مستقبل العلاقات البحرينية ـ القطرية
::cck::2974::/cck::
::introtext::
شهدت العلاقات الخليجية ـ الخليجية بعد حرب الخليج الثانية تطورات مهمة، حيث كانت تعاني قبل ذلك من تأثر شديد بنفوذ القوى الإقليمية التي استطاعت خلق علاقات تبعية واضحة، وهو ما ظهر بشكل لافت داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الظروف التي شهدتها المنطقة نتيجة تغيّر النظام الدولي قد ساهمت أيضاً في خلق فرص جديدة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية من جديد.
::/introtext::
::fulltext::
شهدت العلاقات الخليجية ـ الخليجية بعد حرب الخليج الثانية تطورات مهمة، حيث كانت تعاني قبل ذلك من تأثر شديد بنفوذ القوى الإقليمية التي استطاعت خلق علاقات تبعية واضحة، وهو ما ظهر بشكل لافت داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الظروف التي شهدتها المنطقة نتيجة تغيّر النظام الدولي قد ساهمت أيضاً في خلق فرص جديدة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية من جديد.
وقد تكون العلاقات البحرينية ـ القطرية أنموذجاً للعلاقات الإقليمية القادرة على الاستفادة من الفرص المتاحة في تطوير العلاقات وبناء مشاريع مشتركة وفق المصالح المتبادلة.
ففي منتصف التسعينات من القرن الماضي أطلق ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة عندما كان ولياً للعهد دعوة لإقامة اتحاد بحريني – قطري، ونظر المراقبون في تلك المرحلة إلى هذه الدعوة على أنها تحرك دبلوماسي بحريني يهدف إلى احتواء النزاع الحدودي البحريني ـ القطري السابق.
وبغض النظر عن نتائج هذه الدعوة وترحيب قطر بتصريح من أميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لها في العشرين من يوليو 1997 إلا أنه لابد من الإقرار بأن هذه الدعوة ستظل ثابتة في أدبيات تاريخ العلاقات الإقليمية بين المنامة والدوحة، وعليه يمكن للباحثين النظر فيما ترتب على هذه الدعوة بعد سنوات مستقبلاً. وبمرور حوالي عشر سنوات تقريباً على الدعوة البحرينية لإقامة الاتحاد الثنائي، فإنه يمكن ملاحظة حجم التطورات الهامة التي شهدتها العلاقات البحرينية ـ القطرية، حيث زادت كثافة العلاقات بشكل لافت أكثر من أي وقت مضى منذ استقلال البلدين في العام 1971، ويمكن رصد أبرز الإنجازات التي تحققت بعد ظهور المبادرة البحرينية للاتحاد من خلال الآتي:
في البداية تمت معالجة الملف الحدودي بين البلدين والذي ظل عالقاً لسنوات طويلة من خلال قرار محكمة العدل الدولية، وبذلك انتهت الخلافات بشأن المياه والأراضي الإقليمية تماماً، وهو ما هيّأ المجال للبلدين لبدء مرحلة جديدة من العلاقات، دشنت بتأسيس اللجنة البحرينية ـ القطرية العليا المشتركة في العشرين من فبراير 2000 التي يرأسها وليّا عهد البلدين، وتهدف اللجنة بحسب المادة الثانية من اتفاق إنشائها للوصول إلى مستوى من التعاون والتنسيق السياسي في جميع القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز التعاون الدبلوماسي والقنصلي في علاقات البلدين مع الدول الأخرى، بالإضافة إلى الوصول إلى أعلى مستوى من التعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية وإقامة المشروعات المشتركة وتشجيع الاستثمار في البلدين، وتوثيق التعاون الأمني وتبادل المعلومات بما يرسخ الأمن المشترك للبلدين، وتعزيز التعاون في مجالات الإعلام والثقافة والرياضة والبحث العلمي ومجالات التعاون الأخرى التي يتفق عليها البلدان. أما مهمة اللجنة فقد حددتها المادة الثالثة من الاتفاق التي أشارت إلى أنها تتمثل في وضع السياسة العامة للتعاون والتنسيق بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والمجالات الأخرى التي تقتضيها مصلحة البلدين.
وتعقد اللجنة اجتماعاتها الدورية سنوياً منذ تأسيسها، وتم تشكيل أربع لجان تخصصية منبثقة من اللجنة العليا المشتركة، وهي: اللجنة الوزارية الفنية المشتركة لجسر البحرين – قطر، اللجنة الوزارية المشتركة للتعاون الاقتصادي والمالي والتجاري، اللجنة الوزارية المشتركة الخاصة بالنفط والغاز، اللجنة الفنية المشتركة الخاصة بوضع ضوابط للسماح بالصيد التقليدي في المياه الإقليمية.
كما تم توقيع اتفاق تنظيم خدمات الملاحة الجوية بين حكومتي البلدين في الرابع والعشرين من إبريل 2000 وتم أيضا تبادل السفراء لأول مرة في تاريخ العلاقات الثنائية للبلدين، وتم الاتفاق على تزويد البحرين بالغاز القطري على المدى الطويل. أيضاً من الإنجازات ما تمخض عن زيارة وزير الدولة للشؤون الداخلية عضو مجلس الوزراء بدولة قطر الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني للعاصمة المنامة خلال الفترة من 5 ـ 6 يوليو 2005، حيث تم بحث ومناقشة الصيد التقليدي والتركيز على تطوير التنسيق بين مديري أمن السواحل في البلدين الشقيقين وكذلك وضع الدراسات الأولية بشأن تسهيل تنقل المواطنين في ظل مشروع إنشاء الجسر الذي يربط البلدين الشقيقين، واتفق الوزير القطري مع نظيره البحريني على إصدار التأشيرة السياحية الموحدة متعددة السفرات لتنشيط قطاع السياحة تمهيداً لصدور التأشيرة الخليجية الموحدة، وتخوّل التأشيرة السياحية الصادرة عن البحرين وقطر لحاملها دخول البلد الآخر والتنقل بينهما والإقامة فيهما خلال مدة صلاحية التأشيرة، واتفق الوزيران على تشكيل لجنة تنفيذية لمناقشة التعاون في مختلف المجالات الأمنية. كذلك من المقرر أن يتم البدء بإنشاء جسر البحرين ـ قطر مع حلول نهاية العام الجاري 2005، ويستغرق إنشاؤه خمس سنوات بتكلفة إجمالية تقدر بـ 1800 مليون دولار أمريكي. ومن هنا يمكن اعتبار تلك الإنجازات أنها مؤشر يكشف أن اللجنة العليا البحرينية ـ القطرية المشتركة تعد من أنشط اللجان الإقليمية الفاعلة في العلاقات الخليجية ـ الخليجية.
فرص الاتحاد الثنائي
في ضوء تحديد أبرز الإنجازات التي تحققت يمكن تحليل إمكانات قيام اتحاد ثنائي بين البحرين وقطر بعد أن تطورت العلاقات بشكل لافت منذ انتهاء النزاع الحدودي السابق بقرار تحكيم دولي صادر في مارس 2001، خصوصاً مع وجود العديد من السمات والعوامل المشتركة التي تربط البلدين تاريخياً وديموغرافياً وجغرافياً. وفي الوقت الراهن هناك العديد من الفرص المساعدة على إقامة اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي بين البحرين وقطر تتمثل في الظروف الراهنة، ويمكن رصدها في الآتي:
أولاً: بروز النظام الإقليمي الخليجي الجديد
شكل احتلال العراق مرحلة جديدة من مراحل تطور النظام الإقليمي الخليجي، إذ تحول النظام من نظام متعدد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطبية تسيطر فيه قوتان إقليميتان هما السعودية وإيران، إلا أن السمة التاريخية التي ميّزت النظام الإقليمي الخليجي هي وجود قوى كبرى أجنبية مؤثرة بدرجة كبيرة في تفاعلاته، وهو ما نراه في الوجود العسكري والسياسي والاقتصادي الأمريكي بالمنطقة.
ومادامت المنامة والدوحة تربطهما علاقات وثيقة مع واشنطن فإنه بالإمكان الحصول على دعم أمريكي للشروع بشكل من أشكال الاتحاد، وتعزيز التعاون المشترك بطريقة تدريجية بحيث لا يؤدي التراجع عنها إلى تداعيات سلبية على البلدين أو على الأمن والاستقرار في المنطقة. ومن أبرز الأمثلة على الفرص التي خلقها النظام الإقليمي الخليجي الجديد دعم الإدارة الأمريكية لمشروع الجسر المشترك المقرر إنشاؤه بين البلدين، إذ سيساعد على انتقال عناصر الوجود الأمريكي في البلدين بكل سهولة ويسر، الأمر الذي سيقلل بشكل كبير من النفقات على هذا الوجود وتكلفة تنقلاته، فضلاً عن إمكانية استفادة الاستثمارات الأمريكية من هذا المعبر البري الجديد.
ثانياً: إصلاح الأنظمة السياسية
من مميزات النظام السياسي في كل من البحرين وقطر أنهما كانا من أوائل الأنظمة الخليجية التي بادرت إلى إصلاح أنظمتها السياسية قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وبالتالي فإن زيادة هامش المشاركة السياسية في البلدين من شأنها أن تزيد فرص التمثيل الشعبي وتعزيز مبدأ السيادة الشعبية خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي سيساهم في معالجة إشكال (شخصنة السياسة) الذي عانت منه العلاقات الخليجية ـ الخليجية بشكل واضح منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي في مايو 1981، إذ حال ذلك الإشكال دون تحقيق شكل من أشكال الاندماج والاتحاد الفيدرالي الخليجي. ومن هنا سيكون إصلاح النظام السياسي في كلا البلدين عاملاً أساسياً في تحويل هذه الأنظمة نحو (مأسسة السياسة) التي ستوفر ظروفاً مناسبة لإنشاء اتحاد سياسي بين البلدين.
ثالثاً: تحرير التجارة
يشهد النظام الدولي تحولا في العلاقات الاقتصادية، إذ يتم تحرير التجارة الدولية من خلال منظمة التجارة العالمية التي انضمت إليها البحرين في الأول من يناير 1995، وانضمت إليها قطر في الثالث عشر من يناير 1996، وبذلك تكون المنامة والدوحة طرفين أساسيين من عملية تحرير التجارة العالمية، وبعد سنوات من المتوقع أن تتراجع القيود المفروضة على حركة التجارة بين البلدين من جهة وبلدان العالم من جهة أخرى نتيجة اتفاقات (الغات)، وقيام الاتحاد النقدي الخليجي، وإنشاء منطقة التجارة الحرة العربية، فضلا عن إقامة مناطق تجارة حرة مع الكثير من بلدان العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. أيضاً تشهد الدوحة حركة اقتصادية نشطة، ومن المتوقع أن تتطور قطاعاتها الاقتصادية بشكل كبير خلال السنوات العشر المقبلة، الأمر الذي يتطلب توفير العمالة المدربة ذات الكفاءة العالية، وفي ظل وجود نسبة بطالة مرتفعة نسبياً في البحرين (تقدر بـ 20 ألف عاطل) فإنه يمكن الاستفادة من العمالة البحرينية للعمل في السوق القطري بدلاً من استقدام العمالة الأجنبية التي قد تخلق العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، وبالتالي ستؤدي الفرص والتحديات الاقتصادية في البلدين إلى دفع الحكومتين نحو توثيق علاقاتهما في المجال الاقتصادي، وهي بحد ذاتها فرصة مهمة لإنشاء اتحاد اقتصادي مرحلي.
التحديات المستقبلية
إذا تناولنا الفرص المتاحة لإقامة اتحاد بين البحرين وقطر، فإنه من الأهمية بمكان رصد أبرز التحديات التي يمكن أن يواجهها هذا المشروع، وخصوصا أن هذه التحديات لن تمس هذا المشروع الحيوي، ولكنها ستؤثر أيضا في علاقاتهما إذا لم يتحقق المشروع خلال المستقبل المنظور. وهناك مجموعة من التحديات، ولكن لا يمكن التطرق إليها بكثير من التفصيل، ويمكن الاكتفاء بتناول تحديين أساسيين سيلعبان دوراً مهماً في العلاقات الخليجية ـ الخليجية خلال الفترة المقبلة، فضلاً عن تأثيرهما في مشروع الاتحاد البحريني ـ القطري أو حتى في علاقاتهما.
التحدي الأول: يبرز هذا التحدي في مواقف القوى الكبرى في النظام الإقليمي الخليجي، وهنا يمكن الإشارة إلى موقفين:
الأول: يتعلق بموقف المملكة العربية السعودية باعتبارها إحدى القوتين الأعظم في النظام الإقليمي الخليجي، ولديها نفوذ هائل في منظومة مجلس التعاون. وبالتالي فإن قيام اتحاد سياسي بين البحرين وقطر من شأنه أن يهدد مصالح السياسة الخارجية السعودية، وخصوصاً أن الرياض لا تملك علاقات جيّدة مع الدوحة منذ فترة، فضلاً عن تحفظاتها على توقيع اتفاق التجارة الحرة بين البحرين والولايات المتحدة في سبتمبر 2004. كما أن قيام اتحاد بحريني ـ قطري أو حتى تطوير العلاقات بينهما سيزيد من إحساس السعودية بتراجع دورها في المنطقة، واحتمال بروز مشروع قوة إقليمية جديدة مثل (مشروع الاتحاد التساعي القديم الذي ظهرت محاولاته في نهاية الستينات من القرن الماضي بين الإمارات السبع، والبحرين وقطر)، ومن أبرز مؤشرات هذا الاحتمال التطور المهم في العلاقات القطرية الإماراتية بعد تبادل زيارات كبار المسؤولين في البلدين أخيراً، والإعلان عن التخطيط لمشروع جسر قطري ـ إماراتي. وفي مثل هذه الأحوال فإن الرياض ستبذل جهودا للحيلولة دون قيام مشروع الاتحاد، إلا أن هذا الموقف من الممكن أن يرتبط بتحسن العلاقات القطرية ـ السعودية خلال الفترة المقبلة.
الموقف الثاني يرتبط بموقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إذ تمتلك طهران علاقات ممتازة مع الرياض منذ تولي الرئيس الحالي محمد خاتمي مقاليد السلطة، ووصل التقارب السعودي ـ الإيراني إلى مراحل متقدمة تضمنت إنشاء مشروعات مشتركة وتوقيع اتفاقات أمنية مهمة، ولذلك فإنه إذا حصل مشروع الاتحاد البحريني ـ القطري على دعم أمريكي قد يواجه برفض إيراني يحظى بمساندة سعودية كامنة نتيجة تقاطع المصالح بين طهران والرياض، ونتيجة للعلاقات الإيرانية ـ الأمريكية المتعارضة. ومن الأدوات التي يمكن أن تستخدمها طهران في هذا المجال تجديد مطالبها القديمة بأرخبيل البحرين، وقيامها بدعم تنظيمات سياسية حليفة في البحرين وقطر.
التحدي الثاني: هو العامل الشعبي الذي يقصد به دور القوى التقليدية ومؤسسات المجتمع المدني وجماعات الضغط المختلفة في تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، فالملاحظ في السياق التاريخي أن المطالبات الوحدوية تأتي عادة من النخب السياسية أو من الحكومات، وإن جاءت من القواعد فإنها تقتصر على المطالبة بها من دون أن تصاحبها برامج عملية.
ولذلك فإنه من المهم أن يكون للقوى التقليدية ومؤسسات المجتمع المدني وجماعات الضغط دور رئيسي في عملية تأسيس البنية التحتية لمشروع الاتحاد المشترك بين البحرين وقطر مستقبلاً. ففي نوفمبر من العام 2001 ظهرت مبادرة بحرينية إلى إنشاء الجمعية الشعبية للتكامل البحريني ـ القطري، إلا أنها إلى اليوم لم تمارس دوراً فاعلاً في تحقيق أهدافها على الأقل.
خلاصة القول إن مستقبل العلاقات البحرينية ـ القطرية سيرتبط بالظروف الإقليمية التي تمر بها منطقة الخليج، وتأثيرات أبرز المتغيرات في النظام الدولي، إلا أن ما تشهده العلاقات الثنائية بين البلدين من شأنه أن يمهد لاحقاً لشكل من أشكال الاتحاد الفيدرالي أو الكونفدرالي، الأمر الذي يتطلب إجراء المزيد من الدراسات والأبحاث حول مستقبل العلاقات بين البحرين وقطر باعتبارهما فاعلين رئيسيين في النظام الإقليمي الخليجي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2974::/cck::
::introtext::
شهدت العلاقات الخليجية ـ الخليجية بعد حرب الخليج الثانية تطورات مهمة، حيث كانت تعاني قبل ذلك من تأثر شديد بنفوذ القوى الإقليمية التي استطاعت خلق علاقات تبعية واضحة، وهو ما ظهر بشكل لافت داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الظروف التي شهدتها المنطقة نتيجة تغيّر النظام الدولي قد ساهمت أيضاً في خلق فرص جديدة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية من جديد.
::/introtext::
::fulltext::
شهدت العلاقات الخليجية ـ الخليجية بعد حرب الخليج الثانية تطورات مهمة، حيث كانت تعاني قبل ذلك من تأثر شديد بنفوذ القوى الإقليمية التي استطاعت خلق علاقات تبعية واضحة، وهو ما ظهر بشكل لافت داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الظروف التي شهدتها المنطقة نتيجة تغيّر النظام الدولي قد ساهمت أيضاً في خلق فرص جديدة لإعادة صياغة العلاقات الإقليمية من جديد.
وقد تكون العلاقات البحرينية ـ القطرية أنموذجاً للعلاقات الإقليمية القادرة على الاستفادة من الفرص المتاحة في تطوير العلاقات وبناء مشاريع مشتركة وفق المصالح المتبادلة.
ففي منتصف التسعينات من القرن الماضي أطلق ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة عندما كان ولياً للعهد دعوة لإقامة اتحاد بحريني – قطري، ونظر المراقبون في تلك المرحلة إلى هذه الدعوة على أنها تحرك دبلوماسي بحريني يهدف إلى احتواء النزاع الحدودي البحريني ـ القطري السابق.
وبغض النظر عن نتائج هذه الدعوة وترحيب قطر بتصريح من أميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لها في العشرين من يوليو 1997 إلا أنه لابد من الإقرار بأن هذه الدعوة ستظل ثابتة في أدبيات تاريخ العلاقات الإقليمية بين المنامة والدوحة، وعليه يمكن للباحثين النظر فيما ترتب على هذه الدعوة بعد سنوات مستقبلاً. وبمرور حوالي عشر سنوات تقريباً على الدعوة البحرينية لإقامة الاتحاد الثنائي، فإنه يمكن ملاحظة حجم التطورات الهامة التي شهدتها العلاقات البحرينية ـ القطرية، حيث زادت كثافة العلاقات بشكل لافت أكثر من أي وقت مضى منذ استقلال البلدين في العام 1971، ويمكن رصد أبرز الإنجازات التي تحققت بعد ظهور المبادرة البحرينية للاتحاد من خلال الآتي:
في البداية تمت معالجة الملف الحدودي بين البلدين والذي ظل عالقاً لسنوات طويلة من خلال قرار محكمة العدل الدولية، وبذلك انتهت الخلافات بشأن المياه والأراضي الإقليمية تماماً، وهو ما هيّأ المجال للبلدين لبدء مرحلة جديدة من العلاقات، دشنت بتأسيس اللجنة البحرينية ـ القطرية العليا المشتركة في العشرين من فبراير 2000 التي يرأسها وليّا عهد البلدين، وتهدف اللجنة بحسب المادة الثانية من اتفاق إنشائها للوصول إلى مستوى من التعاون والتنسيق السياسي في جميع القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتعزيز التعاون الدبلوماسي والقنصلي في علاقات البلدين مع الدول الأخرى، بالإضافة إلى الوصول إلى أعلى مستوى من التعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية وإقامة المشروعات المشتركة وتشجيع الاستثمار في البلدين، وتوثيق التعاون الأمني وتبادل المعلومات بما يرسخ الأمن المشترك للبلدين، وتعزيز التعاون في مجالات الإعلام والثقافة والرياضة والبحث العلمي ومجالات التعاون الأخرى التي يتفق عليها البلدان. أما مهمة اللجنة فقد حددتها المادة الثالثة من الاتفاق التي أشارت إلى أنها تتمثل في وضع السياسة العامة للتعاون والتنسيق بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والمجالات الأخرى التي تقتضيها مصلحة البلدين.
وتعقد اللجنة اجتماعاتها الدورية سنوياً منذ تأسيسها، وتم تشكيل أربع لجان تخصصية منبثقة من اللجنة العليا المشتركة، وهي: اللجنة الوزارية الفنية المشتركة لجسر البحرين – قطر، اللجنة الوزارية المشتركة للتعاون الاقتصادي والمالي والتجاري، اللجنة الوزارية المشتركة الخاصة بالنفط والغاز، اللجنة الفنية المشتركة الخاصة بوضع ضوابط للسماح بالصيد التقليدي في المياه الإقليمية.
كما تم توقيع اتفاق تنظيم خدمات الملاحة الجوية بين حكومتي البلدين في الرابع والعشرين من إبريل 2000 وتم أيضا تبادل السفراء لأول مرة في تاريخ العلاقات الثنائية للبلدين، وتم الاتفاق على تزويد البحرين بالغاز القطري على المدى الطويل. أيضاً من الإنجازات ما تمخض عن زيارة وزير الدولة للشؤون الداخلية عضو مجلس الوزراء بدولة قطر الشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني للعاصمة المنامة خلال الفترة من 5 ـ 6 يوليو 2005، حيث تم بحث ومناقشة الصيد التقليدي والتركيز على تطوير التنسيق بين مديري أمن السواحل في البلدين الشقيقين وكذلك وضع الدراسات الأولية بشأن تسهيل تنقل المواطنين في ظل مشروع إنشاء الجسر الذي يربط البلدين الشقيقين، واتفق الوزير القطري مع نظيره البحريني على إصدار التأشيرة السياحية الموحدة متعددة السفرات لتنشيط قطاع السياحة تمهيداً لصدور التأشيرة الخليجية الموحدة، وتخوّل التأشيرة السياحية الصادرة عن البحرين وقطر لحاملها دخول البلد الآخر والتنقل بينهما والإقامة فيهما خلال مدة صلاحية التأشيرة، واتفق الوزيران على تشكيل لجنة تنفيذية لمناقشة التعاون في مختلف المجالات الأمنية. كذلك من المقرر أن يتم البدء بإنشاء جسر البحرين ـ قطر مع حلول نهاية العام الجاري 2005، ويستغرق إنشاؤه خمس سنوات بتكلفة إجمالية تقدر بـ 1800 مليون دولار أمريكي. ومن هنا يمكن اعتبار تلك الإنجازات أنها مؤشر يكشف أن اللجنة العليا البحرينية ـ القطرية المشتركة تعد من أنشط اللجان الإقليمية الفاعلة في العلاقات الخليجية ـ الخليجية.
فرص الاتحاد الثنائي
في ضوء تحديد أبرز الإنجازات التي تحققت يمكن تحليل إمكانات قيام اتحاد ثنائي بين البحرين وقطر بعد أن تطورت العلاقات بشكل لافت منذ انتهاء النزاع الحدودي السابق بقرار تحكيم دولي صادر في مارس 2001، خصوصاً مع وجود العديد من السمات والعوامل المشتركة التي تربط البلدين تاريخياً وديموغرافياً وجغرافياً. وفي الوقت الراهن هناك العديد من الفرص المساعدة على إقامة اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي بين البحرين وقطر تتمثل في الظروف الراهنة، ويمكن رصدها في الآتي:
أولاً: بروز النظام الإقليمي الخليجي الجديد
شكل احتلال العراق مرحلة جديدة من مراحل تطور النظام الإقليمي الخليجي، إذ تحول النظام من نظام متعدد الأقطاب إلى نظام ثنائي القطبية تسيطر فيه قوتان إقليميتان هما السعودية وإيران، إلا أن السمة التاريخية التي ميّزت النظام الإقليمي الخليجي هي وجود قوى كبرى أجنبية مؤثرة بدرجة كبيرة في تفاعلاته، وهو ما نراه في الوجود العسكري والسياسي والاقتصادي الأمريكي بالمنطقة.
ومادامت المنامة والدوحة تربطهما علاقات وثيقة مع واشنطن فإنه بالإمكان الحصول على دعم أمريكي للشروع بشكل من أشكال الاتحاد، وتعزيز التعاون المشترك بطريقة تدريجية بحيث لا يؤدي التراجع عنها إلى تداعيات سلبية على البلدين أو على الأمن والاستقرار في المنطقة. ومن أبرز الأمثلة على الفرص التي خلقها النظام الإقليمي الخليجي الجديد دعم الإدارة الأمريكية لمشروع الجسر المشترك المقرر إنشاؤه بين البلدين، إذ سيساعد على انتقال عناصر الوجود الأمريكي في البلدين بكل سهولة ويسر، الأمر الذي سيقلل بشكل كبير من النفقات على هذا الوجود وتكلفة تنقلاته، فضلاً عن إمكانية استفادة الاستثمارات الأمريكية من هذا المعبر البري الجديد.
ثانياً: إصلاح الأنظمة السياسية
من مميزات النظام السياسي في كل من البحرين وقطر أنهما كانا من أوائل الأنظمة الخليجية التي بادرت إلى إصلاح أنظمتها السياسية قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وبالتالي فإن زيادة هامش المشاركة السياسية في البلدين من شأنها أن تزيد فرص التمثيل الشعبي وتعزيز مبدأ السيادة الشعبية خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي سيساهم في معالجة إشكال (شخصنة السياسة) الذي عانت منه العلاقات الخليجية ـ الخليجية بشكل واضح منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي في مايو 1981، إذ حال ذلك الإشكال دون تحقيق شكل من أشكال الاندماج والاتحاد الفيدرالي الخليجي. ومن هنا سيكون إصلاح النظام السياسي في كلا البلدين عاملاً أساسياً في تحويل هذه الأنظمة نحو (مأسسة السياسة) التي ستوفر ظروفاً مناسبة لإنشاء اتحاد سياسي بين البلدين.
ثالثاً: تحرير التجارة
يشهد النظام الدولي تحولا في العلاقات الاقتصادية، إذ يتم تحرير التجارة الدولية من خلال منظمة التجارة العالمية التي انضمت إليها البحرين في الأول من يناير 1995، وانضمت إليها قطر في الثالث عشر من يناير 1996، وبذلك تكون المنامة والدوحة طرفين أساسيين من عملية تحرير التجارة العالمية، وبعد سنوات من المتوقع أن تتراجع القيود المفروضة على حركة التجارة بين البلدين من جهة وبلدان العالم من جهة أخرى نتيجة اتفاقات (الغات)، وقيام الاتحاد النقدي الخليجي، وإنشاء منطقة التجارة الحرة العربية، فضلا عن إقامة مناطق تجارة حرة مع الكثير من بلدان العالم، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. أيضاً تشهد الدوحة حركة اقتصادية نشطة، ومن المتوقع أن تتطور قطاعاتها الاقتصادية بشكل كبير خلال السنوات العشر المقبلة، الأمر الذي يتطلب توفير العمالة المدربة ذات الكفاءة العالية، وفي ظل وجود نسبة بطالة مرتفعة نسبياً في البحرين (تقدر بـ 20 ألف عاطل) فإنه يمكن الاستفادة من العمالة البحرينية للعمل في السوق القطري بدلاً من استقدام العمالة الأجنبية التي قد تخلق العديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية، وبالتالي ستؤدي الفرص والتحديات الاقتصادية في البلدين إلى دفع الحكومتين نحو توثيق علاقاتهما في المجال الاقتصادي، وهي بحد ذاتها فرصة مهمة لإنشاء اتحاد اقتصادي مرحلي.
التحديات المستقبلية
إذا تناولنا الفرص المتاحة لإقامة اتحاد بين البحرين وقطر، فإنه من الأهمية بمكان رصد أبرز التحديات التي يمكن أن يواجهها هذا المشروع، وخصوصا أن هذه التحديات لن تمس هذا المشروع الحيوي، ولكنها ستؤثر أيضا في علاقاتهما إذا لم يتحقق المشروع خلال المستقبل المنظور. وهناك مجموعة من التحديات، ولكن لا يمكن التطرق إليها بكثير من التفصيل، ويمكن الاكتفاء بتناول تحديين أساسيين سيلعبان دوراً مهماً في العلاقات الخليجية ـ الخليجية خلال الفترة المقبلة، فضلاً عن تأثيرهما في مشروع الاتحاد البحريني ـ القطري أو حتى في علاقاتهما.
التحدي الأول: يبرز هذا التحدي في مواقف القوى الكبرى في النظام الإقليمي الخليجي، وهنا يمكن الإشارة إلى موقفين:
الأول: يتعلق بموقف المملكة العربية السعودية باعتبارها إحدى القوتين الأعظم في النظام الإقليمي الخليجي، ولديها نفوذ هائل في منظومة مجلس التعاون. وبالتالي فإن قيام اتحاد سياسي بين البحرين وقطر من شأنه أن يهدد مصالح السياسة الخارجية السعودية، وخصوصاً أن الرياض لا تملك علاقات جيّدة مع الدوحة منذ فترة، فضلاً عن تحفظاتها على توقيع اتفاق التجارة الحرة بين البحرين والولايات المتحدة في سبتمبر 2004. كما أن قيام اتحاد بحريني ـ قطري أو حتى تطوير العلاقات بينهما سيزيد من إحساس السعودية بتراجع دورها في المنطقة، واحتمال بروز مشروع قوة إقليمية جديدة مثل (مشروع الاتحاد التساعي القديم الذي ظهرت محاولاته في نهاية الستينات من القرن الماضي بين الإمارات السبع، والبحرين وقطر)، ومن أبرز مؤشرات هذا الاحتمال التطور المهم في العلاقات القطرية الإماراتية بعد تبادل زيارات كبار المسؤولين في البلدين أخيراً، والإعلان عن التخطيط لمشروع جسر قطري ـ إماراتي. وفي مثل هذه الأحوال فإن الرياض ستبذل جهودا للحيلولة دون قيام مشروع الاتحاد، إلا أن هذا الموقف من الممكن أن يرتبط بتحسن العلاقات القطرية ـ السعودية خلال الفترة المقبلة.
الموقف الثاني يرتبط بموقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، إذ تمتلك طهران علاقات ممتازة مع الرياض منذ تولي الرئيس الحالي محمد خاتمي مقاليد السلطة، ووصل التقارب السعودي ـ الإيراني إلى مراحل متقدمة تضمنت إنشاء مشروعات مشتركة وتوقيع اتفاقات أمنية مهمة، ولذلك فإنه إذا حصل مشروع الاتحاد البحريني ـ القطري على دعم أمريكي قد يواجه برفض إيراني يحظى بمساندة سعودية كامنة نتيجة تقاطع المصالح بين طهران والرياض، ونتيجة للعلاقات الإيرانية ـ الأمريكية المتعارضة. ومن الأدوات التي يمكن أن تستخدمها طهران في هذا المجال تجديد مطالبها القديمة بأرخبيل البحرين، وقيامها بدعم تنظيمات سياسية حليفة في البحرين وقطر.
التحدي الثاني: هو العامل الشعبي الذي يقصد به دور القوى التقليدية ومؤسسات المجتمع المدني وجماعات الضغط المختلفة في تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، فالملاحظ في السياق التاريخي أن المطالبات الوحدوية تأتي عادة من النخب السياسية أو من الحكومات، وإن جاءت من القواعد فإنها تقتصر على المطالبة بها من دون أن تصاحبها برامج عملية.
ولذلك فإنه من المهم أن يكون للقوى التقليدية ومؤسسات المجتمع المدني وجماعات الضغط دور رئيسي في عملية تأسيس البنية التحتية لمشروع الاتحاد المشترك بين البحرين وقطر مستقبلاً. ففي نوفمبر من العام 2001 ظهرت مبادرة بحرينية إلى إنشاء الجمعية الشعبية للتكامل البحريني ـ القطري، إلا أنها إلى اليوم لم تمارس دوراً فاعلاً في تحقيق أهدافها على الأقل.
خلاصة القول إن مستقبل العلاقات البحرينية ـ القطرية سيرتبط بالظروف الإقليمية التي تمر بها منطقة الخليج، وتأثيرات أبرز المتغيرات في النظام الدولي، إلا أن ما تشهده العلاقات الثنائية بين البلدين من شأنه أن يمهد لاحقاً لشكل من أشكال الاتحاد الفيدرالي أو الكونفدرالي، الأمر الذي يتطلب إجراء المزيد من الدراسات والأبحاث حول مستقبل العلاقات بين البحرين وقطر باعتبارهما فاعلين رئيسيين في النظام الإقليمي الخليجي.
::/fulltext::
::cck::2974::/cck::
