العراق وإيران وسياسات الولايات المتحدة في الخليج‏

::cck::3007::/cck::
::introtext::

تنص المذكرة الحكومية البريطانية التي سربت في التاسع من يوليو 2005 إلى الصحافة البريطانية ‏والتي أكدها وزير الدفاع البريطاني جون ريد في السابع عشر من يوليو الماضي في مقابلة مع قناة ‏‏(‏CNN‏) على خطة لسحب نصف القوات البريطانية من العراق في العام المقبل، وتسليم السلطة ‏إلى قوات الأمن العراقية الحديثة العهد في منتصف عام 2006. بعد ساعات من تسريب الوثيقة، ‏قام انتحاري بمهاجمة مركز تجنيد للجيش في وسط بغداد، وهذا الهجوم واحد من هجمات عدة ‏تتعرض لها مراكز تجنيد الجيش والشرطة العراقية منذ عام 2003. وعلى الرغم من أن المذكرة لم ‏تُحدِث ضجّة تُذكر في لندن التي لا تزال تعاني من جراء تفجيرات السابع من يوليو ، فإن الحالة ‏الأمنية في العراق مستمرة في التدهور، ما يهدد بعواقب خطرة على دول الخليج كافة. ‏

 

::/introtext::
::fulltext::

تنص المذكرة الحكومية البريطانية التي سربت في التاسع من يوليو 2005 إلى الصحافة البريطانية ‏والتي أكدها وزير الدفاع البريطاني جون ريد في السابع عشر من يوليو الماضي في مقابلة مع قناة ‏‏(‏CNN‏) على خطة لسحب نصف القوات البريطانية من العراق في العام المقبل، وتسليم السلطة ‏إلى قوات الأمن العراقية الحديثة العهد في منتصف عام 2006. بعد ساعات من تسريب الوثيقة، ‏قام انتحاري بمهاجمة مركز تجنيد للجيش في وسط بغداد، وهذا الهجوم واحد من هجمات عدة ‏تتعرض لها مراكز تجنيد الجيش والشرطة العراقية منذ عام 2003. وعلى الرغم من أن المذكرة لم ‏تُحدِث ضجّة تُذكر في لندن التي لا تزال تعاني من جراء تفجيرات السابع من يوليو ، فإن الحالة ‏الأمنية في العراق مستمرة في التدهور، ما يهدد بعواقب خطرة على دول الخليج كافة. ‏

المذكرة المسربة تُبرز مرة أخرى المراوغة وعدم الوضوح اللذين تتسم بهما سياسات الولايات ‏المتحدة في الخليج، حيث إن فكرة السحب السريع للقوات من العراق ليست بجديدة، فخطة ‏الحرب الأصلية كما أعلنها مسؤولو البنتاغون وشخصيات رفيعة المستوى في الإدارة الأمريكية قبل ‏الغزو تنص على أنه في نهاية 2003 لن يكون الوضع بحاجة إلى أكثر من 50 ألف جندي، على ‏الرغم من اعتراض مسؤولي الجيش الأمريكي آنذاك على هذا العدد المنخفض. اليوم ورغم وجود ‏‏160 ألف جندي أمريكي وبريطاني على أرض العراق، فإن الحالة لا تزال غير مستقرة، وحركات ‏التمرد أشبه بأفعى بسبعة رؤوس، كلما قطع لها رأس نبت آخر. والمجموعات الإرهابية وجدت لها ‏بيئة مثالية في العراق لتنطلق منها منفذّة عمليات أدّت إلى إيجاد دولة إرهابية داخل الدولة. ‏

في حرب يعتبر فيها استشراف الأمور إلى حد بعيد تكتيكاً عسكرياً، فإن المذكرة البريطانية تبعث ‏برسالة خطرة إلى مجموعات التمرد عندما تحدد منتصف 2006 موعداً محتملاً لبدء جدولة خفض ‏القوات الأمريكية والبريطانية. وكما قال بوش نفسه في خطابه الرئاسي في الثامن والعشرين من ‏يونيو المنصرم، فإن تحديد جدول زمني (يعتبر خطأً فادحاً)، ويبعث برسالة خاطئة إلى العراقيين، ‏والقوات الأمريكية، و(العدو الذي سيعلم أن كل ما عليه فعله هو انتظار خروجنا). وتقول المذكرة ‏المسربة التي وجهها وزير الدفاع البريطاني جون ريد إلى رئيس الوزراء توني بلير: إن واشنطن ‏ستخفض عدد قواتها الى 66 ألف رجل وامرأة. مشيرة إلى أن (الخطط الأمريكية الموجودة تفترض ‏أنه بالإمكان تسليم السلطة الى العراقيين في 14 محافظة عراقية من أصل 18 في مطلع عام ‏‏2006). ‏

ويذهب المحللو ن العسكريون الأمريكيون في الوقت الحاضر إلى القول إن قوات التحالف لن تستطيع ‏دحر الجماعات المسلحة، ولكن من يقدر على ذلك هي القوات العراقية المدعومة بحكومة قوية. ‏وقد أصبح هذا التحول التكتيكي مقبولاً منذ نهاية مايو المنصرم بعد أن صار واضحاً أنه برغم انخفاض ‏معدل العمليات في العراق بعد الانتخابات فإن المتمردين قد بدأوا بإعادة ترتيب صفوفهم. وعلى أي ‏حال، فإن نجاح هذا الطرح يتوقف على استقرار الوضع والتدريب السريع لقوات الأمن العراقية، وهي ‏مهمة قد تستغرق سنين عدة، خصوصاً أن المتمردين يركزون الآن هجماتهم على مراكز تجنيد ‏الجيش والشرطة في البلاد ولا سيما في الوسط، مما يجعل مسألة تسليم السلطة للعراقيين ‏

تبدو للمراقب الخارجي أمراً شبه مستحيل. ولعل هجوم الحلة في فبراير 2005 يعد مثالاً ساطعاً ‏على هذه الاستراتيجية الإرهابية الجديدة، فقد قُتل 115 متقدماً عراقياً في محاولة جادة لمنع بناء ‏المؤسسات في العراق. ورغم الجهد الهائل الذي تبذله القوات الأمريكية، فإن مناطق ما يعرف بـ ‏‏(المثلث السني) لا تزال تفتقر الى أي مظهر من مظاهر السلطة، على الرغم من أن أجزاء أخرى ‏من البلاد مثل الجنوب والشمال الكردي تشهد استقراراً أكبر، واستهدافها من قبل مجموعات ‏التمرد أقل. ‏

إن هذه المذكرة الحكومية البريطانية المسربة، وكما تم الدفاع عنها فوراً بعد نشرها من قبل ‏مسؤولي الحكومة البريطانية والمتحدث باسم البنتاغون، تشير إلى ضرورة بحث سيناريوهات ‏عسكرية عدة خلال الحملات العسكرية مثل الحرب على العراق. ولكن في الوقت الذي يؤكد فيه ‏المتابعون للشأن الأمريكي وكذلك الديمقراطيون والجمهوريون في الولايات المتحدة والجيش على ‏الأرض، أن هزيمة المتمردين تتطلب المزيد من القوات، فإن أي تاريخ مقترح لجدولة الانسحاب ‏سيكون بمثابة صفعة لاستراتيجية سريعة للخروج، وستترك هذا البلد الواعد ساحةَ حرب ‏لمجموعات التمرد المختلفة ضد الحكومة العراقية الجديدة. ‏

لذلك فقد لا يكون مفاجئاً للكثيرين، أن سياسة الولايات المتحدة في المنطقة تقود إلى أزمة عدم ‏استقرار مزمنة وصعبة. فمنذ بدء الحرب العالمية على الإرهاب، التي تتولاها وتدعمها إدارة أمريكية ‏عقائدية، سارع العديد من المحللين المهتمين بمنطقة الخليج للتنبيه إلى أخطار عدة، وتنافرات ‏ومغالطات مقصودة في منطق السياسة الأمريكية في المنطقة. فالقضية التي بنيت على الباطل ‏لشن الحرب على العراق بذريعة تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية معروفة جيداً. فقليلون هم ‏الذين يعتقدون الآن أن الحرب كانت من أجل تغيير النظام، او أسلحة الدمار الشامل، أو حتى ‏محاربة الإرهاب، بل إنها جزء من قرار أحادي تعسفي مبني على استراتيجية مغلوطة للحفاظ على ‏مصالح الولايات المتحدة في الخليج، وتوجيه ضربة استباقية في إطار الرد على هجمات الحادي ‏عشر من سبتمبر. ‏

لكن بعض العراقيين يقدمون وجهة نظر مختلفة حول انسحاب القوات الأمريكية، فقد قال متعهد ‏أمني عراقي في بغداد، فضل عدم ذكر اسمه، لمجلة (آراء حول الخليج): (إن القوات الأمريكية هي ‏فعلاً في مرحلة متقدمة من التخطيط لتسليم قواعد أمريكية معينة في جنوب بغداد إلى القوات ‏العراقية في المستقبل القريب (معلومات غير رسمية بعد). عدم الاستقرار في تلك المناطق هو ‏من عمل مجموعات إجرامية، لا تقع مسؤولية محاسبتها على عاتق القوات الأمريكية على أي ‏حال. إنها عملية ستحظى بترحيب الشعب العراقي والرأي العام الأمريكي والحكومة الأمريكية ‏الذين يتطلعون إلى (حل عراقي).. على أي حال، لا أحد يعلم تبعات ذلك).‏

وقد دعمت دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي بوش في قناعته بشن الحرب، برغم أنها كانت على ‏علم بأن النظام الأمني المتعدد الأطراف قد تعرض لنكسات عديدة. فمدريد ولندن رأتا الإرهاب وهو ‏يدق أبوابهما، ليس لأنهما شاركتا في الحرب، بل لدعمهما استراتيجية أمريكية أعطت القاعدة ‏وعملياتها زخماً على المدى القصير. ما من شك في أن الموقف الأمريكي قد تصدع نتيجة ‏لانسحاب بعض دول التحالف في العراق بعد تفجيرات مدريد المرعبة في مارس 2004. وإذا ما ‏فشلت الولايات المتحدة في تجربتها في العراق، فستكون لذلك تداعيات خطرة على المنطقة، ‏وستضعف قدرة الولايات المتحدة على فرض نفوذها، وسينظر إليها على أنها نمر من ورق، وأنها ‏غير قادرة على تحقيق مطامحها في العراق، ناهيك عن عجزها عن إلحاق الهزيمة بالإرهاب ‏العالمي. ‏

وللتدخل الأمريكي تداعيات خطيرة على إيران أيضا، التي صنفها بوش إحدى دول (محور الشر) في ‏خطاب حال الاتحاد (السيئ الصيت) في يناير 2002. فمن الغريب أن سياسات الولايات المتحدة قد ‏مضت قدماً في تقوية عضد إيران في الخليج من الناحية الجيو-سياسية، حيث تخلصت من صدام حسين في العراق وحركة طالبان وحتى (القاعدة) وهم كانوا بمثابة درع (ولو غير مستحبة) ضد ‏أطماع إيران الإقليمية. وإن الغزو الأمريكي للعراق والحدود العراقية ـ الإيرانية الطويلة، ونفوذ حزب ‏الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، جعلا العراق ليس ساحة حرب لمجموعات ‏القاعدة والميليشيات الإسلامية شبه العسكرية فقط، كما يجمع المحللون فقط، بل أيضا ساحةً ‏مهمة للإيرانيين للعمل على تحقيق مصالحهم الإقليمية.

إن الحرب الصعبة الدائرة في العراق وبالتالي زيادة ثقة إيران بقدراتها التي تتجلى في سياساتها ‏الخارجية، تعتبران تحولاً مهماً في التوازن الجيو-سياسي في المنطقة. والتهديد الذي شعرت به ‏إيران في بداية الحرب على العراق جراء الاستخدام الأمريكي المتكرر لمصطلح (تغيير النظام) قد ‏تحول شيئاً فشيئاً إلى اعتداد قوي بالنفس. وتجلى التحدي الإيراني في مواجهة التهديدات من ‏جهات عدة، وتحديداً تهديد المجتمع الدولي المتزايد لها حول برامجها لأسلحة الدمار الشامل، في ‏إيجاد جبهة وطنية تجلت قوتها في فوز المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد بالانتخابات الإيرانية ‏في يونيو 2005. ‏

الرئيس المنتخب أحمدي نجاد أطلق بالفعل تصريحات، شديدة التأكيد، حول حق إيران في التحكم ‏بقدراتها النووية، وجاءت تصريحاته قبل استئناف الحوار بين الاتحاد الأوروبي وإيران هذا الشهر ‏مدعومة بنتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2004، والتي جاءت بأغلبية برلمانية محافظة وكذلك بتأييد ‏شعبي لبرنامج الضمان الاجتماعي الذي جاء في برنامجه الانتخابي، فإيران مستعدة داخلياً ‏لمواجهة المجتمع الدولي، ومستندة كذلك إلى الضرر الذي باستطاعتها أن تلحقه بجهود الولايات ‏المتحدة في العراق. وأسعار البترول المرتفعة من المتوقع لها أن تمد إيران بـ 50 مليار دولار خلال ‏هذه السنة المالية حتى مارس 2006. هذه العوامل مجتمعة، بالإضافة إلى علاقاتها الاستراتيجية ‏بالصين وروسيا، ستعطيها بالتأكيد القوة لمقاومة المطالب الأمريكية. ‏

وبينما تتحسر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على فشل (المعتدل) آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني  في الانتخابات، تظل هناك حقيقة ماثلة، وهي أنهم غير قلقين حول من يقود البلاد في ‏ظل وجود المرشد الأعلى للثورة، وهذا يمثل مؤشراً على تحول رئيسي في سياسة واشنطن

حيث يؤكد اعتزام فتح الولايات المتحدة حوار جاد مع طهران، متجاوزة تحالفاتها التقليدية والحديثة ‏مع دول الخليج العربية. ومن دون شك فإن الولايات المتحدة، ومن غير قصد، فتحت الباب لإحياء ‏الأطماع الإيرانية وتشجيعها على لعب دور أكبر في المنطقة. وقد تستخدم إيران نفوذها في العراق ‏للاستمرار في تطوير برنامجها النووي المزعوم، وكذلك الحفاظ على موقف قوي في قضايا سيادية ‏مع دول الخليج الأصغر حجماً. ‏

ما يبعث على الإحباط وربما يكون مؤشراً على أن الرأي العام في الغرب قد أصبح متشائماً من قصة ‏الحرب بأكملها، أن المذكرة البريطانية، التي ظهرت في عام 2002 والتي تثبت أن الولايات المتحدة ‏قد خططت لـ (تعديل) المعلومات الاستخبارية لتبرير حربها على العراق، قد مرت دون أن ينتبه إليها ‏أحد. وقد مرت المذكرة الأخيرة من دون أن ينتبه إليها أحد أيضاً، في عالم مرهق من حرب بوش ‏العالمية على الإرهاب ومصدوم من قسوة الهجمات في المدن الغربية. ‏

إن المذكرة دليل آخر فضح الاستراتيجية الأمريكية في الخليج في السنين الأخيرة، وهي ‏استراتيجية فشلت فشلاً ذريعاً في مواجهة التهديد المتزايد للإرهاب العالمي. ‏

 

::/fulltext::

10020-2e1
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3007::/cck::
::introtext::

تنص المذكرة الحكومية البريطانية التي سربت في التاسع من يوليو 2005 إلى الصحافة البريطانية ‏والتي أكدها وزير الدفاع البريطاني جون ريد في السابع عشر من يوليو الماضي في مقابلة مع قناة ‏‏(‏CNN‏) على خطة لسحب نصف القوات البريطانية من العراق في العام المقبل، وتسليم السلطة ‏إلى قوات الأمن العراقية الحديثة العهد في منتصف عام 2006. بعد ساعات من تسريب الوثيقة، ‏قام انتحاري بمهاجمة مركز تجنيد للجيش في وسط بغداد، وهذا الهجوم واحد من هجمات عدة ‏تتعرض لها مراكز تجنيد الجيش والشرطة العراقية منذ عام 2003. وعلى الرغم من أن المذكرة لم ‏تُحدِث ضجّة تُذكر في لندن التي لا تزال تعاني من جراء تفجيرات السابع من يوليو ، فإن الحالة ‏الأمنية في العراق مستمرة في التدهور، ما يهدد بعواقب خطرة على دول الخليج كافة. ‏

 

::/introtext::
::fulltext::

تنص المذكرة الحكومية البريطانية التي سربت في التاسع من يوليو 2005 إلى الصحافة البريطانية ‏والتي أكدها وزير الدفاع البريطاني جون ريد في السابع عشر من يوليو الماضي في مقابلة مع قناة ‏‏(‏CNN‏) على خطة لسحب نصف القوات البريطانية من العراق في العام المقبل، وتسليم السلطة ‏إلى قوات الأمن العراقية الحديثة العهد في منتصف عام 2006. بعد ساعات من تسريب الوثيقة، ‏قام انتحاري بمهاجمة مركز تجنيد للجيش في وسط بغداد، وهذا الهجوم واحد من هجمات عدة ‏تتعرض لها مراكز تجنيد الجيش والشرطة العراقية منذ عام 2003. وعلى الرغم من أن المذكرة لم ‏تُحدِث ضجّة تُذكر في لندن التي لا تزال تعاني من جراء تفجيرات السابع من يوليو ، فإن الحالة ‏الأمنية في العراق مستمرة في التدهور، ما يهدد بعواقب خطرة على دول الخليج كافة. ‏

المذكرة المسربة تُبرز مرة أخرى المراوغة وعدم الوضوح اللذين تتسم بهما سياسات الولايات ‏المتحدة في الخليج، حيث إن فكرة السحب السريع للقوات من العراق ليست بجديدة، فخطة ‏الحرب الأصلية كما أعلنها مسؤولو البنتاغون وشخصيات رفيعة المستوى في الإدارة الأمريكية قبل ‏الغزو تنص على أنه في نهاية 2003 لن يكون الوضع بحاجة إلى أكثر من 50 ألف جندي، على ‏الرغم من اعتراض مسؤولي الجيش الأمريكي آنذاك على هذا العدد المنخفض. اليوم ورغم وجود ‏‏160 ألف جندي أمريكي وبريطاني على أرض العراق، فإن الحالة لا تزال غير مستقرة، وحركات ‏التمرد أشبه بأفعى بسبعة رؤوس، كلما قطع لها رأس نبت آخر. والمجموعات الإرهابية وجدت لها ‏بيئة مثالية في العراق لتنطلق منها منفذّة عمليات أدّت إلى إيجاد دولة إرهابية داخل الدولة. ‏

في حرب يعتبر فيها استشراف الأمور إلى حد بعيد تكتيكاً عسكرياً، فإن المذكرة البريطانية تبعث ‏برسالة خطرة إلى مجموعات التمرد عندما تحدد منتصف 2006 موعداً محتملاً لبدء جدولة خفض ‏القوات الأمريكية والبريطانية. وكما قال بوش نفسه في خطابه الرئاسي في الثامن والعشرين من ‏يونيو المنصرم، فإن تحديد جدول زمني (يعتبر خطأً فادحاً)، ويبعث برسالة خاطئة إلى العراقيين، ‏والقوات الأمريكية، و(العدو الذي سيعلم أن كل ما عليه فعله هو انتظار خروجنا). وتقول المذكرة ‏المسربة التي وجهها وزير الدفاع البريطاني جون ريد إلى رئيس الوزراء توني بلير: إن واشنطن ‏ستخفض عدد قواتها الى 66 ألف رجل وامرأة. مشيرة إلى أن (الخطط الأمريكية الموجودة تفترض ‏أنه بالإمكان تسليم السلطة الى العراقيين في 14 محافظة عراقية من أصل 18 في مطلع عام ‏‏2006). ‏

ويذهب المحللو ن العسكريون الأمريكيون في الوقت الحاضر إلى القول إن قوات التحالف لن تستطيع ‏دحر الجماعات المسلحة، ولكن من يقدر على ذلك هي القوات العراقية المدعومة بحكومة قوية. ‏وقد أصبح هذا التحول التكتيكي مقبولاً منذ نهاية مايو المنصرم بعد أن صار واضحاً أنه برغم انخفاض ‏معدل العمليات في العراق بعد الانتخابات فإن المتمردين قد بدأوا بإعادة ترتيب صفوفهم. وعلى أي ‏حال، فإن نجاح هذا الطرح يتوقف على استقرار الوضع والتدريب السريع لقوات الأمن العراقية، وهي ‏مهمة قد تستغرق سنين عدة، خصوصاً أن المتمردين يركزون الآن هجماتهم على مراكز تجنيد ‏الجيش والشرطة في البلاد ولا سيما في الوسط، مما يجعل مسألة تسليم السلطة للعراقيين ‏

تبدو للمراقب الخارجي أمراً شبه مستحيل. ولعل هجوم الحلة في فبراير 2005 يعد مثالاً ساطعاً ‏على هذه الاستراتيجية الإرهابية الجديدة، فقد قُتل 115 متقدماً عراقياً في محاولة جادة لمنع بناء ‏المؤسسات في العراق. ورغم الجهد الهائل الذي تبذله القوات الأمريكية، فإن مناطق ما يعرف بـ ‏‏(المثلث السني) لا تزال تفتقر الى أي مظهر من مظاهر السلطة، على الرغم من أن أجزاء أخرى ‏من البلاد مثل الجنوب والشمال الكردي تشهد استقراراً أكبر، واستهدافها من قبل مجموعات ‏التمرد أقل. ‏

إن هذه المذكرة الحكومية البريطانية المسربة، وكما تم الدفاع عنها فوراً بعد نشرها من قبل ‏مسؤولي الحكومة البريطانية والمتحدث باسم البنتاغون، تشير إلى ضرورة بحث سيناريوهات ‏عسكرية عدة خلال الحملات العسكرية مثل الحرب على العراق. ولكن في الوقت الذي يؤكد فيه ‏المتابعون للشأن الأمريكي وكذلك الديمقراطيون والجمهوريون في الولايات المتحدة والجيش على ‏الأرض، أن هزيمة المتمردين تتطلب المزيد من القوات، فإن أي تاريخ مقترح لجدولة الانسحاب ‏سيكون بمثابة صفعة لاستراتيجية سريعة للخروج، وستترك هذا البلد الواعد ساحةَ حرب ‏لمجموعات التمرد المختلفة ضد الحكومة العراقية الجديدة. ‏

لذلك فقد لا يكون مفاجئاً للكثيرين، أن سياسة الولايات المتحدة في المنطقة تقود إلى أزمة عدم ‏استقرار مزمنة وصعبة. فمنذ بدء الحرب العالمية على الإرهاب، التي تتولاها وتدعمها إدارة أمريكية ‏عقائدية، سارع العديد من المحللين المهتمين بمنطقة الخليج للتنبيه إلى أخطار عدة، وتنافرات ‏ومغالطات مقصودة في منطق السياسة الأمريكية في المنطقة. فالقضية التي بنيت على الباطل ‏لشن الحرب على العراق بذريعة تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية معروفة جيداً. فقليلون هم ‏الذين يعتقدون الآن أن الحرب كانت من أجل تغيير النظام، او أسلحة الدمار الشامل، أو حتى ‏محاربة الإرهاب، بل إنها جزء من قرار أحادي تعسفي مبني على استراتيجية مغلوطة للحفاظ على ‏مصالح الولايات المتحدة في الخليج، وتوجيه ضربة استباقية في إطار الرد على هجمات الحادي ‏عشر من سبتمبر. ‏

لكن بعض العراقيين يقدمون وجهة نظر مختلفة حول انسحاب القوات الأمريكية، فقد قال متعهد ‏أمني عراقي في بغداد، فضل عدم ذكر اسمه، لمجلة (آراء حول الخليج): (إن القوات الأمريكية هي ‏فعلاً في مرحلة متقدمة من التخطيط لتسليم قواعد أمريكية معينة في جنوب بغداد إلى القوات ‏العراقية في المستقبل القريب (معلومات غير رسمية بعد). عدم الاستقرار في تلك المناطق هو ‏من عمل مجموعات إجرامية، لا تقع مسؤولية محاسبتها على عاتق القوات الأمريكية على أي ‏حال. إنها عملية ستحظى بترحيب الشعب العراقي والرأي العام الأمريكي والحكومة الأمريكية ‏الذين يتطلعون إلى (حل عراقي).. على أي حال، لا أحد يعلم تبعات ذلك).‏

وقد دعمت دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي بوش في قناعته بشن الحرب، برغم أنها كانت على ‏علم بأن النظام الأمني المتعدد الأطراف قد تعرض لنكسات عديدة. فمدريد ولندن رأتا الإرهاب وهو ‏يدق أبوابهما، ليس لأنهما شاركتا في الحرب، بل لدعمهما استراتيجية أمريكية أعطت القاعدة ‏وعملياتها زخماً على المدى القصير. ما من شك في أن الموقف الأمريكي قد تصدع نتيجة ‏لانسحاب بعض دول التحالف في العراق بعد تفجيرات مدريد المرعبة في مارس 2004. وإذا ما ‏فشلت الولايات المتحدة في تجربتها في العراق، فستكون لذلك تداعيات خطرة على المنطقة، ‏وستضعف قدرة الولايات المتحدة على فرض نفوذها، وسينظر إليها على أنها نمر من ورق، وأنها ‏غير قادرة على تحقيق مطامحها في العراق، ناهيك عن عجزها عن إلحاق الهزيمة بالإرهاب ‏العالمي. ‏

وللتدخل الأمريكي تداعيات خطيرة على إيران أيضا، التي صنفها بوش إحدى دول (محور الشر) في ‏خطاب حال الاتحاد (السيئ الصيت) في يناير 2002. فمن الغريب أن سياسات الولايات المتحدة قد ‏مضت قدماً في تقوية عضد إيران في الخليج من الناحية الجيو-سياسية، حيث تخلصت من صدام حسين في العراق وحركة طالبان وحتى (القاعدة) وهم كانوا بمثابة درع (ولو غير مستحبة) ضد ‏أطماع إيران الإقليمية. وإن الغزو الأمريكي للعراق والحدود العراقية ـ الإيرانية الطويلة، ونفوذ حزب ‏الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، جعلا العراق ليس ساحة حرب لمجموعات ‏القاعدة والميليشيات الإسلامية شبه العسكرية فقط، كما يجمع المحللون فقط، بل أيضا ساحةً ‏مهمة للإيرانيين للعمل على تحقيق مصالحهم الإقليمية.

إن الحرب الصعبة الدائرة في العراق وبالتالي زيادة ثقة إيران بقدراتها التي تتجلى في سياساتها ‏الخارجية، تعتبران تحولاً مهماً في التوازن الجيو-سياسي في المنطقة. والتهديد الذي شعرت به ‏إيران في بداية الحرب على العراق جراء الاستخدام الأمريكي المتكرر لمصطلح (تغيير النظام) قد ‏تحول شيئاً فشيئاً إلى اعتداد قوي بالنفس. وتجلى التحدي الإيراني في مواجهة التهديدات من ‏جهات عدة، وتحديداً تهديد المجتمع الدولي المتزايد لها حول برامجها لأسلحة الدمار الشامل، في ‏إيجاد جبهة وطنية تجلت قوتها في فوز المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد بالانتخابات الإيرانية ‏في يونيو 2005. ‏

الرئيس المنتخب أحمدي نجاد أطلق بالفعل تصريحات، شديدة التأكيد، حول حق إيران في التحكم ‏بقدراتها النووية، وجاءت تصريحاته قبل استئناف الحوار بين الاتحاد الأوروبي وإيران هذا الشهر ‏مدعومة بنتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2004، والتي جاءت بأغلبية برلمانية محافظة وكذلك بتأييد ‏شعبي لبرنامج الضمان الاجتماعي الذي جاء في برنامجه الانتخابي، فإيران مستعدة داخلياً ‏لمواجهة المجتمع الدولي، ومستندة كذلك إلى الضرر الذي باستطاعتها أن تلحقه بجهود الولايات ‏المتحدة في العراق. وأسعار البترول المرتفعة من المتوقع لها أن تمد إيران بـ 50 مليار دولار خلال ‏هذه السنة المالية حتى مارس 2006. هذه العوامل مجتمعة، بالإضافة إلى علاقاتها الاستراتيجية ‏بالصين وروسيا، ستعطيها بالتأكيد القوة لمقاومة المطالب الأمريكية. ‏

وبينما تتحسر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على فشل (المعتدل) آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني  في الانتخابات، تظل هناك حقيقة ماثلة، وهي أنهم غير قلقين حول من يقود البلاد في ‏ظل وجود المرشد الأعلى للثورة، وهذا يمثل مؤشراً على تحول رئيسي في سياسة واشنطن

حيث يؤكد اعتزام فتح الولايات المتحدة حوار جاد مع طهران، متجاوزة تحالفاتها التقليدية والحديثة ‏مع دول الخليج العربية. ومن دون شك فإن الولايات المتحدة، ومن غير قصد، فتحت الباب لإحياء ‏الأطماع الإيرانية وتشجيعها على لعب دور أكبر في المنطقة. وقد تستخدم إيران نفوذها في العراق ‏للاستمرار في تطوير برنامجها النووي المزعوم، وكذلك الحفاظ على موقف قوي في قضايا سيادية ‏مع دول الخليج الأصغر حجماً. ‏

ما يبعث على الإحباط وربما يكون مؤشراً على أن الرأي العام في الغرب قد أصبح متشائماً من قصة ‏الحرب بأكملها، أن المذكرة البريطانية، التي ظهرت في عام 2002 والتي تثبت أن الولايات المتحدة ‏قد خططت لـ (تعديل) المعلومات الاستخبارية لتبرير حربها على العراق، قد مرت دون أن ينتبه إليها ‏أحد. وقد مرت المذكرة الأخيرة من دون أن ينتبه إليها أحد أيضاً، في عالم مرهق من حرب بوش ‏العالمية على الإرهاب ومصدوم من قسوة الهجمات في المدن الغربية. ‏

إن المذكرة دليل آخر فضح الاستراتيجية الأمريكية في الخليج في السنين الأخيرة، وهي ‏استراتيجية فشلت فشلاً ذريعاً في مواجهة التهديد المتزايد للإرهاب العالمي. ‏

 

::/fulltext::
::cck::3007::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *