مستقبل النفط الروسي

::cck::3048::/cck::
::introtext::

ينافس إنتاج النفط الروسي إنتاج نفط السعودية على المركز الأول في سوق النفط العالمية، ‏في الوقت الذي تعد فيه روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في العالم. كانت روسيا المصدر ‏الأول للنفط من خارج منظمة الأوبك طيلة السنوات الخمس الماضية، وكانت مسؤولة إلى حد ‏بعيد عن الوفاء باحتياجات السوق العالمي، ولا سيما في ضوء الزيادة المتسارعة في الطلب ‏على النفط من الصين. إضافة إلى ذلك، فإن هناك القليل من المناطق في العالم حيث توجد ‏احتياطيات كبيرة غير مستثمرة من النفط وروسيا واحدة منها. ‏

 

::/introtext::
::fulltext::

ينافس إنتاج النفط الروسي إنتاج نفط السعودية على المركز الأول في سوق النفط العالمية، ‏في الوقت الذي تعد فيه روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في العالم. كانت روسيا المصدر ‏الأول للنفط من خارج منظمة الأوبك طيلة السنوات الخمس الماضية، وكانت مسؤولة إلى حد ‏بعيد عن الوفاء باحتياجات السوق العالمي، ولا سيما في ضوء الزيادة المتسارعة في الطلب ‏على النفط من الصين. إضافة إلى ذلك، فإن هناك القليل من المناطق في العالم حيث توجد ‏احتياطيات كبيرة غير مستثمرة من النفط وروسيا واحدة منها. ‏

وبحسب الإحصاءات الواردة من مصادر صناعة النفط المختلفة، تتمتع روسيا بثامن أكبر احتياطي ‏مؤكد من النفط الخام في العالم والذي يقدّر بنحو60 مليار برميل، فيما لم ترد إحصاءات رسمية ‏من روسيا، حيث لا تزال أرقام احتياطي النفط الرسمية سراً من أسرار الدولة. ومع هذا تم ‏الحصول على بيانات كافية من الشركات العاملة في روسيا لتحديد كمية احتياطياتها من النفط، ‏ويعني ذلك أن لدى روسيا 60 مليار برميل من النفط، وأن روسيا تمتلك ما يقارب الستة في ‏المائة من احتياطي النفط في العالم. إلا أن التقديرات القادمة من شركات النفط الروسية تشير ‏إلى أن احتياطي النفط الخام الروسي يتراوح بين 90 و120 مليار برميل، أي أكثر بنسبة 50 ‏إلى 100 من الأرقام التي نشرتها المصادر المطلعة. وأيا كان الرقم الصحيح فإن من الواضح أن ‏روسيا تمتلك احتياطياً هائلاً لم يستغل بعد ويمكن استثماره في المستقبل، شريطة توفر ‏المناخ الاستثماري المناسب.‏

بدأت معجزة إنتاج النفط الروسي عام 1999 حينما كان يزيد على ستة ملايين برميل يومياً، ‏وفي عام 2004 قفز الإنتاج إلى 9.4 مليون برميل يومياً، أي بزيادة فاقت الخمسين في المائة. ‏ومن أهم أسباب هذه الطفرة الهائلة: أن تخفيض سعر صرف الروبل عام 1998 سمح لشركات ‏النفط الروسية بتسديد نفقاتها بالروبل ذي القيمة المنخفضة، وأن الارتفاع المطّرد في أسعار ‏النفط بدءاً من العام 1999 سمح للشركات بتحقيق عائدات أعلى بالدولار، وأهم من ذلك كله ‏استقدام مديرين غربيين وتكنولوجيا غربية لإعادة تطوير حقول النفط في سيبيريا الغربية ‏ومنطقة الفولغا-أورال. وكانت شركة يوكوس هي الرائدة في طفرة الإنتاج هذه، فقد بلغت ‏الزيادة السنوية التي حققتها ما يفوق 10 في المائة. وأسهمت شركات أخرى مثل سيبنيفت ‏‏(سيب نفط)، و(تي إن كيه – بي بي التابعة لها)، لوك أويل، وسيرجوتنفتيجاز (سيرغوت نفط ‏غاز) في رفع معدلات الإنتاج كما كان لشركة النفط روزنيفت (روز نفط) التابعة للدولة حصتها من ‏زيادة الإنتاج، إلا أنها لم تحقق النجاح الذي حققته الشركات الروسية الأخرى التي خضعت ‏للخصخصة. ومن بين الأسباب الخاصة بزيادة الإنتاج كذلك بقاء مستوى استهلاك النفط الروسي ‏محلياً على حاله، ما مكّن شركات النفط الروسية من زيادة صادراتها في الوقت نفسه الذي ‏زادت فيه إنتاجها.‏

ومنذ شهر سبتمبر 2004، حيث شهد إنتاج النفط الروسي قفزة إلى 9.4 مليون برميل يومياً، ‏لكن هذا الإنتاج أخذ يتراجع حتى وصل إلى مستوى يفوق قليلاً تسعة ملايين برميل يومياً. إن ‏نمو الإنتاج لعام 2005 هو دون أربعة في المائة، بينما كان أعلى من تسعة في المائة عام ‏‏2004 وأعلى من 11 في المائة عام 2003. ويُعدّ هذا التراجع خطيراً على الأسواق العالمية، ‏لأن روسيا ـ كما بيّنا سابقاً ـ كانت المصدر الذي أمد العالم باحتياجاته المتزايدة من الطاقة، ‏فمن دون الإنتاج الروسي القوي تقلصت إمدادات النفط العالمية بشكل كبير، لأن قدرة أوبك ‏على ردم الفجوة الحاصلة بين العرض والطلب محدودة، والإنتاج الإجمالي للبلدان الأخرى من ‏خارج أوبك يبقى دون المستوى المطلوب. لقد أدى كل ذلك إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط. ‏والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما سبب هذا الانخفاض في إنتاج النفط في روسيا؟

يؤثر العديد من العوامل في البيئة الاستثمارية، فالضريبة التي فرضتها الدولة على يوكوس ‏والتي تجاوزت 28 مليار دولار، والتلاعب في المزاد الخاص ببيع يوجانسكنيفتيجاز (يوغانسك ‏نفط غاز)، كبرى وحدات الإنتاج في يوكوس، إضافة إلى محاكمة وإدانة رئيس (يوكوس) ميخائيل ‏خودوركوفسكي، هذه الأمور كلها مجتمعة أثارت شكوكاً حول المناخ الاستثماري في روسيا، ‏كما أن التدخل المبالغ فيه للمؤسسة القضائية من خلال إعادة تقييم مستمر للضرائب وبأثر ‏رجعي على شركات النفط الروسية الأخرى عزز الشكوك التي تنشأ عن مثل هذه الملاحقات ‏القضائية، فهي تشير إلى أن الصراع الجاري داخل الكرملين بين الإصلاحيين والمتشددين هو ‏خارج نطاق سيطرة الرئيس بوتين. فالبيروقراطية تسير في طريقها رغم تعزيز سلطات الرئيس ‏بوتين على روسيا وأقاليمها.‏

ومما يزيد الأمور سوءاً، في رأيي، أن زيادة التدخل الحكومي في نشاطات اقتصادية أخرى تقود ‏إلى هبوط النمو الاقتصادي، وذلك نظراً لقلة الاستثمارات. وقد تأثرت عائدات الاستثمار سلباً ‏جراء زيادة الضرائب التي فرضتها الحكومة وزيادة المخاطر من خلال قوانين عقود وتشريعات ‏ضرائب غير واضحة، وضغط إداري هائل تمارسه السلطات المعنية على الشركات، بدلاً من ‏السعي إلى تبني أنجع الحلول لتجاوز المعوقات الحالية. إضافة إلى أن عملية إعادة تأميم ‏صناعة النفط تسهم في تراجع الإنتاج.‏

وتكمن أسباب الهبوط الأخير في إنتاج روسيا من النفط الخام في زيادة تدخل الدولة في صناعة ‏النفط بعد إعادة انتخاب الرئيس بوتين لولاية جديدة، وتتضمن زيادة التدخل هذه ما يلي:‏

‏1- الزيادة الهائلة في الضرائب المفروضة على صناعة النفط الروسية بدءاً من صيف ‏العام 2004، والتي مهدت لضريبة الدخل التصاعدية من صادرات النفط الخام، حيث ‏أصبحت الشركات بموجبها تدفع 90 سنتاً من كل دولار إضافي تجنيه من مبيعات النفط ‏الخام عند ارتفاع سعر النفط فوق 25 دولاراً للبرميل.‏

‏2- عجز الحكومة عن تذليل المشكلات التي يمر بها خط أنابيب التصدير (الذي يمكنه ‏تصدير ثلث النفط الخام، فيما يصدَّر الباقي عن طريق خطوط السكك الحديدية والناقلات ‏ذات التكلفة العالية)، بينما منعت الحكومة إنشاء خط أنابيب تعود ملكيته إلى القطاع ‏الخاص بطاقة إنتاجية تبلغ 1-2 مليون برميل في اليوم في مورمانسك.‏

‏3- زيادة التدخل في صفقات شراء الشركات واندماجها, وذلك رغبة من الكرملين في ‏السيطرة على عمليات الشراء وتوجيه صفقات الاستثمار ومنع حدوث التغييرات في ‏ملكية هذا السوق، وكذلك حجب الاستثمارات الجديدة عن هذا القطاع.

‏4- فرض قيود محتملة على الشركات الأجنبية للوصول إلى مصادر النفط الروسي، ‏حيث إن قانون استثمار المصادر الطبيعية الجديد سيؤكد على هذه القيود.‏

وحاول الرئيس بوتين إصلاح الأوضاع، عندما قال في خطابه للجمعية الاتحادية في 25 إبريل ‏الماضي: إن على الحكومة أن تبذل مزيداً من الجهد لإيجاد بيئة استثمارية جاذبة، وإنه يتعين ‏على سلطات الضرائب التوقف عن إرهاب الشركات، وإنه يجب ألا يتم تحصيل الضرائب والرسوم ‏بناء على أهداف محددة سلفاً. ففي اجتماع لمجلس الوزراء عقد بتاريخ 11 مارس الماضي، أمر ‏الرئيس بوتين الحكومة بإعداد تشريع يساعد على إيجاد مناخ استثماري أفضل، وجاء على ‏رأس أوامر بوتين للحكومة أن تقدم للبرلمان تعديلاً في قانون القيود على عمليات الخصخصة ‏من 10 إلى 3 سنوات، وهو التعديل الذي يفترض به أن يزيل التهديد للشركات والأفراد الروس ‏من الخضوع للمحاكمة لاشتراكهم في عمليات خصخصة جرت في عهد يلتسين، والتي يعتبرها ‏العديد فساداً. وحاول الرئيس بوتين أيضاً من قبل تحسين مناخ الاستثمارات بالقول والفعل، ‏ولكن تبقى مسألة نجاحه مفتوحة على جميع الاحتمالات.‏

كما تبقى قضية الاستثمارات المستقبلية في صناعة النفط الروسية على المديين المتوسط ‏والبعيد غير واضحة، فالاستثمار مسألة جوهرية بالنسبة للنجاح على المدى البعيد وذلك كون ‏الحقول الموجودة حاليا تتهالك والإنتاج يتراجع. أما بشأن الإصلاحات التي شرع الرئيس بوتين ‏بتنفيذها فينبغي أن تتم بطريقة تعمل على جذب الاستثمارات، كما ينبغي ألا يكون فرض ‏الضرائب على شكل المصادرة وإنما يجب أن تقدم دوافع كافية على استثمارات المدى الطويل ‏في الحقول غير المستغلة. أما قانون استغلال المصادر الطبيعية فهو ضروري، ولكن ليس عن ‏طريق فرض عقوبات على الاستثمار الأجنبي ووضع العوائق أمام الاستثمارات الجديدة، وينبغي ‏أيضاً حل مشكلات البنى التحتية وإنشاء خط أنابيب جديد. أما قضية إعادة التأميم فيجب أن ‏تبقى ضمن الحدود المعقولة وذلك لكون الشركات الحكومية لا تتمتع بكفاءة الشركات الخاصة.‏

أخيراً يمكن لروسيا أن تكون لاعباً أساسياً في سوق النفط العالمي مستقبلاً من خلال إضافة ‏إمدادات مهمة للوفاء باحتياجات النمو المستقبلية الناشئة عن توسع الاقتصاد العالمي، ولا ‏سيما العملاقين الاقتصاديين الآسيويين، الصين والهند، ولكن دور روسيا المستقبلي في ‏صناعة النفط قد يُهمَّش ما لم يتم تقليل التدخل الحكومي غير المبرر وتحسين المناخ ‏الاستثماري.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3048::/cck::
::introtext::

ينافس إنتاج النفط الروسي إنتاج نفط السعودية على المركز الأول في سوق النفط العالمية، ‏في الوقت الذي تعد فيه روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في العالم. كانت روسيا المصدر ‏الأول للنفط من خارج منظمة الأوبك طيلة السنوات الخمس الماضية، وكانت مسؤولة إلى حد ‏بعيد عن الوفاء باحتياجات السوق العالمي، ولا سيما في ضوء الزيادة المتسارعة في الطلب ‏على النفط من الصين. إضافة إلى ذلك، فإن هناك القليل من المناطق في العالم حيث توجد ‏احتياطيات كبيرة غير مستثمرة من النفط وروسيا واحدة منها. ‏

 

::/introtext::
::fulltext::

ينافس إنتاج النفط الروسي إنتاج نفط السعودية على المركز الأول في سوق النفط العالمية، ‏في الوقت الذي تعد فيه روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في العالم. كانت روسيا المصدر ‏الأول للنفط من خارج منظمة الأوبك طيلة السنوات الخمس الماضية، وكانت مسؤولة إلى حد ‏بعيد عن الوفاء باحتياجات السوق العالمي، ولا سيما في ضوء الزيادة المتسارعة في الطلب ‏على النفط من الصين. إضافة إلى ذلك، فإن هناك القليل من المناطق في العالم حيث توجد ‏احتياطيات كبيرة غير مستثمرة من النفط وروسيا واحدة منها. ‏

وبحسب الإحصاءات الواردة من مصادر صناعة النفط المختلفة، تتمتع روسيا بثامن أكبر احتياطي ‏مؤكد من النفط الخام في العالم والذي يقدّر بنحو60 مليار برميل، فيما لم ترد إحصاءات رسمية ‏من روسيا، حيث لا تزال أرقام احتياطي النفط الرسمية سراً من أسرار الدولة. ومع هذا تم ‏الحصول على بيانات كافية من الشركات العاملة في روسيا لتحديد كمية احتياطياتها من النفط، ‏ويعني ذلك أن لدى روسيا 60 مليار برميل من النفط، وأن روسيا تمتلك ما يقارب الستة في ‏المائة من احتياطي النفط في العالم. إلا أن التقديرات القادمة من شركات النفط الروسية تشير ‏إلى أن احتياطي النفط الخام الروسي يتراوح بين 90 و120 مليار برميل، أي أكثر بنسبة 50 ‏إلى 100 من الأرقام التي نشرتها المصادر المطلعة. وأيا كان الرقم الصحيح فإن من الواضح أن ‏روسيا تمتلك احتياطياً هائلاً لم يستغل بعد ويمكن استثماره في المستقبل، شريطة توفر ‏المناخ الاستثماري المناسب.‏

بدأت معجزة إنتاج النفط الروسي عام 1999 حينما كان يزيد على ستة ملايين برميل يومياً، ‏وفي عام 2004 قفز الإنتاج إلى 9.4 مليون برميل يومياً، أي بزيادة فاقت الخمسين في المائة. ‏ومن أهم أسباب هذه الطفرة الهائلة: أن تخفيض سعر صرف الروبل عام 1998 سمح لشركات ‏النفط الروسية بتسديد نفقاتها بالروبل ذي القيمة المنخفضة، وأن الارتفاع المطّرد في أسعار ‏النفط بدءاً من العام 1999 سمح للشركات بتحقيق عائدات أعلى بالدولار، وأهم من ذلك كله ‏استقدام مديرين غربيين وتكنولوجيا غربية لإعادة تطوير حقول النفط في سيبيريا الغربية ‏ومنطقة الفولغا-أورال. وكانت شركة يوكوس هي الرائدة في طفرة الإنتاج هذه، فقد بلغت ‏الزيادة السنوية التي حققتها ما يفوق 10 في المائة. وأسهمت شركات أخرى مثل سيبنيفت ‏‏(سيب نفط)، و(تي إن كيه – بي بي التابعة لها)، لوك أويل، وسيرجوتنفتيجاز (سيرغوت نفط ‏غاز) في رفع معدلات الإنتاج كما كان لشركة النفط روزنيفت (روز نفط) التابعة للدولة حصتها من ‏زيادة الإنتاج، إلا أنها لم تحقق النجاح الذي حققته الشركات الروسية الأخرى التي خضعت ‏للخصخصة. ومن بين الأسباب الخاصة بزيادة الإنتاج كذلك بقاء مستوى استهلاك النفط الروسي ‏محلياً على حاله، ما مكّن شركات النفط الروسية من زيادة صادراتها في الوقت نفسه الذي ‏زادت فيه إنتاجها.‏

ومنذ شهر سبتمبر 2004، حيث شهد إنتاج النفط الروسي قفزة إلى 9.4 مليون برميل يومياً، ‏لكن هذا الإنتاج أخذ يتراجع حتى وصل إلى مستوى يفوق قليلاً تسعة ملايين برميل يومياً. إن ‏نمو الإنتاج لعام 2005 هو دون أربعة في المائة، بينما كان أعلى من تسعة في المائة عام ‏‏2004 وأعلى من 11 في المائة عام 2003. ويُعدّ هذا التراجع خطيراً على الأسواق العالمية، ‏لأن روسيا ـ كما بيّنا سابقاً ـ كانت المصدر الذي أمد العالم باحتياجاته المتزايدة من الطاقة، ‏فمن دون الإنتاج الروسي القوي تقلصت إمدادات النفط العالمية بشكل كبير، لأن قدرة أوبك ‏على ردم الفجوة الحاصلة بين العرض والطلب محدودة، والإنتاج الإجمالي للبلدان الأخرى من ‏خارج أوبك يبقى دون المستوى المطلوب. لقد أدى كل ذلك إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط. ‏والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما سبب هذا الانخفاض في إنتاج النفط في روسيا؟

يؤثر العديد من العوامل في البيئة الاستثمارية، فالضريبة التي فرضتها الدولة على يوكوس ‏والتي تجاوزت 28 مليار دولار، والتلاعب في المزاد الخاص ببيع يوجانسكنيفتيجاز (يوغانسك ‏نفط غاز)، كبرى وحدات الإنتاج في يوكوس، إضافة إلى محاكمة وإدانة رئيس (يوكوس) ميخائيل ‏خودوركوفسكي، هذه الأمور كلها مجتمعة أثارت شكوكاً حول المناخ الاستثماري في روسيا، ‏كما أن التدخل المبالغ فيه للمؤسسة القضائية من خلال إعادة تقييم مستمر للضرائب وبأثر ‏رجعي على شركات النفط الروسية الأخرى عزز الشكوك التي تنشأ عن مثل هذه الملاحقات ‏القضائية، فهي تشير إلى أن الصراع الجاري داخل الكرملين بين الإصلاحيين والمتشددين هو ‏خارج نطاق سيطرة الرئيس بوتين. فالبيروقراطية تسير في طريقها رغم تعزيز سلطات الرئيس ‏بوتين على روسيا وأقاليمها.‏

ومما يزيد الأمور سوءاً، في رأيي، أن زيادة التدخل الحكومي في نشاطات اقتصادية أخرى تقود ‏إلى هبوط النمو الاقتصادي، وذلك نظراً لقلة الاستثمارات. وقد تأثرت عائدات الاستثمار سلباً ‏جراء زيادة الضرائب التي فرضتها الحكومة وزيادة المخاطر من خلال قوانين عقود وتشريعات ‏ضرائب غير واضحة، وضغط إداري هائل تمارسه السلطات المعنية على الشركات، بدلاً من ‏السعي إلى تبني أنجع الحلول لتجاوز المعوقات الحالية. إضافة إلى أن عملية إعادة تأميم ‏صناعة النفط تسهم في تراجع الإنتاج.‏

وتكمن أسباب الهبوط الأخير في إنتاج روسيا من النفط الخام في زيادة تدخل الدولة في صناعة ‏النفط بعد إعادة انتخاب الرئيس بوتين لولاية جديدة، وتتضمن زيادة التدخل هذه ما يلي:‏

‏1- الزيادة الهائلة في الضرائب المفروضة على صناعة النفط الروسية بدءاً من صيف ‏العام 2004، والتي مهدت لضريبة الدخل التصاعدية من صادرات النفط الخام، حيث ‏أصبحت الشركات بموجبها تدفع 90 سنتاً من كل دولار إضافي تجنيه من مبيعات النفط ‏الخام عند ارتفاع سعر النفط فوق 25 دولاراً للبرميل.‏

‏2- عجز الحكومة عن تذليل المشكلات التي يمر بها خط أنابيب التصدير (الذي يمكنه ‏تصدير ثلث النفط الخام، فيما يصدَّر الباقي عن طريق خطوط السكك الحديدية والناقلات ‏ذات التكلفة العالية)، بينما منعت الحكومة إنشاء خط أنابيب تعود ملكيته إلى القطاع ‏الخاص بطاقة إنتاجية تبلغ 1-2 مليون برميل في اليوم في مورمانسك.‏

‏3- زيادة التدخل في صفقات شراء الشركات واندماجها, وذلك رغبة من الكرملين في ‏السيطرة على عمليات الشراء وتوجيه صفقات الاستثمار ومنع حدوث التغييرات في ‏ملكية هذا السوق، وكذلك حجب الاستثمارات الجديدة عن هذا القطاع.

‏4- فرض قيود محتملة على الشركات الأجنبية للوصول إلى مصادر النفط الروسي، ‏حيث إن قانون استثمار المصادر الطبيعية الجديد سيؤكد على هذه القيود.‏

وحاول الرئيس بوتين إصلاح الأوضاع، عندما قال في خطابه للجمعية الاتحادية في 25 إبريل ‏الماضي: إن على الحكومة أن تبذل مزيداً من الجهد لإيجاد بيئة استثمارية جاذبة، وإنه يتعين ‏على سلطات الضرائب التوقف عن إرهاب الشركات، وإنه يجب ألا يتم تحصيل الضرائب والرسوم ‏بناء على أهداف محددة سلفاً. ففي اجتماع لمجلس الوزراء عقد بتاريخ 11 مارس الماضي، أمر ‏الرئيس بوتين الحكومة بإعداد تشريع يساعد على إيجاد مناخ استثماري أفضل، وجاء على ‏رأس أوامر بوتين للحكومة أن تقدم للبرلمان تعديلاً في قانون القيود على عمليات الخصخصة ‏من 10 إلى 3 سنوات، وهو التعديل الذي يفترض به أن يزيل التهديد للشركات والأفراد الروس ‏من الخضوع للمحاكمة لاشتراكهم في عمليات خصخصة جرت في عهد يلتسين، والتي يعتبرها ‏العديد فساداً. وحاول الرئيس بوتين أيضاً من قبل تحسين مناخ الاستثمارات بالقول والفعل، ‏ولكن تبقى مسألة نجاحه مفتوحة على جميع الاحتمالات.‏

كما تبقى قضية الاستثمارات المستقبلية في صناعة النفط الروسية على المديين المتوسط ‏والبعيد غير واضحة، فالاستثمار مسألة جوهرية بالنسبة للنجاح على المدى البعيد وذلك كون ‏الحقول الموجودة حاليا تتهالك والإنتاج يتراجع. أما بشأن الإصلاحات التي شرع الرئيس بوتين ‏بتنفيذها فينبغي أن تتم بطريقة تعمل على جذب الاستثمارات، كما ينبغي ألا يكون فرض ‏الضرائب على شكل المصادرة وإنما يجب أن تقدم دوافع كافية على استثمارات المدى الطويل ‏في الحقول غير المستغلة. أما قانون استغلال المصادر الطبيعية فهو ضروري، ولكن ليس عن ‏طريق فرض عقوبات على الاستثمار الأجنبي ووضع العوائق أمام الاستثمارات الجديدة، وينبغي ‏أيضاً حل مشكلات البنى التحتية وإنشاء خط أنابيب جديد. أما قضية إعادة التأميم فيجب أن ‏تبقى ضمن الحدود المعقولة وذلك لكون الشركات الحكومية لا تتمتع بكفاءة الشركات الخاصة.‏

أخيراً يمكن لروسيا أن تكون لاعباً أساسياً في سوق النفط العالمي مستقبلاً من خلال إضافة ‏إمدادات مهمة للوفاء باحتياجات النمو المستقبلية الناشئة عن توسع الاقتصاد العالمي، ولا ‏سيما العملاقين الاقتصاديين الآسيويين، الصين والهند، ولكن دور روسيا المستقبلي في ‏صناعة النفط قد يُهمَّش ما لم يتم تقليل التدخل الحكومي غير المبرر وتحسين المناخ ‏الاستثماري.

::/fulltext::
::cck::3048::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *