مستقبل العلاقات البحرينية ـ القطرية

::cck::2974::/cck::
::introtext::

شهدت العلاقات الخليجية ـ الخليجية بعد حرب الخليج الثانية تطورات مهمة، حيث كانت تعاني قبل ‏ذلك من تأثر شديد بنفوذ القوى الإقليمية التي استطاعت خلق علاقات تبعية واضحة، وهو ما ظهر ‏بشكل لافت داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الظروف التي شهدتها المنطقة نتيجة ‏تغيّر النظام الدولي قد ساهمت أيضاً في خلق فرص جديدة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية من ‏جديد. ‏

 

::/introtext::
::fulltext::

شهدت العلاقات الخليجية ـ الخليجية بعد حرب الخليج الثانية تطورات مهمة، حيث كانت تعاني قبل ‏ذلك من تأثر شديد بنفوذ القوى الإقليمية التي استطاعت خلق علاقات تبعية واضحة، وهو ما ظهر ‏بشكل لافت داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الظروف التي شهدتها المنطقة نتيجة ‏تغيّر النظام الدولي قد ساهمت أيضاً في خلق فرص جديدة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية من ‏جديد. ‏

وقد تكون العلاقات البحرينية ـ القطرية أنموذجاً للعلاقات الإقليمية القادرة على الاستفادة من ‏الفرص المتاحة في تطوير العلاقات وبناء مشاريع مشتركة وفق المصالح المتبادلة. ‏

ففي منتصف التسعينات من القرن الماضي أطلق ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة عندما ‏كان ولياً للعهد دعوة لإقامة اتحاد بحريني – قطري، ونظر المراقبون في تلك المرحلة إلى هذه ‏الدعوة على أنها تحرك دبلوماسي بحريني يهدف إلى احتواء النزاع الحدودي البحريني ـ القطري ‏السابق.‏

وبغض النظر عن نتائج هذه الدعوة وترحيب قطر بتصريح من أميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ‏لها في العشرين من يوليو ‏‎1997‎‏ إلا أنه لابد من الإقرار بأن هذه الدعوة ستظل ثابتة في أدبيات ‏تاريخ العلاقات الإقليمية بين المنامة والدوحة، وعليه يمكن للباحثين النظر فيما ترتب على هذه ‏الدعوة بعد سنوات مستقبلاً. ‏ وبمرور حوالي عشر سنوات تقريباً على الدعوة البحرينية لإقامة الاتحاد الثنائي، فإنه يمكن ملاحظة ‏حجم التطورات الهامة التي شهدتها العلاقات البحرينية ـ القطرية، حيث زادت كثافة العلاقات بشكل ‏لافت أكثر من أي وقت مضى منذ استقلال البلدين في العام ‏‎1971‎، ويمكن رصد أبرز الإنجازات ‏التي تحققت بعد ظهور المبادرة البحرينية للاتحاد من خلال الآتي:

في البداية تمت معالجة الملف الحدودي بين البلدين والذي ظل عالقاً لسنوات طويلة من خلال ‏قرار محكمة العدل الدولية، وبذلك انتهت الخلافات بشأن المياه والأراضي الإقليمية تماماً، وهو ما ‏هيّأ المجال للبلدين لبدء مرحلة جديدة من العلاقات، دشنت بتأسيس اللجنة البحرينية ـ القطرية ‏العليا المشتركة في العشرين من فبراير ‏‎2000‎‏ التي يرأسها وليّا عهد البلدين، وتهدف اللجنة ‏بحسب المادة الثانية من اتفاق إنشائها للوصول إلى مستوى من التعاون والتنسيق السياسي ‏في جميع القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز التعاون الدبلوماسي والقنصلي في علاقات ‏البلدين مع الدول الأخرى، بالإضافة إلى الوصول إلى أعلى مستوى من التعاون في المجالات ‏الاقتصادية والتجارية وإقامة المشروعات المشتركة وتشجيع الاستثمار في البلدين، وتوثيق التعاون ‏الأمني وتبادل المعلومات بما يرسخ الأمن المشترك للبلدين، وتعزيز التعاون في مجالات الإعلام ‏والثقافة والرياضة والبحث العلمي ومجالات التعاون الأخرى التي يتفق عليها البلدان. أما مهمة ‏اللجنة فقد حددتها المادة الثالثة من الاتفاق التي أشارت إلى أنها تتمثل في وضع السياسة ‏ العامة للتعاون والتنسيق بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والمجالات الأخرى التي ‏تقتضيها مصلحة البلدين.‏

وتعقد اللجنة اجتماعاتها الدورية سنوياً منذ تأسيسها، وتم تشكيل أربع لجان تخصصية منبثقة من ‏اللجنة العليا المشتركة، وهي: اللجنة الوزارية الفنية المشتركة لجسر البحرين – قطر، اللجنة ‏الوزارية المشتركة للتعاون الاقتصادي والمالي والتجاري، اللجنة الوزارية المشتركة الخاصة بالنفط ‏والغاز، اللجنة الفنية المشتركة الخاصة بوضع ضوابط للسماح بالصيد التقليدي في المياه الإقليمية.‏

كما تم توقيع اتفاق تنظيم خدمات الملاحة الجوية بين حكومتي البلدين في الرابع والعشرين من ‏إبريل ‏‎2000‎‏ وتم أيضا تبادل السفراء لأول مرة في تاريخ العلاقات الثنائية للبلدين، وتم الاتفاق على ‏تزويد البحرين بالغاز القطري على المدى الطويل. أيضاً من الإنجازات ما تمخض عن زيارة وزير الدولة ‏للشؤون الداخلية عضو مجلس الوزراء بدولة قطر الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني للعاصمة المنامة ‏خلال الفترة من ‏‎5‎‏ ـ ‏‎6‎‏ يوليو ‏‎2005‎، حيث تم بحث ومناقشة الصيد التقليدي والتركيز على تطوير ‏التنسيق بين مديري أمن السواحل في البلدين الشقيقين وكذلك وضع الدراسات الأولية بشأن ‏تسهيل تنقل المواطنين في ظل مشروع إنشاء الجسر الذي يربط البلدين الشقيقين، واتفق الوزير ‏القطري مع نظيره البحريني على إصدار التأشيرة السياحية الموحدة متعددة السفرات لتنشيط ‏قطاع السياحة تمهيداً لصدور التأشيرة الخليجية الموحدة، وتخوّل التأشيرة السياحية الصادرة عن ‏البحرين وقطر لحاملها دخول البلد الآخر والتنقل بينهما والإقامة فيهما خلال مدة صلاحية التأشيرة، ‏واتفق الوزيران على تشكيل لجنة تنفيذية لمناقشة التعاون في مختلف المجالات الأمنية. كذلك ‏من المقرر أن يتم البدء بإنشاء جسر البحرين ـ قطر مع حلول نهاية العام الجاري ‏‎2005‎، ويستغرق ‏إنشاؤه خمس سنوات بتكلفة إجمالية تقدر بـ ‏‎1800‎‏ مليون دولار أمريكي. ومن هنا يمكن اعتبار تلك ‏الإنجازات أنها مؤشر يكشف أن اللجنة العليا البحرينية ـ القطرية المشتركة تعد من أنشط اللجان ‏الإقليمية الفاعلة في العلاقات الخليجية ـ الخليجية. ‏

فرص الاتحاد الثنائي

في ضوء تحديد أبرز الإنجازات التي تحققت يمكن تحليل إمكانات قيام اتحاد ثنائي بين البحرين وقطر ‏بعد أن تطورت العلاقات بشكل لافت منذ انتهاء النزاع الحدودي السابق بقرار تحكيم دولي صادر في ‏مارس ‏‎2001‎، خصوصاً مع وجود العديد من السمات والعوامل المشتركة التي تربط البلدين تاريخياً ‏وديموغرافياً وجغرافياً. وفي الوقت الراهن هناك العديد من الفرص المساعدة على إقامة اتحاد ‏فيدرالي أو كونفدرالي بين البحرين وقطر تتمثل في الظروف الراهنة، ويمكن رصدها في الآتي:

أولاً: بروز النظام الإقليمي الخليجي الجديد

شكل احتلال العراق مرحلة جديدة من مراحل تطور النظام الإقليمي الخليجي، إذ تحول النظام من ‏نظام متعدد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطبية تسيطر فيه قوتان إقليميتان هما السعودية وإيران، إلا ‏أن السمة التاريخية التي ميّزت النظام الإقليمي الخليجي هي وجود قوى كبرى أجنبية مؤثرة‏ بدرجة كبيرة في تفاعلاته، وهو ما نراه في الوجود العسكري والسياسي والاقتصادي الأمريكي ‏بالمنطقة.‏

ومادامت المنامة والدوحة تربطهما علاقات وثيقة مع واشنطن فإنه بالإمكان الحصول على دعم ‏أمريكي للشروع بشكل من أشكال الاتحاد، وتعزيز التعاون المشترك بطريقة تدريجية بحيث لا يؤدي ‏التراجع عنها إلى تداعيات سلبية على البلدين أو على الأمن والاستقرار في المنطقة. ومن أبرز ‏الأمثلة على الفرص التي خلقها النظام الإقليمي الخليجي الجديد دعم الإدارة الأمريكية لمشروع ‏الجسر المشترك المقرر إنشاؤه بين البلدين، إذ سيساعد على انتقال عناصر الوجود الأمريكي في ‏البلدين بكل سهولة ويسر، الأمر الذي سيقلل بشكل كبير من النفقات على هذا الوجود وتكلفة ‏تنقلاته، فضلاً عن إمكانية استفادة الاستثمارات الأمريكية من هذا المعبر البري الجديد. ‏

ثانياً: إصلاح الأنظمة السياسية

من مميزات النظام السياسي في كل من البحرين وقطر أنهما كانا من أوائل الأنظمة الخليجية التي ‏بادرت إلى إصلاح أنظمتها السياسية قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر ‏‎2001‎‏. وبالتالي فإن ‏زيادة هامش المشاركة السياسية في البلدين من شأنها أن تزيد فرص التمثيل الشعبي وتعزيز ‏مبدأ السيادة الشعبية خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي سيساهم في معالجة إشكال (شخصنة ‏السياسة) الذي عانت منه العلاقات الخليجية ـ الخليجية بشكل واضح منذ تأسيس مجلس التعاون ‏الخليجي في مايو ‏‎1981‎، إذ حال ذلك الإشكال دون تحقيق شكل من أشكال الاندماج والاتحاد ‏الفيدرالي الخليجي. ومن هنا سيكون إصلاح النظام السياسي في كلا البلدين عاملاً أساسياً في ‏تحويل هذه الأنظمة نحو (مأسسة السياسة) التي ستوفر ظروفاً مناسبة لإنشاء اتحاد سياسي ‏بين البلدين. ‏

ثالثاً: تحرير التجارة

يشهد النظام الدولي تحولا في العلاقات الاقتصادية، إذ يتم تحرير التجارة الدولية من خلال منظمة ‏التجارة العالمية التي انضمت إليها البحرين في الأول من يناير ‏‎1995‎، وانضمت إليها قطر في الثالث ‏عشر من يناير ‏‎1996‎، وبذلك تكون المنامة والدوحة طرفين أساسيين من عملية تحرير التجارة ‏العالمية، وبعد سنوات من المتوقع أن تتراجع القيود المفروضة على حركة التجارة بين البلدين من ‏جهة وبلدان العالم من جهة أخرى نتيجة اتفاقات (الغات)، وقيام الاتحاد النقدي الخليجي، وإنشاء ‏منطقة التجارة الحرة العربية، فضلا عن إقامة مناطق تجارة حرة مع الكثير من بلدان العالم، وفي ‏مقدمتها الولايات المتحدة. أيضاً تشهد الدوحة حركة اقتصادية نشطة، ومن المتوقع أن تتطور ‏قطاعاتها الاقتصادية بشكل كبير خلال السنوات العشر المقبلة، الأمر الذي يتطلب توفير العمالة ‏المدربة ذات الكفاءة العالية، وفي ظل وجود نسبة بطالة مرتفعة نسبياً في البحرين (تقدر بـ ‏‎20‎‏ ألف ‏عاطل) فإنه يمكن الاستفادة من العمالة البحرينية للعمل في السوق القطري بدلاً من استقدام ‏العمالة الأجنبية التي قد تخلق العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، ‏ وبالتالي ستؤدي الفرص والتحديات الاقتصادية في البلدين إلى دفع الحكومتين نحو توثيق ‏علاقاتهما في المجال الاقتصادي، وهي بحد ذاتها فرصة مهمة لإنشاء اتحاد اقتصادي مرحلي. ‏

التحديات المستقبلية

إذا تناولنا الفرص المتاحة لإقامة اتحاد بين البحرين وقطر، فإنه من الأهمية بمكان رصد أبرز التحديات ‏التي يمكن أن يواجهها هذا المشروع، وخصوصا أن هذه التحديات لن تمس هذا المشروع الحيوي، ‏ولكنها ستؤثر أيضا في علاقاتهما إذا لم يتحقق المشروع خلال المستقبل المنظور. ‏ وهناك مجموعة من التحديات، ولكن لا يمكن التطرق إليها بكثير من التفصيل، ويمكن الاكتفاء بتناول ‏تحديين أساسيين سيلعبان دوراً مهماً في العلاقات الخليجية ـ الخليجية خلال الفترة المقبلة، فضلاً ‏عن تأثيرهما في مشروع الاتحاد البحريني ـ القطري أو حتى في علاقاتهما.‏

التحدي الأول: يبرز هذا التحدي في مواقف القوى الكبرى في النظام الإقليمي الخليجي، وهنا ‏يمكن الإشارة إلى موقفين:‏

الأول: يتعلق بموقف المملكة العربية السعودية باعتبارها إحدى القوتين الأعظم في النظام ‏الإقليمي الخليجي، ولديها نفوذ هائل في منظومة مجلس التعاون. وبالتالي فإن قيام اتحاد ‏سياسي بين البحرين وقطر من شأنه أن يهدد مصالح السياسة الخارجية السعودية، وخصوصاً أن ‏الرياض لا تملك علاقات جيّدة مع الدوحة منذ فترة، فضلاً عن تحفظاتها على توقيع اتفاق التجارة ‏الحرة بين البحرين والولايات المتحدة في سبتمبر ‏‎2004‎‏. كما أن قيام اتحاد بحريني ـ قطري أو حتى ‏تطوير العلاقات بينهما سيزيد من إحساس السعودية بتراجع دورها في المنطقة، واحتمال بروز ‏مشروع قوة إقليمية جديدة مثل (مشروع الاتحاد التساعي القديم الذي ظهرت محاولاته في نهاية ‏الستينات من القرن الماضي بين الإمارات السبع، والبحرين وقطر)، ومن أبرز مؤشرات هذا الاحتمال ‏التطور المهم في العلاقات القطرية الإماراتية بعد تبادل زيارات كبار المسؤولين في البلدين أخيراً، ‏والإعلان عن التخطيط لمشروع جسر قطري ـ إماراتي. وفي مثل هذه الأحوال فإن الرياض ستبذل ‏جهودا للحيلولة دون قيام مشروع الاتحاد، إلا أن هذا الموقف من الممكن أن يرتبط بتحسن العلاقات ‏القطرية ـ السعودية خلال الفترة المقبلة. ‏

الموقف الثاني يرتبط بموقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إذ تمتلك طهران علاقات ممتازة مع ‏الرياض منذ تولي الرئيس الحالي محمد خاتمي مقاليد السلطة، ووصل التقارب السعودي ـ ‏الإيراني إلى مراحل متقدمة تضمنت إنشاء مشروعات مشتركة وتوقيع اتفاقات أمنية مهمة، ولذلك ‏فإنه إذا حصل مشروع الاتحاد البحريني ـ القطري على دعم أمريكي قد يواجه برفض إيراني يحظى ‏بمساندة سعودية كامنة نتيجة تقاطع المصالح بين طهران والرياض، ونتيجة للعلاقات الإيرانية ـ ‏الأمريكية المتعارضة. ومن الأدوات التي يمكن أن تستخدمها طهران في هذا المجال تجديد مطالبها ‏القديمة بأرخبيل البحرين، وقيامها بدعم تنظيمات سياسية حليفة في البحرين وقطر. ‏

التحدي الثاني: هو العامل الشعبي الذي يقصد به دور القوى التقليدية ومؤسسات المجتمع ‏المدني وجماعات الضغط المختلفة في تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، فالملاحظ في السياق ‏ التاريخي أن المطالبات الوحدوية تأتي عادة من النخب السياسية أو من الحكومات، وإن جاءت من ‏القواعد فإنها تقتصر على المطالبة بها من دون أن تصاحبها برامج عملية. ‏

ولذلك فإنه من المهم أن يكون للقوى التقليدية ومؤسسات المجتمع المدني وجماعات الضغط دور ‏رئيسي في عملية تأسيس البنية التحتية لمشروع الاتحاد المشترك بين البحرين وقطر مستقبلاً. ‏ففي نوفمبر من العام ‏‎2001‎‏ ظهرت مبادرة بحرينية إلى إنشاء الجمعية الشعبية للتكامل البحريني ـ ‏القطري، إلا أنها إلى اليوم لم تمارس دوراً فاعلاً في تحقيق أهدافها على الأقل. ‏

خلاصة القول إن مستقبل العلاقات البحرينية ـ القطرية سيرتبط بالظروف الإقليمية التي تمر بها ‏منطقة الخليج، وتأثيرات أبرز المتغيرات في النظام الدولي، إلا أن ما تشهده العلاقات الثنائية بين ‏البلدين من شأنه أن يمهد لاحقاً لشكل من أشكال الاتحاد الفيدرالي أو الكونفدرالي، الأمر الذي ‏يتطلب إجراء المزيد من الدراسات والأبحاث حول مستقبل العلاقات بين البحرين وقطر باعتبارهما ‏فاعلين رئيسيين في النظام الإقليمي الخليجي. ‏

 

::/fulltext::

10019-a59
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2974::/cck::
::introtext::

شهدت العلاقات الخليجية ـ الخليجية بعد حرب الخليج الثانية تطورات مهمة، حيث كانت تعاني قبل ‏ذلك من تأثر شديد بنفوذ القوى الإقليمية التي استطاعت خلق علاقات تبعية واضحة، وهو ما ظهر ‏بشكل لافت داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الظروف التي شهدتها المنطقة نتيجة ‏تغيّر النظام الدولي قد ساهمت أيضاً في خلق فرص جديدة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية من ‏جديد. ‏

 

::/introtext::
::fulltext::

شهدت العلاقات الخليجية ـ الخليجية بعد حرب الخليج الثانية تطورات مهمة، حيث كانت تعاني قبل ‏ذلك من تأثر شديد بنفوذ القوى الإقليمية التي استطاعت خلق علاقات تبعية واضحة، وهو ما ظهر ‏بشكل لافت داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الظروف التي شهدتها المنطقة نتيجة ‏تغيّر النظام الدولي قد ساهمت أيضاً في خلق فرص جديدة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية من ‏جديد. ‏

وقد تكون العلاقات البحرينية ـ القطرية أنموذجاً للعلاقات الإقليمية القادرة على الاستفادة من ‏الفرص المتاحة في تطوير العلاقات وبناء مشاريع مشتركة وفق المصالح المتبادلة. ‏

ففي منتصف التسعينات من القرن الماضي أطلق ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة عندما ‏كان ولياً للعهد دعوة لإقامة اتحاد بحريني – قطري، ونظر المراقبون في تلك المرحلة إلى هذه ‏الدعوة على أنها تحرك دبلوماسي بحريني يهدف إلى احتواء النزاع الحدودي البحريني ـ القطري ‏السابق.‏

وبغض النظر عن نتائج هذه الدعوة وترحيب قطر بتصريح من أميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ‏لها في العشرين من يوليو ‏‎1997‎‏ إلا أنه لابد من الإقرار بأن هذه الدعوة ستظل ثابتة في أدبيات ‏تاريخ العلاقات الإقليمية بين المنامة والدوحة، وعليه يمكن للباحثين النظر فيما ترتب على هذه ‏الدعوة بعد سنوات مستقبلاً. ‏ وبمرور حوالي عشر سنوات تقريباً على الدعوة البحرينية لإقامة الاتحاد الثنائي، فإنه يمكن ملاحظة ‏حجم التطورات الهامة التي شهدتها العلاقات البحرينية ـ القطرية، حيث زادت كثافة العلاقات بشكل ‏لافت أكثر من أي وقت مضى منذ استقلال البلدين في العام ‏‎1971‎، ويمكن رصد أبرز الإنجازات ‏التي تحققت بعد ظهور المبادرة البحرينية للاتحاد من خلال الآتي:

في البداية تمت معالجة الملف الحدودي بين البلدين والذي ظل عالقاً لسنوات طويلة من خلال ‏قرار محكمة العدل الدولية، وبذلك انتهت الخلافات بشأن المياه والأراضي الإقليمية تماماً، وهو ما ‏هيّأ المجال للبلدين لبدء مرحلة جديدة من العلاقات، دشنت بتأسيس اللجنة البحرينية ـ القطرية ‏العليا المشتركة في العشرين من فبراير ‏‎2000‎‏ التي يرأسها وليّا عهد البلدين، وتهدف اللجنة ‏بحسب المادة الثانية من اتفاق إنشائها للوصول إلى مستوى من التعاون والتنسيق السياسي ‏في جميع القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز التعاون الدبلوماسي والقنصلي في علاقات ‏البلدين مع الدول الأخرى، بالإضافة إلى الوصول إلى أعلى مستوى من التعاون في المجالات ‏الاقتصادية والتجارية وإقامة المشروعات المشتركة وتشجيع الاستثمار في البلدين، وتوثيق التعاون ‏الأمني وتبادل المعلومات بما يرسخ الأمن المشترك للبلدين، وتعزيز التعاون في مجالات الإعلام ‏والثقافة والرياضة والبحث العلمي ومجالات التعاون الأخرى التي يتفق عليها البلدان. أما مهمة ‏اللجنة فقد حددتها المادة الثالثة من الاتفاق التي أشارت إلى أنها تتمثل في وضع السياسة ‏ العامة للتعاون والتنسيق بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والمجالات الأخرى التي ‏تقتضيها مصلحة البلدين.‏

وتعقد اللجنة اجتماعاتها الدورية سنوياً منذ تأسيسها، وتم تشكيل أربع لجان تخصصية منبثقة من ‏اللجنة العليا المشتركة، وهي: اللجنة الوزارية الفنية المشتركة لجسر البحرين – قطر، اللجنة ‏الوزارية المشتركة للتعاون الاقتصادي والمالي والتجاري، اللجنة الوزارية المشتركة الخاصة بالنفط ‏والغاز، اللجنة الفنية المشتركة الخاصة بوضع ضوابط للسماح بالصيد التقليدي في المياه الإقليمية.‏

كما تم توقيع اتفاق تنظيم خدمات الملاحة الجوية بين حكومتي البلدين في الرابع والعشرين من ‏إبريل ‏‎2000‎‏ وتم أيضا تبادل السفراء لأول مرة في تاريخ العلاقات الثنائية للبلدين، وتم الاتفاق على ‏تزويد البحرين بالغاز القطري على المدى الطويل. أيضاً من الإنجازات ما تمخض عن زيارة وزير الدولة ‏للشؤون الداخلية عضو مجلس الوزراء بدولة قطر الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني للعاصمة المنامة ‏خلال الفترة من ‏‎5‎‏ ـ ‏‎6‎‏ يوليو ‏‎2005‎، حيث تم بحث ومناقشة الصيد التقليدي والتركيز على تطوير ‏التنسيق بين مديري أمن السواحل في البلدين الشقيقين وكذلك وضع الدراسات الأولية بشأن ‏تسهيل تنقل المواطنين في ظل مشروع إنشاء الجسر الذي يربط البلدين الشقيقين، واتفق الوزير ‏القطري مع نظيره البحريني على إصدار التأشيرة السياحية الموحدة متعددة السفرات لتنشيط ‏قطاع السياحة تمهيداً لصدور التأشيرة الخليجية الموحدة، وتخوّل التأشيرة السياحية الصادرة عن ‏البحرين وقطر لحاملها دخول البلد الآخر والتنقل بينهما والإقامة فيهما خلال مدة صلاحية التأشيرة، ‏واتفق الوزيران على تشكيل لجنة تنفيذية لمناقشة التعاون في مختلف المجالات الأمنية. كذلك ‏من المقرر أن يتم البدء بإنشاء جسر البحرين ـ قطر مع حلول نهاية العام الجاري ‏‎2005‎، ويستغرق ‏إنشاؤه خمس سنوات بتكلفة إجمالية تقدر بـ ‏‎1800‎‏ مليون دولار أمريكي. ومن هنا يمكن اعتبار تلك ‏الإنجازات أنها مؤشر يكشف أن اللجنة العليا البحرينية ـ القطرية المشتركة تعد من أنشط اللجان ‏الإقليمية الفاعلة في العلاقات الخليجية ـ الخليجية. ‏

فرص الاتحاد الثنائي

في ضوء تحديد أبرز الإنجازات التي تحققت يمكن تحليل إمكانات قيام اتحاد ثنائي بين البحرين وقطر ‏بعد أن تطورت العلاقات بشكل لافت منذ انتهاء النزاع الحدودي السابق بقرار تحكيم دولي صادر في ‏مارس ‏‎2001‎، خصوصاً مع وجود العديد من السمات والعوامل المشتركة التي تربط البلدين تاريخياً ‏وديموغرافياً وجغرافياً. وفي الوقت الراهن هناك العديد من الفرص المساعدة على إقامة اتحاد ‏فيدرالي أو كونفدرالي بين البحرين وقطر تتمثل في الظروف الراهنة، ويمكن رصدها في الآتي:

أولاً: بروز النظام الإقليمي الخليجي الجديد

شكل احتلال العراق مرحلة جديدة من مراحل تطور النظام الإقليمي الخليجي، إذ تحول النظام من ‏نظام متعدد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطبية تسيطر فيه قوتان إقليميتان هما السعودية وإيران، إلا ‏أن السمة التاريخية التي ميّزت النظام الإقليمي الخليجي هي وجود قوى كبرى أجنبية مؤثرة‏ بدرجة كبيرة في تفاعلاته، وهو ما نراه في الوجود العسكري والسياسي والاقتصادي الأمريكي ‏بالمنطقة.‏

ومادامت المنامة والدوحة تربطهما علاقات وثيقة مع واشنطن فإنه بالإمكان الحصول على دعم ‏أمريكي للشروع بشكل من أشكال الاتحاد، وتعزيز التعاون المشترك بطريقة تدريجية بحيث لا يؤدي ‏التراجع عنها إلى تداعيات سلبية على البلدين أو على الأمن والاستقرار في المنطقة. ومن أبرز ‏الأمثلة على الفرص التي خلقها النظام الإقليمي الخليجي الجديد دعم الإدارة الأمريكية لمشروع ‏الجسر المشترك المقرر إنشاؤه بين البلدين، إذ سيساعد على انتقال عناصر الوجود الأمريكي في ‏البلدين بكل سهولة ويسر، الأمر الذي سيقلل بشكل كبير من النفقات على هذا الوجود وتكلفة ‏تنقلاته، فضلاً عن إمكانية استفادة الاستثمارات الأمريكية من هذا المعبر البري الجديد. ‏

ثانياً: إصلاح الأنظمة السياسية

من مميزات النظام السياسي في كل من البحرين وقطر أنهما كانا من أوائل الأنظمة الخليجية التي ‏بادرت إلى إصلاح أنظمتها السياسية قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر ‏‎2001‎‏. وبالتالي فإن ‏زيادة هامش المشاركة السياسية في البلدين من شأنها أن تزيد فرص التمثيل الشعبي وتعزيز ‏مبدأ السيادة الشعبية خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي سيساهم في معالجة إشكال (شخصنة ‏السياسة) الذي عانت منه العلاقات الخليجية ـ الخليجية بشكل واضح منذ تأسيس مجلس التعاون ‏الخليجي في مايو ‏‎1981‎، إذ حال ذلك الإشكال دون تحقيق شكل من أشكال الاندماج والاتحاد ‏الفيدرالي الخليجي. ومن هنا سيكون إصلاح النظام السياسي في كلا البلدين عاملاً أساسياً في ‏تحويل هذه الأنظمة نحو (مأسسة السياسة) التي ستوفر ظروفاً مناسبة لإنشاء اتحاد سياسي ‏بين البلدين. ‏

ثالثاً: تحرير التجارة

يشهد النظام الدولي تحولا في العلاقات الاقتصادية، إذ يتم تحرير التجارة الدولية من خلال منظمة ‏التجارة العالمية التي انضمت إليها البحرين في الأول من يناير ‏‎1995‎، وانضمت إليها قطر في الثالث ‏عشر من يناير ‏‎1996‎، وبذلك تكون المنامة والدوحة طرفين أساسيين من عملية تحرير التجارة ‏العالمية، وبعد سنوات من المتوقع أن تتراجع القيود المفروضة على حركة التجارة بين البلدين من ‏جهة وبلدان العالم من جهة أخرى نتيجة اتفاقات (الغات)، وقيام الاتحاد النقدي الخليجي، وإنشاء ‏منطقة التجارة الحرة العربية، فضلا عن إقامة مناطق تجارة حرة مع الكثير من بلدان العالم، وفي ‏مقدمتها الولايات المتحدة. أيضاً تشهد الدوحة حركة اقتصادية نشطة، ومن المتوقع أن تتطور ‏قطاعاتها الاقتصادية بشكل كبير خلال السنوات العشر المقبلة، الأمر الذي يتطلب توفير العمالة ‏المدربة ذات الكفاءة العالية، وفي ظل وجود نسبة بطالة مرتفعة نسبياً في البحرين (تقدر بـ ‏‎20‎‏ ألف ‏عاطل) فإنه يمكن الاستفادة من العمالة البحرينية للعمل في السوق القطري بدلاً من استقدام ‏العمالة الأجنبية التي قد تخلق العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، ‏ وبالتالي ستؤدي الفرص والتحديات الاقتصادية في البلدين إلى دفع الحكومتين نحو توثيق ‏علاقاتهما في المجال الاقتصادي، وهي بحد ذاتها فرصة مهمة لإنشاء اتحاد اقتصادي مرحلي. ‏

التحديات المستقبلية

إذا تناولنا الفرص المتاحة لإقامة اتحاد بين البحرين وقطر، فإنه من الأهمية بمكان رصد أبرز التحديات ‏التي يمكن أن يواجهها هذا المشروع، وخصوصا أن هذه التحديات لن تمس هذا المشروع الحيوي، ‏ولكنها ستؤثر أيضا في علاقاتهما إذا لم يتحقق المشروع خلال المستقبل المنظور. ‏ وهناك مجموعة من التحديات، ولكن لا يمكن التطرق إليها بكثير من التفصيل، ويمكن الاكتفاء بتناول ‏تحديين أساسيين سيلعبان دوراً مهماً في العلاقات الخليجية ـ الخليجية خلال الفترة المقبلة، فضلاً ‏عن تأثيرهما في مشروع الاتحاد البحريني ـ القطري أو حتى في علاقاتهما.‏

التحدي الأول: يبرز هذا التحدي في مواقف القوى الكبرى في النظام الإقليمي الخليجي، وهنا ‏يمكن الإشارة إلى موقفين:‏

الأول: يتعلق بموقف المملكة العربية السعودية باعتبارها إحدى القوتين الأعظم في النظام ‏الإقليمي الخليجي، ولديها نفوذ هائل في منظومة مجلس التعاون. وبالتالي فإن قيام اتحاد ‏سياسي بين البحرين وقطر من شأنه أن يهدد مصالح السياسة الخارجية السعودية، وخصوصاً أن ‏الرياض لا تملك علاقات جيّدة مع الدوحة منذ فترة، فضلاً عن تحفظاتها على توقيع اتفاق التجارة ‏الحرة بين البحرين والولايات المتحدة في سبتمبر ‏‎2004‎‏. كما أن قيام اتحاد بحريني ـ قطري أو حتى ‏تطوير العلاقات بينهما سيزيد من إحساس السعودية بتراجع دورها في المنطقة، واحتمال بروز ‏مشروع قوة إقليمية جديدة مثل (مشروع الاتحاد التساعي القديم الذي ظهرت محاولاته في نهاية ‏الستينات من القرن الماضي بين الإمارات السبع، والبحرين وقطر)، ومن أبرز مؤشرات هذا الاحتمال ‏التطور المهم في العلاقات القطرية الإماراتية بعد تبادل زيارات كبار المسؤولين في البلدين أخيراً، ‏والإعلان عن التخطيط لمشروع جسر قطري ـ إماراتي. وفي مثل هذه الأحوال فإن الرياض ستبذل ‏جهودا للحيلولة دون قيام مشروع الاتحاد، إلا أن هذا الموقف من الممكن أن يرتبط بتحسن العلاقات ‏القطرية ـ السعودية خلال الفترة المقبلة. ‏

الموقف الثاني يرتبط بموقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إذ تمتلك طهران علاقات ممتازة مع ‏الرياض منذ تولي الرئيس الحالي محمد خاتمي مقاليد السلطة، ووصل التقارب السعودي ـ ‏الإيراني إلى مراحل متقدمة تضمنت إنشاء مشروعات مشتركة وتوقيع اتفاقات أمنية مهمة، ولذلك ‏فإنه إذا حصل مشروع الاتحاد البحريني ـ القطري على دعم أمريكي قد يواجه برفض إيراني يحظى ‏بمساندة سعودية كامنة نتيجة تقاطع المصالح بين طهران والرياض، ونتيجة للعلاقات الإيرانية ـ ‏الأمريكية المتعارضة. ومن الأدوات التي يمكن أن تستخدمها طهران في هذا المجال تجديد مطالبها ‏القديمة بأرخبيل البحرين، وقيامها بدعم تنظيمات سياسية حليفة في البحرين وقطر. ‏

التحدي الثاني: هو العامل الشعبي الذي يقصد به دور القوى التقليدية ومؤسسات المجتمع ‏المدني وجماعات الضغط المختلفة في تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، فالملاحظ في السياق ‏ التاريخي أن المطالبات الوحدوية تأتي عادة من النخب السياسية أو من الحكومات، وإن جاءت من ‏القواعد فإنها تقتصر على المطالبة بها من دون أن تصاحبها برامج عملية. ‏

ولذلك فإنه من المهم أن يكون للقوى التقليدية ومؤسسات المجتمع المدني وجماعات الضغط دور ‏رئيسي في عملية تأسيس البنية التحتية لمشروع الاتحاد المشترك بين البحرين وقطر مستقبلاً. ‏ففي نوفمبر من العام ‏‎2001‎‏ ظهرت مبادرة بحرينية إلى إنشاء الجمعية الشعبية للتكامل البحريني ـ ‏القطري، إلا أنها إلى اليوم لم تمارس دوراً فاعلاً في تحقيق أهدافها على الأقل. ‏

خلاصة القول إن مستقبل العلاقات البحرينية ـ القطرية سيرتبط بالظروف الإقليمية التي تمر بها ‏منطقة الخليج، وتأثيرات أبرز المتغيرات في النظام الدولي، إلا أن ما تشهده العلاقات الثنائية بين ‏البلدين من شأنه أن يمهد لاحقاً لشكل من أشكال الاتحاد الفيدرالي أو الكونفدرالي، الأمر الذي ‏يتطلب إجراء المزيد من الدراسات والأبحاث حول مستقبل العلاقات بين البحرين وقطر باعتبارهما ‏فاعلين رئيسيين في النظام الإقليمي الخليجي. ‏

 

::/fulltext::
::cck::2974::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *