“أوبك”.. مستقبل غامض لمنظمة ‏ دولية

::cck::3036::/cck::
::introtext::

لم تمض مسيرة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في خط مستقيم، إذ مرت بمنحنيات ‏ونتوءات عدة، لكنها، في جميع الأحاول وفي أشد الظروف قسوة، كانت، ولا تزال، لاعباً دولياً ‏مهماً، يزاوج بين الاقتصاد والسياسة، ويمارس عملاً يخلط الدبلوماسية بإدارة الأعمال، ويعي ‏تماما حاصل ضرب المنفعة الوطنية الخالصة في المصالح الدولية العامة، ويستطيع أن يشعل ‏أزمة ويطفئها بقرار سريع. ‏

 

::/introtext::
::fulltext::

لم تمض مسيرة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في خط مستقيم، إذ مرت بمنحنيات ‏ونتوءات عدة، لكنها، في جميع الأحاول وفي أشد الظروف قسوة، كانت، ولا تزال، لاعباً دولياً ‏مهماً، يزاوج بين الاقتصاد والسياسة، ويمارس عملاً يخلط الدبلوماسية بإدارة الأعمال، ويعي ‏تماما حاصل ضرب المنفعة الوطنية الخالصة في المصالح الدولية العامة، ويستطيع أن يشعل ‏أزمة ويطفئها بقرار سريع. ‏

وطيلة تاريخها واجهت (أوبك) تساؤلات فرعية عن التحديات التي تجابهها، والصيغة المثلى ‏التي يجب أن تتبعها، لكنها تجد نفسها معنية بقوة، في الوقت الراهن، للإجابة عن سؤال ‏عريض عن مصيرها، من دون أن تكون لديها إجابة محددة وقاطعة، لأن كل الإجابات تتوقف على ‏أمرين أساسيين، الأول: هو مقدار تحكم (أوبك) في سوق النفط الدولية، وثانيها مستقبل النفط ‏ذاته كمصدر للطاقة، في ظل تنامي الاعتماد على المصادر البديلة، من شمسية ونووية، علاوة ‏على تزايد استخدام آلات وأدوات ذات خصائص تقنية دقيقة، لا يحتاج تشغيلها إلى أي مشتقات ‏نفطية.‏

وإذا كان الاستغناء عن النفط تماما أو بدرجة كبيرة تؤثر في مكانته في عالم الطاقة ليس ‏مطروحا في المستقبل المنظور، فإن مصير أوبك نفسها يبقى معلقا في رقبة جهتين، الأولى ‏هي الدول التي تشكل هذه المنظمة، والثانية هي الدول الكبرى المستهلكة للنفط، وفي ‏مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ويبقى هذا المستقبل رهنا، كذلك، بمستوى أسعار النفط.‏

إن تماسك دول أوبك يتوقف على استمرار حالة مناسبة من (التوافق) حول قرارات المنظمة، ‏مصحوبة باقتناع تام من كل طرف على حدة بأن القرار الصادر عنها يخدم مصلحته الذاتية، وأن ‏التوحد حول موقف مشترك يجلب مغانم، بينما التفرق والتشرذم على استراتيجيات مستهلكي ‏النفط يرتب (غرامات)، تؤثر كثيرا في اقتصاديات ذات طبيعة ريعية، مثل تلك التي عليها أغلبية ‏دول المنظمة.‏

وقد تصرفت أوبك برشد ملموس طيلة الأزمة النفطية الأخيرة، حين هبط سعر برميل النفط ‏منتصف عام 1998 إلى أقل من تسعة دولارات، وكذلك حين انتعشت الأسعار، ووصلت إلى ‏الحد الذي أقلق مستهلكي الطاقة عام 2001. وكانت أوبك تتحرك دائما على ثلاثة محاور، أولها ‏زيادة درجة التنسيق بين أعضائها، وثانيها فتح باب الحوار مع مستهلكي النفط وعدم الكف عن ‏طمأنتهم باستمرار بأن المنظمة حريصة على توازن أسعار النفط الخام، وثالثها التحرك تجاه ‏الدول المنتجة للنفط من خارج المنظمة، بحيث لا تتضارب توجهاتها وقراراتها مع تلك التي ‏تتبناها أوبك، بما يؤثر سلبا في أهدافها. ‏

وقد مثل المحور الثالث أهمية قصوى لدى أوبك من منطلق أن الدول المنتجة للنفط خارج ‏المنظمة تلعب دورا كبيرا في سوق النفط الدولية، لأنها تنتج نحو ثلثي النفط العالمي (حوالي ‏‏42 مليون برميل يوميا). وبرز هذا التوجه منذ بداية الأزمة النفطية، المشار إليها سلفا ، حيث ‏كان هناك سعي دؤوب من قبل دول أوبك لضم المكسيك والنرويج إلى التحركات التي كانت ‏ترمي إلى خفض الإنتاج النفطي من أجل النهوض بالأسعار، ووصل الأمر إلى أن اجتماعا ثلاثيا ‏استضافته لاهاي في يونيو من عام 1998 عقده وزير النفط السعودي علي النعيمي مع نظيريه ‏في النرويج والمكسيك ـ وكلاهما ليس عضوا في أوبك ـ عدّ في نظر محللين ثقاة بداية ‏أساسية لسلسلة التخفيضات المتلاحقة التي أدخلتها المنظمة على إنتاجها، بما قاد إلى ‏تحرك الأسعار إلى الأمام. بل شكلت أوبك في مطلع أكتوبر من عام 2001 مجموعة اتصال من ‏دول أعضاء في المنظمة ودول نفطية أخرى لا تنتمي إليها لدراسة سبل استقرار سوق النفط ‏الدولية في ظل التداعيات التي ترتبت على التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة في ‏الحادي عشر من شهر سبتمبر 2001. ‏

‏ وإذا كانت معطيات الواقع قد أظهرت بجلاء أن دول أوبك (متوافقة) فيما بينها، وقادرة على إدارة ‏حوار بناء مع الدول المصدرة للنفط من خارج المنظمة، فإن هذا لم يمنع من أن بعض قراراتها ‏الأخيرة لم تحظ بإجماع، في حين دأبت بعض دولها على خرق الحصص التصديرية التي حددتها ‏المنظمة، عبر الاتجار في سوق النفط السوداء. وفي الوقت نفسه هناك التزامات وضغوط ‏سياسية على بعض دول أوبك تدفعها إلى اتخاذ قرارات لصالح مستهلكي النفط، وفي ‏مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، تتمثل في زيادة الكمية المصدرة، بما يقود إلى لجم ‏الأسعار، وهناك كذلك ظروف تمر بها هذه الدول منها الوقوع في فخ الديون، والعجز المتنامي ‏في الميزانيات السنوية، وضياع (المنعة الذاتية) حيال بعض الإجراءات الدولية القاسية، مثل ‏الحصار والمقاطعة الاقتصادية.‏

أما بالنسبة لموقف الدول الكبرى المستهلكة للنفط، فنجد أنها استخدمت خلال الأزمة الأخيرة ‏وسائل عدة في سبيل تحجيم (أوبك)، أولها تهديد الولايات المتحدة باستخدام احتياطيها ‏الاستراتيجي من النفط البالغ 560 مليون برميل. وثانيها تقليص الاعتماد على النفط الأجنبي ‏
والوقود المستورد. وثالثها اعتماد حزمة من الإجراءات المالية والضريبية التي تشجع الإقبال ‏على (سيارات المستقبل)، الأقل استهلاكا للوقود، وتعزز في الوقت نفسه الاتجاه إلى ‏استخدام مصادر بديلة عن الطاقة في المنازل والمصانع، ورابعها بدء عمليات تنقيب طموحة عن ‏النفط في الولايات المتحدة، لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي، وزيادة النسبة المحلية من ‏إجمالي الكمية المستهلكة، والتي تربو على 16 مليون برميل يوميا، وتشجيع الدول التي ‏أثبتت المسوح الجيولوجية أن لديها احتياطيا نفطيا كبيرا على إنتاجه، ومنها دول غرب إفريقيا، ‏ودول آسيا الوسطى والقوقاز، المشاطئة لبحر قزوين، ووصل الأمر إلى حد أن الكونجرس مرر ‏مشروع قانون يخول الرئيس الأمريكي الحق في قطع مبيعات السلاح والمعونات عن دول أوبك، ‏وغيرها من الدول المصدرة للنفط بغزارة، حال قيامها بتبني موقف يضر بالمصلحة الأمريكية.‏

وفي ما يخص حركة الأسعار فنجد أنها حين كانت مرتبطة، هبوطا وصعودا، بأي قرار تتخذه أوبك ‏بزيادة إنتاجها أو تقليصه، كان وضع المنظمة عالميا يتعزز، وكان يتوفر لديها هامش كبير من ‏المناورة والمداورة، وإشعار الجميع بتأثيرها، وإسماع الكل صوتها. وعلى قدر التأثير وعلو الصوت، ‏كانت تأتي الاستجابة الدولية مع سلوك أوبك، متراوحة بين (الحض) و(الانتظار)، حضها على ‏زيادة الإنتاج، وانتظار نتيجة هذا القرار على أحر من الجمر، ليعيد إلى السوق النفطي توازنه، ‏الذي لا يعدو كونه (نقطة افتراضية) رسمها صراع الإرادات بين مصدري النفط الأساسيين وكبار ‏مستهلكيه.‏

أما إذا واصلت الأسعار ارتفاعها، ووصلت إلى نحو ثمانين أو مائة دولار، كما يتوقع بعض ‏المحللين، وحتى لو بقيت عند حالها الراهن الذي يتجاوز ستين دولارا للبرميل، فإن قدرة أوبك ‏على التأثير ستضعف تدريجيا، وقد تتلاشى، إذ لن يصبح باستطاعتها ضخ كميات كبيرة في ‏السوق، من شأنها أن تقود إلى تراجع الأسعار. ففي مثل هذه الحالة لن يكفي أن تزيد المنظمة من الكمية التي تصدرها بمقدار نصف مليون أو مليون أو حتى مليوني برميل يوميا، ‏كما كان يجري في السابق، ليس لمخاوفها الدائمة من نزيف الاحتياطي، وليس لأن هذه ‏الكمية لا تؤدي اقتصاديا إلى إحداث توازن تفتقده السوق، بل لأن القدرة الإنتاجية لدول أوبك ‏ليست مفتوحة على مصراعيها، إذ تحدها عناصر عدة في مقدمتها قدرة مصافيها على التكرير، ‏والطاقة الاستيعابية للأنابيب الواصلة بين الآبار وموانئ التصدير، علاوة على مسائل سياسية ‏منها تحسب الحكومات التي تسيّر دفة الأمور بدول (أوبك) من رد فعل شعوبها حيال قرارات ‏‏(غير رشيدة) لصالح مستهلكي النفط.‏

كما أن ارتفاع الأسعار سيشجع دولاً أخرى تنتج النفط بكميات ضئيلة، لكنها تختزن في باطن ‏أراضيها احتياطيات (ذات بال)، على أن تسرع في التنقيب عن النفط، ومن ثم إنتاجه وتصديره ‏بكميات كبيرة، وقد يتعزز وضع بعضها، في المدى القريب، حتى يتجاوز في التصدير بعض دول ‏أوبك المهمة مثل الكويت والإمارات. ورغم أن دول المنظمة تمتلك أكثر من احتياطي العالم من ‏النفط الخام، فإنها ستواجه مشكلة دخول منافسين لها في السوق لسنوات ليست بالقليلة، ‏خلالها قد تبدأ قوة أوبك في التداعي. ‏

وأخيراً إن قدرة أوبك على الاستمرار فاعلا دوليا (ذا بال) موزعة بين إرادة أعضائها وما يدبره لها ‏الغير من خطط وربما مؤامرات ودسائس. لكن حتى لو كف الغير عن الكيد، وتعززت إرادة ‏المنظمة إلى أبعد حد لها، فإنها ستبقى تحت رحمة الأسعار، التي قد تفلت من يد الجميع، ‏وتقفز إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ، ومن ثم تجعل كل المتعاملين في سوق النفط، ‏منتجين ومصدرين ومستهلكين ووسطاء، يتساءلون بملء أفواههم: هل من فائدة تبقى ‏لاستمرار أوبك على قيد الحياة؟

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3036::/cck::
::introtext::

لم تمض مسيرة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في خط مستقيم، إذ مرت بمنحنيات ‏ونتوءات عدة، لكنها، في جميع الأحاول وفي أشد الظروف قسوة، كانت، ولا تزال، لاعباً دولياً ‏مهماً، يزاوج بين الاقتصاد والسياسة، ويمارس عملاً يخلط الدبلوماسية بإدارة الأعمال، ويعي ‏تماما حاصل ضرب المنفعة الوطنية الخالصة في المصالح الدولية العامة، ويستطيع أن يشعل ‏أزمة ويطفئها بقرار سريع. ‏

 

::/introtext::
::fulltext::

لم تمض مسيرة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في خط مستقيم، إذ مرت بمنحنيات ‏ونتوءات عدة، لكنها، في جميع الأحاول وفي أشد الظروف قسوة، كانت، ولا تزال، لاعباً دولياً ‏مهماً، يزاوج بين الاقتصاد والسياسة، ويمارس عملاً يخلط الدبلوماسية بإدارة الأعمال، ويعي ‏تماما حاصل ضرب المنفعة الوطنية الخالصة في المصالح الدولية العامة، ويستطيع أن يشعل ‏أزمة ويطفئها بقرار سريع. ‏

وطيلة تاريخها واجهت (أوبك) تساؤلات فرعية عن التحديات التي تجابهها، والصيغة المثلى ‏التي يجب أن تتبعها، لكنها تجد نفسها معنية بقوة، في الوقت الراهن، للإجابة عن سؤال ‏عريض عن مصيرها، من دون أن تكون لديها إجابة محددة وقاطعة، لأن كل الإجابات تتوقف على ‏أمرين أساسيين، الأول: هو مقدار تحكم (أوبك) في سوق النفط الدولية، وثانيها مستقبل النفط ‏ذاته كمصدر للطاقة، في ظل تنامي الاعتماد على المصادر البديلة، من شمسية ونووية، علاوة ‏على تزايد استخدام آلات وأدوات ذات خصائص تقنية دقيقة، لا يحتاج تشغيلها إلى أي مشتقات ‏نفطية.‏

وإذا كان الاستغناء عن النفط تماما أو بدرجة كبيرة تؤثر في مكانته في عالم الطاقة ليس ‏مطروحا في المستقبل المنظور، فإن مصير أوبك نفسها يبقى معلقا في رقبة جهتين، الأولى ‏هي الدول التي تشكل هذه المنظمة، والثانية هي الدول الكبرى المستهلكة للنفط، وفي ‏مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ويبقى هذا المستقبل رهنا، كذلك، بمستوى أسعار النفط.‏

إن تماسك دول أوبك يتوقف على استمرار حالة مناسبة من (التوافق) حول قرارات المنظمة، ‏مصحوبة باقتناع تام من كل طرف على حدة بأن القرار الصادر عنها يخدم مصلحته الذاتية، وأن ‏التوحد حول موقف مشترك يجلب مغانم، بينما التفرق والتشرذم على استراتيجيات مستهلكي ‏النفط يرتب (غرامات)، تؤثر كثيرا في اقتصاديات ذات طبيعة ريعية، مثل تلك التي عليها أغلبية ‏دول المنظمة.‏

وقد تصرفت أوبك برشد ملموس طيلة الأزمة النفطية الأخيرة، حين هبط سعر برميل النفط ‏منتصف عام 1998 إلى أقل من تسعة دولارات، وكذلك حين انتعشت الأسعار، ووصلت إلى ‏الحد الذي أقلق مستهلكي الطاقة عام 2001. وكانت أوبك تتحرك دائما على ثلاثة محاور، أولها ‏زيادة درجة التنسيق بين أعضائها، وثانيها فتح باب الحوار مع مستهلكي النفط وعدم الكف عن ‏طمأنتهم باستمرار بأن المنظمة حريصة على توازن أسعار النفط الخام، وثالثها التحرك تجاه ‏الدول المنتجة للنفط من خارج المنظمة، بحيث لا تتضارب توجهاتها وقراراتها مع تلك التي ‏تتبناها أوبك، بما يؤثر سلبا في أهدافها. ‏

وقد مثل المحور الثالث أهمية قصوى لدى أوبك من منطلق أن الدول المنتجة للنفط خارج ‏المنظمة تلعب دورا كبيرا في سوق النفط الدولية، لأنها تنتج نحو ثلثي النفط العالمي (حوالي ‏‏42 مليون برميل يوميا). وبرز هذا التوجه منذ بداية الأزمة النفطية، المشار إليها سلفا ، حيث ‏كان هناك سعي دؤوب من قبل دول أوبك لضم المكسيك والنرويج إلى التحركات التي كانت ‏ترمي إلى خفض الإنتاج النفطي من أجل النهوض بالأسعار، ووصل الأمر إلى أن اجتماعا ثلاثيا ‏استضافته لاهاي في يونيو من عام 1998 عقده وزير النفط السعودي علي النعيمي مع نظيريه ‏في النرويج والمكسيك ـ وكلاهما ليس عضوا في أوبك ـ عدّ في نظر محللين ثقاة بداية ‏أساسية لسلسلة التخفيضات المتلاحقة التي أدخلتها المنظمة على إنتاجها، بما قاد إلى ‏تحرك الأسعار إلى الأمام. بل شكلت أوبك في مطلع أكتوبر من عام 2001 مجموعة اتصال من ‏دول أعضاء في المنظمة ودول نفطية أخرى لا تنتمي إليها لدراسة سبل استقرار سوق النفط ‏الدولية في ظل التداعيات التي ترتبت على التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة في ‏الحادي عشر من شهر سبتمبر 2001. ‏

‏ وإذا كانت معطيات الواقع قد أظهرت بجلاء أن دول أوبك (متوافقة) فيما بينها، وقادرة على إدارة ‏حوار بناء مع الدول المصدرة للنفط من خارج المنظمة، فإن هذا لم يمنع من أن بعض قراراتها ‏الأخيرة لم تحظ بإجماع، في حين دأبت بعض دولها على خرق الحصص التصديرية التي حددتها ‏المنظمة، عبر الاتجار في سوق النفط السوداء. وفي الوقت نفسه هناك التزامات وضغوط ‏سياسية على بعض دول أوبك تدفعها إلى اتخاذ قرارات لصالح مستهلكي النفط، وفي ‏مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية، تتمثل في زيادة الكمية المصدرة، بما يقود إلى لجم ‏الأسعار، وهناك كذلك ظروف تمر بها هذه الدول منها الوقوع في فخ الديون، والعجز المتنامي ‏في الميزانيات السنوية، وضياع (المنعة الذاتية) حيال بعض الإجراءات الدولية القاسية، مثل ‏الحصار والمقاطعة الاقتصادية.‏

أما بالنسبة لموقف الدول الكبرى المستهلكة للنفط، فنجد أنها استخدمت خلال الأزمة الأخيرة ‏وسائل عدة في سبيل تحجيم (أوبك)، أولها تهديد الولايات المتحدة باستخدام احتياطيها ‏الاستراتيجي من النفط البالغ 560 مليون برميل. وثانيها تقليص الاعتماد على النفط الأجنبي ‏
والوقود المستورد. وثالثها اعتماد حزمة من الإجراءات المالية والضريبية التي تشجع الإقبال ‏على (سيارات المستقبل)، الأقل استهلاكا للوقود، وتعزز في الوقت نفسه الاتجاه إلى ‏استخدام مصادر بديلة عن الطاقة في المنازل والمصانع، ورابعها بدء عمليات تنقيب طموحة عن ‏النفط في الولايات المتحدة، لتعزيز الاحتياطي الاستراتيجي، وزيادة النسبة المحلية من ‏إجمالي الكمية المستهلكة، والتي تربو على 16 مليون برميل يوميا، وتشجيع الدول التي ‏أثبتت المسوح الجيولوجية أن لديها احتياطيا نفطيا كبيرا على إنتاجه، ومنها دول غرب إفريقيا، ‏ودول آسيا الوسطى والقوقاز، المشاطئة لبحر قزوين، ووصل الأمر إلى حد أن الكونجرس مرر ‏مشروع قانون يخول الرئيس الأمريكي الحق في قطع مبيعات السلاح والمعونات عن دول أوبك، ‏وغيرها من الدول المصدرة للنفط بغزارة، حال قيامها بتبني موقف يضر بالمصلحة الأمريكية.‏

وفي ما يخص حركة الأسعار فنجد أنها حين كانت مرتبطة، هبوطا وصعودا، بأي قرار تتخذه أوبك ‏بزيادة إنتاجها أو تقليصه، كان وضع المنظمة عالميا يتعزز، وكان يتوفر لديها هامش كبير من ‏المناورة والمداورة، وإشعار الجميع بتأثيرها، وإسماع الكل صوتها. وعلى قدر التأثير وعلو الصوت، ‏كانت تأتي الاستجابة الدولية مع سلوك أوبك، متراوحة بين (الحض) و(الانتظار)، حضها على ‏زيادة الإنتاج، وانتظار نتيجة هذا القرار على أحر من الجمر، ليعيد إلى السوق النفطي توازنه، ‏الذي لا يعدو كونه (نقطة افتراضية) رسمها صراع الإرادات بين مصدري النفط الأساسيين وكبار ‏مستهلكيه.‏

أما إذا واصلت الأسعار ارتفاعها، ووصلت إلى نحو ثمانين أو مائة دولار، كما يتوقع بعض ‏المحللين، وحتى لو بقيت عند حالها الراهن الذي يتجاوز ستين دولارا للبرميل، فإن قدرة أوبك ‏على التأثير ستضعف تدريجيا، وقد تتلاشى، إذ لن يصبح باستطاعتها ضخ كميات كبيرة في ‏السوق، من شأنها أن تقود إلى تراجع الأسعار. ففي مثل هذه الحالة لن يكفي أن تزيد المنظمة من الكمية التي تصدرها بمقدار نصف مليون أو مليون أو حتى مليوني برميل يوميا، ‏كما كان يجري في السابق، ليس لمخاوفها الدائمة من نزيف الاحتياطي، وليس لأن هذه ‏الكمية لا تؤدي اقتصاديا إلى إحداث توازن تفتقده السوق، بل لأن القدرة الإنتاجية لدول أوبك ‏ليست مفتوحة على مصراعيها، إذ تحدها عناصر عدة في مقدمتها قدرة مصافيها على التكرير، ‏والطاقة الاستيعابية للأنابيب الواصلة بين الآبار وموانئ التصدير، علاوة على مسائل سياسية ‏منها تحسب الحكومات التي تسيّر دفة الأمور بدول (أوبك) من رد فعل شعوبها حيال قرارات ‏‏(غير رشيدة) لصالح مستهلكي النفط.‏

كما أن ارتفاع الأسعار سيشجع دولاً أخرى تنتج النفط بكميات ضئيلة، لكنها تختزن في باطن ‏أراضيها احتياطيات (ذات بال)، على أن تسرع في التنقيب عن النفط، ومن ثم إنتاجه وتصديره ‏بكميات كبيرة، وقد يتعزز وضع بعضها، في المدى القريب، حتى يتجاوز في التصدير بعض دول ‏أوبك المهمة مثل الكويت والإمارات. ورغم أن دول المنظمة تمتلك أكثر من احتياطي العالم من ‏النفط الخام، فإنها ستواجه مشكلة دخول منافسين لها في السوق لسنوات ليست بالقليلة، ‏خلالها قد تبدأ قوة أوبك في التداعي. ‏

وأخيراً إن قدرة أوبك على الاستمرار فاعلا دوليا (ذا بال) موزعة بين إرادة أعضائها وما يدبره لها ‏الغير من خطط وربما مؤامرات ودسائس. لكن حتى لو كف الغير عن الكيد، وتعززت إرادة ‏المنظمة إلى أبعد حد لها، فإنها ستبقى تحت رحمة الأسعار، التي قد تفلت من يد الجميع، ‏وتقفز إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ، ومن ثم تجعل كل المتعاملين في سوق النفط، ‏منتجين ومصدرين ومستهلكين ووسطاء، يتساءلون بملء أفواههم: هل من فائدة تبقى ‏لاستمرار أوبك على قيد الحياة؟

 

::/fulltext::
::cck::3036::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *