نفط العراق وويلات السياسة

::cck::3049::/cck::
::introtext::

هناك تلاصق وتوأمة تاريخية بين النفط وأرض الرافدين ربما لا يوجد لها مثيل في أي من بقاع العالم الأخرى، فقد تم استخدام النفط من قبل الحضارات القديمة التي نشأت على أرض الرافدين قبل ما يقارب الخمس الآلاف سنة أو ما يزيد. ولم يكن السر في استخدام الحضارات العراقية القديمة للنفط في تسيير شؤون حياة شعوبها يكمن في القدرة التقنية العالية التي تمتعت بها هذه الحضارات، بل يعود إلى ظاهرة جيولوجية تتلخص بكون أن في بعض آبار النفط المنتشرة في هذه الأرض من جنوبها إلى شمالها كان النفط يطفو ويترشح من أعماقها إلى السطح وبشكل تلقائي ليظهر بصورة بقع نفطية ظاهرة للعيان يقوم الناس بجمعها واستخدامها. وأشير إلى هذه الواقعة لتفسير العلاقة بين الأرض والثروة النفطية.

::/introtext::
::fulltext::

هناك تلاصق وتوأمة تاريخية بين النفط وأرض الرافدين ربما لا يوجد لها مثيل في أي من بقاع العالم الأخرى، فقد تم استخدام النفط من قبل الحضارات القديمة التي نشأت على أرض الرافدين قبل ما يقارب الخمس الآلاف سنة أو ما يزيد. ولم يكن السر في استخدام الحضارات العراقية القديمة للنفط في تسيير شؤون حياة شعوبها يكمن في القدرة التقنية العالية التي تمتعت بها هذه الحضارات، بل يعود إلى ظاهرة جيولوجية تتلخص بكون أن في بعض آبار النفط المنتشرة في هذه الأرض من جنوبها إلى شمالها كان النفط يطفو ويترشح من أعماقها إلى السطح وبشكل تلقائي ليظهر بصورة بقع نفطية ظاهرة للعيان يقوم الناس بجمعها واستخدامها. وأشير إلى هذه الواقعة لتفسير العلاقة بين الأرض والثروة النفطية.

إن حالة التوائمة بين أرض العراق والنفط هي حالة، كما أسلفنا، طبيعية ربما تتميز بالتفرد، ولكن الأدهى منها هو حالة التوأمة والتفاعل بين الويلات السياسية و صناعة النفط العراقية. فقطاع النفط في العراق يعد من أقدم وأعرق القطاعات وأكثرها خبرة وتجربة بين دول المنطقة، وكان الكادر النفطي في العراق يعد من الكوادر الوطنية عالية الكفاءة، حيث قاد عملية تطوير هذه الصناعة بقدرة فائقة مستفيدا من تجارب الشركات الكبرى، وهي التجارب والخبرات التي استطاع كادر صناعة النفط الوطني امتلاك القدرة على توطينها وتطويرها وتجنيدها لخدمة الوطن واقتصاده. فإذا كان النفط موجوداً وبغزارة في كل بقعة من أرض العراق، وكان الكادر الوطني القادر على استثماره واستخراجه من باطن الأرض متوفراً وبكفاءة عالية، فيبقى محور التساؤل الأساسي إذن : أين يكمن الخلل في تعثر صناعة النفط العراقية؟ وربما يعد استخدام كلمة تعثر في وصف مأزق هذه الصناعة لا يعكس واقع الظاهرة ومداها الحقيقي، والسؤال الصائب هنا هو أين تكمن مأساة النفط العراقي؟ وللإجابة عن هذا السؤال يمكن القول إن صناعة النفط العراقية. بليت بداء الأزمات السياسية وتأثير القرارات السياسية الخاطئة. فلكل متابع لتطور لهذه الصناعة سيلاحظ ظاهرتين حكمتا مستوى الاستثمار ومستوى الإنتاج: الأولى أن تطور قطاع صناعة النفط كان بطيئاً مقارنة مع إمكانات المخزون النفطي الكبير الذي تمتلكة الدولة، ومقارنة أيضاً مع الإمكانات التقنية التي يتمتع بها الكادر النفطي الوطني. والظاهرة الثانية تكمن في مستويات الإنتاج الفعلي وتذبذبها المفاجئ والكبير صعوداً وهبوطاً، وبمعزل عن واقع السوق أو المشكلات أو العقبات التقنية.

فمن يلقي نظرة على الرسم البياني لخط إنتاج النفط العراقي منذ بداية عملية الإنتاج التجاري عام 1928 وحتى اليوم سيلاحظ أن هناك مراحل زمنية، قد تطول وقد تقصر، توقف وانعدم فيها إنتاج أو تصدير النفط بشكل تام، وهناك مراحل زمنية أخرى تدل على حدوث انخفاض مفاجئ وملحوظ في معدلات إنتاج وتصدير النفط العراقي. والسر وراء هذه التذبذبات الكبيرة في معدل الإنتاج والتصدير يكمن، وبشكل رئيسي، في تطورات الموقف السياسي الداخلي والخارجي والظروف السياسية التي تحيط بالدولة على المستوى الإقليمي. فخارج إطار عامل الحرب العالمية الثانية التي كانت لتطوراتها تأثيرات ملحوظة في معدل إنتاج وتصدير النفط العراقي، نجد أن أول نكسة في معدل التصدير الذي انعكس على معدل الإنتاج كانت قد حدثت عام 1948 وهو عام أول حرب عربية – إسرائيلية، فخلال هذا العام حدث انخفاض مفاجئ يعادل أكثر من الربع في معدل إنتاج النفط العراقي، وتعود أسباب هذا الانخفاض إلى قرار إغلاق أنبوب خط تصدير النفط بين حقول الإنتاج العراقية وموانئ التصدير في مدينة حيفا الفلسطينية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وذلك إثر نشوء (دولة إسرائيل) التي سيطرت على الأراضي التي يمر عبرها أنبوب النفط وموانئ تصديره في ميناء حيفا. وكان الانخفاض المفاجئ الثاني بنسبة 30 في المائة قد حدث عام 1956 وهو عام العدوان الثلاثي على مصر (حرب السويس ).

ففي ذلك العام وكتعبير عن الموقف الرافض لتحالف الحكومة العراقية الملكية مع الحكومة البريطانية وكعقاب للقيادة السياسية العراقية قامت مجموعة من الضباط القوميين والناصريين في سوريا بقيادة المقدم عبد الحميد السراج بتفجير أنبوب تصدير النفط العراقي المار عبر الأراضي السورية والواصل بين مصادر الإنتاج في العراق وموانئ الشحن اللبنانية والسورية على البحر الأبيض المتوسط، وكان من نتائج هذا العمل التخريبي حدوث توقف كامل في عملية تصدير النفط العراقي دام لعدة أشهر، نتج عنه حدوث أزمة مادية كبيرة واجهت الحكومة العراقية في حينه. وعندما قامت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 تأثر إنتاج وتصدير النفط العراقي بنسبة 12 في المائة خلال ذلك العام نتيجة عوامل متعددة أفرزتها الحرب ونتائجها. تبع هذا قرار الحكومة العراقية في حزيران عام 1972 بتأميم صناعة النفط العراقية على إثر فشل المفاوضات الطويلة التي جرت بين شركات النفط الدولية العاملة في العراق والحكومة العراقية، وكان من نتائج هذه الأزمة حدوث انخفاض يتجاوز 13 في المائة في إنتاج وتصدير النفط العراقي.

ومثلت انطلاقة الحرب العراقية – الإيرانية في الربع الأخير من عام 1980 واحدة من أكبر النكسات التي مرت بها صناعة النفط العراقية. ففي العام الأول للحرب والتي بدأت في أغسطس 1980 انخفض إنتاج النفط بنسبة 24 في المائة ، وعندما حلت السنة الثانية من الحرب تدهور الإنتاج والتصدير بنسبة انخفاض فاقت الـ 66 في المائة ، حيث يعود جزء كبير من هذا الانخفاض إلى قرار الحكومة السورية بإغلاق خط تصدير النفط العراقي المار عبر أراضيها وذلك كخطوة تضامن مع الموقف الإيراني ودعم للمجهود الحربي الإيراني، وكوسيلة للضغط السياسي والاقتصادي على الحكومة العراقية. وجاء قرار القيادة العراقية بغزو دولة الكويت في أغسطس 1990 بأزمة كبيرة أخرى واجهتها صناعة النفط العراقية، فخلال عام 1990 انعكست الأزمة بتسجيل انخفاض في معدل الإنتاج والتصدير فاق نسبة 24 في المائة، ولكن عام تحرير الكويت وحرب دول التحالف على العراق (1991 ) شهد إحدى أكبر أزمات صناعة النفط العراقية، حيث خضعت الدولة خلال هذا العام وخلال الأعوام اللاحقة له لحصار ومقاطعة اقتصادية خانقة وشاملة دامت سنوات عديدة انعدمت خلالها فعاليات تصدير النفط العراقي بشكل شبة تام، فقد وصلت نسبة انخفاض الإنتاج لهذا العام إلى أكثر من 86 في المائة . مأساة صناعة النفط العراقية لم تشهد نهايتها بالاتفاق الدولي على تخفيف الحصار والسماح بتصدير إنتاج النفط العراقي وتحت شروط عصيبة وقاسية حين جاء عام 2003 بحرب أخرى تمثلت بالغزو والاحتلال الأمريكي – البريطاني للعراق، وهو الحدث الذي فتح صفحة جديدة وخطيرة في تاريخ البلاد وفي تاريخ صناعة الدولة النفطية حيث مازالت المأساة مستمرة.

لقد جاء الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق بأخطار آنية ومستقبلية ستحدد مستقبل ثروة البلاد النفطية خلال العقود الزمنية المقبلة. فإذا كانت الثروة النفطية للعراق قد استطاعت التعامل مع الصعوبات التي مصدرها الظروف السياسية الإقليمية وقرارات القيادات السياسية الخاطئة والقاتلة، وربما استطاعت التعافي من الأزمات التي واجهتها في الماضي، وخرجت من المواجهات بجروح بعضها عميق وبعضها الآخر طفيف وذلك بقدرة وإخلاص وكفاءة الكادر النفطي الوطني الذي أثبت إخلاصا للوطن وليس للقيادات السياسية، فإن الخطر الذي يحيق بثروة البلاد النفطية اليوم يتجاوز قدرات الكادر المخلص للتعامل معه.

إن الثروة النفطية العراقية اليوم تخضع لعملية نهب واسع بين نشاطات فئة محددة من (حرامية النفط الصغار) من مجرمين وطامعين وعصابات محترفة تبحث عن الكسب المادي السريع حين يسرقون النفط ومنتجاته من أفواه وأيادي المواطنين العراقيين ليقوموا ببيعه خارج البلاد، إلى ما هو أخطر وأدهى وهو الخطر المتمثل بنشاطات وطموحات (السراق الكبار) من البعض، وهم قلة، من فئة السياسيين الجدد الذي تولوا السلطة وزمام الأمر والنهي في البلاد، وأمسوا الآمرون بمستقبل ثروات البلاد من دون عناء أو جهد. هؤلاء، ومن خلال السعي لدعم مصالحهم الشخصية، سيمثلون الخطر الحقيقي والتحدي لثروة البلاد النفطية ولخيرات الدولة. خطر، ربما لا يقارن في جديته وآثاره المدمرة بكل ما واجهته صناعة النفط من ويلات ومآزق سابقة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3049::/cck::
::introtext::

هناك تلاصق وتوأمة تاريخية بين النفط وأرض الرافدين ربما لا يوجد لها مثيل في أي من بقاع العالم الأخرى، فقد تم استخدام النفط من قبل الحضارات القديمة التي نشأت على أرض الرافدين قبل ما يقارب الخمس الآلاف سنة أو ما يزيد. ولم يكن السر في استخدام الحضارات العراقية القديمة للنفط في تسيير شؤون حياة شعوبها يكمن في القدرة التقنية العالية التي تمتعت بها هذه الحضارات، بل يعود إلى ظاهرة جيولوجية تتلخص بكون أن في بعض آبار النفط المنتشرة في هذه الأرض من جنوبها إلى شمالها كان النفط يطفو ويترشح من أعماقها إلى السطح وبشكل تلقائي ليظهر بصورة بقع نفطية ظاهرة للعيان يقوم الناس بجمعها واستخدامها. وأشير إلى هذه الواقعة لتفسير العلاقة بين الأرض والثروة النفطية.

::/introtext::
::fulltext::

هناك تلاصق وتوأمة تاريخية بين النفط وأرض الرافدين ربما لا يوجد لها مثيل في أي من بقاع العالم الأخرى، فقد تم استخدام النفط من قبل الحضارات القديمة التي نشأت على أرض الرافدين قبل ما يقارب الخمس الآلاف سنة أو ما يزيد. ولم يكن السر في استخدام الحضارات العراقية القديمة للنفط في تسيير شؤون حياة شعوبها يكمن في القدرة التقنية العالية التي تمتعت بها هذه الحضارات، بل يعود إلى ظاهرة جيولوجية تتلخص بكون أن في بعض آبار النفط المنتشرة في هذه الأرض من جنوبها إلى شمالها كان النفط يطفو ويترشح من أعماقها إلى السطح وبشكل تلقائي ليظهر بصورة بقع نفطية ظاهرة للعيان يقوم الناس بجمعها واستخدامها. وأشير إلى هذه الواقعة لتفسير العلاقة بين الأرض والثروة النفطية.

إن حالة التوائمة بين أرض العراق والنفط هي حالة، كما أسلفنا، طبيعية ربما تتميز بالتفرد، ولكن الأدهى منها هو حالة التوأمة والتفاعل بين الويلات السياسية و صناعة النفط العراقية. فقطاع النفط في العراق يعد من أقدم وأعرق القطاعات وأكثرها خبرة وتجربة بين دول المنطقة، وكان الكادر النفطي في العراق يعد من الكوادر الوطنية عالية الكفاءة، حيث قاد عملية تطوير هذه الصناعة بقدرة فائقة مستفيدا من تجارب الشركات الكبرى، وهي التجارب والخبرات التي استطاع كادر صناعة النفط الوطني امتلاك القدرة على توطينها وتطويرها وتجنيدها لخدمة الوطن واقتصاده. فإذا كان النفط موجوداً وبغزارة في كل بقعة من أرض العراق، وكان الكادر الوطني القادر على استثماره واستخراجه من باطن الأرض متوفراً وبكفاءة عالية، فيبقى محور التساؤل الأساسي إذن : أين يكمن الخلل في تعثر صناعة النفط العراقية؟ وربما يعد استخدام كلمة تعثر في وصف مأزق هذه الصناعة لا يعكس واقع الظاهرة ومداها الحقيقي، والسؤال الصائب هنا هو أين تكمن مأساة النفط العراقي؟ وللإجابة عن هذا السؤال يمكن القول إن صناعة النفط العراقية. بليت بداء الأزمات السياسية وتأثير القرارات السياسية الخاطئة. فلكل متابع لتطور لهذه الصناعة سيلاحظ ظاهرتين حكمتا مستوى الاستثمار ومستوى الإنتاج: الأولى أن تطور قطاع صناعة النفط كان بطيئاً مقارنة مع إمكانات المخزون النفطي الكبير الذي تمتلكة الدولة، ومقارنة أيضاً مع الإمكانات التقنية التي يتمتع بها الكادر النفطي الوطني. والظاهرة الثانية تكمن في مستويات الإنتاج الفعلي وتذبذبها المفاجئ والكبير صعوداً وهبوطاً، وبمعزل عن واقع السوق أو المشكلات أو العقبات التقنية.

فمن يلقي نظرة على الرسم البياني لخط إنتاج النفط العراقي منذ بداية عملية الإنتاج التجاري عام 1928 وحتى اليوم سيلاحظ أن هناك مراحل زمنية، قد تطول وقد تقصر، توقف وانعدم فيها إنتاج أو تصدير النفط بشكل تام، وهناك مراحل زمنية أخرى تدل على حدوث انخفاض مفاجئ وملحوظ في معدلات إنتاج وتصدير النفط العراقي. والسر وراء هذه التذبذبات الكبيرة في معدل الإنتاج والتصدير يكمن، وبشكل رئيسي، في تطورات الموقف السياسي الداخلي والخارجي والظروف السياسية التي تحيط بالدولة على المستوى الإقليمي. فخارج إطار عامل الحرب العالمية الثانية التي كانت لتطوراتها تأثيرات ملحوظة في معدل إنتاج وتصدير النفط العراقي، نجد أن أول نكسة في معدل التصدير الذي انعكس على معدل الإنتاج كانت قد حدثت عام 1948 وهو عام أول حرب عربية – إسرائيلية، فخلال هذا العام حدث انخفاض مفاجئ يعادل أكثر من الربع في معدل إنتاج النفط العراقي، وتعود أسباب هذا الانخفاض إلى قرار إغلاق أنبوب خط تصدير النفط بين حقول الإنتاج العراقية وموانئ التصدير في مدينة حيفا الفلسطينية على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وذلك إثر نشوء (دولة إسرائيل) التي سيطرت على الأراضي التي يمر عبرها أنبوب النفط وموانئ تصديره في ميناء حيفا. وكان الانخفاض المفاجئ الثاني بنسبة 30 في المائة قد حدث عام 1956 وهو عام العدوان الثلاثي على مصر (حرب السويس ).

ففي ذلك العام وكتعبير عن الموقف الرافض لتحالف الحكومة العراقية الملكية مع الحكومة البريطانية وكعقاب للقيادة السياسية العراقية قامت مجموعة من الضباط القوميين والناصريين في سوريا بقيادة المقدم عبد الحميد السراج بتفجير أنبوب تصدير النفط العراقي المار عبر الأراضي السورية والواصل بين مصادر الإنتاج في العراق وموانئ الشحن اللبنانية والسورية على البحر الأبيض المتوسط، وكان من نتائج هذا العمل التخريبي حدوث توقف كامل في عملية تصدير النفط العراقي دام لعدة أشهر، نتج عنه حدوث أزمة مادية كبيرة واجهت الحكومة العراقية في حينه. وعندما قامت الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 تأثر إنتاج وتصدير النفط العراقي بنسبة 12 في المائة خلال ذلك العام نتيجة عوامل متعددة أفرزتها الحرب ونتائجها. تبع هذا قرار الحكومة العراقية في حزيران عام 1972 بتأميم صناعة النفط العراقية على إثر فشل المفاوضات الطويلة التي جرت بين شركات النفط الدولية العاملة في العراق والحكومة العراقية، وكان من نتائج هذه الأزمة حدوث انخفاض يتجاوز 13 في المائة في إنتاج وتصدير النفط العراقي.

ومثلت انطلاقة الحرب العراقية – الإيرانية في الربع الأخير من عام 1980 واحدة من أكبر النكسات التي مرت بها صناعة النفط العراقية. ففي العام الأول للحرب والتي بدأت في أغسطس 1980 انخفض إنتاج النفط بنسبة 24 في المائة ، وعندما حلت السنة الثانية من الحرب تدهور الإنتاج والتصدير بنسبة انخفاض فاقت الـ 66 في المائة ، حيث يعود جزء كبير من هذا الانخفاض إلى قرار الحكومة السورية بإغلاق خط تصدير النفط العراقي المار عبر أراضيها وذلك كخطوة تضامن مع الموقف الإيراني ودعم للمجهود الحربي الإيراني، وكوسيلة للضغط السياسي والاقتصادي على الحكومة العراقية. وجاء قرار القيادة العراقية بغزو دولة الكويت في أغسطس 1990 بأزمة كبيرة أخرى واجهتها صناعة النفط العراقية، فخلال عام 1990 انعكست الأزمة بتسجيل انخفاض في معدل الإنتاج والتصدير فاق نسبة 24 في المائة، ولكن عام تحرير الكويت وحرب دول التحالف على العراق (1991 ) شهد إحدى أكبر أزمات صناعة النفط العراقية، حيث خضعت الدولة خلال هذا العام وخلال الأعوام اللاحقة له لحصار ومقاطعة اقتصادية خانقة وشاملة دامت سنوات عديدة انعدمت خلالها فعاليات تصدير النفط العراقي بشكل شبة تام، فقد وصلت نسبة انخفاض الإنتاج لهذا العام إلى أكثر من 86 في المائة . مأساة صناعة النفط العراقية لم تشهد نهايتها بالاتفاق الدولي على تخفيف الحصار والسماح بتصدير إنتاج النفط العراقي وتحت شروط عصيبة وقاسية حين جاء عام 2003 بحرب أخرى تمثلت بالغزو والاحتلال الأمريكي – البريطاني للعراق، وهو الحدث الذي فتح صفحة جديدة وخطيرة في تاريخ البلاد وفي تاريخ صناعة الدولة النفطية حيث مازالت المأساة مستمرة.

لقد جاء الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق بأخطار آنية ومستقبلية ستحدد مستقبل ثروة البلاد النفطية خلال العقود الزمنية المقبلة. فإذا كانت الثروة النفطية للعراق قد استطاعت التعامل مع الصعوبات التي مصدرها الظروف السياسية الإقليمية وقرارات القيادات السياسية الخاطئة والقاتلة، وربما استطاعت التعافي من الأزمات التي واجهتها في الماضي، وخرجت من المواجهات بجروح بعضها عميق وبعضها الآخر طفيف وذلك بقدرة وإخلاص وكفاءة الكادر النفطي الوطني الذي أثبت إخلاصا للوطن وليس للقيادات السياسية، فإن الخطر الذي يحيق بثروة البلاد النفطية اليوم يتجاوز قدرات الكادر المخلص للتعامل معه.

إن الثروة النفطية العراقية اليوم تخضع لعملية نهب واسع بين نشاطات فئة محددة من (حرامية النفط الصغار) من مجرمين وطامعين وعصابات محترفة تبحث عن الكسب المادي السريع حين يسرقون النفط ومنتجاته من أفواه وأيادي المواطنين العراقيين ليقوموا ببيعه خارج البلاد، إلى ما هو أخطر وأدهى وهو الخطر المتمثل بنشاطات وطموحات (السراق الكبار) من البعض، وهم قلة، من فئة السياسيين الجدد الذي تولوا السلطة وزمام الأمر والنهي في البلاد، وأمسوا الآمرون بمستقبل ثروات البلاد من دون عناء أو جهد. هؤلاء، ومن خلال السعي لدعم مصالحهم الشخصية، سيمثلون الخطر الحقيقي والتحدي لثروة البلاد النفطية ولخيرات الدولة. خطر، ربما لا يقارن في جديته وآثاره المدمرة بكل ما واجهته صناعة النفط من ويلات ومآزق سابقة.

::/fulltext::
::cck::3049::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *