حوار الذات قبل حوار الأديان
::cck::2972::/cck::
::introtext::
أثناء بحثي في موضوع (حوار الأديان) على شبكة الانترنت، برز لي أكثر من 23 ألف عنوان، وبطبيعة الحال لم يكن لدي الوقت الكافي لتصفحها أو المرور عليها ومعرفة كنهها.
::/introtext::
::fulltext::
أثناء بحثي في موضوع (حوار الأديان) على شبكة الانترنت، برز لي أكثر من 23 ألف عنوان، وبطبيعة الحال لم يكن لدي الوقت الكافي لتصفحها أو المرور عليها ومعرفة كنهها.
أغلب ما ظهر لي كان أخبارا بثتها وكالات الأنباء، والتقطتها بعض المواقع وأعادت نشرها كما هي، والقليل منها كانت عبارة عن دراسات في مواقع ذات مصداقية تستحق أن يطلع عليها الباحث ويجتهد في دراستها.
(القنطرة) موقع ألماني باللغة العربية مهتم، كما هو واضح من عنوانه، بمد قنطرة إلى العالم الإسلامي لمزيد من التواصل، ويهتم أيضاً بحال المسلمين المهاجرين في ألمانيا وأوروبا، وهو موقع جميل وفيه استعراض لبعض الكتب التي تتطرق للموضوع نفسه، وأعتقد أن الموقع يفي بالغرض الذي رسم له.
موقع آخر هولندي لم يبعد اسمه كثيراً عن سابقه، (الجسر)، فمن الواضح أن القوم بادروا إلى مد قناطرهم وجسورهم إلينا، ولكن العالم الإسلامي لم يبادر كما يجب إلى مد يده إلى من بنى جسراً أو قنطرة.
يرى الغرب بصورة عامة أن الإسلام حقيقة واقعة يجب التعامل معه، وأن به عيوباً يجب التخلص منها حتى يصبح مقبولاً، أما ماهية هذه العيوب فإن هناك اختلافاً واضحاً بين الجميع عليها، ولكن بالإمكان حصر بعضها في التالي:
- المرأة في الإسلام موضوع خصب يكاد الغرب يجمع على أن الإسلام لا يعاملها معاملة لائقة، والحديث في هذا الموضوع لن يغير ترسبات متكلسة كان الغرب قد شكلها مسبقاً وكرستها وسائل إعلامه.
- الجهاد وماهيته، وهو موضوع اختلف فيه الغرب، كما اختلفت فيه المدارس الإسلامية أيضاً، ولكن دعونا نكون واقعيين، هل تستطيع كل المؤتمرات التي تعقد من حين إلى آخر تغيير الصورة النمطية التي سبق أن تم رسمها في عقلية الآخر؟ أم أنها نوع من أنواع الحوار الذي لابد منه لإظهار حسن النية؟
سألني مرة الصحفي الأمريكي ناثان كاردلز، وهو رئيس تحرير ملحق تصدره صحيفة (لوس انجلس تايمز)، وكنت قد تعرفت إليه خلال مؤتمر لحوار الأديان أيضاً، كان سؤاله منطقياً واقعياً: لمن أتحدث إن أردت أن أعرف الإسلام على حقيقته؟
وكان ردي سريعاً، مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا السابق، فهو ليس رجل دين يتحدث بأسلوب تقليدي، بل هو رجل دولة نجح في نقل دولته إلى مصاف الدول المتقدمة صناعياً، ولديه مصداقية يستطيع بها أن يحاجج الآخرين، وله مفهوم شامل للإسلام لا تحده نظرات ضيقة أو ثقافة إقليمية، وانتفض أحد الجالسين بقربي وتوتر، وعارض اقتراحي، فمهاتير محمد في رأيي لا يحق له أن يتكلم باسم الإسلام.
وبغض النظر عما دار بعد ذلك، فإنني خرجت بحقيقة واحدة مفادها أننا نحن المسلمين بحاجة إلى حوار داخلي قبل أن نبني جسراً أو قنطرة مع الآخر.
إن هناك الكثير من الأمور التي يجب أن نتفق عليها قبل أن نتحدث مع الغرب.
وعند مراجعتنا ردود فعلنا تجاه الأحداث الأخيرة ابتداء من 11 سبتمبر وحتى احتلال العراق، سنجدها ردوداً متباينة لا تكاد تلتقي أبداً، فمن مؤيد للجهاد والحرب باعتبارهما الوسيلة الوحيدة لإعادة مجد الأمة ودفع الضرر عنها إلى القائل بوجوب انفتاحنا على الغرب بشكل كامل وتبني ثقافته وعاداته حتى نكسر حلقة التخلف المحيطة برقبتنا.
إنها نظرات قد تكون كلها متطرفة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولكن ألم يأن الأوان لنعيد النظر في ذاتنا، ونعرف ما نريد، ونرسم صورة نموذجية للمسلم الصالح قبل أن نعرض غثاءنا غير المنظم على الآخرين؟
منذ مطلع القرن العشرين لم يكن الإسلام يعني شيئاً للغرب، ولم تكن له أهمية تذكر في الجامعات ومراكز البحث العلمي مع أن بعض المستشرقين وجدوا فيه غموضاً تاريخياً جميلاً يجب سبرغوره واستكشاف كنوزه، ونظر الغرب إلى الإسلام في ذلك الحين على أنه نوع من الزخرفة الجميلة أو الدين الشرقي الغامض أو حتى التاريخ الذي انتهى وقته واندثر، وبقي الحال على ما هو عليه حتى ظهور بعض الحركات الإسلامية التي تم تأسيسها في بدايات أو منتصف القرن العشرين لتلقي الضوء على الإسلام السياسي الذي بدأ يخرج للوجود، وخلال قرون الاستشعار الطويلة اكتشف بعض الباحثين أنهم أمام ظاهرة جديدة لم تكن موجودة، وأن الحديث عنها قد يدر مبالغ طائلة أو يوجد للمتحدث مكاناً مرموقاً في أجهزة الإعلام، فخرج علينا مصطلح ((خبير في شؤون الشرق الأوسط)) وهو عادة ما يكون رجلاً غربياً بمواصفات انغلوسكسونية، ليتحدث عن كل شيء في الشرق الأوسط بدءاً من أزمة المياه وحتى القضية الفلسطينية، وكأن العالم الإسلامي ليس فيه من يتحدث باسمه، أو كأنه علم غامض قليل من يعرفه.
لقد تفاجأ الغرب بظهور حركات إسلامية معادية له، ولم يفهم السبب، وطرحت أفكار غريبة تفسيراً لهذه الظاهرة، حتى إن الرئيس الأمريكي جورج بوش ربطها بـ (الحسد) من الحرية التي يتمتع بها الغرب، ولم يستطع سوى القليل من الغربيين معرفة السبب الحقيقي لهذا العداء.
هل بدأ العالم الإسلامي بالتحرك والتململ؟ قد يكون كذلك، وقد يكون الأمر برمته ظاهرة مؤقتة، لا أحد يعلم، ولكن من الواضح أن هناك أزمة حقيقية وشرخاً لا بد من إصلاحهما بين الغرب والإسلام.
إن تاريخ العالم الإسلامي منذ هزيمة العرب في إسبانيا وخروجهم منها المتزامن مع الثورة العلمية في الغرب لم يكن جميلاً، فقد توالت الأزمات من الاحتلال الغربي لثغور العالم الإسلامي مروراً بالحرب العالمية الأولى وزوال الخلافة وحتى احتلال فلسطين من قبل اليهود وانتهاء بدخول الجيش الأمريكي إلى بغداد.
هناك كميات هائلة من الغضب والسخط في عقول وقلوب المسلمين، تغذيها أخطاء غربية في التعامل معهم، فالأخبار مليئة بمآس يقشعر منها البدن. قضايا تنفجر في كل ساعة تتوزع على مساحة الأرض، حتى ليكاد المرء يعتقد أن كل أرض يعيش عليها مسلمون تخفي مشروعاً مأساوياً ضدهم.
إن أكبر خطأ وقع فيه الغرب في تعامله مع المسلمين هو تقسيمهم بعد الحرب العالمية الأولى إلى العديد من الدول، حتى منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية التي كانت كل منها على مدى التاريخ تشكل دولة واحدة متجانسة قد تم تقسيمها إلى عدة دول.
لقد أحدث هذا التقسيم شرخاً هائلاً في المفهوم والثقافة في أوساط العرب، وتنوعت الاهتمامات وكثرت الاختلافات وتعمقت الشروخ، وغدا على الغرب التعامل مع الكثير من الدول التي تتبنى اتجاهات وأيديولوجيات مختلفة.
كل ذلك أحدث نوعاً من الضياع الفكري في أوساط الشباب، فاختفت صورة المسلم النموذجية، حتى مصطلح المواطن الصالح لم يعد له وجود متفق عليه، ففي حين ترى بعض الدول في المواطن الصالح هو الليبرالي المتعاون مع أجهزة الدولة الأمنية، ترى فيه الأخرى ذلك المؤمن التقليدي المعتكف في المسجد بعيداً عن السياسة، فالقضية ليست خلافاً في مفهوم الإسلام، بل في كل شيء تقريباً.
عندما يتقابل رجل دين مسيحي مع مسلم ويتحدثان، فالأول ينطلق من قاعدة ثابتة وثقافة واضحة، أما الثاني فإن ثقافته وقاعدته تختلفان باختلاف دولته ورؤيتها للأحداث وموقفها من العالم وأيديولوجيتها الرسمية.
إننا بحاجة فعلية لأن نخاطب أنفسنا، ونغير بعض مفاهيمنا بعيداً عن التأثير الرسمي للدولة، فهل نطلب كثيراً إن طالبنا بعقد مؤتمر إسلامي لا تتدخل فيه الحكومات، ويمثل فيه العلماء أنفسهم ليتناقشوا حول وضع المسلمين، ويوحدوا مفهومهم للإرهاب والجهاد والمرأة والمواطنة والأرض والمال العام والتعامل مع الآخر والحدود والاحتلال.. إلخ؟
وفي الختام نقول إن الجسور والقناطر التي نريد أن نبنيها مع الغرب يجب أن تكون مصنوعة من فكرنا الثابت الموحد والمتفق عليه. أما إذا بنى كل منا جسوره بما يعتقده ويراه فإننا سنحصل على العديد منها، لكنها ستكون بأشكال مختلفة ومن الضعف بحيث إنها لن تتحمل ثقلها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2972::/cck::
::introtext::
أثناء بحثي في موضوع (حوار الأديان) على شبكة الانترنت، برز لي أكثر من 23 ألف عنوان، وبطبيعة الحال لم يكن لدي الوقت الكافي لتصفحها أو المرور عليها ومعرفة كنهها.
::/introtext::
::fulltext::
أثناء بحثي في موضوع (حوار الأديان) على شبكة الانترنت، برز لي أكثر من 23 ألف عنوان، وبطبيعة الحال لم يكن لدي الوقت الكافي لتصفحها أو المرور عليها ومعرفة كنهها.
أغلب ما ظهر لي كان أخبارا بثتها وكالات الأنباء، والتقطتها بعض المواقع وأعادت نشرها كما هي، والقليل منها كانت عبارة عن دراسات في مواقع ذات مصداقية تستحق أن يطلع عليها الباحث ويجتهد في دراستها.
(القنطرة) موقع ألماني باللغة العربية مهتم، كما هو واضح من عنوانه، بمد قنطرة إلى العالم الإسلامي لمزيد من التواصل، ويهتم أيضاً بحال المسلمين المهاجرين في ألمانيا وأوروبا، وهو موقع جميل وفيه استعراض لبعض الكتب التي تتطرق للموضوع نفسه، وأعتقد أن الموقع يفي بالغرض الذي رسم له.
موقع آخر هولندي لم يبعد اسمه كثيراً عن سابقه، (الجسر)، فمن الواضح أن القوم بادروا إلى مد قناطرهم وجسورهم إلينا، ولكن العالم الإسلامي لم يبادر كما يجب إلى مد يده إلى من بنى جسراً أو قنطرة.
يرى الغرب بصورة عامة أن الإسلام حقيقة واقعة يجب التعامل معه، وأن به عيوباً يجب التخلص منها حتى يصبح مقبولاً، أما ماهية هذه العيوب فإن هناك اختلافاً واضحاً بين الجميع عليها، ولكن بالإمكان حصر بعضها في التالي:
- المرأة في الإسلام موضوع خصب يكاد الغرب يجمع على أن الإسلام لا يعاملها معاملة لائقة، والحديث في هذا الموضوع لن يغير ترسبات متكلسة كان الغرب قد شكلها مسبقاً وكرستها وسائل إعلامه.
- الجهاد وماهيته، وهو موضوع اختلف فيه الغرب، كما اختلفت فيه المدارس الإسلامية أيضاً، ولكن دعونا نكون واقعيين، هل تستطيع كل المؤتمرات التي تعقد من حين إلى آخر تغيير الصورة النمطية التي سبق أن تم رسمها في عقلية الآخر؟ أم أنها نوع من أنواع الحوار الذي لابد منه لإظهار حسن النية؟
سألني مرة الصحفي الأمريكي ناثان كاردلز، وهو رئيس تحرير ملحق تصدره صحيفة (لوس انجلس تايمز)، وكنت قد تعرفت إليه خلال مؤتمر لحوار الأديان أيضاً، كان سؤاله منطقياً واقعياً: لمن أتحدث إن أردت أن أعرف الإسلام على حقيقته؟
وكان ردي سريعاً، مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا السابق، فهو ليس رجل دين يتحدث بأسلوب تقليدي، بل هو رجل دولة نجح في نقل دولته إلى مصاف الدول المتقدمة صناعياً، ولديه مصداقية يستطيع بها أن يحاجج الآخرين، وله مفهوم شامل للإسلام لا تحده نظرات ضيقة أو ثقافة إقليمية، وانتفض أحد الجالسين بقربي وتوتر، وعارض اقتراحي، فمهاتير محمد في رأيي لا يحق له أن يتكلم باسم الإسلام.
وبغض النظر عما دار بعد ذلك، فإنني خرجت بحقيقة واحدة مفادها أننا نحن المسلمين بحاجة إلى حوار داخلي قبل أن نبني جسراً أو قنطرة مع الآخر.
إن هناك الكثير من الأمور التي يجب أن نتفق عليها قبل أن نتحدث مع الغرب.
وعند مراجعتنا ردود فعلنا تجاه الأحداث الأخيرة ابتداء من 11 سبتمبر وحتى احتلال العراق، سنجدها ردوداً متباينة لا تكاد تلتقي أبداً، فمن مؤيد للجهاد والحرب باعتبارهما الوسيلة الوحيدة لإعادة مجد الأمة ودفع الضرر عنها إلى القائل بوجوب انفتاحنا على الغرب بشكل كامل وتبني ثقافته وعاداته حتى نكسر حلقة التخلف المحيطة برقبتنا.
إنها نظرات قد تكون كلها متطرفة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولكن ألم يأن الأوان لنعيد النظر في ذاتنا، ونعرف ما نريد، ونرسم صورة نموذجية للمسلم الصالح قبل أن نعرض غثاءنا غير المنظم على الآخرين؟
منذ مطلع القرن العشرين لم يكن الإسلام يعني شيئاً للغرب، ولم تكن له أهمية تذكر في الجامعات ومراكز البحث العلمي مع أن بعض المستشرقين وجدوا فيه غموضاً تاريخياً جميلاً يجب سبرغوره واستكشاف كنوزه، ونظر الغرب إلى الإسلام في ذلك الحين على أنه نوع من الزخرفة الجميلة أو الدين الشرقي الغامض أو حتى التاريخ الذي انتهى وقته واندثر، وبقي الحال على ما هو عليه حتى ظهور بعض الحركات الإسلامية التي تم تأسيسها في بدايات أو منتصف القرن العشرين لتلقي الضوء على الإسلام السياسي الذي بدأ يخرج للوجود، وخلال قرون الاستشعار الطويلة اكتشف بعض الباحثين أنهم أمام ظاهرة جديدة لم تكن موجودة، وأن الحديث عنها قد يدر مبالغ طائلة أو يوجد للمتحدث مكاناً مرموقاً في أجهزة الإعلام، فخرج علينا مصطلح ((خبير في شؤون الشرق الأوسط)) وهو عادة ما يكون رجلاً غربياً بمواصفات انغلوسكسونية، ليتحدث عن كل شيء في الشرق الأوسط بدءاً من أزمة المياه وحتى القضية الفلسطينية، وكأن العالم الإسلامي ليس فيه من يتحدث باسمه، أو كأنه علم غامض قليل من يعرفه.
لقد تفاجأ الغرب بظهور حركات إسلامية معادية له، ولم يفهم السبب، وطرحت أفكار غريبة تفسيراً لهذه الظاهرة، حتى إن الرئيس الأمريكي جورج بوش ربطها بـ (الحسد) من الحرية التي يتمتع بها الغرب، ولم يستطع سوى القليل من الغربيين معرفة السبب الحقيقي لهذا العداء.
هل بدأ العالم الإسلامي بالتحرك والتململ؟ قد يكون كذلك، وقد يكون الأمر برمته ظاهرة مؤقتة، لا أحد يعلم، ولكن من الواضح أن هناك أزمة حقيقية وشرخاً لا بد من إصلاحهما بين الغرب والإسلام.
إن تاريخ العالم الإسلامي منذ هزيمة العرب في إسبانيا وخروجهم منها المتزامن مع الثورة العلمية في الغرب لم يكن جميلاً، فقد توالت الأزمات من الاحتلال الغربي لثغور العالم الإسلامي مروراً بالحرب العالمية الأولى وزوال الخلافة وحتى احتلال فلسطين من قبل اليهود وانتهاء بدخول الجيش الأمريكي إلى بغداد.
هناك كميات هائلة من الغضب والسخط في عقول وقلوب المسلمين، تغذيها أخطاء غربية في التعامل معهم، فالأخبار مليئة بمآس يقشعر منها البدن. قضايا تنفجر في كل ساعة تتوزع على مساحة الأرض، حتى ليكاد المرء يعتقد أن كل أرض يعيش عليها مسلمون تخفي مشروعاً مأساوياً ضدهم.
إن أكبر خطأ وقع فيه الغرب في تعامله مع المسلمين هو تقسيمهم بعد الحرب العالمية الأولى إلى العديد من الدول، حتى منطقة الهلال الخصيب والجزيرة العربية التي كانت كل منها على مدى التاريخ تشكل دولة واحدة متجانسة قد تم تقسيمها إلى عدة دول.
لقد أحدث هذا التقسيم شرخاً هائلاً في المفهوم والثقافة في أوساط العرب، وتنوعت الاهتمامات وكثرت الاختلافات وتعمقت الشروخ، وغدا على الغرب التعامل مع الكثير من الدول التي تتبنى اتجاهات وأيديولوجيات مختلفة.
كل ذلك أحدث نوعاً من الضياع الفكري في أوساط الشباب، فاختفت صورة المسلم النموذجية، حتى مصطلح المواطن الصالح لم يعد له وجود متفق عليه، ففي حين ترى بعض الدول في المواطن الصالح هو الليبرالي المتعاون مع أجهزة الدولة الأمنية، ترى فيه الأخرى ذلك المؤمن التقليدي المعتكف في المسجد بعيداً عن السياسة، فالقضية ليست خلافاً في مفهوم الإسلام، بل في كل شيء تقريباً.
عندما يتقابل رجل دين مسيحي مع مسلم ويتحدثان، فالأول ينطلق من قاعدة ثابتة وثقافة واضحة، أما الثاني فإن ثقافته وقاعدته تختلفان باختلاف دولته ورؤيتها للأحداث وموقفها من العالم وأيديولوجيتها الرسمية.
إننا بحاجة فعلية لأن نخاطب أنفسنا، ونغير بعض مفاهيمنا بعيداً عن التأثير الرسمي للدولة، فهل نطلب كثيراً إن طالبنا بعقد مؤتمر إسلامي لا تتدخل فيه الحكومات، ويمثل فيه العلماء أنفسهم ليتناقشوا حول وضع المسلمين، ويوحدوا مفهومهم للإرهاب والجهاد والمرأة والمواطنة والأرض والمال العام والتعامل مع الآخر والحدود والاحتلال.. إلخ؟
وفي الختام نقول إن الجسور والقناطر التي نريد أن نبنيها مع الغرب يجب أن تكون مصنوعة من فكرنا الثابت الموحد والمتفق عليه. أما إذا بنى كل منا جسوره بما يعتقده ويراه فإننا سنحصل على العديد منها، لكنها ستكون بأشكال مختلفة ومن الضعف بحيث إنها لن تتحمل ثقلها.
::/fulltext::
::cck::2972::/cck::
