“أوبك”.. مستقبل غامض لمنظمة دولية
::cck::3036::/cck::
::introtext::
لم تمض مسيرة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في خط مستقيم، إذ مرت بمنحنيات ونتوءات عدة، لكنها، في جميع الأحاول وفي أشد الظروف قسوة، كانت، ولا تزال، لاعباً دولياً مهماً، يزاوج بين الاقتصاد والسياسة، ويمارس عملاً يخلط الدبلوماسية بإدارة الأعمال، ويعي تماما حاصل ضرب المنفعة الوطنية الخالصة في المصالح الدولية العامة، ويستطيع أن يشعل أزمة ويطفئها بقرار سريع.
::/introtext::
::fulltext::
لم تمض مسيرة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في خط مستقيم، إذ مرت بمنحنيات ونتوءات عدة، لكنها، في جميع الأحاول وفي أشد الظروف قسوة، كانت، ولا تزال، لاعباً دولياً مهماً، يزاوج بين الاقتصاد والسياسة، ويمارس عملاً يخلط الدبلوماسية بإدارة الأعمال، ويعي تماما حاصل ضرب المنفعة الوطنية الخالصة في المصالح الدولية العامة، ويستطيع أن يشعل أزمة ويطفئها بقرار سريع.
وطيلة تاريخها واجهت (أوبك) تساؤلات فرعية عن التحديات التي تجابهها، والصيغة المثلى التي يجب أن تتبعها، لكنها تجد نفسها معنية بقوة، في الوقت الراهن، للإجابة عن سؤال عريض عن مصيرها، من دون أن تكون لديها إجابة محددة وقاطعة، لأن كل الإجابات تتوقف على أمرين أساسيين، الأول: هو مقدار تحكم (أوبك) في سوق النفط الدولية، وثانيها مستقبل النفط ذاته كمصدر للطاقة، في ظل تنامي الاعتماد على المصادر البديلة، من شمسية ونووية، علاوة على تزايد استخدام آلات وأدوات ذات خصائص تقنية دقيقة، لا يحتاج تشغيلها إلى أي مشتقات نفطية.
وإذا كان الاستغناء عن النفط تماما أو بدرجة كبيرة تؤثر في مكانته في عالم الطاقة ليس مطروحا في المستقبل المنظور، فإن مصير أوبك نفسها يبقى معلقا في رقبة جهتين، الأولى هي الدول التي تشكل هذه المنظمة، والثانية هي الدول الكبرى المستهلكة للنفط، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ويبقى هذا المستقبل رهنا، كذلك، بمستوى أسعار النفط.
إن تماسك دول أوبك يتوقف على استمرار حالة مناسبة من (التوافق) حول قرارات المنظمة، مصحوبة باقتناع تام من كل طرف على حدة بأن القرار الصادر عنها يخدم مصلحته الذاتية، وأن التوحد حول موقف مشترك يجلب مغانم، بينما التفرق والتشرذم على استراتيجيات مستهلكي النفط يرتب (غرامات)، تؤثر كثيرا في اقتصاديات ذات طبيعة ريعية، مثل تلك التي عليها أغلبية دول المنظمة.
وقد تصرفت أوبك برشد ملموس طيلة الأزمة النفطية الأخيرة، حين هبط سعر برميل النفط منتصف عام 1998 إلى أقل من تسعة دولارات، وكذلك حين انتعشت الأسعار، ووصلت إلى الحد الذي أقلق مستهلكي الطاقة عام 2001. وكانت أوبك تتحرك دائما على ثلاثة محاور، أولها زيادة درجة التنسيق بين أعضائها، وثانيها فتح باب الحوار مع مستهلكي النفط وعدم الكف عن طمأنتهم باستمرار بأن المنظمة حريصة على توازن أسعار النفط الخام، وثالثها التحرك تجاه الدول المنتجة للنفط من خارج المنظمة، بحيث لا تتضارب توجهاتها وقراراتها مع تلك التي تتبناها أوبك، بما يؤثر سلبا في أهدافها.
وقد مثل المحور الثالث أهمية قصوى لدى أوبك من منطلق أن الدول المنتجة للنفط خارج المنظمة تلعب دورا كبيرا في سوق النفط الدولية، لأنها تنتج نحو ثلثي النفط العالمي (حوالي 42 مليون برميل يوميا). وبرز هذا التوجه منذ بداية الأزمة النفطية، المشار إليها سلفا ، حيث كان هناك سعي دؤوب من قبل دول أوبك لضم المكسيك والنرويج إلى التحركات التي كانت ترمي إلى خفض الإنتاج النفطي من أجل النهوض بالأسعار، ووصل الأمر إلى أن اجتماعا ثلاثيا استضافته لاهاي في يونيو من عام 1998 عقده وزير النفط السعودي علي النعيمي مع نظيريه في النرويج والمكسيك ـ وكلاهما ليس عضوا في أوبك ـ عدّ في نظر محللين ثقاة بداية أساسية لسلسلة التخفيضات المتلاحقة التي أدخلتها المنظمة على إنتاجها، بما قاد إلى تحرك الأسعار إلى الأمام. بل شكلت أوبك في مطلع أكتوبر من عام 2001 مجموعة اتصال من دول أعضاء في المنظمة ودول نفطية أخرى لا تنتمي إليها لدراسة سبل استقرار سوق النفط الدولية في ظل التداعيات التي ترتبت على التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة في الحادي عشر من شهر سبتمبر 2001.
وإذا كانت معطيات الواقع قد أظهرت بجلاء أن دول أوبك (متوافقة) فيما بينها، وقادرة على إدارة حوار بناء مع الدول المصدرة للنفط من خارج المنظمة، فإن هذا لم يمنع من أن بعض قراراتها الأخيرة لم تحظ بإجماع، في حين دأبت بعض دولها على خرق الحصص التصديرية التي حددتها المنظمة، عبر الاتجار في سوق النفط السوداء. وفي الوقت نفسه هناك التزامات وضغوط سياسية على بعض دول أوبك تدفعها إلى اتخاذ قرارات لصالح مستهلكي النفط، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، تتمثل في زيادة الكمية المصدرة، بما يقود إلى لجم الأسعار، وهناك كذلك ظروف تمر بها هذه الدول منها الوقوع في فخ الديون، والعجز المتنامي في الميزانيات السنوية، وضياع (المنعة الذاتية) حيال بعض الإجراءات الدولية القاسية، مثل الحصار والمقاطعة الاقتصادية.
أما بالنسبة لموقف الدول الكبرى المستهلكة للنفط، فنجد أنها استخدمت خلال الأزمة الأخيرة وسائل عدة في سبيل تحجيم (أوبك)، أولها تهديد الولايات المتحدة باستخدام احتياطيها الاستراتيجي من النفط البالغ 560 مليون برميل. وثانيها تقليص الاعتماد على النفط الأجنبي
والوقود المستورد. وثالثها اعتماد حزمة من الإجراءات المالية والضريبية التي تشجع الإقبال على (سيارات المستقبل)، الأقل استهلاكا للوقود، وتعزز في الوقت نفسه الاتجاه إلى استخدام مصادر بديلة عن الطاقة في المنازل والمصانع، ورابعها بدء عمليات تنقيب طموحة عن النفط في الولايات المتحدة، لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي، وزيادة النسبة المحلية من إجمالي الكمية المستهلكة، والتي تربو على 16 مليون برميل يوميا، وتشجيع الدول التي أثبتت المسوح الجيولوجية أن لديها احتياطيا نفطيا كبيرا على إنتاجه، ومنها دول غرب إفريقيا، ودول آسيا الوسطى والقوقاز، المشاطئة لبحر قزوين، ووصل الأمر إلى حد أن الكونجرس مرر مشروع قانون يخول الرئيس الأمريكي الحق في قطع مبيعات السلاح والمعونات عن دول أوبك، وغيرها من الدول المصدرة للنفط بغزارة، حال قيامها بتبني موقف يضر بالمصلحة الأمريكية.
وفي ما يخص حركة الأسعار فنجد أنها حين كانت مرتبطة، هبوطا وصعودا، بأي قرار تتخذه أوبك بزيادة إنتاجها أو تقليصه، كان وضع المنظمة عالميا يتعزز، وكان يتوفر لديها هامش كبير من المناورة والمداورة، وإشعار الجميع بتأثيرها، وإسماع الكل صوتها. وعلى قدر التأثير وعلو الصوت، كانت تأتي الاستجابة الدولية مع سلوك أوبك، متراوحة بين (الحض) و(الانتظار)، حضها على زيادة الإنتاج، وانتظار نتيجة هذا القرار على أحر من الجمر، ليعيد إلى السوق النفطي توازنه، الذي لا يعدو كونه (نقطة افتراضية) رسمها صراع الإرادات بين مصدري النفط الأساسيين وكبار مستهلكيه.
أما إذا واصلت الأسعار ارتفاعها، ووصلت إلى نحو ثمانين أو مائة دولار، كما يتوقع بعض المحللين، وحتى لو بقيت عند حالها الراهن الذي يتجاوز ستين دولارا للبرميل، فإن قدرة أوبك على التأثير ستضعف تدريجيا، وقد تتلاشى، إذ لن يصبح باستطاعتها ضخ كميات كبيرة في السوق، من شأنها أن تقود إلى تراجع الأسعار. ففي مثل هذه الحالة لن يكفي أن تزيد المنظمة من الكمية التي تصدرها بمقدار نصف مليون أو مليون أو حتى مليوني برميل يوميا، كما كان يجري في السابق، ليس لمخاوفها الدائمة من نزيف الاحتياطي، وليس لأن هذه الكمية لا تؤدي اقتصاديا إلى إحداث توازن تفتقده السوق، بل لأن القدرة الإنتاجية لدول أوبك ليست مفتوحة على مصراعيها، إذ تحدها عناصر عدة في مقدمتها قدرة مصافيها على التكرير، والطاقة الاستيعابية للأنابيب الواصلة بين الآبار وموانئ التصدير، علاوة على مسائل سياسية منها تحسب الحكومات التي تسيّر دفة الأمور بدول (أوبك) من رد فعل شعوبها حيال قرارات (غير رشيدة) لصالح مستهلكي النفط.
كما أن ارتفاع الأسعار سيشجع دولاً أخرى تنتج النفط بكميات ضئيلة، لكنها تختزن في باطن أراضيها احتياطيات (ذات بال)، على أن تسرع في التنقيب عن النفط، ومن ثم إنتاجه وتصديره بكميات كبيرة، وقد يتعزز وضع بعضها، في المدى القريب، حتى يتجاوز في التصدير بعض دول أوبك المهمة مثل الكويت والإمارات. ورغم أن دول المنظمة تمتلك أكثر من احتياطي العالم من النفط الخام، فإنها ستواجه مشكلة دخول منافسين لها في السوق لسنوات ليست بالقليلة، خلالها قد تبدأ قوة أوبك في التداعي.
وأخيراً إن قدرة أوبك على الاستمرار فاعلا دوليا (ذا بال) موزعة بين إرادة أعضائها وما يدبره لها الغير من خطط وربما مؤامرات ودسائس. لكن حتى لو كف الغير عن الكيد، وتعززت إرادة المنظمة إلى أبعد حد لها، فإنها ستبقى تحت رحمة الأسعار، التي قد تفلت من يد الجميع، وتقفز إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ، ومن ثم تجعل كل المتعاملين في سوق النفط، منتجين ومصدرين ومستهلكين ووسطاء، يتساءلون بملء أفواههم: هل من فائدة تبقى لاستمرار أوبك على قيد الحياة؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3036::/cck::
::introtext::
لم تمض مسيرة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في خط مستقيم، إذ مرت بمنحنيات ونتوءات عدة، لكنها، في جميع الأحاول وفي أشد الظروف قسوة، كانت، ولا تزال، لاعباً دولياً مهماً، يزاوج بين الاقتصاد والسياسة، ويمارس عملاً يخلط الدبلوماسية بإدارة الأعمال، ويعي تماما حاصل ضرب المنفعة الوطنية الخالصة في المصالح الدولية العامة، ويستطيع أن يشعل أزمة ويطفئها بقرار سريع.
::/introtext::
::fulltext::
لم تمض مسيرة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في خط مستقيم، إذ مرت بمنحنيات ونتوءات عدة، لكنها، في جميع الأحاول وفي أشد الظروف قسوة، كانت، ولا تزال، لاعباً دولياً مهماً، يزاوج بين الاقتصاد والسياسة، ويمارس عملاً يخلط الدبلوماسية بإدارة الأعمال، ويعي تماما حاصل ضرب المنفعة الوطنية الخالصة في المصالح الدولية العامة، ويستطيع أن يشعل أزمة ويطفئها بقرار سريع.
وطيلة تاريخها واجهت (أوبك) تساؤلات فرعية عن التحديات التي تجابهها، والصيغة المثلى التي يجب أن تتبعها، لكنها تجد نفسها معنية بقوة، في الوقت الراهن، للإجابة عن سؤال عريض عن مصيرها، من دون أن تكون لديها إجابة محددة وقاطعة، لأن كل الإجابات تتوقف على أمرين أساسيين، الأول: هو مقدار تحكم (أوبك) في سوق النفط الدولية، وثانيها مستقبل النفط ذاته كمصدر للطاقة، في ظل تنامي الاعتماد على المصادر البديلة، من شمسية ونووية، علاوة على تزايد استخدام آلات وأدوات ذات خصائص تقنية دقيقة، لا يحتاج تشغيلها إلى أي مشتقات نفطية.
وإذا كان الاستغناء عن النفط تماما أو بدرجة كبيرة تؤثر في مكانته في عالم الطاقة ليس مطروحا في المستقبل المنظور، فإن مصير أوبك نفسها يبقى معلقا في رقبة جهتين، الأولى هي الدول التي تشكل هذه المنظمة، والثانية هي الدول الكبرى المستهلكة للنفط، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ويبقى هذا المستقبل رهنا، كذلك، بمستوى أسعار النفط.
إن تماسك دول أوبك يتوقف على استمرار حالة مناسبة من (التوافق) حول قرارات المنظمة، مصحوبة باقتناع تام من كل طرف على حدة بأن القرار الصادر عنها يخدم مصلحته الذاتية، وأن التوحد حول موقف مشترك يجلب مغانم، بينما التفرق والتشرذم على استراتيجيات مستهلكي النفط يرتب (غرامات)، تؤثر كثيرا في اقتصاديات ذات طبيعة ريعية، مثل تلك التي عليها أغلبية دول المنظمة.
وقد تصرفت أوبك برشد ملموس طيلة الأزمة النفطية الأخيرة، حين هبط سعر برميل النفط منتصف عام 1998 إلى أقل من تسعة دولارات، وكذلك حين انتعشت الأسعار، ووصلت إلى الحد الذي أقلق مستهلكي الطاقة عام 2001. وكانت أوبك تتحرك دائما على ثلاثة محاور، أولها زيادة درجة التنسيق بين أعضائها، وثانيها فتح باب الحوار مع مستهلكي النفط وعدم الكف عن طمأنتهم باستمرار بأن المنظمة حريصة على توازن أسعار النفط الخام، وثالثها التحرك تجاه الدول المنتجة للنفط من خارج المنظمة، بحيث لا تتضارب توجهاتها وقراراتها مع تلك التي تتبناها أوبك، بما يؤثر سلبا في أهدافها.
وقد مثل المحور الثالث أهمية قصوى لدى أوبك من منطلق أن الدول المنتجة للنفط خارج المنظمة تلعب دورا كبيرا في سوق النفط الدولية، لأنها تنتج نحو ثلثي النفط العالمي (حوالي 42 مليون برميل يوميا). وبرز هذا التوجه منذ بداية الأزمة النفطية، المشار إليها سلفا ، حيث كان هناك سعي دؤوب من قبل دول أوبك لضم المكسيك والنرويج إلى التحركات التي كانت ترمي إلى خفض الإنتاج النفطي من أجل النهوض بالأسعار، ووصل الأمر إلى أن اجتماعا ثلاثيا استضافته لاهاي في يونيو من عام 1998 عقده وزير النفط السعودي علي النعيمي مع نظيريه في النرويج والمكسيك ـ وكلاهما ليس عضوا في أوبك ـ عدّ في نظر محللين ثقاة بداية أساسية لسلسلة التخفيضات المتلاحقة التي أدخلتها المنظمة على إنتاجها، بما قاد إلى تحرك الأسعار إلى الأمام. بل شكلت أوبك في مطلع أكتوبر من عام 2001 مجموعة اتصال من دول أعضاء في المنظمة ودول نفطية أخرى لا تنتمي إليها لدراسة سبل استقرار سوق النفط الدولية في ظل التداعيات التي ترتبت على التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة في الحادي عشر من شهر سبتمبر 2001.
وإذا كانت معطيات الواقع قد أظهرت بجلاء أن دول أوبك (متوافقة) فيما بينها، وقادرة على إدارة حوار بناء مع الدول المصدرة للنفط من خارج المنظمة، فإن هذا لم يمنع من أن بعض قراراتها الأخيرة لم تحظ بإجماع، في حين دأبت بعض دولها على خرق الحصص التصديرية التي حددتها المنظمة، عبر الاتجار في سوق النفط السوداء. وفي الوقت نفسه هناك التزامات وضغوط سياسية على بعض دول أوبك تدفعها إلى اتخاذ قرارات لصالح مستهلكي النفط، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، تتمثل في زيادة الكمية المصدرة، بما يقود إلى لجم الأسعار، وهناك كذلك ظروف تمر بها هذه الدول منها الوقوع في فخ الديون، والعجز المتنامي في الميزانيات السنوية، وضياع (المنعة الذاتية) حيال بعض الإجراءات الدولية القاسية، مثل الحصار والمقاطعة الاقتصادية.
أما بالنسبة لموقف الدول الكبرى المستهلكة للنفط، فنجد أنها استخدمت خلال الأزمة الأخيرة وسائل عدة في سبيل تحجيم (أوبك)، أولها تهديد الولايات المتحدة باستخدام احتياطيها الاستراتيجي من النفط البالغ 560 مليون برميل. وثانيها تقليص الاعتماد على النفط الأجنبي
والوقود المستورد. وثالثها اعتماد حزمة من الإجراءات المالية والضريبية التي تشجع الإقبال على (سيارات المستقبل)، الأقل استهلاكا للوقود، وتعزز في الوقت نفسه الاتجاه إلى استخدام مصادر بديلة عن الطاقة في المنازل والمصانع، ورابعها بدء عمليات تنقيب طموحة عن النفط في الولايات المتحدة، لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي، وزيادة النسبة المحلية من إجمالي الكمية المستهلكة، والتي تربو على 16 مليون برميل يوميا، وتشجيع الدول التي أثبتت المسوح الجيولوجية أن لديها احتياطيا نفطيا كبيرا على إنتاجه، ومنها دول غرب إفريقيا، ودول آسيا الوسطى والقوقاز، المشاطئة لبحر قزوين، ووصل الأمر إلى حد أن الكونجرس مرر مشروع قانون يخول الرئيس الأمريكي الحق في قطع مبيعات السلاح والمعونات عن دول أوبك، وغيرها من الدول المصدرة للنفط بغزارة، حال قيامها بتبني موقف يضر بالمصلحة الأمريكية.
وفي ما يخص حركة الأسعار فنجد أنها حين كانت مرتبطة، هبوطا وصعودا، بأي قرار تتخذه أوبك بزيادة إنتاجها أو تقليصه، كان وضع المنظمة عالميا يتعزز، وكان يتوفر لديها هامش كبير من المناورة والمداورة، وإشعار الجميع بتأثيرها، وإسماع الكل صوتها. وعلى قدر التأثير وعلو الصوت، كانت تأتي الاستجابة الدولية مع سلوك أوبك، متراوحة بين (الحض) و(الانتظار)، حضها على زيادة الإنتاج، وانتظار نتيجة هذا القرار على أحر من الجمر، ليعيد إلى السوق النفطي توازنه، الذي لا يعدو كونه (نقطة افتراضية) رسمها صراع الإرادات بين مصدري النفط الأساسيين وكبار مستهلكيه.
أما إذا واصلت الأسعار ارتفاعها، ووصلت إلى نحو ثمانين أو مائة دولار، كما يتوقع بعض المحللين، وحتى لو بقيت عند حالها الراهن الذي يتجاوز ستين دولارا للبرميل، فإن قدرة أوبك على التأثير ستضعف تدريجيا، وقد تتلاشى، إذ لن يصبح باستطاعتها ضخ كميات كبيرة في السوق، من شأنها أن تقود إلى تراجع الأسعار. ففي مثل هذه الحالة لن يكفي أن تزيد المنظمة من الكمية التي تصدرها بمقدار نصف مليون أو مليون أو حتى مليوني برميل يوميا، كما كان يجري في السابق، ليس لمخاوفها الدائمة من نزيف الاحتياطي، وليس لأن هذه الكمية لا تؤدي اقتصاديا إلى إحداث توازن تفتقده السوق، بل لأن القدرة الإنتاجية لدول أوبك ليست مفتوحة على مصراعيها، إذ تحدها عناصر عدة في مقدمتها قدرة مصافيها على التكرير، والطاقة الاستيعابية للأنابيب الواصلة بين الآبار وموانئ التصدير، علاوة على مسائل سياسية منها تحسب الحكومات التي تسيّر دفة الأمور بدول (أوبك) من رد فعل شعوبها حيال قرارات (غير رشيدة) لصالح مستهلكي النفط.
كما أن ارتفاع الأسعار سيشجع دولاً أخرى تنتج النفط بكميات ضئيلة، لكنها تختزن في باطن أراضيها احتياطيات (ذات بال)، على أن تسرع في التنقيب عن النفط، ومن ثم إنتاجه وتصديره بكميات كبيرة، وقد يتعزز وضع بعضها، في المدى القريب، حتى يتجاوز في التصدير بعض دول أوبك المهمة مثل الكويت والإمارات. ورغم أن دول المنظمة تمتلك أكثر من احتياطي العالم من النفط الخام، فإنها ستواجه مشكلة دخول منافسين لها في السوق لسنوات ليست بالقليلة، خلالها قد تبدأ قوة أوبك في التداعي.
وأخيراً إن قدرة أوبك على الاستمرار فاعلا دوليا (ذا بال) موزعة بين إرادة أعضائها وما يدبره لها الغير من خطط وربما مؤامرات ودسائس. لكن حتى لو كف الغير عن الكيد، وتعززت إرادة المنظمة إلى أبعد حد لها، فإنها ستبقى تحت رحمة الأسعار، التي قد تفلت من يد الجميع، وتقفز إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ، ومن ثم تجعل كل المتعاملين في سوق النفط، منتجين ومصدرين ومستهلكين ووسطاء، يتساءلون بملء أفواههم: هل من فائدة تبقى لاستمرار أوبك على قيد الحياة؟
::/fulltext::
::cck::3036::/cck::
