمى في العالم، وأرى أن ثقافتنا غير مهددة بالعولمة، وإنما هي مهددة بقوة الدولة الغاشمة، فنحن نواجه عدواً شرساً تقف وراءه دولة عظمى ولن ننهزم، ومجرد صمودنا أمام إسرائيل وأمريكا هو عين الانتصار.
وحذر الدكتور سيف الشريف من الدعاة الجدد داخل الأمة العربية ممن يدعون إلى شرذمة الهوية العربية والإسلامية. ويرى الدكتور معن بشور أن دول الاستقلال تواجه مشكلة حقيقية مع المواطنين وليس مع الأقليات وفقط، مشيراً إلى أولى محاولات الإبادة للأكراد التي تمت على أيدي القوات البريطانية وبوساطة السلاح الكيماوي. ويؤكد الدكتور عزمي بشارة قائلاً: إذا أردنا أن نطور مشروعنا القومي العربي فلا بد من التخلص من مسألة التوازن في القومية، وهذا يتطلب بالضرورة احترام ثقافات الآخرين. ومع اتفاقه على ما جاء في الورقة أشار الدكتور خير الدين حسيب إلى أن بعض المصطلحات أخذت معاني أخرى لدى الناس ولم تعكس المفهوم الصحيح لديهم، وأبرز ذلك مفهوم العلمانية الذي عرفه البعض على أنه ضد الدين.
وفي الجلسة الأخيرة التي ترأسها الدكتور عبد الرحمن العور طرح الدكتور كمال حمدان رؤية لإعادة تشكيل المجال العربي للتكامل الاقتصادي بحيث يكون ركيزة أساسية لحفز القدرات التنافسية للمجتمع ككل، وإعادة النظر في ما أعلن من مشروعات وتجارب عربية، غير أن الدكتور جاسم المناعي أكد في تعقيبه على أهمية أن تكون العالم العربي عوالم عربية وليس عالماً واحداً نظراً لما يمثله التكامل من تركيز على الجانب السياسي.
وأعرب عوني فرسخ خلال مداخلته عن قلقه إزاء مسألة مواكبة المتطلبات التي تفرضها العولمة، وتساءل الدكتور خير الدين حسيب عن أسباب فشل العرب في تطبيق منطقة التجارة العربية الموحدة كما فعل الأوروبيون. واختتم المؤتمر السنوي الخامس فعالياته بقوة كما بدأها وذلك بمائدة مستديرة ترأسها الدكتور يوسف الحسن وانضم إليها الدكتور سليم الحص والدكتور خير الدين حسيب، والدكتور كلوفيس مقصود، والدكتور عزمي بشارة، والدكتور علي شمو، وسعد محيو، وطرح الدكتور يوسف الحسن تساؤلات عدة حول ما أثارته أوراق العمل والمناقشات من قضايا وقال: ما هو العمل تجاه الأزمة التي نعيشها؟ وكيف نطور ونجدد ونتفاعل؟ وبدأت المناقشات والإجابات ليؤكد الدكتور سليم الحص أن الطريق إلى الوحدة العربية يمر بإصلاح شامل يحقق الحريات العامة والممارسة الديمقراطية الفاعلة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقال الدكتور خير الدين حسيب إنه لا خوف على هوية العراق، وأن الخوف هو على هوية الخليج ولاسيما مع خلل التركيبة السكانية، ولفت الدكتور علي شمو إلى أهمية المساهمة الفاعلة في الصناعة الثقافية من خلال صناعة السينما والقنوات الفضائية المترجمة إلى كل لغات العالم.
ومن جانبه طالب الدكتور كلوفيس مقصود الجامعة العربية بضرورة ترتيب أوراقها، ذلك لأنها ليست جامعة للحكومات، وإنما المجتمعات، وعلق الدكتور عزمي بشارة مؤكداً أن الهوية القومية هي المهددة وليست العربية، وطالب القوميين العرب بحمل مفهوم المواطنة ومفهوم الوحدة العربية. وتساءل خليفة زايد: لماذا لا يعقد اجتماع دوري يضم النخبة العربية الموجودة ليبقى هم الهوية والهم العربي حاضراً وحياً. وأرجع الدكتور علي فخرو عمليات التغيير الجذرية في ساحة التربية والتعليم والمناهج إلى الأنظمة العربية الضعيفة وليست الصهيونية. وقال سعد محيو: إذا أردنا الانطلاق من الواقع لا من التفكير (الرغائبي) فعلينا أن نعترف بأن ديناميات العولمة أطلقت ظاهرة جديدة هي الوطنيات العربية.
وفي الختام أعرب الدكتور عبد الله عمران عن تقديره لنخبة المفكرين والسياسيين والإعلاميين العرب الذين حرصوا على توضيح كثير من الصورة المبهمة والقضايا المتشابكة الفاصلة في حياة الأمة.
::/fulltext::
::cck::2806::/cck::
