الحادي عشر من سبتمبر ونظرية “مصائد الإرهابيين”
::cck::2551::/cck::
::introtext::
تختص الفئران بميزة فريدة وعجيبة تميزها عن أغلب حيوانات الأرض من كبيرها وحتى صغيرها، وتتلخص هذه الميزة بقدرة هذا الحيوان الصغير على التأقلم مع جميع الأجواء والظروف والتكيف مع بيئته الجديدة أو المتغيره وبعناء وجهد محدودين. وقد تكون الميزة الأولى أي القدرة على التأقلم قد قادت إلى تطور الميزة الأخرى لهذا المخلوق العجيب، وهي قدرته على الانتشار الجغرافي السريع، حيث يوجد هذا الحيوان في جميع أرجاء الكرة الأرضية، من مناطق القطبين المتجمدة إلى مناطق خط الاستواء، وربما على سطح الكواكب الأخرى. ونفور الإنسان من الفئران أمر قديم قدم التقاء الإنسان والفأر. ويبدو أنه منذ لقائهما الأول قرر الإنسان وجوب تصفية الفأر، وأصر الفأر على التشبث بالبقاء والانتشار تحدياً للإنسان. ومنذ ذلك الحين استطاع الإنسان وبتكاتف وتآزر جميع أجناسه من القطبين وحتى خط الاستواء إعلان الحرب الكونية على الفأر لمحاربته وتصفية نسله وقطع ذريته من دون هوادة في ظل تكاتف الجميع.
::/introtext::
::fulltext::
تختص الفئران بميزة فريدة وعجيبة تميزها عن أغلب حيوانات الأرض من كبيرها وحتى صغيرها، وتتلخص هذه الميزة بقدرة هذا الحيوان الصغير على التأقلم مع جميع الأجواء والظروف والتكيف مع بيئته الجديدة أو المتغيره وبعناء وجهد محدودين. وقد تكون الميزة الأولى أي القدرة على التأقلم قد قادت إلى تطور الميزة الأخرى لهذا المخلوق العجيب، وهي قدرته على الانتشار الجغرافي السريع، حيث يوجد هذا الحيوان في جميع أرجاء الكرة الأرضية، من مناطق القطبين المتجمدة إلى مناطق خط الاستواء، وربما على سطح الكواكب الأخرى. ونفور الإنسان من الفئران أمر قديم قدم التقاء الإنسان والفأر. ويبدو أنه منذ لقائهما الأول قرر الإنسان وجوب تصفية الفأر، وأصر الفأر على التشبث بالبقاء والانتشار تحدياً للإنسان. ومنذ ذلك الحين استطاع الإنسان وبتكاتف وتآزر جميع أجناسه من القطبين وحتى خط الاستواء إعلان الحرب الكونية على الفأر لمحاربته وتصفية نسله وقطع ذريته من دون هوادة في ظل تكاتف الجميع.
وعندما بدأت المواجهة الفعلية، اكتشف الإنسان أن الفأر حيوان يمتلك قدرة خارقة على الاختفاء والتستر والمراوغة، مما يستوجب صناعة مصيدة ذكية تقارب أو تفوق ذكاءه، وتم اختراع المصيدة. وحالاً، أدرك الإنسان أن اختراع المصيدة بكل آلياتها المعقدة ليس أمراً كافياً لكون الفأر لم يأتِ إلى المصيدة طوعاً. وبعد التداول تم التوصل إلى اكتشاف ضرورة صناعة مصيدة تحوي في داخلها مكيدة، لأن الفأر لن يأتي إلى المصيدة دون (خلق الأجواء والمبررات لدخوله المصيدة)، مما استوجب وضع قطعة من الجبن اللذيذ التي ستغريه بالدخول إلى داخل المصيدة. وهكذا وُجدت مصائد الفئران التي عرفها أجدادنا ونعرفها اليوم، والتي استمرت بالعمل الدؤوب لقنص الفئران منذ التفكير بها وحتى يومنا هذا. ولا تزال المصائد تعمل بكل طاقاتها وتتطور بتجنيد التكنولوجيا الحديثة، ولا يزال الفأر موجوداً بكل عنفوانه وقدرته المدهشة على التأقلم والتكاثر. واكتشف الإنسان حقيقة الأمر وسره: إن نسبة تكاثر الفئران تفوق بأضعاف مضاعفة نسبة قنص المصائد لها، مما يمكِّن من الإعلان جهراً وعلانية عن انتصار الفأر على الإنسان. إن ما تم اكتشافه يُعَد من الخطورة بمكان، وهو يعني أن مزيداً من محاولات الإنسان خلق الأجواء المناسبة لإغراء الفأر بالانقياد للمصيدة يؤدي إلى مزيد من التكاثر بين الفئران ومزيد من الذكاء والحنكة، مدفوعاً بغريزة الحاجة إلى البقاء والتكيف مع المخاطر.
بمناسبة اقتراب الذكرى السنوية الرابعة لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، جلست أمام جهاز التلفاز لمتابعة بعض محطات التلفزة الأمريكية التي خصصت برامج خاصة لتغطية المناسبة. وعلى شاشة إحدى المحطات الرئيسية تم عرض برنامج حواري ساهم فيه عدد من السياسيين ورجال الكونغرس وأغلبهم من اليمين المتطرف. وكان الحوار يدور حول الحكمة من وراء قرار غزو العراق، حيث انبرى أحد الساسة من المقربين للرئيس بوش ليكشف أسرار وخفايا قرار الغزو، مؤكداً أن الرئيس الأمريكي فكَّر ملياً، ومنذ حدوث اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، في خلق (مصائد للإرهابيين) تغريهم بالدخول إليها لتصفيتهم، وأن الرئيس بهذه الطريقة يحاول أن يحمي المواطن الأمريكي والأراضي الأمريكية، ويحاول منع تكرار مأساة الحادي عشر من سبتمبر، وذلك بخلق (ساحات خارجية لتصفية الإرهابيين) أو ما يُصطَلح عليه (Terrorist’s Killing fields)، مع العمل على جذبهم وإغرائهم بالدخول إلى هذه المصائد، وذلك (بتوفير الأجواء المناسبة) في داخل هذه المصائد، بعيداً عن الأراضي الأمريكية. وكان العراق أول تطبيق لهذه النظرية، وكان الغزو الأمريكي، بناءً على هذه النظرية، أول محاولة لتوفير (الأجواء المناسبة) لنقل المعركة إلى أرض أخرى.
ولا يحتاج الحكم على حكمة أو عقلانية هذه النظرية إلى ذكاء خارق، ولا يتطلب ذلك أكثر من إلقاء نظرة سريعة على التطورات التي شهدتها الساحة العراقية منذ الغزو الأمريكي وحتى اليوم. فالمواطن العربي يقف حائراً أمام كيفية تفسير السلوك الأمريكي في العراق، وهذه الحيرة القاتلة قادت المواطن إلى إيجاد تفسيرين لا ثالث لهما: أولهما يقول: إن الأمريكان يملكون ذكاءً خارقاً وخطة محكمة، وإن كل ما حدث وما سيحدث مستقبلاً هو جزء من تخطيط مدروس بدقة، وإن النتائج الحقيقية لهذه الخطة لا نستطيع أن نكتشفها نحن المواطنين العاديين، فهناك خطوط متعددة لا نفقهها، ولكن محصلة التطورات في العراق ستصب في نهايتها باتجاه تحقيق الأهداف الاستراتيجية العليا لصناع القرار الأمريكي. إنه لا وجود لورطة أو مأزق أمريكي في العراق، ما هو موجود هو خطة مدروسة يتم تطبيقها على مراحل، ولا يصح الحكم عليها جزئياً أو إصدار أحكام سابقة لأوانها. وبعكس المدرسة التي تراهن على (عبقرية) الفكر والتخطيط الأمريكي، يؤمن الطرف الآخر بأن الأمريكان يملكون جهلاً وغباءً منقطع النظير، وأن تقدمهم في مجال التكنولوجيا والقوة العسكرية لا يقابله تقدم في مجال فهم الحقائق السياسية والاجتماعية خارج إطار حدود دولتهم. إن التطورات على الساحة العراقية منذ الغزو وحتى اليوم تدل على غباء وتخبط وجهل لا نظير له في التاريخ. لذا، فإن أمريكا في بحر مأزق تتلاطمها فيه الأمواج بين عدوين، بين مطرقة ورياح عمليات المقاومة الإسلامية والوطنية العراقية من جهة، وبين سندان وصخرة سيطرة العناصر الموالية لإيران على زمام السلطة من جهة أخرى.
ما نعلمه اليوم علم اليقين أن هذه المصائد وبعد فترة قصيرة من صناعتها تحولت من مصائد إلى حقول تفريخ، وتطورت ذاتياً إلى مصائد فعالة تصيد صانعها وتلاحقه دون هوادة أو رحمة، وتحول الصياد إلى طريدة. وكما ينص على ذلك قانون الغاب، قامت بعض الأطراف الإقليمية المتربصة باستغلال أزمة الصياد المفترض لخدمة مصالحها والاستفادة القصوى من المأزق الأمريكي في العراق. إن المشكلة الحقيقية والمؤلمة هي أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظمى، وأخطاء الدول العظمى ستكون دوماً (أخطاء عظمى) كذلك. ولا يقتصر تأثيرات الأخطاء العظمى السلبية على صناعها حصراً. فمأساة وأثمان وتوابع هذه الأخطاء والخطيئة لا يدفع كلفتها اليوم الأمريكان وحدهم، بل يدفع أثمانها الغالية كل مواطن عراقي، يدفعها كل مواطن عربي، تدفعها هُوية العراق العربية. ولن تنحصر نتائجها في إحراج السمعة الأمريكية، فإذا فقدت أمريكا سمعتها في العراق، فنحن كعرب نفقد اليوم إخواناً لنا، ونفقد دولة كانت دوماً تُعَد قلب الأمة العربية النابض.
وبعد مرور أربعة أعوام على أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبداية الحرب الأمريكية ـ الدولية لتصفية تنظيم القاعدة والإرهاب الدولي، لا يزال ابن لادن وأيمن الظواهري وغيرهما أحياءً يُرزَقون وقادرين على إنتاج أشرطة الفيديو عالية الكفاءة ومخاطبة الرأي العام بالطريقة والأسلوب والزمان الذي يودونه، لا يزالون يهددون ويتوعدون وينفذون. و لا يزال تنظيم القاعدة فعالاً وينفذ العمليات على امتداد خارطة الكرة الأرضية. وعادت الحياة من جديد إلى حركة طالبان لتقوم بعمليات متواصلة على الأراضي الأفغانية ليكون عدد من ضحاياها من الجنود الأمريكيين وغيرهم. وتحوّل العراق من (مصيدة للإرهابيين) إلى مركز تدريب وفعاليات وتجنيد، وحتى مصدر تصدير للإرهاب.
وبعد كل ما حدث، أمسينا على يقين بأن انتظارنا سيكون طويلاً، ونرجو فقط ألاّ يكون أبدياً، لمعرفة الحكمة الأمريكية التي أفرزتها تجربة الحادي عشر من سبتمبر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2551::/cck::
::introtext::
تختص الفئران بميزة فريدة وعجيبة تميزها عن أغلب حيوانات الأرض من كبيرها وحتى صغيرها، وتتلخص هذه الميزة بقدرة هذا الحيوان الصغير على التأقلم مع جميع الأجواء والظروف والتكيف مع بيئته الجديدة أو المتغيره وبعناء وجهد محدودين. وقد تكون الميزة الأولى أي القدرة على التأقلم قد قادت إلى تطور الميزة الأخرى لهذا المخلوق العجيب، وهي قدرته على الانتشار الجغرافي السريع، حيث يوجد هذا الحيوان في جميع أرجاء الكرة الأرضية، من مناطق القطبين المتجمدة إلى مناطق خط الاستواء، وربما على سطح الكواكب الأخرى. ونفور الإنسان من الفئران أمر قديم قدم التقاء الإنسان والفأر. ويبدو أنه منذ لقائهما الأول قرر الإنسان وجوب تصفية الفأر، وأصر الفأر على التشبث بالبقاء والانتشار تحدياً للإنسان. ومنذ ذلك الحين استطاع الإنسان وبتكاتف وتآزر جميع أجناسه من القطبين وحتى خط الاستواء إعلان الحرب الكونية على الفأر لمحاربته وتصفية نسله وقطع ذريته من دون هوادة في ظل تكاتف الجميع.
::/introtext::
::fulltext::
تختص الفئران بميزة فريدة وعجيبة تميزها عن أغلب حيوانات الأرض من كبيرها وحتى صغيرها، وتتلخص هذه الميزة بقدرة هذا الحيوان الصغير على التأقلم مع جميع الأجواء والظروف والتكيف مع بيئته الجديدة أو المتغيره وبعناء وجهد محدودين. وقد تكون الميزة الأولى أي القدرة على التأقلم قد قادت إلى تطور الميزة الأخرى لهذا المخلوق العجيب، وهي قدرته على الانتشار الجغرافي السريع، حيث يوجد هذا الحيوان في جميع أرجاء الكرة الأرضية، من مناطق القطبين المتجمدة إلى مناطق خط الاستواء، وربما على سطح الكواكب الأخرى. ونفور الإنسان من الفئران أمر قديم قدم التقاء الإنسان والفأر. ويبدو أنه منذ لقائهما الأول قرر الإنسان وجوب تصفية الفأر، وأصر الفأر على التشبث بالبقاء والانتشار تحدياً للإنسان. ومنذ ذلك الحين استطاع الإنسان وبتكاتف وتآزر جميع أجناسه من القطبين وحتى خط الاستواء إعلان الحرب الكونية على الفأر لمحاربته وتصفية نسله وقطع ذريته من دون هوادة في ظل تكاتف الجميع.
وعندما بدأت المواجهة الفعلية، اكتشف الإنسان أن الفأر حيوان يمتلك قدرة خارقة على الاختفاء والتستر والمراوغة، مما يستوجب صناعة مصيدة ذكية تقارب أو تفوق ذكاءه، وتم اختراع المصيدة. وحالاً، أدرك الإنسان أن اختراع المصيدة بكل آلياتها المعقدة ليس أمراً كافياً لكون الفأر لم يأتِ إلى المصيدة طوعاً. وبعد التداول تم التوصل إلى اكتشاف ضرورة صناعة مصيدة تحوي في داخلها مكيدة، لأن الفأر لن يأتي إلى المصيدة دون (خلق الأجواء والمبررات لدخوله المصيدة)، مما استوجب وضع قطعة من الجبن اللذيذ التي ستغريه بالدخول إلى داخل المصيدة. وهكذا وُجدت مصائد الفئران التي عرفها أجدادنا ونعرفها اليوم، والتي استمرت بالعمل الدؤوب لقنص الفئران منذ التفكير بها وحتى يومنا هذا. ولا تزال المصائد تعمل بكل طاقاتها وتتطور بتجنيد التكنولوجيا الحديثة، ولا يزال الفأر موجوداً بكل عنفوانه وقدرته المدهشة على التأقلم والتكاثر. واكتشف الإنسان حقيقة الأمر وسره: إن نسبة تكاثر الفئران تفوق بأضعاف مضاعفة نسبة قنص المصائد لها، مما يمكِّن من الإعلان جهراً وعلانية عن انتصار الفأر على الإنسان. إن ما تم اكتشافه يُعَد من الخطورة بمكان، وهو يعني أن مزيداً من محاولات الإنسان خلق الأجواء المناسبة لإغراء الفأر بالانقياد للمصيدة يؤدي إلى مزيد من التكاثر بين الفئران ومزيد من الذكاء والحنكة، مدفوعاً بغريزة الحاجة إلى البقاء والتكيف مع المخاطر.
بمناسبة اقتراب الذكرى السنوية الرابعة لاعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، جلست أمام جهاز التلفاز لمتابعة بعض محطات التلفزة الأمريكية التي خصصت برامج خاصة لتغطية المناسبة. وعلى شاشة إحدى المحطات الرئيسية تم عرض برنامج حواري ساهم فيه عدد من السياسيين ورجال الكونغرس وأغلبهم من اليمين المتطرف. وكان الحوار يدور حول الحكمة من وراء قرار غزو العراق، حيث انبرى أحد الساسة من المقربين للرئيس بوش ليكشف أسرار وخفايا قرار الغزو، مؤكداً أن الرئيس الأمريكي فكَّر ملياً، ومنذ حدوث اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، في خلق (مصائد للإرهابيين) تغريهم بالدخول إليها لتصفيتهم، وأن الرئيس بهذه الطريقة يحاول أن يحمي المواطن الأمريكي والأراضي الأمريكية، ويحاول منع تكرار مأساة الحادي عشر من سبتمبر، وذلك بخلق (ساحات خارجية لتصفية الإرهابيين) أو ما يُصطَلح عليه (Terrorist’s Killing fields)، مع العمل على جذبهم وإغرائهم بالدخول إلى هذه المصائد، وذلك (بتوفير الأجواء المناسبة) في داخل هذه المصائد، بعيداً عن الأراضي الأمريكية. وكان العراق أول تطبيق لهذه النظرية، وكان الغزو الأمريكي، بناءً على هذه النظرية، أول محاولة لتوفير (الأجواء المناسبة) لنقل المعركة إلى أرض أخرى.
ولا يحتاج الحكم على حكمة أو عقلانية هذه النظرية إلى ذكاء خارق، ولا يتطلب ذلك أكثر من إلقاء نظرة سريعة على التطورات التي شهدتها الساحة العراقية منذ الغزو الأمريكي وحتى اليوم. فالمواطن العربي يقف حائراً أمام كيفية تفسير السلوك الأمريكي في العراق، وهذه الحيرة القاتلة قادت المواطن إلى إيجاد تفسيرين لا ثالث لهما: أولهما يقول: إن الأمريكان يملكون ذكاءً خارقاً وخطة محكمة، وإن كل ما حدث وما سيحدث مستقبلاً هو جزء من تخطيط مدروس بدقة، وإن النتائج الحقيقية لهذه الخطة لا نستطيع أن نكتشفها نحن المواطنين العاديين، فهناك خطوط متعددة لا نفقهها، ولكن محصلة التطورات في العراق ستصب في نهايتها باتجاه تحقيق الأهداف الاستراتيجية العليا لصناع القرار الأمريكي. إنه لا وجود لورطة أو مأزق أمريكي في العراق، ما هو موجود هو خطة مدروسة يتم تطبيقها على مراحل، ولا يصح الحكم عليها جزئياً أو إصدار أحكام سابقة لأوانها. وبعكس المدرسة التي تراهن على (عبقرية) الفكر والتخطيط الأمريكي، يؤمن الطرف الآخر بأن الأمريكان يملكون جهلاً وغباءً منقطع النظير، وأن تقدمهم في مجال التكنولوجيا والقوة العسكرية لا يقابله تقدم في مجال فهم الحقائق السياسية والاجتماعية خارج إطار حدود دولتهم. إن التطورات على الساحة العراقية منذ الغزو وحتى اليوم تدل على غباء وتخبط وجهل لا نظير له في التاريخ. لذا، فإن أمريكا في بحر مأزق تتلاطمها فيه الأمواج بين عدوين، بين مطرقة ورياح عمليات المقاومة الإسلامية والوطنية العراقية من جهة، وبين سندان وصخرة سيطرة العناصر الموالية لإيران على زمام السلطة من جهة أخرى.
ما نعلمه اليوم علم اليقين أن هذه المصائد وبعد فترة قصيرة من صناعتها تحولت من مصائد إلى حقول تفريخ، وتطورت ذاتياً إلى مصائد فعالة تصيد صانعها وتلاحقه دون هوادة أو رحمة، وتحول الصياد إلى طريدة. وكما ينص على ذلك قانون الغاب، قامت بعض الأطراف الإقليمية المتربصة باستغلال أزمة الصياد المفترض لخدمة مصالحها والاستفادة القصوى من المأزق الأمريكي في العراق. إن المشكلة الحقيقية والمؤلمة هي أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظمى، وأخطاء الدول العظمى ستكون دوماً (أخطاء عظمى) كذلك. ولا يقتصر تأثيرات الأخطاء العظمى السلبية على صناعها حصراً. فمأساة وأثمان وتوابع هذه الأخطاء والخطيئة لا يدفع كلفتها اليوم الأمريكان وحدهم، بل يدفع أثمانها الغالية كل مواطن عراقي، يدفعها كل مواطن عربي، تدفعها هُوية العراق العربية. ولن تنحصر نتائجها في إحراج السمعة الأمريكية، فإذا فقدت أمريكا سمعتها في العراق، فنحن كعرب نفقد اليوم إخواناً لنا، ونفقد دولة كانت دوماً تُعَد قلب الأمة العربية النابض.
وبعد مرور أربعة أعوام على أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبداية الحرب الأمريكية ـ الدولية لتصفية تنظيم القاعدة والإرهاب الدولي، لا يزال ابن لادن وأيمن الظواهري وغيرهما أحياءً يُرزَقون وقادرين على إنتاج أشرطة الفيديو عالية الكفاءة ومخاطبة الرأي العام بالطريقة والأسلوب والزمان الذي يودونه، لا يزالون يهددون ويتوعدون وينفذون. و لا يزال تنظيم القاعدة فعالاً وينفذ العمليات على امتداد خارطة الكرة الأرضية. وعادت الحياة من جديد إلى حركة طالبان لتقوم بعمليات متواصلة على الأراضي الأفغانية ليكون عدد من ضحاياها من الجنود الأمريكيين وغيرهم. وتحوّل العراق من (مصيدة للإرهابيين) إلى مركز تدريب وفعاليات وتجنيد، وحتى مصدر تصدير للإرهاب.
وبعد كل ما حدث، أمسينا على يقين بأن انتظارنا سيكون طويلاً، ونرجو فقط ألاّ يكون أبدياً، لمعرفة الحكمة الأمريكية التي أفرزتها تجربة الحادي عشر من سبتمبر.
::/fulltext::
::cck::2551::/cck::
