مستقبل النفط الروسي
::cck::3048::/cck::
::introtext::
ينافس إنتاج النفط الروسي إنتاج نفط السعودية على المركز الأول في سوق النفط العالمية، في الوقت الذي تعد فيه روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في العالم. كانت روسيا المصدر الأول للنفط من خارج منظمة الأوبك طيلة السنوات الخمس الماضية، وكانت مسؤولة إلى حد بعيد عن الوفاء باحتياجات السوق العالمي، ولا سيما في ضوء الزيادة المتسارعة في الطلب على النفط من الصين. إضافة إلى ذلك، فإن هناك القليل من المناطق في العالم حيث توجد احتياطيات كبيرة غير مستثمرة من النفط وروسيا واحدة منها.
::/introtext::
::fulltext::
ينافس إنتاج النفط الروسي إنتاج نفط السعودية على المركز الأول في سوق النفط العالمية، في الوقت الذي تعد فيه روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في العالم. كانت روسيا المصدر الأول للنفط من خارج منظمة الأوبك طيلة السنوات الخمس الماضية، وكانت مسؤولة إلى حد بعيد عن الوفاء باحتياجات السوق العالمي، ولا سيما في ضوء الزيادة المتسارعة في الطلب على النفط من الصين. إضافة إلى ذلك، فإن هناك القليل من المناطق في العالم حيث توجد احتياطيات كبيرة غير مستثمرة من النفط وروسيا واحدة منها.
وبحسب الإحصاءات الواردة من مصادر صناعة النفط المختلفة، تتمتع روسيا بثامن أكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في العالم والذي يقدّر بنحو60 مليار برميل، فيما لم ترد إحصاءات رسمية من روسيا، حيث لا تزال أرقام احتياطي النفط الرسمية سراً من أسرار الدولة. ومع هذا تم الحصول على بيانات كافية من الشركات العاملة في روسيا لتحديد كمية احتياطياتها من النفط، ويعني ذلك أن لدى روسيا 60 مليار برميل من النفط، وأن روسيا تمتلك ما يقارب الستة في المائة من احتياطي النفط في العالم. إلا أن التقديرات القادمة من شركات النفط الروسية تشير إلى أن احتياطي النفط الخام الروسي يتراوح بين 90 و120 مليار برميل، أي أكثر بنسبة 50 إلى 100 من الأرقام التي نشرتها المصادر المطلعة. وأيا كان الرقم الصحيح فإن من الواضح أن روسيا تمتلك احتياطياً هائلاً لم يستغل بعد ويمكن استثماره في المستقبل، شريطة توفر المناخ الاستثماري المناسب.
بدأت معجزة إنتاج النفط الروسي عام 1999 حينما كان يزيد على ستة ملايين برميل يومياً، وفي عام 2004 قفز الإنتاج إلى 9.4 مليون برميل يومياً، أي بزيادة فاقت الخمسين في المائة. ومن أهم أسباب هذه الطفرة الهائلة: أن تخفيض سعر صرف الروبل عام 1998 سمح لشركات النفط الروسية بتسديد نفقاتها بالروبل ذي القيمة المنخفضة، وأن الارتفاع المطّرد في أسعار النفط بدءاً من العام 1999 سمح للشركات بتحقيق عائدات أعلى بالدولار، وأهم من ذلك كله استقدام مديرين غربيين وتكنولوجيا غربية لإعادة تطوير حقول النفط في سيبيريا الغربية ومنطقة الفولغا-أورال. وكانت شركة يوكوس هي الرائدة في طفرة الإنتاج هذه، فقد بلغت الزيادة السنوية التي حققتها ما يفوق 10 في المائة. وأسهمت شركات أخرى مثل سيبنيفت (سيب نفط)، و(تي إن كيه – بي بي التابعة لها)، لوك أويل، وسيرجوتنفتيجاز (سيرغوت نفط غاز) في رفع معدلات الإنتاج كما كان لشركة النفط روزنيفت (روز نفط) التابعة للدولة حصتها من زيادة الإنتاج، إلا أنها لم تحقق النجاح الذي حققته الشركات الروسية الأخرى التي خضعت للخصخصة. ومن بين الأسباب الخاصة بزيادة الإنتاج كذلك بقاء مستوى استهلاك النفط الروسي محلياً على حاله، ما مكّن شركات النفط الروسية من زيادة صادراتها في الوقت نفسه الذي زادت فيه إنتاجها.
ومنذ شهر سبتمبر 2004، حيث شهد إنتاج النفط الروسي قفزة إلى 9.4 مليون برميل يومياً، لكن هذا الإنتاج أخذ يتراجع حتى وصل إلى مستوى يفوق قليلاً تسعة ملايين برميل يومياً. إن نمو الإنتاج لعام 2005 هو دون أربعة في المائة، بينما كان أعلى من تسعة في المائة عام 2004 وأعلى من 11 في المائة عام 2003. ويُعدّ هذا التراجع خطيراً على الأسواق العالمية، لأن روسيا ـ كما بيّنا سابقاً ـ كانت المصدر الذي أمد العالم باحتياجاته المتزايدة من الطاقة، فمن دون الإنتاج الروسي القوي تقلصت إمدادات النفط العالمية بشكل كبير، لأن قدرة أوبك على ردم الفجوة الحاصلة بين العرض والطلب محدودة، والإنتاج الإجمالي للبلدان الأخرى من خارج أوبك يبقى دون المستوى المطلوب. لقد أدى كل ذلك إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما سبب هذا الانخفاض في إنتاج النفط في روسيا؟
يؤثر العديد من العوامل في البيئة الاستثمارية، فالضريبة التي فرضتها الدولة على يوكوس والتي تجاوزت 28 مليار دولار، والتلاعب في المزاد الخاص ببيع يوجانسكنيفتيجاز (يوغانسك نفط غاز)، كبرى وحدات الإنتاج في يوكوس، إضافة إلى محاكمة وإدانة رئيس (يوكوس) ميخائيل خودوركوفسكي، هذه الأمور كلها مجتمعة أثارت شكوكاً حول المناخ الاستثماري في روسيا، كما أن التدخل المبالغ فيه للمؤسسة القضائية من خلال إعادة تقييم مستمر للضرائب وبأثر رجعي على شركات النفط الروسية الأخرى عزز الشكوك التي تنشأ عن مثل هذه الملاحقات القضائية، فهي تشير إلى أن الصراع الجاري داخل الكرملين بين الإصلاحيين والمتشددين هو خارج نطاق سيطرة الرئيس بوتين. فالبيروقراطية تسير في طريقها رغم تعزيز سلطات الرئيس بوتين على روسيا وأقاليمها.
ومما يزيد الأمور سوءاً، في رأيي، أن زيادة التدخل الحكومي في نشاطات اقتصادية أخرى تقود إلى هبوط النمو الاقتصادي، وذلك نظراً لقلة الاستثمارات. وقد تأثرت عائدات الاستثمار سلباً جراء زيادة الضرائب التي فرضتها الحكومة وزيادة المخاطر من خلال قوانين عقود وتشريعات ضرائب غير واضحة، وضغط إداري هائل تمارسه السلطات المعنية على الشركات، بدلاً من السعي إلى تبني أنجع الحلول لتجاوز المعوقات الحالية. إضافة إلى أن عملية إعادة تأميم صناعة النفط تسهم في تراجع الإنتاج.
وتكمن أسباب الهبوط الأخير في إنتاج روسيا من النفط الخام في زيادة تدخل الدولة في صناعة النفط بعد إعادة انتخاب الرئيس بوتين لولاية جديدة، وتتضمن زيادة التدخل هذه ما يلي:
1- الزيادة الهائلة في الضرائب المفروضة على صناعة النفط الروسية بدءاً من صيف العام 2004، والتي مهدت لضريبة الدخل التصاعدية من صادرات النفط الخام، حيث أصبحت الشركات بموجبها تدفع 90 سنتاً من كل دولار إضافي تجنيه من مبيعات النفط الخام عند ارتفاع سعر النفط فوق 25 دولاراً للبرميل.
2- عجز الحكومة عن تذليل المشكلات التي يمر بها خط أنابيب التصدير (الذي يمكنه تصدير ثلث النفط الخام، فيما يصدَّر الباقي عن طريق خطوط السكك الحديدية والناقلات ذات التكلفة العالية)، بينما منعت الحكومة إنشاء خط أنابيب تعود ملكيته إلى القطاع الخاص بطاقة إنتاجية تبلغ 1-2 مليون برميل في اليوم في مورمانسك.
3- زيادة التدخل في صفقات شراء الشركات واندماجها, وذلك رغبة من الكرملين في السيطرة على عمليات الشراء وتوجيه صفقات الاستثمار ومنع حدوث التغييرات في ملكية هذا السوق، وكذلك حجب الاستثمارات الجديدة عن هذا القطاع.
4- فرض قيود محتملة على الشركات الأجنبية للوصول إلى مصادر النفط الروسي، حيث إن قانون استثمار المصادر الطبيعية الجديد سيؤكد على هذه القيود.
وحاول الرئيس بوتين إصلاح الأوضاع، عندما قال في خطابه للجمعية الاتحادية في 25 إبريل الماضي: إن على الحكومة أن تبذل مزيداً من الجهد لإيجاد بيئة استثمارية جاذبة، وإنه يتعين على سلطات الضرائب التوقف عن إرهاب الشركات، وإنه يجب ألا يتم تحصيل الضرائب والرسوم بناء على أهداف محددة سلفاً. ففي اجتماع لمجلس الوزراء عقد بتاريخ 11 مارس الماضي، أمر الرئيس بوتين الحكومة بإعداد تشريع يساعد على إيجاد مناخ استثماري أفضل، وجاء على رأس أوامر بوتين للحكومة أن تقدم للبرلمان تعديلاً في قانون القيود على عمليات الخصخصة من 10 إلى 3 سنوات، وهو التعديل الذي يفترض به أن يزيل التهديد للشركات والأفراد الروس من الخضوع للمحاكمة لاشتراكهم في عمليات خصخصة جرت في عهد يلتسين، والتي يعتبرها العديد فساداً. وحاول الرئيس بوتين أيضاً من قبل تحسين مناخ الاستثمارات بالقول والفعل، ولكن تبقى مسألة نجاحه مفتوحة على جميع الاحتمالات.
كما تبقى قضية الاستثمارات المستقبلية في صناعة النفط الروسية على المديين المتوسط والبعيد غير واضحة، فالاستثمار مسألة جوهرية بالنسبة للنجاح على المدى البعيد وذلك كون الحقول الموجودة حاليا تتهالك والإنتاج يتراجع. أما بشأن الإصلاحات التي شرع الرئيس بوتين بتنفيذها فينبغي أن تتم بطريقة تعمل على جذب الاستثمارات، كما ينبغي ألا يكون فرض الضرائب على شكل المصادرة وإنما يجب أن تقدم دوافع كافية على استثمارات المدى الطويل في الحقول غير المستغلة. أما قانون استغلال المصادر الطبيعية فهو ضروري، ولكن ليس عن طريق فرض عقوبات على الاستثمار الأجنبي ووضع العوائق أمام الاستثمارات الجديدة، وينبغي أيضاً حل مشكلات البنى التحتية وإنشاء خط أنابيب جديد. أما قضية إعادة التأميم فيجب أن تبقى ضمن الحدود المعقولة وذلك لكون الشركات الحكومية لا تتمتع بكفاءة الشركات الخاصة.
أخيراً يمكن لروسيا أن تكون لاعباً أساسياً في سوق النفط العالمي مستقبلاً من خلال إضافة إمدادات مهمة للوفاء باحتياجات النمو المستقبلية الناشئة عن توسع الاقتصاد العالمي، ولا سيما العملاقين الاقتصاديين الآسيويين، الصين والهند، ولكن دور روسيا المستقبلي في صناعة النفط قد يُهمَّش ما لم يتم تقليل التدخل الحكومي غير المبرر وتحسين المناخ الاستثماري.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3048::/cck::
::introtext::
ينافس إنتاج النفط الروسي إنتاج نفط السعودية على المركز الأول في سوق النفط العالمية، في الوقت الذي تعد فيه روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في العالم. كانت روسيا المصدر الأول للنفط من خارج منظمة الأوبك طيلة السنوات الخمس الماضية، وكانت مسؤولة إلى حد بعيد عن الوفاء باحتياجات السوق العالمي، ولا سيما في ضوء الزيادة المتسارعة في الطلب على النفط من الصين. إضافة إلى ذلك، فإن هناك القليل من المناطق في العالم حيث توجد احتياطيات كبيرة غير مستثمرة من النفط وروسيا واحدة منها.
::/introtext::
::fulltext::
ينافس إنتاج النفط الروسي إنتاج نفط السعودية على المركز الأول في سوق النفط العالمية، في الوقت الذي تعد فيه روسيا ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في العالم. كانت روسيا المصدر الأول للنفط من خارج منظمة الأوبك طيلة السنوات الخمس الماضية، وكانت مسؤولة إلى حد بعيد عن الوفاء باحتياجات السوق العالمي، ولا سيما في ضوء الزيادة المتسارعة في الطلب على النفط من الصين. إضافة إلى ذلك، فإن هناك القليل من المناطق في العالم حيث توجد احتياطيات كبيرة غير مستثمرة من النفط وروسيا واحدة منها.
وبحسب الإحصاءات الواردة من مصادر صناعة النفط المختلفة، تتمتع روسيا بثامن أكبر احتياطي مؤكد من النفط الخام في العالم والذي يقدّر بنحو60 مليار برميل، فيما لم ترد إحصاءات رسمية من روسيا، حيث لا تزال أرقام احتياطي النفط الرسمية سراً من أسرار الدولة. ومع هذا تم الحصول على بيانات كافية من الشركات العاملة في روسيا لتحديد كمية احتياطياتها من النفط، ويعني ذلك أن لدى روسيا 60 مليار برميل من النفط، وأن روسيا تمتلك ما يقارب الستة في المائة من احتياطي النفط في العالم. إلا أن التقديرات القادمة من شركات النفط الروسية تشير إلى أن احتياطي النفط الخام الروسي يتراوح بين 90 و120 مليار برميل، أي أكثر بنسبة 50 إلى 100 من الأرقام التي نشرتها المصادر المطلعة. وأيا كان الرقم الصحيح فإن من الواضح أن روسيا تمتلك احتياطياً هائلاً لم يستغل بعد ويمكن استثماره في المستقبل، شريطة توفر المناخ الاستثماري المناسب.
بدأت معجزة إنتاج النفط الروسي عام 1999 حينما كان يزيد على ستة ملايين برميل يومياً، وفي عام 2004 قفز الإنتاج إلى 9.4 مليون برميل يومياً، أي بزيادة فاقت الخمسين في المائة. ومن أهم أسباب هذه الطفرة الهائلة: أن تخفيض سعر صرف الروبل عام 1998 سمح لشركات النفط الروسية بتسديد نفقاتها بالروبل ذي القيمة المنخفضة، وأن الارتفاع المطّرد في أسعار النفط بدءاً من العام 1999 سمح للشركات بتحقيق عائدات أعلى بالدولار، وأهم من ذلك كله استقدام مديرين غربيين وتكنولوجيا غربية لإعادة تطوير حقول النفط في سيبيريا الغربية ومنطقة الفولغا-أورال. وكانت شركة يوكوس هي الرائدة في طفرة الإنتاج هذه، فقد بلغت الزيادة السنوية التي حققتها ما يفوق 10 في المائة. وأسهمت شركات أخرى مثل سيبنيفت (سيب نفط)، و(تي إن كيه – بي بي التابعة لها)، لوك أويل، وسيرجوتنفتيجاز (سيرغوت نفط غاز) في رفع معدلات الإنتاج كما كان لشركة النفط روزنيفت (روز نفط) التابعة للدولة حصتها من زيادة الإنتاج، إلا أنها لم تحقق النجاح الذي حققته الشركات الروسية الأخرى التي خضعت للخصخصة. ومن بين الأسباب الخاصة بزيادة الإنتاج كذلك بقاء مستوى استهلاك النفط الروسي محلياً على حاله، ما مكّن شركات النفط الروسية من زيادة صادراتها في الوقت نفسه الذي زادت فيه إنتاجها.
ومنذ شهر سبتمبر 2004، حيث شهد إنتاج النفط الروسي قفزة إلى 9.4 مليون برميل يومياً، لكن هذا الإنتاج أخذ يتراجع حتى وصل إلى مستوى يفوق قليلاً تسعة ملايين برميل يومياً. إن نمو الإنتاج لعام 2005 هو دون أربعة في المائة، بينما كان أعلى من تسعة في المائة عام 2004 وأعلى من 11 في المائة عام 2003. ويُعدّ هذا التراجع خطيراً على الأسواق العالمية، لأن روسيا ـ كما بيّنا سابقاً ـ كانت المصدر الذي أمد العالم باحتياجاته المتزايدة من الطاقة، فمن دون الإنتاج الروسي القوي تقلصت إمدادات النفط العالمية بشكل كبير، لأن قدرة أوبك على ردم الفجوة الحاصلة بين العرض والطلب محدودة، والإنتاج الإجمالي للبلدان الأخرى من خارج أوبك يبقى دون المستوى المطلوب. لقد أدى كل ذلك إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما سبب هذا الانخفاض في إنتاج النفط في روسيا؟
يؤثر العديد من العوامل في البيئة الاستثمارية، فالضريبة التي فرضتها الدولة على يوكوس والتي تجاوزت 28 مليار دولار، والتلاعب في المزاد الخاص ببيع يوجانسكنيفتيجاز (يوغانسك نفط غاز)، كبرى وحدات الإنتاج في يوكوس، إضافة إلى محاكمة وإدانة رئيس (يوكوس) ميخائيل خودوركوفسكي، هذه الأمور كلها مجتمعة أثارت شكوكاً حول المناخ الاستثماري في روسيا، كما أن التدخل المبالغ فيه للمؤسسة القضائية من خلال إعادة تقييم مستمر للضرائب وبأثر رجعي على شركات النفط الروسية الأخرى عزز الشكوك التي تنشأ عن مثل هذه الملاحقات القضائية، فهي تشير إلى أن الصراع الجاري داخل الكرملين بين الإصلاحيين والمتشددين هو خارج نطاق سيطرة الرئيس بوتين. فالبيروقراطية تسير في طريقها رغم تعزيز سلطات الرئيس بوتين على روسيا وأقاليمها.
ومما يزيد الأمور سوءاً، في رأيي، أن زيادة التدخل الحكومي في نشاطات اقتصادية أخرى تقود إلى هبوط النمو الاقتصادي، وذلك نظراً لقلة الاستثمارات. وقد تأثرت عائدات الاستثمار سلباً جراء زيادة الضرائب التي فرضتها الحكومة وزيادة المخاطر من خلال قوانين عقود وتشريعات ضرائب غير واضحة، وضغط إداري هائل تمارسه السلطات المعنية على الشركات، بدلاً من السعي إلى تبني أنجع الحلول لتجاوز المعوقات الحالية. إضافة إلى أن عملية إعادة تأميم صناعة النفط تسهم في تراجع الإنتاج.
وتكمن أسباب الهبوط الأخير في إنتاج روسيا من النفط الخام في زيادة تدخل الدولة في صناعة النفط بعد إعادة انتخاب الرئيس بوتين لولاية جديدة، وتتضمن زيادة التدخل هذه ما يلي:
1- الزيادة الهائلة في الضرائب المفروضة على صناعة النفط الروسية بدءاً من صيف العام 2004، والتي مهدت لضريبة الدخل التصاعدية من صادرات النفط الخام، حيث أصبحت الشركات بموجبها تدفع 90 سنتاً من كل دولار إضافي تجنيه من مبيعات النفط الخام عند ارتفاع سعر النفط فوق 25 دولاراً للبرميل.
2- عجز الحكومة عن تذليل المشكلات التي يمر بها خط أنابيب التصدير (الذي يمكنه تصدير ثلث النفط الخام، فيما يصدَّر الباقي عن طريق خطوط السكك الحديدية والناقلات ذات التكلفة العالية)، بينما منعت الحكومة إنشاء خط أنابيب تعود ملكيته إلى القطاع الخاص بطاقة إنتاجية تبلغ 1-2 مليون برميل في اليوم في مورمانسك.
3- زيادة التدخل في صفقات شراء الشركات واندماجها, وذلك رغبة من الكرملين في السيطرة على عمليات الشراء وتوجيه صفقات الاستثمار ومنع حدوث التغييرات في ملكية هذا السوق، وكذلك حجب الاستثمارات الجديدة عن هذا القطاع.
4- فرض قيود محتملة على الشركات الأجنبية للوصول إلى مصادر النفط الروسي، حيث إن قانون استثمار المصادر الطبيعية الجديد سيؤكد على هذه القيود.
وحاول الرئيس بوتين إصلاح الأوضاع، عندما قال في خطابه للجمعية الاتحادية في 25 إبريل الماضي: إن على الحكومة أن تبذل مزيداً من الجهد لإيجاد بيئة استثمارية جاذبة، وإنه يتعين على سلطات الضرائب التوقف عن إرهاب الشركات، وإنه يجب ألا يتم تحصيل الضرائب والرسوم بناء على أهداف محددة سلفاً. ففي اجتماع لمجلس الوزراء عقد بتاريخ 11 مارس الماضي، أمر الرئيس بوتين الحكومة بإعداد تشريع يساعد على إيجاد مناخ استثماري أفضل، وجاء على رأس أوامر بوتين للحكومة أن تقدم للبرلمان تعديلاً في قانون القيود على عمليات الخصخصة من 10 إلى 3 سنوات، وهو التعديل الذي يفترض به أن يزيل التهديد للشركات والأفراد الروس من الخضوع للمحاكمة لاشتراكهم في عمليات خصخصة جرت في عهد يلتسين، والتي يعتبرها العديد فساداً. وحاول الرئيس بوتين أيضاً من قبل تحسين مناخ الاستثمارات بالقول والفعل، ولكن تبقى مسألة نجاحه مفتوحة على جميع الاحتمالات.
كما تبقى قضية الاستثمارات المستقبلية في صناعة النفط الروسية على المديين المتوسط والبعيد غير واضحة، فالاستثمار مسألة جوهرية بالنسبة للنجاح على المدى البعيد وذلك كون الحقول الموجودة حاليا تتهالك والإنتاج يتراجع. أما بشأن الإصلاحات التي شرع الرئيس بوتين بتنفيذها فينبغي أن تتم بطريقة تعمل على جذب الاستثمارات، كما ينبغي ألا يكون فرض الضرائب على شكل المصادرة وإنما يجب أن تقدم دوافع كافية على استثمارات المدى الطويل في الحقول غير المستغلة. أما قانون استغلال المصادر الطبيعية فهو ضروري، ولكن ليس عن طريق فرض عقوبات على الاستثمار الأجنبي ووضع العوائق أمام الاستثمارات الجديدة، وينبغي أيضاً حل مشكلات البنى التحتية وإنشاء خط أنابيب جديد. أما قضية إعادة التأميم فيجب أن تبقى ضمن الحدود المعقولة وذلك لكون الشركات الحكومية لا تتمتع بكفاءة الشركات الخاصة.
أخيراً يمكن لروسيا أن تكون لاعباً أساسياً في سوق النفط العالمي مستقبلاً من خلال إضافة إمدادات مهمة للوفاء باحتياجات النمو المستقبلية الناشئة عن توسع الاقتصاد العالمي، ولا سيما العملاقين الاقتصاديين الآسيويين، الصين والهند، ولكن دور روسيا المستقبلي في صناعة النفط قد يُهمَّش ما لم يتم تقليل التدخل الحكومي غير المبرر وتحسين المناخ الاستثماري.
::/fulltext::
::cck::3048::/cck::
