العراق وإيران وسياسات الولايات المتحدة في الخليج
::cck::3007::/cck::
::introtext::
تنص المذكرة الحكومية البريطانية التي سربت في التاسع من يوليو 2005 إلى الصحافة البريطانية والتي أكدها وزير الدفاع البريطاني جون ريد في السابع عشر من يوليو الماضي في مقابلة مع قناة (CNN) على خطة لسحب نصف القوات البريطانية من العراق في العام المقبل، وتسليم السلطة إلى قوات الأمن العراقية الحديثة العهد في منتصف عام 2006. بعد ساعات من تسريب الوثيقة، قام انتحاري بمهاجمة مركز تجنيد للجيش في وسط بغداد، وهذا الهجوم واحد من هجمات عدة تتعرض لها مراكز تجنيد الجيش والشرطة العراقية منذ عام 2003. وعلى الرغم من أن المذكرة لم تُحدِث ضجّة تُذكر في لندن التي لا تزال تعاني من جراء تفجيرات السابع من يوليو ، فإن الحالة الأمنية في العراق مستمرة في التدهور، ما يهدد بعواقب خطرة على دول الخليج كافة.
::/introtext::
::fulltext::
تنص المذكرة الحكومية البريطانية التي سربت في التاسع من يوليو 2005 إلى الصحافة البريطانية والتي أكدها وزير الدفاع البريطاني جون ريد في السابع عشر من يوليو الماضي في مقابلة مع قناة (CNN) على خطة لسحب نصف القوات البريطانية من العراق في العام المقبل، وتسليم السلطة إلى قوات الأمن العراقية الحديثة العهد في منتصف عام 2006. بعد ساعات من تسريب الوثيقة، قام انتحاري بمهاجمة مركز تجنيد للجيش في وسط بغداد، وهذا الهجوم واحد من هجمات عدة تتعرض لها مراكز تجنيد الجيش والشرطة العراقية منذ عام 2003. وعلى الرغم من أن المذكرة لم تُحدِث ضجّة تُذكر في لندن التي لا تزال تعاني من جراء تفجيرات السابع من يوليو ، فإن الحالة الأمنية في العراق مستمرة في التدهور، ما يهدد بعواقب خطرة على دول الخليج كافة.
المذكرة المسربة تُبرز مرة أخرى المراوغة وعدم الوضوح اللذين تتسم بهما سياسات الولايات المتحدة في الخليج، حيث إن فكرة السحب السريع للقوات من العراق ليست بجديدة، فخطة الحرب الأصلية كما أعلنها مسؤولو البنتاغون وشخصيات رفيعة المستوى في الإدارة الأمريكية قبل الغزو تنص على أنه في نهاية 2003 لن يكون الوضع بحاجة إلى أكثر من 50 ألف جندي، على الرغم من اعتراض مسؤولي الجيش الأمريكي آنذاك على هذا العدد المنخفض. اليوم ورغم وجود 160 ألف جندي أمريكي وبريطاني على أرض العراق، فإن الحالة لا تزال غير مستقرة، وحركات التمرد أشبه بأفعى بسبعة رؤوس، كلما قطع لها رأس نبت آخر. والمجموعات الإرهابية وجدت لها بيئة مثالية في العراق لتنطلق منها منفذّة عمليات أدّت إلى إيجاد دولة إرهابية داخل الدولة.
في حرب يعتبر فيها استشراف الأمور إلى حد بعيد تكتيكاً عسكرياً، فإن المذكرة البريطانية تبعث برسالة خطرة إلى مجموعات التمرد عندما تحدد منتصف 2006 موعداً محتملاً لبدء جدولة خفض القوات الأمريكية والبريطانية. وكما قال بوش نفسه في خطابه الرئاسي في الثامن والعشرين من يونيو المنصرم، فإن تحديد جدول زمني (يعتبر خطأً فادحاً)، ويبعث برسالة خاطئة إلى العراقيين، والقوات الأمريكية، و(العدو الذي سيعلم أن كل ما عليه فعله هو انتظار خروجنا). وتقول المذكرة المسربة التي وجهها وزير الدفاع البريطاني جون ريد إلى رئيس الوزراء توني بلير: إن واشنطن ستخفض عدد قواتها الى 66 ألف رجل وامرأة. مشيرة إلى أن (الخطط الأمريكية الموجودة تفترض أنه بالإمكان تسليم السلطة الى العراقيين في 14 محافظة عراقية من أصل 18 في مطلع عام 2006).
ويذهب المحللو ن العسكريون الأمريكيون في الوقت الحاضر إلى القول إن قوات التحالف لن تستطيع دحر الجماعات المسلحة، ولكن من يقدر على ذلك هي القوات العراقية المدعومة بحكومة قوية. وقد أصبح هذا التحول التكتيكي مقبولاً منذ نهاية مايو المنصرم بعد أن صار واضحاً أنه برغم انخفاض معدل العمليات في العراق بعد الانتخابات فإن المتمردين قد بدأوا بإعادة ترتيب صفوفهم. وعلى أي حال، فإن نجاح هذا الطرح يتوقف على استقرار الوضع والتدريب السريع لقوات الأمن العراقية، وهي مهمة قد تستغرق سنين عدة، خصوصاً أن المتمردين يركزون الآن هجماتهم على مراكز تجنيد الجيش والشرطة في البلاد ولا سيما في الوسط، مما يجعل مسألة تسليم السلطة للعراقيين
تبدو للمراقب الخارجي أمراً شبه مستحيل. ولعل هجوم الحلة في فبراير 2005 يعد مثالاً ساطعاً على هذه الاستراتيجية الإرهابية الجديدة، فقد قُتل 115 متقدماً عراقياً في محاولة جادة لمنع بناء المؤسسات في العراق. ورغم الجهد الهائل الذي تبذله القوات الأمريكية، فإن مناطق ما يعرف بـ (المثلث السني) لا تزال تفتقر الى أي مظهر من مظاهر السلطة، على الرغم من أن أجزاء أخرى من البلاد مثل الجنوب والشمال الكردي تشهد استقراراً أكبر، واستهدافها من قبل مجموعات التمرد أقل.
إن هذه المذكرة الحكومية البريطانية المسربة، وكما تم الدفاع عنها فوراً بعد نشرها من قبل مسؤولي الحكومة البريطانية والمتحدث باسم البنتاغون، تشير إلى ضرورة بحث سيناريوهات عسكرية عدة خلال الحملات العسكرية مثل الحرب على العراق. ولكن في الوقت الذي يؤكد فيه المتابعون للشأن الأمريكي وكذلك الديمقراطيون والجمهوريون في الولايات المتحدة والجيش على الأرض، أن هزيمة المتمردين تتطلب المزيد من القوات، فإن أي تاريخ مقترح لجدولة الانسحاب سيكون بمثابة صفعة لاستراتيجية سريعة للخروج، وستترك هذا البلد الواعد ساحةَ حرب لمجموعات التمرد المختلفة ضد الحكومة العراقية الجديدة.
لذلك فقد لا يكون مفاجئاً للكثيرين، أن سياسة الولايات المتحدة في المنطقة تقود إلى أزمة عدم استقرار مزمنة وصعبة. فمنذ بدء الحرب العالمية على الإرهاب، التي تتولاها وتدعمها إدارة أمريكية عقائدية، سارع العديد من المحللين المهتمين بمنطقة الخليج للتنبيه إلى أخطار عدة، وتنافرات ومغالطات مقصودة في منطق السياسة الأمريكية في المنطقة. فالقضية التي بنيت على الباطل لشن الحرب على العراق بذريعة تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية معروفة جيداً. فقليلون هم الذين يعتقدون الآن أن الحرب كانت من أجل تغيير النظام، او أسلحة الدمار الشامل، أو حتى محاربة الإرهاب، بل إنها جزء من قرار أحادي تعسفي مبني على استراتيجية مغلوطة للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في الخليج، وتوجيه ضربة استباقية في إطار الرد على هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
لكن بعض العراقيين يقدمون وجهة نظر مختلفة حول انسحاب القوات الأمريكية، فقد قال متعهد أمني عراقي في بغداد، فضل عدم ذكر اسمه، لمجلة (آراء حول الخليج): (إن القوات الأمريكية هي فعلاً في مرحلة متقدمة من التخطيط لتسليم قواعد أمريكية معينة في جنوب بغداد إلى القوات العراقية في المستقبل القريب (معلومات غير رسمية بعد). عدم الاستقرار في تلك المناطق هو من عمل مجموعات إجرامية، لا تقع مسؤولية محاسبتها على عاتق القوات الأمريكية على أي حال. إنها عملية ستحظى بترحيب الشعب العراقي والرأي العام الأمريكي والحكومة الأمريكية الذين يتطلعون إلى (حل عراقي).. على أي حال، لا أحد يعلم تبعات ذلك).
وقد دعمت دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي بوش في قناعته بشن الحرب، برغم أنها كانت على علم بأن النظام الأمني المتعدد الأطراف قد تعرض لنكسات عديدة. فمدريد ولندن رأتا الإرهاب وهو يدق أبوابهما، ليس لأنهما شاركتا في الحرب، بل لدعمهما استراتيجية أمريكية أعطت القاعدة وعملياتها زخماً على المدى القصير. ما من شك في أن الموقف الأمريكي قد تصدع نتيجة لانسحاب بعض دول التحالف في العراق بعد تفجيرات مدريد المرعبة في مارس 2004. وإذا ما فشلت الولايات المتحدة في تجربتها في العراق، فستكون لذلك تداعيات خطرة على المنطقة، وستضعف قدرة الولايات المتحدة على فرض نفوذها، وسينظر إليها على أنها نمر من ورق، وأنها غير قادرة على تحقيق مطامحها في العراق، ناهيك عن عجزها عن إلحاق الهزيمة بالإرهاب العالمي.
وللتدخل الأمريكي تداعيات خطيرة على إيران أيضا، التي صنفها بوش إحدى دول (محور الشر) في خطاب حال الاتحاد (السيئ الصيت) في يناير 2002. فمن الغريب أن سياسات الولايات المتحدة قد مضت قدماً في تقوية عضد إيران في الخليج من الناحية الجيو-سياسية، حيث تخلصت من صدام حسين في العراق وحركة طالبان وحتى (القاعدة) وهم كانوا بمثابة درع (ولو غير مستحبة) ضد أطماع إيران الإقليمية. وإن الغزو الأمريكي للعراق والحدود العراقية ـ الإيرانية الطويلة، ونفوذ حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، جعلا العراق ليس ساحة حرب لمجموعات القاعدة والميليشيات الإسلامية شبه العسكرية فقط، كما يجمع المحللون فقط، بل أيضا ساحةً مهمة للإيرانيين للعمل على تحقيق مصالحهم الإقليمية.
إن الحرب الصعبة الدائرة في العراق وبالتالي زيادة ثقة إيران بقدراتها التي تتجلى في سياساتها الخارجية، تعتبران تحولاً مهماً في التوازن الجيو-سياسي في المنطقة. والتهديد الذي شعرت به إيران في بداية الحرب على العراق جراء الاستخدام الأمريكي المتكرر لمصطلح (تغيير النظام) قد تحول شيئاً فشيئاً إلى اعتداد قوي بالنفس. وتجلى التحدي الإيراني في مواجهة التهديدات من جهات عدة، وتحديداً تهديد المجتمع الدولي المتزايد لها حول برامجها لأسلحة الدمار الشامل، في إيجاد جبهة وطنية تجلت قوتها في فوز المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد بالانتخابات الإيرانية في يونيو 2005.
الرئيس المنتخب أحمدي نجاد أطلق بالفعل تصريحات، شديدة التأكيد، حول حق إيران في التحكم بقدراتها النووية، وجاءت تصريحاته قبل استئناف الحوار بين الاتحاد الأوروبي وإيران هذا الشهر مدعومة بنتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2004، والتي جاءت بأغلبية برلمانية محافظة وكذلك بتأييد شعبي لبرنامج الضمان الاجتماعي الذي جاء في برنامجه الانتخابي، فإيران مستعدة داخلياً لمواجهة المجتمع الدولي، ومستندة كذلك إلى الضرر الذي باستطاعتها أن تلحقه بجهود الولايات المتحدة في العراق. وأسعار البترول المرتفعة من المتوقع لها أن تمد إيران بـ 50 مليار دولار خلال هذه السنة المالية حتى مارس 2006. هذه العوامل مجتمعة، بالإضافة إلى علاقاتها الاستراتيجية بالصين وروسيا، ستعطيها بالتأكيد القوة لمقاومة المطالب الأمريكية.
وبينما تتحسر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على فشل (المعتدل) آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني في الانتخابات، تظل هناك حقيقة ماثلة، وهي أنهم غير قلقين حول من يقود البلاد في ظل وجود المرشد الأعلى للثورة، وهذا يمثل مؤشراً على تحول رئيسي في سياسة واشنطن
حيث يؤكد اعتزام فتح الولايات المتحدة حوار جاد مع طهران، متجاوزة تحالفاتها التقليدية والحديثة مع دول الخليج العربية. ومن دون شك فإن الولايات المتحدة، ومن غير قصد، فتحت الباب لإحياء الأطماع الإيرانية وتشجيعها على لعب دور أكبر في المنطقة. وقد تستخدم إيران نفوذها في العراق للاستمرار في تطوير برنامجها النووي المزعوم، وكذلك الحفاظ على موقف قوي في قضايا سيادية مع دول الخليج الأصغر حجماً.
ما يبعث على الإحباط وربما يكون مؤشراً على أن الرأي العام في الغرب قد أصبح متشائماً من قصة الحرب بأكملها، أن المذكرة البريطانية، التي ظهرت في عام 2002 والتي تثبت أن الولايات المتحدة قد خططت لـ (تعديل) المعلومات الاستخبارية لتبرير حربها على العراق، قد مرت دون أن ينتبه إليها أحد. وقد مرت المذكرة الأخيرة من دون أن ينتبه إليها أحد أيضاً، في عالم مرهق من حرب بوش العالمية على الإرهاب ومصدوم من قسوة الهجمات في المدن الغربية.
إن المذكرة دليل آخر فضح الاستراتيجية الأمريكية في الخليج في السنين الأخيرة، وهي استراتيجية فشلت فشلاً ذريعاً في مواجهة التهديد المتزايد للإرهاب العالمي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3007::/cck::
::introtext::
تنص المذكرة الحكومية البريطانية التي سربت في التاسع من يوليو 2005 إلى الصحافة البريطانية والتي أكدها وزير الدفاع البريطاني جون ريد في السابع عشر من يوليو الماضي في مقابلة مع قناة (CNN) على خطة لسحب نصف القوات البريطانية من العراق في العام المقبل، وتسليم السلطة إلى قوات الأمن العراقية الحديثة العهد في منتصف عام 2006. بعد ساعات من تسريب الوثيقة، قام انتحاري بمهاجمة مركز تجنيد للجيش في وسط بغداد، وهذا الهجوم واحد من هجمات عدة تتعرض لها مراكز تجنيد الجيش والشرطة العراقية منذ عام 2003. وعلى الرغم من أن المذكرة لم تُحدِث ضجّة تُذكر في لندن التي لا تزال تعاني من جراء تفجيرات السابع من يوليو ، فإن الحالة الأمنية في العراق مستمرة في التدهور، ما يهدد بعواقب خطرة على دول الخليج كافة.
::/introtext::
::fulltext::
تنص المذكرة الحكومية البريطانية التي سربت في التاسع من يوليو 2005 إلى الصحافة البريطانية والتي أكدها وزير الدفاع البريطاني جون ريد في السابع عشر من يوليو الماضي في مقابلة مع قناة (CNN) على خطة لسحب نصف القوات البريطانية من العراق في العام المقبل، وتسليم السلطة إلى قوات الأمن العراقية الحديثة العهد في منتصف عام 2006. بعد ساعات من تسريب الوثيقة، قام انتحاري بمهاجمة مركز تجنيد للجيش في وسط بغداد، وهذا الهجوم واحد من هجمات عدة تتعرض لها مراكز تجنيد الجيش والشرطة العراقية منذ عام 2003. وعلى الرغم من أن المذكرة لم تُحدِث ضجّة تُذكر في لندن التي لا تزال تعاني من جراء تفجيرات السابع من يوليو ، فإن الحالة الأمنية في العراق مستمرة في التدهور، ما يهدد بعواقب خطرة على دول الخليج كافة.
المذكرة المسربة تُبرز مرة أخرى المراوغة وعدم الوضوح اللذين تتسم بهما سياسات الولايات المتحدة في الخليج، حيث إن فكرة السحب السريع للقوات من العراق ليست بجديدة، فخطة الحرب الأصلية كما أعلنها مسؤولو البنتاغون وشخصيات رفيعة المستوى في الإدارة الأمريكية قبل الغزو تنص على أنه في نهاية 2003 لن يكون الوضع بحاجة إلى أكثر من 50 ألف جندي، على الرغم من اعتراض مسؤولي الجيش الأمريكي آنذاك على هذا العدد المنخفض. اليوم ورغم وجود 160 ألف جندي أمريكي وبريطاني على أرض العراق، فإن الحالة لا تزال غير مستقرة، وحركات التمرد أشبه بأفعى بسبعة رؤوس، كلما قطع لها رأس نبت آخر. والمجموعات الإرهابية وجدت لها بيئة مثالية في العراق لتنطلق منها منفذّة عمليات أدّت إلى إيجاد دولة إرهابية داخل الدولة.
في حرب يعتبر فيها استشراف الأمور إلى حد بعيد تكتيكاً عسكرياً، فإن المذكرة البريطانية تبعث برسالة خطرة إلى مجموعات التمرد عندما تحدد منتصف 2006 موعداً محتملاً لبدء جدولة خفض القوات الأمريكية والبريطانية. وكما قال بوش نفسه في خطابه الرئاسي في الثامن والعشرين من يونيو المنصرم، فإن تحديد جدول زمني (يعتبر خطأً فادحاً)، ويبعث برسالة خاطئة إلى العراقيين، والقوات الأمريكية، و(العدو الذي سيعلم أن كل ما عليه فعله هو انتظار خروجنا). وتقول المذكرة المسربة التي وجهها وزير الدفاع البريطاني جون ريد إلى رئيس الوزراء توني بلير: إن واشنطن ستخفض عدد قواتها الى 66 ألف رجل وامرأة. مشيرة إلى أن (الخطط الأمريكية الموجودة تفترض أنه بالإمكان تسليم السلطة الى العراقيين في 14 محافظة عراقية من أصل 18 في مطلع عام 2006).
ويذهب المحللو ن العسكريون الأمريكيون في الوقت الحاضر إلى القول إن قوات التحالف لن تستطيع دحر الجماعات المسلحة، ولكن من يقدر على ذلك هي القوات العراقية المدعومة بحكومة قوية. وقد أصبح هذا التحول التكتيكي مقبولاً منذ نهاية مايو المنصرم بعد أن صار واضحاً أنه برغم انخفاض معدل العمليات في العراق بعد الانتخابات فإن المتمردين قد بدأوا بإعادة ترتيب صفوفهم. وعلى أي حال، فإن نجاح هذا الطرح يتوقف على استقرار الوضع والتدريب السريع لقوات الأمن العراقية، وهي مهمة قد تستغرق سنين عدة، خصوصاً أن المتمردين يركزون الآن هجماتهم على مراكز تجنيد الجيش والشرطة في البلاد ولا سيما في الوسط، مما يجعل مسألة تسليم السلطة للعراقيين
تبدو للمراقب الخارجي أمراً شبه مستحيل. ولعل هجوم الحلة في فبراير 2005 يعد مثالاً ساطعاً على هذه الاستراتيجية الإرهابية الجديدة، فقد قُتل 115 متقدماً عراقياً في محاولة جادة لمنع بناء المؤسسات في العراق. ورغم الجهد الهائل الذي تبذله القوات الأمريكية، فإن مناطق ما يعرف بـ (المثلث السني) لا تزال تفتقر الى أي مظهر من مظاهر السلطة، على الرغم من أن أجزاء أخرى من البلاد مثل الجنوب والشمال الكردي تشهد استقراراً أكبر، واستهدافها من قبل مجموعات التمرد أقل.
إن هذه المذكرة الحكومية البريطانية المسربة، وكما تم الدفاع عنها فوراً بعد نشرها من قبل مسؤولي الحكومة البريطانية والمتحدث باسم البنتاغون، تشير إلى ضرورة بحث سيناريوهات عسكرية عدة خلال الحملات العسكرية مثل الحرب على العراق. ولكن في الوقت الذي يؤكد فيه المتابعون للشأن الأمريكي وكذلك الديمقراطيون والجمهوريون في الولايات المتحدة والجيش على الأرض، أن هزيمة المتمردين تتطلب المزيد من القوات، فإن أي تاريخ مقترح لجدولة الانسحاب سيكون بمثابة صفعة لاستراتيجية سريعة للخروج، وستترك هذا البلد الواعد ساحةَ حرب لمجموعات التمرد المختلفة ضد الحكومة العراقية الجديدة.
لذلك فقد لا يكون مفاجئاً للكثيرين، أن سياسة الولايات المتحدة في المنطقة تقود إلى أزمة عدم استقرار مزمنة وصعبة. فمنذ بدء الحرب العالمية على الإرهاب، التي تتولاها وتدعمها إدارة أمريكية عقائدية، سارع العديد من المحللين المهتمين بمنطقة الخليج للتنبيه إلى أخطار عدة، وتنافرات ومغالطات مقصودة في منطق السياسة الأمريكية في المنطقة. فالقضية التي بنيت على الباطل لشن الحرب على العراق بذريعة تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية معروفة جيداً. فقليلون هم الذين يعتقدون الآن أن الحرب كانت من أجل تغيير النظام، او أسلحة الدمار الشامل، أو حتى محاربة الإرهاب، بل إنها جزء من قرار أحادي تعسفي مبني على استراتيجية مغلوطة للحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في الخليج، وتوجيه ضربة استباقية في إطار الرد على هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
لكن بعض العراقيين يقدمون وجهة نظر مختلفة حول انسحاب القوات الأمريكية، فقد قال متعهد أمني عراقي في بغداد، فضل عدم ذكر اسمه، لمجلة (آراء حول الخليج): (إن القوات الأمريكية هي فعلاً في مرحلة متقدمة من التخطيط لتسليم قواعد أمريكية معينة في جنوب بغداد إلى القوات العراقية في المستقبل القريب (معلومات غير رسمية بعد). عدم الاستقرار في تلك المناطق هو من عمل مجموعات إجرامية، لا تقع مسؤولية محاسبتها على عاتق القوات الأمريكية على أي حال. إنها عملية ستحظى بترحيب الشعب العراقي والرأي العام الأمريكي والحكومة الأمريكية الذين يتطلعون إلى (حل عراقي).. على أي حال، لا أحد يعلم تبعات ذلك).
وقد دعمت دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي بوش في قناعته بشن الحرب، برغم أنها كانت على علم بأن النظام الأمني المتعدد الأطراف قد تعرض لنكسات عديدة. فمدريد ولندن رأتا الإرهاب وهو يدق أبوابهما، ليس لأنهما شاركتا في الحرب، بل لدعمهما استراتيجية أمريكية أعطت القاعدة وعملياتها زخماً على المدى القصير. ما من شك في أن الموقف الأمريكي قد تصدع نتيجة لانسحاب بعض دول التحالف في العراق بعد تفجيرات مدريد المرعبة في مارس 2004. وإذا ما فشلت الولايات المتحدة في تجربتها في العراق، فستكون لذلك تداعيات خطرة على المنطقة، وستضعف قدرة الولايات المتحدة على فرض نفوذها، وسينظر إليها على أنها نمر من ورق، وأنها غير قادرة على تحقيق مطامحها في العراق، ناهيك عن عجزها عن إلحاق الهزيمة بالإرهاب العالمي.
وللتدخل الأمريكي تداعيات خطيرة على إيران أيضا، التي صنفها بوش إحدى دول (محور الشر) في خطاب حال الاتحاد (السيئ الصيت) في يناير 2002. فمن الغريب أن سياسات الولايات المتحدة قد مضت قدماً في تقوية عضد إيران في الخليج من الناحية الجيو-سياسية، حيث تخلصت من صدام حسين في العراق وحركة طالبان وحتى (القاعدة) وهم كانوا بمثابة درع (ولو غير مستحبة) ضد أطماع إيران الإقليمية. وإن الغزو الأمريكي للعراق والحدود العراقية ـ الإيرانية الطويلة، ونفوذ حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، جعلا العراق ليس ساحة حرب لمجموعات القاعدة والميليشيات الإسلامية شبه العسكرية فقط، كما يجمع المحللون فقط، بل أيضا ساحةً مهمة للإيرانيين للعمل على تحقيق مصالحهم الإقليمية.
إن الحرب الصعبة الدائرة في العراق وبالتالي زيادة ثقة إيران بقدراتها التي تتجلى في سياساتها الخارجية، تعتبران تحولاً مهماً في التوازن الجيو-سياسي في المنطقة. والتهديد الذي شعرت به إيران في بداية الحرب على العراق جراء الاستخدام الأمريكي المتكرر لمصطلح (تغيير النظام) قد تحول شيئاً فشيئاً إلى اعتداد قوي بالنفس. وتجلى التحدي الإيراني في مواجهة التهديدات من جهات عدة، وتحديداً تهديد المجتمع الدولي المتزايد لها حول برامجها لأسلحة الدمار الشامل، في إيجاد جبهة وطنية تجلت قوتها في فوز المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد بالانتخابات الإيرانية في يونيو 2005.
الرئيس المنتخب أحمدي نجاد أطلق بالفعل تصريحات، شديدة التأكيد، حول حق إيران في التحكم بقدراتها النووية، وجاءت تصريحاته قبل استئناف الحوار بين الاتحاد الأوروبي وإيران هذا الشهر مدعومة بنتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2004، والتي جاءت بأغلبية برلمانية محافظة وكذلك بتأييد شعبي لبرنامج الضمان الاجتماعي الذي جاء في برنامجه الانتخابي، فإيران مستعدة داخلياً لمواجهة المجتمع الدولي، ومستندة كذلك إلى الضرر الذي باستطاعتها أن تلحقه بجهود الولايات المتحدة في العراق. وأسعار البترول المرتفعة من المتوقع لها أن تمد إيران بـ 50 مليار دولار خلال هذه السنة المالية حتى مارس 2006. هذه العوامل مجتمعة، بالإضافة إلى علاقاتها الاستراتيجية بالصين وروسيا، ستعطيها بالتأكيد القوة لمقاومة المطالب الأمريكية.
وبينما تتحسر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على فشل (المعتدل) آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني في الانتخابات، تظل هناك حقيقة ماثلة، وهي أنهم غير قلقين حول من يقود البلاد في ظل وجود المرشد الأعلى للثورة، وهذا يمثل مؤشراً على تحول رئيسي في سياسة واشنطن
حيث يؤكد اعتزام فتح الولايات المتحدة حوار جاد مع طهران، متجاوزة تحالفاتها التقليدية والحديثة مع دول الخليج العربية. ومن دون شك فإن الولايات المتحدة، ومن غير قصد، فتحت الباب لإحياء الأطماع الإيرانية وتشجيعها على لعب دور أكبر في المنطقة. وقد تستخدم إيران نفوذها في العراق للاستمرار في تطوير برنامجها النووي المزعوم، وكذلك الحفاظ على موقف قوي في قضايا سيادية مع دول الخليج الأصغر حجماً.
ما يبعث على الإحباط وربما يكون مؤشراً على أن الرأي العام في الغرب قد أصبح متشائماً من قصة الحرب بأكملها، أن المذكرة البريطانية، التي ظهرت في عام 2002 والتي تثبت أن الولايات المتحدة قد خططت لـ (تعديل) المعلومات الاستخبارية لتبرير حربها على العراق، قد مرت دون أن ينتبه إليها أحد. وقد مرت المذكرة الأخيرة من دون أن ينتبه إليها أحد أيضاً، في عالم مرهق من حرب بوش العالمية على الإرهاب ومصدوم من قسوة الهجمات في المدن الغربية.
إن المذكرة دليل آخر فضح الاستراتيجية الأمريكية في الخليج في السنين الأخيرة، وهي استراتيجية فشلت فشلاً ذريعاً في مواجهة التهديد المتزايد للإرهاب العالمي.
::/fulltext::
::cck::3007::/cck::
