التحولات الديموغرافية في مجلس التعاون والإشكالية الحقوقية في عصر العولمة
::cck::2960::/cck::
::introtext::
تنفرد دول مجلس التعاون الخليجي بكونها قليلة السكان أصلا، لكن وبعد اكتشاف النفط وتصديره تجارياً شكلت هذه المنطقة منطقة جذب للمهاجرين والعمالة المهاجرة. وبدأت الهجرة من مناطق الجوار، إيران وشبه القارة الهندية وبلاد الشام، ثم تطورت لتشمل مختلف مناطق العالم في آسيا وإفريقيا وأوروبا، بل حتى بعض بلدان أمريكا اللاتينية.
::/introtext::
::fulltext::
تنفرد دول مجلس التعاون الخليجي بكونها قليلة السكان أصلا، لكن وبعد اكتشاف النفط وتصديره تجارياً شكلت هذه المنطقة منطقة جذب للمهاجرين والعمالة المهاجرة. وبدأت الهجرة من مناطق الجوار، إيران وشبه القارة الهندية وبلاد الشام، ثم تطورت لتشمل مختلف مناطق العالم في آسيا وإفريقيا وأوروبا، بل حتى بعض بلدان أمريكا اللاتينية.
والملاحظ أن السلطات البريطانية المهيمنة على الخليج (باستثناء السعودية) حتى بداية السبعينات قد أثرت في توجهات هذه الهجرة بتشجيع العمالة الهندية والإيرانية، في حين أن أنظمة ما بعد الاستقلال فتحت أبواباً أوسع للعمالة العربية، بل إنها جنّدت عرب بلاد الشام واليمن في الأجهزة العسكرية والأمنية، ولكن ومع تطور ظاهرة العولمة المتسارعة والاندماج المتسارع لاقتصادات الخليج في الاقتصاد العالمي، فإن تدفق الهجرة سيحكمه العامل الاقتصادي بالأساس، كما ستترتب عليه استحقاقات قانونية واقتصادية وسياسية على غير ما اعتادت عليه دول المجلس، وكبار مستوردي هذه العمالة.
استحقاقات الهجرة والبطالة
من خلال مراجعة سريعة لأرقام النمو الاقتصادي العام، ونمو فرص العمل المتاحة في دول المجلس يلاحظ زيادة العجز ما بين فرص العمل المتاحة، والمستفيدين منها من المواطنين، مما يترتب عليه استمرار، بل تفاقم ظاهرة البطالة فيما بين المواطنين.
مدن المعازل
إن إحدى نتائج النمو الاقتصادي الذي يحركه النفط هي الزيادة الكبيرة في تدفق العمالة الأجنبية، وكذلك الوتيرة المرتفعة للسكان المواطنين، بفعل عوامل عديدة منها النسبة المرتفعة للتكاثر وتحسن الأوضاع الحياتية والتجنيس، لقد ترتب على تشكل اقتصاد مركز يتمحور حول النفط، أن تمركزت النشاطات الاقتصادية في مناطق إنتاج النفط، فيما نمت العواصم والمراكز السكانية بشكل سرطاني قرب مراكز إنتاج النفط وتصنيعه وتصديره. من هنا يتمركز اليوم في بضع مدن وموانئ متضخمة مثل (الكويت، الرياض، الدمام، الظهران، المنامة، أبوظبي، دبي، الدوحة، مسقط) غالبية السكان. ولم يكن تطور هذه المدن طبيعياً، ولذلك زالت معظم المعالم التاريخية، وجرى توسع عمراني عمودي وأفقي غير مخطط بشكل جيد، ومن أهم ما ترتب على تمركز العمالة الأجنبية في المدن، هو نشوء ما يعرف بالمعازل.
وبغض النظر عن طابع هذه العمالة (آسيوية في الغالب في دول الساحل الخليجي وعربية في السعودية) فإن هذه العمالة تعيش في أحياء خاصة بها. فيما المواطنون يعيشون في أحياء خاصة بهم. وبالطبع فإن العمالة الأجنبية، كما المواطنين، ذوو مستويات معيشية متباينة. لذا فإن العمالة الآسيوية والعربية المتدنية الدخل تعيش غالباً في الأحياء القديمة أو الأحياء الرخيصة من المدن أو في معسكرات عملاقة تقيمها الشركات قرب مواقع العمل، فيما العمالة الأوروبية والأمريكية وتلك المرتفعة الدخل من مختلف الجنسيات يعيشون فيما يعرف بالمجمعات السكنية الفاخرة المغلقة. أما المواطنون فهم أيضاً موزعون في أحياء خاصة بهم، تبعاً لاعتبارات أخرى مثل مستوى الدخل، والروابط القبلية، ونوعية المشروع الإسكاني (حكومي أو خاص) لكن المحصلة هي وجود عوالم للعمال المهاجرين بمعزل عن التفاعل في الحياة العامة للبلد، مما يجعل العديد من مدن الخليج بمثابة ورش للعمل وليس للحياة.
عجز مدمن في العمالة المحلية
تعتبر اقتصادات مجلس التعاون الخليجي الأكثر نمواً وديناميكية في الاقتصاديات العربية وهي تحقق نمواً في الناتج العام يتراوح ما بين 2.5 في المائة في البحرين (شبه النفطية) و 12 في المائة في قطر، ويترتب على هذا النمو بالطبع طلب متزايد على قوة العمل من مختلف التخصصات. ورغم أن قوة العمل المحلية غير قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل، أو بعض المهن على الأقل، فإن هناك بطالة متزايدة في أوساط المواطنين، وخصوصا الشباب الداخلين حديثاً إلى سوق العمل ومعظمهم من حملة الشهادات الثانوية والجامعية، وتترتب على ذلك زيادة الفجوة ما بين العمالة الأجنبية والعمالة الوطنية سلبيا، أي زيادة الاعتماد على العمالة الأجنبية واستحواذها على فرص العمل المتاحة على حساب العمالة الوطنية. ومما يفاقم هذه المشكلة هو المساهمة المتواضعة للنساء المواطنات في سوق العمل، حيث لا تتعدى هذه النسبة 22 في المائة في المائة من قوة العمل المواطنة في البحرين مثلا، كما يساهم فيها ما يعرف بالبطالة المقنعة في أوساط المواطنين بسبب تضخم الجهاز الحكومي، ونظام الكفالة الذي يتيح حتى لمواطنين عاديين المتاجرة بالعمالة الأجنبية الرخيصة، أو الاعتماد على مشاريع تعمل بها عمالة أجنبية.
إن نظام الكفالة وعدم وجود تشريعات تحمي حقوق العمالة الفقيرة (الآسيوية والعربية) أو تعطيل هذه التشريعات، وغياب آليات فعالة لمراقبة التشريعات، ووجود ما يعرف بفئة النافذين ومناطق النفوذ، وتداخل سلطة رأس المال مع السلطة السياسية، كل ذلك قد ولّد واقعاً يقوم على الاستغلال البشع للعمالة الفقيرة التي هي بحاجة ماسة للعمل، وبالتالي خلق شروط للعمل لا يقبل بها المواطن معنوياً ومادياً. لذلك نرى أعداداً متزايدة من المواطنين يفضلون البطالة أو البطالة المقنعة على العمل، أما السبب الآخر فهو أن نظام التعليم في دول مجلس التعاون تقليدي، ولا يلبي احتياجات السوق، ولا ينتج مواطناً متوائماً مع الاحتياجات المعقدة والمتنوعة لسوق العمل. وستتفاقم هذه المشكلة مع التغييرات الهيكلية على الاقتصاد الخليجي ومن ثم سوق العمل في ظل الاندماج المتزايد في اقتصاد معولم، مما يتطلب اقتصادا حديثا ذا قدرة تنافسية، ويجبر الدولة على التخلي عن السيطرة على السوق وحماية قطاعات اقتصادية عديدة، ويفتح الاقتصاد أمام المنافسة الخارجية، كما سيضطر لاحقاً إلى فتح سوق العمل أمام المنافسة الخارجية بشروط متساوية ما بين المواطن والأجنبي. كما أن التوجه لخصخصة العديد من القطاعات الاقتصادية التابعة للدولة، يقلص القطاع العام أو الحكومي، وبالتالي يقلل من استيعاب العمالة المواطنة الجديدة، ويقلص من البطالة المقنعة.
إصلاح الاقتصاد وسوق العمل
أمام التحديات التي تفرضها العولمة المتزايدة وانضمام دول المجلس لأدوات هذه العولمة مثل منظمة التجارة العالمية، واتفاقيات التجارة الحرة، فإن الاقتصادات الخليجية التي اعتمدت مطولا على النفط، وما يولده من قطاعات خدمية، وعلى الحمائية والامتيازات للقطاع الوطني الخاص، بل وعلى هبات الدولة لرجال الأعمال وعموم المواطنين، إن هذا الوضع لم يعد ممكنا.
وبالمقابل فإن الاستمرار في سياسة مستويين من الدخل لذات العمل للمواطن والأجنبي، أو تقسيم للعمل بحيث يتمركز المواطنون في الوظائف المكتبية والأجانب في الوظائف الميدانية والفنية، أو فرص نظام الحصص أو التوطين لتوظيف المواطنين غير ممكن في ضوء التزامات هذه الدول بالاتفاقيات الدولية والانخراط بالعولمة. وهذا يقودنا إلى مجال التعليم والتدريب والتأهيل، والذي يفرض تغييرا جذريا في المناهج وأساليب التعليم والتدريب والتأهيل، بحيث لا تلبي متطلبات سوق العمل فقط، بل أيضا تخلق الانسان القادر على الابتكار والمنافسة مع الأجنبي والمتمتع بالانضباط وحب العمل والطموح.
تشريعات حماية العمالة
إذا كانت دول مجلس التعاون قد استمرت لسنوات في انتهاك حقوق العمالة الأجنبية واستغلالها بشكل بشع، مستغلة في ذلك حاجتها وحاجة بلدانها، وسكوت الغرب الحليف، وعدم وجود حركة مجتمعية منظمة بما في ذلك اتحادات عمالية، تدافع عن الحقوق لكل من المواطن والوافد، كما في الدول الراقية، فإن استمرار هذا الوضع لم يعد ممكناً.
إن دول المجلس هي اليوم تحت مجهر الغرب وخصوصا الولايات المتحدة في كل شيء بما في ذلك أوضاع العمالة المهاجرة، ولقد اطلعنا جميعا على تقرير الخارجية الأمريكية حول المتاجرة بالبشر، وتصنيف دول المجلس بأنها الأسوأ كما نعرف عن الاتفاقية الدولية لحماية العمال المهاجرين وعائلاتهم، والذي ستضطر دول المجلس آجلاً أم عاجلاً للتصديق عليه.
لذا فإن الأجدى لدول المجلس الإقدام على إصلاح العلاقات العمالية لتغطي العمالة المواطنية والأجنبية، بحيث تصبح التنظيمات العمالية نداً لغرف التجارة والصناعة بحيث تدخل أطراف العمل الثلاثة الحكومة والقطاع الخاص والقطاع العام في شراكة حقيقية، كما في الدول المتحضرة. وهذه الشراكة هي عامل مهم لولوج عصر التحضر والتقدم والاستقرار.
وبالختام نقول إن على دول المجلس أن تعّد نفسها لليوم الذي ستتمتع فيه العمالة الوافدة بذات الحقوق التي تتمتع فيها في الغرب، مثل الإقامة الدائمة، واستحقاق الجنسية بشروط محددة، وعدم التمييز في الأجور والامتيازات، والحق في الانضمام إلى مؤسسات المجتمع المدني خصوصاً النقابات، ومشاركتهم جزئياً في الحياة السياسية مثل الانتخابات المحلية و البلدية. فمن مصلحة دول المجلس أن تستقطب عمالة مدربة وكفاءات ومهارات بدلا من العمالة الرخيصة الحالية، لأن التنافس على العمالة الماهرة والكفاءات هو من أهم مظاهر العولمة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2960::/cck::
::introtext::
تنفرد دول مجلس التعاون الخليجي بكونها قليلة السكان أصلا، لكن وبعد اكتشاف النفط وتصديره تجارياً شكلت هذه المنطقة منطقة جذب للمهاجرين والعمالة المهاجرة. وبدأت الهجرة من مناطق الجوار، إيران وشبه القارة الهندية وبلاد الشام، ثم تطورت لتشمل مختلف مناطق العالم في آسيا وإفريقيا وأوروبا، بل حتى بعض بلدان أمريكا اللاتينية.
::/introtext::
::fulltext::
تنفرد دول مجلس التعاون الخليجي بكونها قليلة السكان أصلا، لكن وبعد اكتشاف النفط وتصديره تجارياً شكلت هذه المنطقة منطقة جذب للمهاجرين والعمالة المهاجرة. وبدأت الهجرة من مناطق الجوار، إيران وشبه القارة الهندية وبلاد الشام، ثم تطورت لتشمل مختلف مناطق العالم في آسيا وإفريقيا وأوروبا، بل حتى بعض بلدان أمريكا اللاتينية.
والملاحظ أن السلطات البريطانية المهيمنة على الخليج (باستثناء السعودية) حتى بداية السبعينات قد أثرت في توجهات هذه الهجرة بتشجيع العمالة الهندية والإيرانية، في حين أن أنظمة ما بعد الاستقلال فتحت أبواباً أوسع للعمالة العربية، بل إنها جنّدت عرب بلاد الشام واليمن في الأجهزة العسكرية والأمنية، ولكن ومع تطور ظاهرة العولمة المتسارعة والاندماج المتسارع لاقتصادات الخليج في الاقتصاد العالمي، فإن تدفق الهجرة سيحكمه العامل الاقتصادي بالأساس، كما ستترتب عليه استحقاقات قانونية واقتصادية وسياسية على غير ما اعتادت عليه دول المجلس، وكبار مستوردي هذه العمالة.
استحقاقات الهجرة والبطالة
من خلال مراجعة سريعة لأرقام النمو الاقتصادي العام، ونمو فرص العمل المتاحة في دول المجلس يلاحظ زيادة العجز ما بين فرص العمل المتاحة، والمستفيدين منها من المواطنين، مما يترتب عليه استمرار، بل تفاقم ظاهرة البطالة فيما بين المواطنين.
مدن المعازل
إن إحدى نتائج النمو الاقتصادي الذي يحركه النفط هي الزيادة الكبيرة في تدفق العمالة الأجنبية، وكذلك الوتيرة المرتفعة للسكان المواطنين، بفعل عوامل عديدة منها النسبة المرتفعة للتكاثر وتحسن الأوضاع الحياتية والتجنيس، لقد ترتب على تشكل اقتصاد مركز يتمحور حول النفط، أن تمركزت النشاطات الاقتصادية في مناطق إنتاج النفط، فيما نمت العواصم والمراكز السكانية بشكل سرطاني قرب مراكز إنتاج النفط وتصنيعه وتصديره. من هنا يتمركز اليوم في بضع مدن وموانئ متضخمة مثل (الكويت، الرياض، الدمام، الظهران، المنامة، أبوظبي، دبي، الدوحة، مسقط) غالبية السكان. ولم يكن تطور هذه المدن طبيعياً، ولذلك زالت معظم المعالم التاريخية، وجرى توسع عمراني عمودي وأفقي غير مخطط بشكل جيد، ومن أهم ما ترتب على تمركز العمالة الأجنبية في المدن، هو نشوء ما يعرف بالمعازل.
وبغض النظر عن طابع هذه العمالة (آسيوية في الغالب في دول الساحل الخليجي وعربية في السعودية) فإن هذه العمالة تعيش في أحياء خاصة بها. فيما المواطنون يعيشون في أحياء خاصة بهم. وبالطبع فإن العمالة الأجنبية، كما المواطنين، ذوو مستويات معيشية متباينة. لذا فإن العمالة الآسيوية والعربية المتدنية الدخل تعيش غالباً في الأحياء القديمة أو الأحياء الرخيصة من المدن أو في معسكرات عملاقة تقيمها الشركات قرب مواقع العمل، فيما العمالة الأوروبية والأمريكية وتلك المرتفعة الدخل من مختلف الجنسيات يعيشون فيما يعرف بالمجمعات السكنية الفاخرة المغلقة. أما المواطنون فهم أيضاً موزعون في أحياء خاصة بهم، تبعاً لاعتبارات أخرى مثل مستوى الدخل، والروابط القبلية، ونوعية المشروع الإسكاني (حكومي أو خاص) لكن المحصلة هي وجود عوالم للعمال المهاجرين بمعزل عن التفاعل في الحياة العامة للبلد، مما يجعل العديد من مدن الخليج بمثابة ورش للعمل وليس للحياة.
عجز مدمن في العمالة المحلية
تعتبر اقتصادات مجلس التعاون الخليجي الأكثر نمواً وديناميكية في الاقتصاديات العربية وهي تحقق نمواً في الناتج العام يتراوح ما بين 2.5 في المائة في البحرين (شبه النفطية) و 12 في المائة في قطر، ويترتب على هذا النمو بالطبع طلب متزايد على قوة العمل من مختلف التخصصات. ورغم أن قوة العمل المحلية غير قادرة على تلبية احتياجات سوق العمل، أو بعض المهن على الأقل، فإن هناك بطالة متزايدة في أوساط المواطنين، وخصوصا الشباب الداخلين حديثاً إلى سوق العمل ومعظمهم من حملة الشهادات الثانوية والجامعية، وتترتب على ذلك زيادة الفجوة ما بين العمالة الأجنبية والعمالة الوطنية سلبيا، أي زيادة الاعتماد على العمالة الأجنبية واستحواذها على فرص العمل المتاحة على حساب العمالة الوطنية. ومما يفاقم هذه المشكلة هو المساهمة المتواضعة للنساء المواطنات في سوق العمل، حيث لا تتعدى هذه النسبة 22 في المائة في المائة من قوة العمل المواطنة في البحرين مثلا، كما يساهم فيها ما يعرف بالبطالة المقنعة في أوساط المواطنين بسبب تضخم الجهاز الحكومي، ونظام الكفالة الذي يتيح حتى لمواطنين عاديين المتاجرة بالعمالة الأجنبية الرخيصة، أو الاعتماد على مشاريع تعمل بها عمالة أجنبية.
إن نظام الكفالة وعدم وجود تشريعات تحمي حقوق العمالة الفقيرة (الآسيوية والعربية) أو تعطيل هذه التشريعات، وغياب آليات فعالة لمراقبة التشريعات، ووجود ما يعرف بفئة النافذين ومناطق النفوذ، وتداخل سلطة رأس المال مع السلطة السياسية، كل ذلك قد ولّد واقعاً يقوم على الاستغلال البشع للعمالة الفقيرة التي هي بحاجة ماسة للعمل، وبالتالي خلق شروط للعمل لا يقبل بها المواطن معنوياً ومادياً. لذلك نرى أعداداً متزايدة من المواطنين يفضلون البطالة أو البطالة المقنعة على العمل، أما السبب الآخر فهو أن نظام التعليم في دول مجلس التعاون تقليدي، ولا يلبي احتياجات السوق، ولا ينتج مواطناً متوائماً مع الاحتياجات المعقدة والمتنوعة لسوق العمل. وستتفاقم هذه المشكلة مع التغييرات الهيكلية على الاقتصاد الخليجي ومن ثم سوق العمل في ظل الاندماج المتزايد في اقتصاد معولم، مما يتطلب اقتصادا حديثا ذا قدرة تنافسية، ويجبر الدولة على التخلي عن السيطرة على السوق وحماية قطاعات اقتصادية عديدة، ويفتح الاقتصاد أمام المنافسة الخارجية، كما سيضطر لاحقاً إلى فتح سوق العمل أمام المنافسة الخارجية بشروط متساوية ما بين المواطن والأجنبي. كما أن التوجه لخصخصة العديد من القطاعات الاقتصادية التابعة للدولة، يقلص القطاع العام أو الحكومي، وبالتالي يقلل من استيعاب العمالة المواطنة الجديدة، ويقلص من البطالة المقنعة.
إصلاح الاقتصاد وسوق العمل
أمام التحديات التي تفرضها العولمة المتزايدة وانضمام دول المجلس لأدوات هذه العولمة مثل منظمة التجارة العالمية، واتفاقيات التجارة الحرة، فإن الاقتصادات الخليجية التي اعتمدت مطولا على النفط، وما يولده من قطاعات خدمية، وعلى الحمائية والامتيازات للقطاع الوطني الخاص، بل وعلى هبات الدولة لرجال الأعمال وعموم المواطنين، إن هذا الوضع لم يعد ممكنا.
وبالمقابل فإن الاستمرار في سياسة مستويين من الدخل لذات العمل للمواطن والأجنبي، أو تقسيم للعمل بحيث يتمركز المواطنون في الوظائف المكتبية والأجانب في الوظائف الميدانية والفنية، أو فرص نظام الحصص أو التوطين لتوظيف المواطنين غير ممكن في ضوء التزامات هذه الدول بالاتفاقيات الدولية والانخراط بالعولمة. وهذا يقودنا إلى مجال التعليم والتدريب والتأهيل، والذي يفرض تغييرا جذريا في المناهج وأساليب التعليم والتدريب والتأهيل، بحيث لا تلبي متطلبات سوق العمل فقط، بل أيضا تخلق الانسان القادر على الابتكار والمنافسة مع الأجنبي والمتمتع بالانضباط وحب العمل والطموح.
تشريعات حماية العمالة
إذا كانت دول مجلس التعاون قد استمرت لسنوات في انتهاك حقوق العمالة الأجنبية واستغلالها بشكل بشع، مستغلة في ذلك حاجتها وحاجة بلدانها، وسكوت الغرب الحليف، وعدم وجود حركة مجتمعية منظمة بما في ذلك اتحادات عمالية، تدافع عن الحقوق لكل من المواطن والوافد، كما في الدول الراقية، فإن استمرار هذا الوضع لم يعد ممكناً.
إن دول المجلس هي اليوم تحت مجهر الغرب وخصوصا الولايات المتحدة في كل شيء بما في ذلك أوضاع العمالة المهاجرة، ولقد اطلعنا جميعا على تقرير الخارجية الأمريكية حول المتاجرة بالبشر، وتصنيف دول المجلس بأنها الأسوأ كما نعرف عن الاتفاقية الدولية لحماية العمال المهاجرين وعائلاتهم، والذي ستضطر دول المجلس آجلاً أم عاجلاً للتصديق عليه.
لذا فإن الأجدى لدول المجلس الإقدام على إصلاح العلاقات العمالية لتغطي العمالة المواطنية والأجنبية، بحيث تصبح التنظيمات العمالية نداً لغرف التجارة والصناعة بحيث تدخل أطراف العمل الثلاثة الحكومة والقطاع الخاص والقطاع العام في شراكة حقيقية، كما في الدول المتحضرة. وهذه الشراكة هي عامل مهم لولوج عصر التحضر والتقدم والاستقرار.
وبالختام نقول إن على دول المجلس أن تعّد نفسها لليوم الذي ستتمتع فيه العمالة الوافدة بذات الحقوق التي تتمتع فيها في الغرب، مثل الإقامة الدائمة، واستحقاق الجنسية بشروط محددة، وعدم التمييز في الأجور والامتيازات، والحق في الانضمام إلى مؤسسات المجتمع المدني خصوصاً النقابات، ومشاركتهم جزئياً في الحياة السياسية مثل الانتخابات المحلية و البلدية. فمن مصلحة دول المجلس أن تستقطب عمالة مدربة وكفاءات ومهارات بدلا من العمالة الرخيصة الحالية، لأن التنافس على العمالة الماهرة والكفاءات هو من أهم مظاهر العولمة.
::/fulltext::
::cck::2960::/cck::
