هل كان أصحاب التهويل في مسألة التركيبة السكانية على حق؟‏

::cck::2973::/cck::
::introtext::

سكت الحديث منذ فترة عن مسألة التركيبة السكانية، وعن الآثار التي تحدثها قضية وجود ‏العمالة الوافدة من الفئات العرقية المختلفة في دولة الإمارات، وفي دول الخليج على وجه ‏العموم. ومبعث الصمت حول هذه المسألة، في تصوري، أن ما كنا نخوف ونتخوف منه لم ‏يحصل!‏

 

::/introtext::
::fulltext::

سكت الحديث منذ فترة عن مسألة التركيبة السكانية، وعن الآثار التي تحدثها قضية وجود ‏العمالة الوافدة من الفئات العرقية المختلفة في دولة الإمارات، وفي دول الخليج على وجه ‏العموم. ومبعث الصمت حول هذه المسألة، في تصوري، أن ما كنا نخوف ونتخوف منه لم ‏يحصل!‏

‏ هناك حقيقة مفادها أن ما كنا نتصور أنه سيمس كياننا، وهويتنا، ومكانتنا في بلادنا انقلب ‏إلى العكس تماماً، فهناك حالة من الإعجاب بالنموذج والحالة الإماراتية بوجه خاص، والخليجية ‏على وجه العموم بالرغم من كل المنغصات، والخلل في تركيبة الأنظمة والنظم الخليجية.‏

ونفصل أكثر قليلاً لتوضح الصورة بشكل أكبر؟ خذ عندك عزيزي القارئ هذه الحقائق:‏

في عام 1997 كان عدد سكان الإمارات يصل إلى مليونين وسبعمائة ألف نسمة (2,411,041 ‏نسمة في عام 1995)، وخلال هذا العام تقول التقديرات الأولية قبل إجراء الاستفتاء الذي ‏سيحصل قريباً إن عدد السكان قد يصل إلى أربعة ملايين ومائتي ألف نسمة. هناك إذن ما ‏يقارب المليونين من البشر قد زادوا في الدولة خلال ثماني سنوات فقط. وهو معدل نمو ‏سكاني يصل إلى حوالي 6,94 في المائة سنوياً. وهي نسبة بكل المقاييس عالية جداً، تفوق ‏معدلات النمو السكانية العالمية التي يصل معدلها السنوي إلى 1,4 في المائة سنوياً، ‏وبمستويات كبيرة جداً. ولا أعتقد أن سكان الإمارات الأصليين بهذه القدرة التناسلية الفائقة، ‏حتى يصل عددنا إلى هذا الحد، بل إن سكان الإمارات كما تشير التقديرات لن يزيدوا على 19 ‏في المائة من مجموع السكان (التقديرات الرسمية تذكر أن النمو السكاني وصل إلى نسبة ‏‏5,6 في المائة سنوياً منذ 1985 وحتى اليوم). ‏

‏ والأسباب قد تكون متعددة ومتشابكة إلى درجة التعقيد، فبالرغم من الحالة الحضارية التي ‏لا تصل إلى مستوى ما هو في الدول الصناعية والمتقدمة من تطور، إلا إن عنصر الجذب موجود ‏وبقوة في الأنظمة الخليجية!‏

‏ ومن بين الأسباب قد تكون الحالة العامة للأمن مقارنة بالدول المتقدمة، ومستوى ‏المعيشة المعتدل، والحالة الثقافية والعقائدية، بالذات، ونسبة النمو السريعة نسبياً مقارنة ‏بالدول المتقدمة في مجال الأعمال، والحاجة الملحة إلى الأيدي العاملة المدربة، وحتى غير ‏المدربة، والقرب من مصادر تصدير العمالة في آسيا وإفريقيا، بالإضافة إلى حالة الدمج بين ‏الأسلوبين الغربي والعربي الإسلامي الأصيل في التعامل اليومي في الأمور الحياتية ‏الاعتيادية.‏

‏ إذاً فهناك حالة من الجذب غير الاعتيادية، فهل هذه أسباب حقيقية؟ نشرح أكثر لتوضيح ‏الصورة.‏ ‏ في مسألة الأمن الاجتماعي أولاً، هناك حالة من شبه التوافق العام بوجود معدل من ‏التسامح يتجاوز أية نسبة اختلال أمني، ضمن أي معيار دولي قد تصادفه عزيزي القارئ. هذا ‏إذا استثنينا ما يحصل في المملكة العربية السعودية من عمليات للقاعدة ضد المصالح ‏والأشخاص من الأمريكيين والأوروبيين لإخراجهم من أرض الحرمين الشريفين، فهي حالة خاصة ‏جداً هذه الأيام، ومحددة ضمن نطاق جغرافي ذات دلالة دينية وثقافية محددة. أما في باقي ‏المناطق بالدول الخليجية فإن حالات عدم الاستقرار السياسي ذات تأثر محدود بمجموعات ‏

المعارضة فيها، وإن كانت عمليات التغيير والحراك السياسي في حالة ارتفاع في الوتيرة، لكنها ‏ليست بنسب حادة تؤثر في استقرار الأنظمة فيها. وهي حالة تعطي الثقة للمستثمر والوافد ‏للعمل والاستقرار. ‏

‏ والأهم هي حالة التسامح الاجتماعي العام مع الوافد الأجنبي، فلا يوجد ثقافة تمييز حادة ‏بين المواطن والوافد لمجرد عرقه أو لونه أو حتى دينه واعتقاده، وهناك حالات من الاقتراب بين ‏الطرفين في التعاملات، عدا الامتيازات الخاصة بالمواطنة في تقديم الخدمات المختلفة وفي ‏الدخل، وهي أيضاً بصدد الاقتراب بين الطرفين، وإن كانت هناك حالات يتفوق فيها الوافد على ‏المواطن، ويصبح مثار حسد منه، نسبة للخدمات المقدمة له، كما هي الحال مع العاملين ‏الوافدين في مجالات النفط وبعض القطاعات المهمة الأخرى، على سبيل المثال.‏

‏ ولا يحس المراقب بذلك التصادم الحاد، أو حتى الظاهر، بين الوافد والمواطن، لكون الوافد ‏هو مجرد قادم دخيل، فثقافة الإقصاء والتمييز العرقي لا تتوفر في بلاد الإسلام، خاصة أن معظم ‏العمالة الوافدة هي من الفئات الدينية القريبة من سكان الخليج مذهبياً ودينياً، كما هي الحال ‏مع مجموعات العمالة الهندية، التي تشكل الغالبية العظمى من بين المجموعات الوافدة، ‏والتي تأتي من ولاية كيريلا، وأغلبهم من المسلمين السنة، ومن المجموعات السنية الإيرانية ‏التي تشكل الأقلية في إيران، والتي لا تجد حظوة في بلادها، وتقترب من سكان الخليج العرب ‏مذهبياً، على سبيل المثال لا الحصر مع وجود العمالة الباكستانية المسلمة بشكل كبير طبعاً. ‏إن إحصائيات عام 1995 في الإمارات تثبت ذلك (نسبة المسلمين في دولة الإمارات تبلغ 76 ‏في المائة من إجمالي السكان ـ 1.849.503 نسمة من أصل 2.411.041 مليون نسمة) ‏‏(الإحصاء العام للسكان لعام 1995، وزارة التخطيط بدولة الإمارات العربية المتحدة).‏

‏ أما بالنسبة إلى مستوى المعيشة فإن دول الخليج، عموماً، والإمارات على وجه ‏الخصوص تمتلك مستوى معيشة معتدلاً، بل وعالياً نسبياً، بمعدلات دخل تجعلها ذات جاذبية ‏حقيقية للقادمين للعمل من الدول الفقيرة. والقادم للعمل يحاول ألا يفقد وظيفته، ومستواه ‏الذي حصل عليه في مجتمع قريب من ثقافة وهموم مجتمعه الأصلي، مع مستويات دخل أكبر ‏من تلك التي في مجتمعه الأصلي. وهو ما يخلق نوعاً من التوافق والامتنان الجزئي، إن لم ‏يكن الكلي.‏

‏ وتبقى القضايا الأهم في مسألة الخطورة لا تأتي من هذا الكم الهائل القادم من الخارج ‏للعمل، فهذا الكم لا يقدم ثقافته كبديل عن الثقافة المحلية، بل إنه يحاول احترام الثقافة ‏المحلية، في الغالب، مع بعض الحالات التي تم العثور فيها على تجاوزات عقائدية ـ إذا أمكننا ‏القول حول العقائد التي تتناقض بشكل حاد مع عقيدتنا في دول الخليج العربية ـ كبعض ‏المجموعات الهندوسية، والبهائية وغيرها، وإن كانت هذه المجموعات سمح لها بشكل ما ‏ممارسة طقوسها في نطاق تجمعاتها الخاصة، وفي حدودها المجتمعية الخاصة، وليس على ‏النطاق العام.‏

‏ إن المشكلة في مسألة التركيبة السكانية، إذن، تنبع من إمكانية استخدام المسألة من ‏قبل جهات دولية تحاول الضغط على دول الخليج لتطبيق كل القوانين المعمول بها في الغرب ‏في مسألة الإقامة والجنسية، وهي الأمور التي يتم التلميح إليها في أحيان كثيرة وإن كان من ‏
باب المزاح والدعابة الدبلوماسية، أو للضغط من أجل الحصول على تنازلات متبادلة مقابل طرح ‏مسائل حقوق الإنسان بالنسبة للعمالة الوافدة، التي قد تعامل بأشد قسوة في الغرب، إلا أنه ‏هنا، ونتيجة لحالة الهزيمة الحضارية التي يعتقد الغرب أنه ألحقها بالعالم الإسلامي بعد سقوط ‏الشيوعية، فإنه يحاول كسب المصالح للتنازل عن إثارة قضايا حقوق الإنسان تلك.‏

‏ هذه حقيقة تحولت إلى حرب خفية، تلعب فيها المصالح والأوضاع الدولية والتوازنات والكثير ‏من عناصر الإثارة، لتخفت حيناً وتبرز إلى السطح حيناً آخر، مع عمليات المد والجزر في الصراع ‏بين حركة المقاومة الإسلامية-العربية والمخططات الغربية الإنجيلية ـ الصهيونية.‏

‏ ويبقى أن نختم بالتذكير مرة أخرى بأن قضية التركيبة السكانية ليست بالمشكلة التي ‏يستعصي تجاوزها، ولكن المشكلة الحقيقية هي أن المجتمعات الخليجية نفسها لا تريد أن ‏تتجاوزها، ولا تمتلك لا البرنامج ولا القرار أو الرغبة الصادقة في تجاوزها بالكامل. فهي مشكلة ‏لا تزال تحت السيطرة الأكيدة، على اعتبار أنها الضريبة التي تدفعها دول الخليج لعلاقاتها ‏الدولية، بل أصبحت مثار استثمار مفيد لخزائن الدول الخليجية، التي تعتبر كل المنطقة من ‏حدود الصين وحتى المحيط الأطلسي، بالإضافة إلى كل دول الجنوب الأخرى ساحة وسوقاً ‏محتملين لاستثماراتها ومصدراً مهماً لعمالتها الرخيصة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2973::/cck::
::introtext::

سكت الحديث منذ فترة عن مسألة التركيبة السكانية، وعن الآثار التي تحدثها قضية وجود ‏العمالة الوافدة من الفئات العرقية المختلفة في دولة الإمارات، وفي دول الخليج على وجه ‏العموم. ومبعث الصمت حول هذه المسألة، في تصوري، أن ما كنا نخوف ونتخوف منه لم ‏يحصل!‏

 

::/introtext::
::fulltext::

سكت الحديث منذ فترة عن مسألة التركيبة السكانية، وعن الآثار التي تحدثها قضية وجود ‏العمالة الوافدة من الفئات العرقية المختلفة في دولة الإمارات، وفي دول الخليج على وجه ‏العموم. ومبعث الصمت حول هذه المسألة، في تصوري، أن ما كنا نخوف ونتخوف منه لم ‏يحصل!‏

‏ هناك حقيقة مفادها أن ما كنا نتصور أنه سيمس كياننا، وهويتنا، ومكانتنا في بلادنا انقلب ‏إلى العكس تماماً، فهناك حالة من الإعجاب بالنموذج والحالة الإماراتية بوجه خاص، والخليجية ‏على وجه العموم بالرغم من كل المنغصات، والخلل في تركيبة الأنظمة والنظم الخليجية.‏

ونفصل أكثر قليلاً لتوضح الصورة بشكل أكبر؟ خذ عندك عزيزي القارئ هذه الحقائق:‏

في عام 1997 كان عدد سكان الإمارات يصل إلى مليونين وسبعمائة ألف نسمة (2,411,041 ‏نسمة في عام 1995)، وخلال هذا العام تقول التقديرات الأولية قبل إجراء الاستفتاء الذي ‏سيحصل قريباً إن عدد السكان قد يصل إلى أربعة ملايين ومائتي ألف نسمة. هناك إذن ما ‏يقارب المليونين من البشر قد زادوا في الدولة خلال ثماني سنوات فقط. وهو معدل نمو ‏سكاني يصل إلى حوالي 6,94 في المائة سنوياً. وهي نسبة بكل المقاييس عالية جداً، تفوق ‏معدلات النمو السكانية العالمية التي يصل معدلها السنوي إلى 1,4 في المائة سنوياً، ‏وبمستويات كبيرة جداً. ولا أعتقد أن سكان الإمارات الأصليين بهذه القدرة التناسلية الفائقة، ‏حتى يصل عددنا إلى هذا الحد، بل إن سكان الإمارات كما تشير التقديرات لن يزيدوا على 19 ‏في المائة من مجموع السكان (التقديرات الرسمية تذكر أن النمو السكاني وصل إلى نسبة ‏‏5,6 في المائة سنوياً منذ 1985 وحتى اليوم). ‏

‏ والأسباب قد تكون متعددة ومتشابكة إلى درجة التعقيد، فبالرغم من الحالة الحضارية التي ‏لا تصل إلى مستوى ما هو في الدول الصناعية والمتقدمة من تطور، إلا إن عنصر الجذب موجود ‏وبقوة في الأنظمة الخليجية!‏

‏ ومن بين الأسباب قد تكون الحالة العامة للأمن مقارنة بالدول المتقدمة، ومستوى ‏المعيشة المعتدل، والحالة الثقافية والعقائدية، بالذات، ونسبة النمو السريعة نسبياً مقارنة ‏بالدول المتقدمة في مجال الأعمال، والحاجة الملحة إلى الأيدي العاملة المدربة، وحتى غير ‏المدربة، والقرب من مصادر تصدير العمالة في آسيا وإفريقيا، بالإضافة إلى حالة الدمج بين ‏الأسلوبين الغربي والعربي الإسلامي الأصيل في التعامل اليومي في الأمور الحياتية ‏الاعتيادية.‏

‏ إذاً فهناك حالة من الجذب غير الاعتيادية، فهل هذه أسباب حقيقية؟ نشرح أكثر لتوضيح ‏الصورة.‏ ‏ في مسألة الأمن الاجتماعي أولاً، هناك حالة من شبه التوافق العام بوجود معدل من ‏التسامح يتجاوز أية نسبة اختلال أمني، ضمن أي معيار دولي قد تصادفه عزيزي القارئ. هذا ‏إذا استثنينا ما يحصل في المملكة العربية السعودية من عمليات للقاعدة ضد المصالح ‏والأشخاص من الأمريكيين والأوروبيين لإخراجهم من أرض الحرمين الشريفين، فهي حالة خاصة ‏جداً هذه الأيام، ومحددة ضمن نطاق جغرافي ذات دلالة دينية وثقافية محددة. أما في باقي ‏المناطق بالدول الخليجية فإن حالات عدم الاستقرار السياسي ذات تأثر محدود بمجموعات ‏

المعارضة فيها، وإن كانت عمليات التغيير والحراك السياسي في حالة ارتفاع في الوتيرة، لكنها ‏ليست بنسب حادة تؤثر في استقرار الأنظمة فيها. وهي حالة تعطي الثقة للمستثمر والوافد ‏للعمل والاستقرار. ‏

‏ والأهم هي حالة التسامح الاجتماعي العام مع الوافد الأجنبي، فلا يوجد ثقافة تمييز حادة ‏بين المواطن والوافد لمجرد عرقه أو لونه أو حتى دينه واعتقاده، وهناك حالات من الاقتراب بين ‏الطرفين في التعاملات، عدا الامتيازات الخاصة بالمواطنة في تقديم الخدمات المختلفة وفي ‏الدخل، وهي أيضاً بصدد الاقتراب بين الطرفين، وإن كانت هناك حالات يتفوق فيها الوافد على ‏المواطن، ويصبح مثار حسد منه، نسبة للخدمات المقدمة له، كما هي الحال مع العاملين ‏الوافدين في مجالات النفط وبعض القطاعات المهمة الأخرى، على سبيل المثال.‏

‏ ولا يحس المراقب بذلك التصادم الحاد، أو حتى الظاهر، بين الوافد والمواطن، لكون الوافد ‏هو مجرد قادم دخيل، فثقافة الإقصاء والتمييز العرقي لا تتوفر في بلاد الإسلام، خاصة أن معظم ‏العمالة الوافدة هي من الفئات الدينية القريبة من سكان الخليج مذهبياً ودينياً، كما هي الحال ‏مع مجموعات العمالة الهندية، التي تشكل الغالبية العظمى من بين المجموعات الوافدة، ‏والتي تأتي من ولاية كيريلا، وأغلبهم من المسلمين السنة، ومن المجموعات السنية الإيرانية ‏التي تشكل الأقلية في إيران، والتي لا تجد حظوة في بلادها، وتقترب من سكان الخليج العرب ‏مذهبياً، على سبيل المثال لا الحصر مع وجود العمالة الباكستانية المسلمة بشكل كبير طبعاً. ‏إن إحصائيات عام 1995 في الإمارات تثبت ذلك (نسبة المسلمين في دولة الإمارات تبلغ 76 ‏في المائة من إجمالي السكان ـ 1.849.503 نسمة من أصل 2.411.041 مليون نسمة) ‏‏(الإحصاء العام للسكان لعام 1995، وزارة التخطيط بدولة الإمارات العربية المتحدة).‏

‏ أما بالنسبة إلى مستوى المعيشة فإن دول الخليج، عموماً، والإمارات على وجه ‏الخصوص تمتلك مستوى معيشة معتدلاً، بل وعالياً نسبياً، بمعدلات دخل تجعلها ذات جاذبية ‏حقيقية للقادمين للعمل من الدول الفقيرة. والقادم للعمل يحاول ألا يفقد وظيفته، ومستواه ‏الذي حصل عليه في مجتمع قريب من ثقافة وهموم مجتمعه الأصلي، مع مستويات دخل أكبر ‏من تلك التي في مجتمعه الأصلي. وهو ما يخلق نوعاً من التوافق والامتنان الجزئي، إن لم ‏يكن الكلي.‏

‏ وتبقى القضايا الأهم في مسألة الخطورة لا تأتي من هذا الكم الهائل القادم من الخارج ‏للعمل، فهذا الكم لا يقدم ثقافته كبديل عن الثقافة المحلية، بل إنه يحاول احترام الثقافة ‏المحلية، في الغالب، مع بعض الحالات التي تم العثور فيها على تجاوزات عقائدية ـ إذا أمكننا ‏القول حول العقائد التي تتناقض بشكل حاد مع عقيدتنا في دول الخليج العربية ـ كبعض ‏المجموعات الهندوسية، والبهائية وغيرها، وإن كانت هذه المجموعات سمح لها بشكل ما ‏ممارسة طقوسها في نطاق تجمعاتها الخاصة، وفي حدودها المجتمعية الخاصة، وليس على ‏النطاق العام.‏

‏ إن المشكلة في مسألة التركيبة السكانية، إذن، تنبع من إمكانية استخدام المسألة من ‏قبل جهات دولية تحاول الضغط على دول الخليج لتطبيق كل القوانين المعمول بها في الغرب ‏في مسألة الإقامة والجنسية، وهي الأمور التي يتم التلميح إليها في أحيان كثيرة وإن كان من ‏
باب المزاح والدعابة الدبلوماسية، أو للضغط من أجل الحصول على تنازلات متبادلة مقابل طرح ‏مسائل حقوق الإنسان بالنسبة للعمالة الوافدة، التي قد تعامل بأشد قسوة في الغرب، إلا أنه ‏هنا، ونتيجة لحالة الهزيمة الحضارية التي يعتقد الغرب أنه ألحقها بالعالم الإسلامي بعد سقوط ‏الشيوعية، فإنه يحاول كسب المصالح للتنازل عن إثارة قضايا حقوق الإنسان تلك.‏

‏ هذه حقيقة تحولت إلى حرب خفية، تلعب فيها المصالح والأوضاع الدولية والتوازنات والكثير ‏من عناصر الإثارة، لتخفت حيناً وتبرز إلى السطح حيناً آخر، مع عمليات المد والجزر في الصراع ‏بين حركة المقاومة الإسلامية-العربية والمخططات الغربية الإنجيلية ـ الصهيونية.‏

‏ ويبقى أن نختم بالتذكير مرة أخرى بأن قضية التركيبة السكانية ليست بالمشكلة التي ‏يستعصي تجاوزها، ولكن المشكلة الحقيقية هي أن المجتمعات الخليجية نفسها لا تريد أن ‏تتجاوزها، ولا تمتلك لا البرنامج ولا القرار أو الرغبة الصادقة في تجاوزها بالكامل. فهي مشكلة ‏لا تزال تحت السيطرة الأكيدة، على اعتبار أنها الضريبة التي تدفعها دول الخليج لعلاقاتها ‏الدولية، بل أصبحت مثار استثمار مفيد لخزائن الدول الخليجية، التي تعتبر كل المنطقة من ‏حدود الصين وحتى المحيط الأطلسي، بالإضافة إلى كل دول الجنوب الأخرى ساحة وسوقاً ‏محتملين لاستثماراتها ومصدراً مهماً لعمالتها الرخيصة.

::/fulltext::
::cck::2973::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *