الولايات المتحدة ومسألة فرض الديمقراطيات على العالم!

::cck::2971::/cck::
::introtext::

قال إيمانويل تود في كتابه المهم (ما بعد الإمبراطورية.. دراسة في تفكك النظام الأمريكي): ‏كانت الولايات المتحدة في بداية القرن الماضي ليست في حاجة إلى العالم، لكن منذ الحرب ‏العالمية الأولى بدا أن العالم أصبح في حاجة إليها، ولم تُبد الولايات المتحدة سوى مقاومة ‏قليلة لنداء العالم حتى عام 1917، ثم اختارت العزلة من جديد عندما رفضت المصادقة على ‏معاهدة فرساي، وكان على العالم أن ينتظر حتى الهجوم على بيرل هاربر وإعلان ألمانيا الحرب ‏على أمريكا، من أجل أن تأخذ الولايات المتحدة مكانتها المتناسبة مع قدراتها الاقتصادية الكبيرة ‏في العالم، وكان ذلك بدافع من اليابان وألمانيا.‏

 

::/introtext::
::fulltext::

قال إيمانويل تود في كتابه المهم (ما بعد الإمبراطورية.. دراسة في تفكك النظام الأمريكي): ‏كانت الولايات المتحدة في بداية القرن الماضي ليست في حاجة إلى العالم، لكن منذ الحرب ‏العالمية الأولى بدا أن العالم أصبح في حاجة إليها، ولم تُبد الولايات المتحدة سوى مقاومة ‏قليلة لنداء العالم حتى عام 1917، ثم اختارت العزلة من جديد عندما رفضت المصادقة على ‏معاهدة فرساي، وكان على العالم أن ينتظر حتى الهجوم على بيرل هاربر وإعلان ألمانيا الحرب ‏على أمريكا، من أجل أن تأخذ الولايات المتحدة مكانتها المتناسبة مع قدراتها الاقتصادية الكبيرة ‏في العالم، وكان ذلك بدافع من اليابان وألمانيا.‏

وأدى انهيار الشيوعية إلى تسارع في حركة التبعية، فما بين عامي 1990 و2000، ازداد العجز ‏التجاري الأمريكي من 100 مليار دولار إلى 450 ملياراً. واحتاجت أمريكا لتحقيق التوازن في ‏حساباتها الخارجية إلى تدفق الرساميل الخارجية بالمقدار نفسه. وفي بداية القرن الحادي ‏والعشرين، لم تعد الولايات المتحدة تستطيع أن تعيش على إنتاجها وحده. وفي اللحظة ذاتها ‏التي كاد فيها العالم المتجه نحو الاستقرار الثقافي والديموغرافي والديمقراطي يكتشف أنه ‏قادر على التخلي عن أمريكا التي أدركت أنها لم تعد تستطيع التخلي عن العالم.‏

ويرى الكاتب أن النقاش حول العولمة بعيد جزئياً عن عالم الواقع، لأنه يقبل في معظم الأحوال ‏التصور التقليدي للمبادلات التجارية والمالية التي تجري حسب هذا التصور من دون أن يكون ‏لأية دولة مركز خاص تختلف به عن الآخرين.‏ إن المفاهيم المجردة للعمل والربح وحرية حركة رأس المال تحجب عنصراً أساسياً يتمثل بالدور ‏الخاص الذي تلعبه أهم أمة في التنظيم الاقتصادي الجديد للعالم، وإذا كانت قدرات الولايات ‏المتحدة الاقتصادية قد تراجعت كثيراً، فإنها نجحت في تحقيق زيادة بالغة في قدرتها على ‏الاستقطاع على حساب الاقتصاد العالمي، لقد أصبحت بحق (نهّابة). فهل ينبغي لنا أن نفسر ‏هذا الوضع كعلامة قوة أو علامة ضعف؟

يمكننا – لو أردنا – أن نوقف هنا بناء هذا النموذج المقلق ونخلد إلى الاطمئنان متذكرين أن ‏الولايات المتحدة ديمقراطية، وأن الديمقراطيات لا تدخل في حروب فيما بينها، وبالتالي، لا ‏يمكن أن تصبح الولايات المتحدة خطرة على العالم وعدوانية ومثيرة للحرب. لذا، سوف تجد ‏الحكومة الأمريكية من خلال التجارب والأخطاء سبيلاً للتأقلم الاقتصادي والسياسي مع هذا ‏العالم الجديد. لِمَ لا ؟ ولكن علينا أن نعي أن أزمة الديمقراطيات المتقدمة التي أصبحت تطفو ‏على السطح، وتثير قلقاً متزايداً خاصة في أمريكا، لا تسمح لنا بأن نعتبر الولايات المتحدة دولة ‏سلام بطبيعتها. ‏

وتكمن قوة (فوكوياما) في أنه حدّد بسرعة عملية استقرار العالم غير الغربي، ولكن مفهومه ‏للمجتمعات يبقى متأثراً بترجيحه العامل الاقتصادي. إذ لا يعتبر فوكوياما التعليم المحرّك ‏المركزي للتاريخ، ويبدي اهتماماً قليلاً بالديموغرافيا، كما لا يرى أن تعميم التعليم الجماهيري ‏هو المتغيّر المستقل والمفسّر في صميم الاندفاعية الديمقراطية الفردية التي كشفها. من ‏هنا، جاء خطأه الكبير: استنتاج نهاية التاريخ من تعميم الديمقراطية الليبرالية. إن مثل هذا ‏الاستنتاج يفترض أن هذا النظام السياسي ثابت مستقر، وأن التاريخ يتوقف بمجرد تحقيقه، ‏ولكن بما أن الديمقراطية ليست سوى البنية الفوقية السياسية لمرحلة ثقافية هي مرحلة ‏
التعليم الابتدائي، فإن استمرار الاندفاعة التعليمية مع تطور مرحلة التعليم الثانوي ومرحلة ‏التعليم العالي لا يمكن إلا أن يؤدي إلى هز استقرار الديمقراطية في الأماكن التي ظهرت فيها ‏أولاً، في اللحظة نفسها التي تتكرّس في البلاد التي وصلت إلى مرحلة التعليم الجماهيري ‏فقط.‏‏

تبدأ الديمقراطية بالانحسار في مكان مولدها (أمريكا) في اللحظة نفسها التي أخذت فيها ‏بالظهور والانتشار في أوراسيا. إن المجتمع الأمريكي يتحول إلى نظام مسيطر يتسم أساساً ‏باللامساواة، وهي الظاهرة التي وضعها ميشال لند في إطار مفاهيمي، في كتابه، (الأمة ‏الأمريكية الثانية) وضمنّه أول وصف منهجي للطبقة الحاكمة الأمريكية الجديدة بعد الديمقراطية: ‏الطبقة الأعلى.‏

‏ ليس من الصواب والعدل ـ كما يطرح تود ـ أن نحصر أزمة الديمقراطية في الولايات المتحدة ‏وحدها. فانكلترا وفرنسا، الأمتان العريقتان الليبراليتان الشريكتان تاريخياً للديمقراطية الأمريكية، ‏هما أيضاً مسرح لعمليات متزامنة من التحول الديمقراطي باتجاه حكم الأقلية، غير أن موقعهما ‏في الاقتصاد السياسي والاقتصاد العالمي المعولم، يقع في صف البلدان المسيطر عليها، ‏لذلك فعليهما أن تأخذا في الاعتبار توازن معادلاتهما التجارية، أما خط تطورهما على الصعيد ‏الاجتماعي فيجب، في فترة ما، أن ينفصل عن الخط الأمريكي، ومن غير المتوقع أن يجري ‏الحديث يوماً عن نظام حكم الأقلية الغربي، كما كان يجري الحديث في الماضي عن ‏الديمقراطيات الغربية.‏

هذا هو الانقلاب الثاني الكبير الذي يفسّر صعوبة العلاقة بين أمريكا والعالم. إن تقدم ‏الديمقراطية على مستوى العالم يحجب ضعفها في مكان ولادتها، والمفارقة اللافتة أن ‏اللاعبين الدوليين لا يدركون جيداً حقيقة هذا الانقلاب. فأمريكا تتحدث دائماً بكفاءة، بحكم ‏العادة، عن الحرية والمساواة, وبالتأكيد لم يتم بعد انتشار الديمقراطية على مستوى العالم. ‏ إن الانتقال إلى مرحلة جديدة تتمثل بحكم الأقلية, يُلغي تطبيق (قانون دويل) في الولايات ‏المتحدة الأمريكية بالنسبة إلى النتائج المهدئة للديمقراطية الليبرالية.‏

وفي الحقيقة، إذا كانت أطروحة أمريكا تحت نظام حكم الأقلية تسمح لنا بحصر نطاق تطبيق قانون دويل، ‏فإنها أيضاً تسمح لنا على الأخص بقبول الحقيقة التجريبية لـ (أمريكا عدوانية)، ولا يعود بوسعنا حتى ‏استبعاد أطروحة أمريكا محاربة للديمقراطيات قديمة كانت أم حديثة. ونصالح بهذا المخطط، مع شيء من ‏السخرية، المثاليين الأنغلوساكسون الذين ينتظرون من الديمقراطية الليبرالية إنهاء النزاعات الحربية مع ‏الواقعيين المنتمين إلى الثقافة نفسها، والذين ينظرون إلى ساحة العلاقات الدولية كفضاء فوضوي مسكون ‏بدول عدوانية على مدى أبدية القرون. وعندما نقبل أن الديمقراطية الليبرالية تؤدي إلى السلام، فنحن ‏نقبل أيضاً أن ضعفها قد يجلب الحرب. وحتى عندما يكون قانون دويل صحيحاً، فإنه لن يقول بسلام أبدي ‏بالمعنى الذي يقصده (كانط).‏

‏ ويوجه تود، انتقاده للولايات المتحدة على هذه التدخلات في العالم، ويرى أنه لم يستطع أي ‏بلد في القرن العشرين زيادة قوته عن طريق الحرب أو لمجرد زيادة قوته العسكرية المسلحة. ‏فقد خسرت في هذه اللعبة خسارة كبرى كل من فرنسا وألمانيا واليابان وروسيا، وخرجت ‏الولايات المتحدة منتصرة من القرن العشرين لأنها عرفت، إلى أمد طويل، أن ترفض الانخراط في‏

النزاعات العسكرية في العالم القديم. فلننهج نهج أمريكا الأولى التي كان نصيبها النجاح، ‏ولنجرؤ على أن نكون أقوياء برفضنا العسكرية، وأن نقبل أن نركز طاقاتنا على إيجاد الحلول ‏للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية لمجتمعاتنا، ولنترك أمريكا الحالية، إذا رغبت في ‏ذلك، كي تستنفد ما بقي لها من طاقة في (محاربة الإرهاب)، تلك الحرب التي تسعى من ‏ورائها إلى الاحتفاظ بهيمنتها التي لم تعد موجودة. وإذا آثرت أن تثبت قوتها الهائلة، فإنها لن ‏تفلح أكثر من أن تكشف للعالم عن عجزها.‏

أخيراً، إن الأسلوب الذي اتبعته الإدارة الأمريكية في حروبها الراهنة لا يمكن المراهنة على ‏نجاحه أو حتى قبوله من جانب شعوب العالم جميعا حتى لو توشح بمقولات الديمقراطية ‏والحرية والليبرالية الاقتصادية وغيرها من المقولات، والحل في اعتقادنا ليس في العزلة ‏والانكفاء عن العالم وقضاياه، بل التحرك الإيجابي والحوار، والعدل في المشكلات الراهنة، والبعد ‏عن الهيمنة والاحتلال وبعد ذلك سوف يختفي (البعبع) المسمى الإرهاب في العالم. ‏

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2971::/cck::
::introtext::

قال إيمانويل تود في كتابه المهم (ما بعد الإمبراطورية.. دراسة في تفكك النظام الأمريكي): ‏كانت الولايات المتحدة في بداية القرن الماضي ليست في حاجة إلى العالم، لكن منذ الحرب ‏العالمية الأولى بدا أن العالم أصبح في حاجة إليها، ولم تُبد الولايات المتحدة سوى مقاومة ‏قليلة لنداء العالم حتى عام 1917، ثم اختارت العزلة من جديد عندما رفضت المصادقة على ‏معاهدة فرساي، وكان على العالم أن ينتظر حتى الهجوم على بيرل هاربر وإعلان ألمانيا الحرب ‏على أمريكا، من أجل أن تأخذ الولايات المتحدة مكانتها المتناسبة مع قدراتها الاقتصادية الكبيرة ‏في العالم، وكان ذلك بدافع من اليابان وألمانيا.‏

 

::/introtext::
::fulltext::

قال إيمانويل تود في كتابه المهم (ما بعد الإمبراطورية.. دراسة في تفكك النظام الأمريكي): ‏كانت الولايات المتحدة في بداية القرن الماضي ليست في حاجة إلى العالم، لكن منذ الحرب ‏العالمية الأولى بدا أن العالم أصبح في حاجة إليها، ولم تُبد الولايات المتحدة سوى مقاومة ‏قليلة لنداء العالم حتى عام 1917، ثم اختارت العزلة من جديد عندما رفضت المصادقة على ‏معاهدة فرساي، وكان على العالم أن ينتظر حتى الهجوم على بيرل هاربر وإعلان ألمانيا الحرب ‏على أمريكا، من أجل أن تأخذ الولايات المتحدة مكانتها المتناسبة مع قدراتها الاقتصادية الكبيرة ‏في العالم، وكان ذلك بدافع من اليابان وألمانيا.‏

وأدى انهيار الشيوعية إلى تسارع في حركة التبعية، فما بين عامي 1990 و2000، ازداد العجز ‏التجاري الأمريكي من 100 مليار دولار إلى 450 ملياراً. واحتاجت أمريكا لتحقيق التوازن في ‏حساباتها الخارجية إلى تدفق الرساميل الخارجية بالمقدار نفسه. وفي بداية القرن الحادي ‏والعشرين، لم تعد الولايات المتحدة تستطيع أن تعيش على إنتاجها وحده. وفي اللحظة ذاتها ‏التي كاد فيها العالم المتجه نحو الاستقرار الثقافي والديموغرافي والديمقراطي يكتشف أنه ‏قادر على التخلي عن أمريكا التي أدركت أنها لم تعد تستطيع التخلي عن العالم.‏

ويرى الكاتب أن النقاش حول العولمة بعيد جزئياً عن عالم الواقع، لأنه يقبل في معظم الأحوال ‏التصور التقليدي للمبادلات التجارية والمالية التي تجري حسب هذا التصور من دون أن يكون ‏لأية دولة مركز خاص تختلف به عن الآخرين.‏ إن المفاهيم المجردة للعمل والربح وحرية حركة رأس المال تحجب عنصراً أساسياً يتمثل بالدور ‏الخاص الذي تلعبه أهم أمة في التنظيم الاقتصادي الجديد للعالم، وإذا كانت قدرات الولايات ‏المتحدة الاقتصادية قد تراجعت كثيراً، فإنها نجحت في تحقيق زيادة بالغة في قدرتها على ‏الاستقطاع على حساب الاقتصاد العالمي، لقد أصبحت بحق (نهّابة). فهل ينبغي لنا أن نفسر ‏هذا الوضع كعلامة قوة أو علامة ضعف؟

يمكننا – لو أردنا – أن نوقف هنا بناء هذا النموذج المقلق ونخلد إلى الاطمئنان متذكرين أن ‏الولايات المتحدة ديمقراطية، وأن الديمقراطيات لا تدخل في حروب فيما بينها، وبالتالي، لا ‏يمكن أن تصبح الولايات المتحدة خطرة على العالم وعدوانية ومثيرة للحرب. لذا، سوف تجد ‏الحكومة الأمريكية من خلال التجارب والأخطاء سبيلاً للتأقلم الاقتصادي والسياسي مع هذا ‏العالم الجديد. لِمَ لا ؟ ولكن علينا أن نعي أن أزمة الديمقراطيات المتقدمة التي أصبحت تطفو ‏على السطح، وتثير قلقاً متزايداً خاصة في أمريكا، لا تسمح لنا بأن نعتبر الولايات المتحدة دولة ‏سلام بطبيعتها. ‏

وتكمن قوة (فوكوياما) في أنه حدّد بسرعة عملية استقرار العالم غير الغربي، ولكن مفهومه ‏للمجتمعات يبقى متأثراً بترجيحه العامل الاقتصادي. إذ لا يعتبر فوكوياما التعليم المحرّك ‏المركزي للتاريخ، ويبدي اهتماماً قليلاً بالديموغرافيا، كما لا يرى أن تعميم التعليم الجماهيري ‏هو المتغيّر المستقل والمفسّر في صميم الاندفاعية الديمقراطية الفردية التي كشفها. من ‏هنا، جاء خطأه الكبير: استنتاج نهاية التاريخ من تعميم الديمقراطية الليبرالية. إن مثل هذا ‏الاستنتاج يفترض أن هذا النظام السياسي ثابت مستقر، وأن التاريخ يتوقف بمجرد تحقيقه، ‏ولكن بما أن الديمقراطية ليست سوى البنية الفوقية السياسية لمرحلة ثقافية هي مرحلة ‏
التعليم الابتدائي، فإن استمرار الاندفاعة التعليمية مع تطور مرحلة التعليم الثانوي ومرحلة ‏التعليم العالي لا يمكن إلا أن يؤدي إلى هز استقرار الديمقراطية في الأماكن التي ظهرت فيها ‏أولاً، في اللحظة نفسها التي تتكرّس في البلاد التي وصلت إلى مرحلة التعليم الجماهيري ‏فقط.‏‏

تبدأ الديمقراطية بالانحسار في مكان مولدها (أمريكا) في اللحظة نفسها التي أخذت فيها ‏بالظهور والانتشار في أوراسيا. إن المجتمع الأمريكي يتحول إلى نظام مسيطر يتسم أساساً ‏باللامساواة، وهي الظاهرة التي وضعها ميشال لند في إطار مفاهيمي، في كتابه، (الأمة ‏الأمريكية الثانية) وضمنّه أول وصف منهجي للطبقة الحاكمة الأمريكية الجديدة بعد الديمقراطية: ‏الطبقة الأعلى.‏

‏ ليس من الصواب والعدل ـ كما يطرح تود ـ أن نحصر أزمة الديمقراطية في الولايات المتحدة ‏وحدها. فانكلترا وفرنسا، الأمتان العريقتان الليبراليتان الشريكتان تاريخياً للديمقراطية الأمريكية، ‏هما أيضاً مسرح لعمليات متزامنة من التحول الديمقراطي باتجاه حكم الأقلية، غير أن موقعهما ‏في الاقتصاد السياسي والاقتصاد العالمي المعولم، يقع في صف البلدان المسيطر عليها، ‏لذلك فعليهما أن تأخذا في الاعتبار توازن معادلاتهما التجارية، أما خط تطورهما على الصعيد ‏الاجتماعي فيجب، في فترة ما، أن ينفصل عن الخط الأمريكي، ومن غير المتوقع أن يجري ‏الحديث يوماً عن نظام حكم الأقلية الغربي، كما كان يجري الحديث في الماضي عن ‏الديمقراطيات الغربية.‏

هذا هو الانقلاب الثاني الكبير الذي يفسّر صعوبة العلاقة بين أمريكا والعالم. إن تقدم ‏الديمقراطية على مستوى العالم يحجب ضعفها في مكان ولادتها، والمفارقة اللافتة أن ‏اللاعبين الدوليين لا يدركون جيداً حقيقة هذا الانقلاب. فأمريكا تتحدث دائماً بكفاءة، بحكم ‏العادة، عن الحرية والمساواة, وبالتأكيد لم يتم بعد انتشار الديمقراطية على مستوى العالم. ‏ إن الانتقال إلى مرحلة جديدة تتمثل بحكم الأقلية, يُلغي تطبيق (قانون دويل) في الولايات ‏المتحدة الأمريكية بالنسبة إلى النتائج المهدئة للديمقراطية الليبرالية.‏

وفي الحقيقة، إذا كانت أطروحة أمريكا تحت نظام حكم الأقلية تسمح لنا بحصر نطاق تطبيق قانون دويل، ‏فإنها أيضاً تسمح لنا على الأخص بقبول الحقيقة التجريبية لـ (أمريكا عدوانية)، ولا يعود بوسعنا حتى ‏استبعاد أطروحة أمريكا محاربة للديمقراطيات قديمة كانت أم حديثة. ونصالح بهذا المخطط، مع شيء من ‏السخرية، المثاليين الأنغلوساكسون الذين ينتظرون من الديمقراطية الليبرالية إنهاء النزاعات الحربية مع ‏الواقعيين المنتمين إلى الثقافة نفسها، والذين ينظرون إلى ساحة العلاقات الدولية كفضاء فوضوي مسكون ‏بدول عدوانية على مدى أبدية القرون. وعندما نقبل أن الديمقراطية الليبرالية تؤدي إلى السلام، فنحن ‏نقبل أيضاً أن ضعفها قد يجلب الحرب. وحتى عندما يكون قانون دويل صحيحاً، فإنه لن يقول بسلام أبدي ‏بالمعنى الذي يقصده (كانط).‏

‏ ويوجه تود، انتقاده للولايات المتحدة على هذه التدخلات في العالم، ويرى أنه لم يستطع أي ‏بلد في القرن العشرين زيادة قوته عن طريق الحرب أو لمجرد زيادة قوته العسكرية المسلحة. ‏فقد خسرت في هذه اللعبة خسارة كبرى كل من فرنسا وألمانيا واليابان وروسيا، وخرجت ‏الولايات المتحدة منتصرة من القرن العشرين لأنها عرفت، إلى أمد طويل، أن ترفض الانخراط في‏

النزاعات العسكرية في العالم القديم. فلننهج نهج أمريكا الأولى التي كان نصيبها النجاح، ‏ولنجرؤ على أن نكون أقوياء برفضنا العسكرية، وأن نقبل أن نركز طاقاتنا على إيجاد الحلول ‏للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية لمجتمعاتنا، ولنترك أمريكا الحالية، إذا رغبت في ‏ذلك، كي تستنفد ما بقي لها من طاقة في (محاربة الإرهاب)، تلك الحرب التي تسعى من ‏ورائها إلى الاحتفاظ بهيمنتها التي لم تعد موجودة. وإذا آثرت أن تثبت قوتها الهائلة، فإنها لن ‏تفلح أكثر من أن تكشف للعالم عن عجزها.‏

أخيراً، إن الأسلوب الذي اتبعته الإدارة الأمريكية في حروبها الراهنة لا يمكن المراهنة على ‏نجاحه أو حتى قبوله من جانب شعوب العالم جميعا حتى لو توشح بمقولات الديمقراطية ‏والحرية والليبرالية الاقتصادية وغيرها من المقولات، والحل في اعتقادنا ليس في العزلة ‏والانكفاء عن العالم وقضاياه، بل التحرك الإيجابي والحوار، والعدل في المشكلات الراهنة، والبعد ‏عن الهيمنة والاحتلال وبعد ذلك سوف يختفي (البعبع) المسمى الإرهاب في العالم. ‏

::/fulltext::
::cck::2971::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *