الديمقراطية بين التراث والمفهوم الغربي
::cck::2553::/cck::
::introtext::
شاعت في عالمنا العربي والإسلامي، في يومنا هذا، لفظة سياسية كثر ترديدها وتعددت النشرات والمقالات حولها، ألا وهي (الديمقراطية)، فصار المرء يسمع ويقرأ ويشاهد يومياً عشرات الدعوات التي تهلل وتشيد بالمسار الديمقراطي، وانبرى السياسيون ومحللو السياسة والصحفيون لرص الكلمات والتطبيل والتزمير لهذه اللفظة ومفهومها فحلّت الديمقراطية مكان الشيوعية والاشتراكية والقومية والوحدة وهي الشعارات التي كانت سائدة عند جيل الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
::/introtext::
::fulltext::
شاعت في عالمنا العربي والإسلامي، في يومنا هذا، لفظة سياسية كثر ترديدها وتعددت النشرات والمقالات حولها، ألا وهي (الديمقراطية)، فصار المرء يسمع ويقرأ ويشاهد يومياً عشرات الدعوات التي تهلل وتشيد بالمسار الديمقراطي، وانبرى السياسيون ومحللو السياسة والصحفيون لرص الكلمات والتطبيل والتزمير لهذه اللفظة ومفهومها فحلّت الديمقراطية مكان الشيوعية والاشتراكية والقومية والوحدة وهي الشعارات التي كانت سائدة عند جيل الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
وكان أشدها وقعاً يومذاك الشيوعية والاشتراكية وما تمخض عنهما من سلسلة من المفاهيم الغربية، وقد صيغت بتعبيرات أوروبية لذلك استعار العرب ألفاظها، ولم ينجُ دعاة الأخذ بهذه المفاهيم من أحلام أيديولوجيتها كنموذج عالمي جديد يقوم على مقومات لم تكن موجودة، فعملوا على تكييف العقل والمنطق وتنمية الأذواق والاستهلاك وقولبة الفكر والسلوك لتنظيم الاقتصاد وأجهزة الدولة والسيطرة الثقافية والأيديولوجية وفرضها على أبناء الشعب العربي. غير أن الكثير من المواقف الشعبية بقيت سلبية أو معارضة للأخذ بالمفاهيم الغربية لزرعها في الحياة الاجتماعية وفي الفكر والسياسة والاقتصاد، لذلك انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام، قسم يدعو إلى تبني النموذج الغربي باعتباره نموذجاً للعصر كله، وقسم يدعو إلى استعادة وتطبيق النموذج العربي والإسلامي كما كان قبل الانحراف والسقوط، أما القسم الثالث فقد سماه البعض (التوفيقي) وكذلك (الانتقائي) أي الأخذ بأحسن ما في النموذجين والتوفيق بينهما في صيغة واحدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وبما أن الديمقراطية أصبحت اليوم مركزاً للحوار العالمي، ولكي لا يكون مصيرها كمصير الاشتراكية التي (زعّقت) لها أدبيات السياسة العالمية ثم تهاوت كما تهاوى جدار برلين، وبما أننا كعرب ومسلمين نقع اليوم في وسط ومركز الأحداث، لذلك يجب ألا يكون خطابنا السياسي إنشائياً يجتهد صاحبه في حشوه بالمحسنات اللفظية والبديعية ولكنه يخلو من الأدلة العلمية والبراهين والمعلومات الدقيقة فيصبح فارغاً من المباني وخاوياً من المعاني، خاصة أن ديمقراطية هذا الزمان وردت إلينا وبشكل عاصف من الغرب وأمريكا بحجة أن العرب لم يتدرجوا سياسياً في الداخل حتى يصلوا إلى الديمقراطية، لذا ينبغي على الغرب وأمريكا التدخل بشكل مباشر وبالوسائل العسكرية من أجل دمقرطة المجتمعات العربية بالقوة، وما وراء ذلك فإن الأمن الأمريكي يعتقد أن إشاعة الديمقراطية في العالم تدرأ عنهم الخوف من الإرهاب.
ولكي نفهم الديمقراطية، لا بد من شرح معنى هذه اللفظة، فهي يونانية الأصل، بمعنى حكم الشعب بالشعب وللشعب، أي تعظيم المساواة بين البشر في فرص الحياة في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهي تسمح للإنسان بتطوير ذاته وإطلاق قواه الكامنة في ظل مؤسسات سياسية واجتماعية تقوم على المشاركة وتداول السلطة وعدم اتباع أسلوب القمع السياسي وممارسة أفعال تخرق مواثيق حقوق الإنسان وسيطرة النخب السياسية على مصادر الثروة والموارد الاقتصادية وشيوع الفساد واتساع دائرة الفقر، فهي بذلك تعطي الكلمة لمن يطلبها بالتناوب.
إذاً فهي نظام يطمح لأن يكون وسيلة لحل مسألة السلطة في المجتمع، عبر نضال وطني في الداخل حسب أسلوب يلائم أوضاعها العامة، لا يمكن استيراده أو استنساخه كما هو، أي بقضه وقضيضة من الخارج، لذلك كثر الجدل والحديث عنه في هذه الأيام، وقبل أن نعرض آراء الأطراف التي تقف مع الديمقراطية أو ضدها لابد أن نطرح سؤالاً يتعلق بصميم الواقع الذي نعيشه اليوم وهو كم من المنادين بالديمقراطية اليوم مستعدون لتغيير ممارساتهم ورؤيتهم للأمور وتجاوز مصالحهم الذاتية؟ وهل سيقفون ضد سياسة إرهاب خصومهم السياسيين أو الفكريين؟ وهل هم مستعدون أيضاً لتقبل النقد وتداول السلطة؟ هذا من جهة، ومن جهة آخرى فإن تاريخ بعض الدول المعاصرة ومن خلال أدبياتها القومية، نرى أن النزوع قوي لدى سلطاتها ومهما كان مصدرها نحو الأخذ بالدكتاتورية في أي فرصة تشعر فيها بعجزها عن إنجاز الوعود التي وعدت الناس بها، علاوة على أن فقدان الأسس الموضوعية والتوازنات الاجتماعية والسياسية وتفاقم الأزمات القومية والاقتصادية وتباين الأفكار والمفاهيم الأيديولوجية، كل هذه الأمور تجعل من مقولة إن الديمقراطية وصفة سحرية تحمل في ذاتها كل الحلول لهذه المجتمعات عبارة عن تفسير وهمي للواقع يجب نقده وتجريحه وتنقيحه لكي نتمكن من معرفة الأمر كما هو، ذلك أن المشكلة في الديمقراطية التي ينادي بها الغرب لكي تطبق في بعض البلدان العربية والإسلامية تكمن في مشكلة الازدواجية التي تطبع مرافق الحياة المادية والفكرية في هذه البلدان، بين من يدعو إلى تبني القيم الفكرية العصرية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من النموذج الحضاري الغربي، وبين من يدعو إلى التمسك بالقيم التراثية وحدها، ويعتبر الغرب العدو الذي يجب الاحتراز منه والوقوف ضده، لأنه ينوي إبادة التراث والدين لمصلحة مجتمع جديد بمقاييس خلقية وسلوكية منسوخة عن أمة غريبة.
وهكذا برزت على السطح إشكالية الأصالة والمعاصرة، أو التراث وتحديات العصر بشكل يثير الشجون الفكرية، وصار الاختيار الصعب مع الغرب أو ضده يشمل الصعيدين السياسي والأيديولوجي، فبرز التناقض الوجداني بين الإعجاب بعلوم الغرب وصناعاته وابتكاراته وبين كراهيته باعتباره غازياً توسعياً استعمارياً، وهكذا حولت هذه الإشكالية، أي الأصالة والمعاصرة، آليات النهضة إلى آليات للدفاع، فأصبح الماضي مطلوباً، ليس من أجل الارتكاز عليه، ولكن من أجل تدعيم الحاضر وإثبات وجود الذات.
غير أن ما نود أن نؤكد عليه في مقالنا هذا، هو إلى أي حد يمكن إقحام الغرب؟ وهل إن معرفة تاريخ الحوار والصراع بين القديم والجديد في الفكر الغربي أمر ضروري لمعرفة تاريخ الحوار والصراع في الفكر العربي والإسلامي؟ أليس بإمكان الفكر العربي أن يستعين بالتجارب التاريخية على إيجاد علاقة فاعلة بين تراثه الإسلامي والعربي والدعوة إلى الديمقراطية؟
إن الخصوصية عند الشعوب تعني الانفراد بسمات خاصة هي نتاج التطور الاجتماعي والتفاعل الجدي مع ثقافات إنسانية متعددة، وهذه الثقافة الخصوصية وبحكم منطق التطور والجدل التاريخي قد تتغير ملامحها عدة مرات نتيجة التحديث الداخلي والتفاعل مع الخارج على السواء. وعلى هذا الأساس يجب أن يكون التعامل مع الغرب تعاملاً نقدياً وذلك بالدخول في ثقافته التي تزداد عالمياً وقراءتها وفهم مقولاتها والتعرف إلى أسس تقدمها، خاصة العلمية والتقنية، وتوظيف الذي نستخدمه في عملية تجديد داخلي بحيث نحافظ على ذواتنا وكياننا وفي الوقت نفسه نساهم في هذه الحضارة التي أصبحت حضارة العالم في زمننا.
ويكون ذلك بالعودة إلى الأصول، لا بوصفها أنها كانت أساس نهضة مضت ويجب بعثها كما كانت، ولكن من أجل الارتكاز عليها في نقد الحاضر والماضي القريب والقفز إلى المستقبل.
إن الديمقراطية تنشأ في مجتمع نضجت فيه القوى الاجتماعية وتبلورت أهدافه وقيمه الأساسية واكتسب حداً من التحكم بمصيره القومي، فهي مثل الحرية تظهر قيمتها عندما يبلغ المجتمع درجة عالية من التوازن المادي والروحي، ويتوقف نجاحها على طبيعة القوى التي تحتضنها وحسن تكتيكاتها وفهمها لآليات الصراع وصحة منطلقاتها ومفاهيمها، وهنا نصل إلى بيت القصيد وهو الإسلام، الدين الحنيف، فالأمة العربية تكونت ودخلت التاريخ وهي تتبع وتنفذ إرادة الله تعالى بالإسلام، كما أن الإسلام ولد وبلغ شأوه وهو يصنع الأمة العربية، فكيف يجوز الاستهانة بتراثنا الفقهي وشطب قرون من الاجتهاد؟ فالحضارة الإسلامية يمكن أن تختلف باختلاف العصور لكن المبادئ ثابتة وباب الاجتهاد مفتوح، والإسلام لا يعيق التقدم، فقد نتجت عن الدولة الإسلامية حضارة متقدمة استفادت منها البشرية، لذلك فالإسلام يجب ألا يوظف بحيث يبدو كأنه يناقض التطور الحضاري، وذلك بأن يساء استعماله عن طريق استخدامه كشريعة سياسية لأنظمة مستبدة وتفسير وتزييف مبادئ الشورى والعدالة والاختيار لتثبيت شرعية السلطة فيصبح عقبة أمام الديمقراطية، وحتى في الخلاف مع الديمقراطية فالتفاصيل لا تخل بالمبدأ، لأن الإسلام لا يعرف حكم رجال الدين، بل يدعو إلى حكم يقوم على الشورى، والحاكم يصل حسب مبدأ الاختيار ولا تترتب سلطته قبل مبايعته، فهي سلطة غير استبدادية لأنها مرتبطة بشريعة لا يمكن للحاكم الخروج عنها، والأصل يبقى وهو الشورى المدعومة بأهل الحل والعقد الذين ينبغي على الحاكم مشاورتهم في أمور الدولة والرعية.
إن قسماً من الدول الإسلامية عاشت نمطاً ديمقراطياً يختلف عن الديمقراطية الأوروبية المعاصرة، فقد كان نمطاً سياسياً يحقق الوحدة من خلال الارتباط بعقيدة الأمة، وكان ملائماً للتعامل مع بنائها الاجتماعي وفق شروط عصره، لذلك فقد كانت هناك أحزاب ومجموعات ضغط نابعة من عقائد استراتيجية جامعة، فإذا فشلت النخبة في تحقيق التكامل الاجتماعي وانتهت دون أن تؤدي إلى تخطيط عملي لمفهوم الشورى في أسلوب الحكم والاختيار، لا تجد هذه المجموعات مجالاً لأن تتمثل إلا بسبيل الثورة المسلحة للتغيير.
وعليه، فالديمقراطية لا تتنافى مع خصوصيات العرب الثقافية وفي مقدمتها الدين الإسلامي لأن الديمقراطية تتضمن بذاتها وبحكم بنائها وقيمها مبدأ الشورى الإسلامي، لذلك فهناك قواسم مشتركة يجب الاعتراف بها، مثل تداول السلطة والقيام بانتخابات نزيهة وشفافة واحترام الأديان وحرية الرأي والتعبير وكذلك حقوق الإنسان والفصل بين السلطات وسيادة القانون وإنشاء جهاز قضائي نزيه والعمل على تبلور المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات التطوعية، ومنع سيطرة حزب واحد، أيا كانت اتجاهاته على مجمل العمل السياسي.
وهكذا نجد الحل في فلسفة الحكم وأسلوبه بين علم الماضي وعلم الحاضر من دون الانخراط في صراعات الماضي ومشكلاته بحيث ننظر إلى المستقبل بتوجيه من الماضي والحاضر، فتكون الحداثة نابعة من تطور داخلي، وتصبح العقيدة اجتهادية نقدية على شكل تراضٍ مثلما يحدث في القضاء الشعبي بين المتخاصمين، إذ يكون أحيانا أكثر فاعلية من القضاء الرسمي عن طريق المحامين والاختلاف في تفسير القوانين والتلاعب بالشهود، فتكون الديمقراطية الشعبية على هذا النحو أنجح من الديمقراطية التمثيلية التي يحصد فيها الحاكم كل الأصوات، بحيث يحصل على أغلبية 99.9 في المائة فيصبح موضوع فكاهة وتندر عالمي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2553::/cck::
::introtext::
شاعت في عالمنا العربي والإسلامي، في يومنا هذا، لفظة سياسية كثر ترديدها وتعددت النشرات والمقالات حولها، ألا وهي (الديمقراطية)، فصار المرء يسمع ويقرأ ويشاهد يومياً عشرات الدعوات التي تهلل وتشيد بالمسار الديمقراطي، وانبرى السياسيون ومحللو السياسة والصحفيون لرص الكلمات والتطبيل والتزمير لهذه اللفظة ومفهومها فحلّت الديمقراطية مكان الشيوعية والاشتراكية والقومية والوحدة وهي الشعارات التي كانت سائدة عند جيل الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
::/introtext::
::fulltext::
شاعت في عالمنا العربي والإسلامي، في يومنا هذا، لفظة سياسية كثر ترديدها وتعددت النشرات والمقالات حولها، ألا وهي (الديمقراطية)، فصار المرء يسمع ويقرأ ويشاهد يومياً عشرات الدعوات التي تهلل وتشيد بالمسار الديمقراطي، وانبرى السياسيون ومحللو السياسة والصحفيون لرص الكلمات والتطبيل والتزمير لهذه اللفظة ومفهومها فحلّت الديمقراطية مكان الشيوعية والاشتراكية والقومية والوحدة وهي الشعارات التي كانت سائدة عند جيل الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
وكان أشدها وقعاً يومذاك الشيوعية والاشتراكية وما تمخض عنهما من سلسلة من المفاهيم الغربية، وقد صيغت بتعبيرات أوروبية لذلك استعار العرب ألفاظها، ولم ينجُ دعاة الأخذ بهذه المفاهيم من أحلام أيديولوجيتها كنموذج عالمي جديد يقوم على مقومات لم تكن موجودة، فعملوا على تكييف العقل والمنطق وتنمية الأذواق والاستهلاك وقولبة الفكر والسلوك لتنظيم الاقتصاد وأجهزة الدولة والسيطرة الثقافية والأيديولوجية وفرضها على أبناء الشعب العربي. غير أن الكثير من المواقف الشعبية بقيت سلبية أو معارضة للأخذ بالمفاهيم الغربية لزرعها في الحياة الاجتماعية وفي الفكر والسياسة والاقتصاد، لذلك انقسم الناس إلى ثلاثة أقسام، قسم يدعو إلى تبني النموذج الغربي باعتباره نموذجاً للعصر كله، وقسم يدعو إلى استعادة وتطبيق النموذج العربي والإسلامي كما كان قبل الانحراف والسقوط، أما القسم الثالث فقد سماه البعض (التوفيقي) وكذلك (الانتقائي) أي الأخذ بأحسن ما في النموذجين والتوفيق بينهما في صيغة واحدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وبما أن الديمقراطية أصبحت اليوم مركزاً للحوار العالمي، ولكي لا يكون مصيرها كمصير الاشتراكية التي (زعّقت) لها أدبيات السياسة العالمية ثم تهاوت كما تهاوى جدار برلين، وبما أننا كعرب ومسلمين نقع اليوم في وسط ومركز الأحداث، لذلك يجب ألا يكون خطابنا السياسي إنشائياً يجتهد صاحبه في حشوه بالمحسنات اللفظية والبديعية ولكنه يخلو من الأدلة العلمية والبراهين والمعلومات الدقيقة فيصبح فارغاً من المباني وخاوياً من المعاني، خاصة أن ديمقراطية هذا الزمان وردت إلينا وبشكل عاصف من الغرب وأمريكا بحجة أن العرب لم يتدرجوا سياسياً في الداخل حتى يصلوا إلى الديمقراطية، لذا ينبغي على الغرب وأمريكا التدخل بشكل مباشر وبالوسائل العسكرية من أجل دمقرطة المجتمعات العربية بالقوة، وما وراء ذلك فإن الأمن الأمريكي يعتقد أن إشاعة الديمقراطية في العالم تدرأ عنهم الخوف من الإرهاب.
ولكي نفهم الديمقراطية، لا بد من شرح معنى هذه اللفظة، فهي يونانية الأصل، بمعنى حكم الشعب بالشعب وللشعب، أي تعظيم المساواة بين البشر في فرص الحياة في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فهي تسمح للإنسان بتطوير ذاته وإطلاق قواه الكامنة في ظل مؤسسات سياسية واجتماعية تقوم على المشاركة وتداول السلطة وعدم اتباع أسلوب القمع السياسي وممارسة أفعال تخرق مواثيق حقوق الإنسان وسيطرة النخب السياسية على مصادر الثروة والموارد الاقتصادية وشيوع الفساد واتساع دائرة الفقر، فهي بذلك تعطي الكلمة لمن يطلبها بالتناوب.
إذاً فهي نظام يطمح لأن يكون وسيلة لحل مسألة السلطة في المجتمع، عبر نضال وطني في الداخل حسب أسلوب يلائم أوضاعها العامة، لا يمكن استيراده أو استنساخه كما هو، أي بقضه وقضيضة من الخارج، لذلك كثر الجدل والحديث عنه في هذه الأيام، وقبل أن نعرض آراء الأطراف التي تقف مع الديمقراطية أو ضدها لابد أن نطرح سؤالاً يتعلق بصميم الواقع الذي نعيشه اليوم وهو كم من المنادين بالديمقراطية اليوم مستعدون لتغيير ممارساتهم ورؤيتهم للأمور وتجاوز مصالحهم الذاتية؟ وهل سيقفون ضد سياسة إرهاب خصومهم السياسيين أو الفكريين؟ وهل هم مستعدون أيضاً لتقبل النقد وتداول السلطة؟ هذا من جهة، ومن جهة آخرى فإن تاريخ بعض الدول المعاصرة ومن خلال أدبياتها القومية، نرى أن النزوع قوي لدى سلطاتها ومهما كان مصدرها نحو الأخذ بالدكتاتورية في أي فرصة تشعر فيها بعجزها عن إنجاز الوعود التي وعدت الناس بها، علاوة على أن فقدان الأسس الموضوعية والتوازنات الاجتماعية والسياسية وتفاقم الأزمات القومية والاقتصادية وتباين الأفكار والمفاهيم الأيديولوجية، كل هذه الأمور تجعل من مقولة إن الديمقراطية وصفة سحرية تحمل في ذاتها كل الحلول لهذه المجتمعات عبارة عن تفسير وهمي للواقع يجب نقده وتجريحه وتنقيحه لكي نتمكن من معرفة الأمر كما هو، ذلك أن المشكلة في الديمقراطية التي ينادي بها الغرب لكي تطبق في بعض البلدان العربية والإسلامية تكمن في مشكلة الازدواجية التي تطبع مرافق الحياة المادية والفكرية في هذه البلدان، بين من يدعو إلى تبني القيم الفكرية العصرية التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من النموذج الحضاري الغربي، وبين من يدعو إلى التمسك بالقيم التراثية وحدها، ويعتبر الغرب العدو الذي يجب الاحتراز منه والوقوف ضده، لأنه ينوي إبادة التراث والدين لمصلحة مجتمع جديد بمقاييس خلقية وسلوكية منسوخة عن أمة غريبة.
وهكذا برزت على السطح إشكالية الأصالة والمعاصرة، أو التراث وتحديات العصر بشكل يثير الشجون الفكرية، وصار الاختيار الصعب مع الغرب أو ضده يشمل الصعيدين السياسي والأيديولوجي، فبرز التناقض الوجداني بين الإعجاب بعلوم الغرب وصناعاته وابتكاراته وبين كراهيته باعتباره غازياً توسعياً استعمارياً، وهكذا حولت هذه الإشكالية، أي الأصالة والمعاصرة، آليات النهضة إلى آليات للدفاع، فأصبح الماضي مطلوباً، ليس من أجل الارتكاز عليه، ولكن من أجل تدعيم الحاضر وإثبات وجود الذات.
غير أن ما نود أن نؤكد عليه في مقالنا هذا، هو إلى أي حد يمكن إقحام الغرب؟ وهل إن معرفة تاريخ الحوار والصراع بين القديم والجديد في الفكر الغربي أمر ضروري لمعرفة تاريخ الحوار والصراع في الفكر العربي والإسلامي؟ أليس بإمكان الفكر العربي أن يستعين بالتجارب التاريخية على إيجاد علاقة فاعلة بين تراثه الإسلامي والعربي والدعوة إلى الديمقراطية؟
إن الخصوصية عند الشعوب تعني الانفراد بسمات خاصة هي نتاج التطور الاجتماعي والتفاعل الجدي مع ثقافات إنسانية متعددة، وهذه الثقافة الخصوصية وبحكم منطق التطور والجدل التاريخي قد تتغير ملامحها عدة مرات نتيجة التحديث الداخلي والتفاعل مع الخارج على السواء. وعلى هذا الأساس يجب أن يكون التعامل مع الغرب تعاملاً نقدياً وذلك بالدخول في ثقافته التي تزداد عالمياً وقراءتها وفهم مقولاتها والتعرف إلى أسس تقدمها، خاصة العلمية والتقنية، وتوظيف الذي نستخدمه في عملية تجديد داخلي بحيث نحافظ على ذواتنا وكياننا وفي الوقت نفسه نساهم في هذه الحضارة التي أصبحت حضارة العالم في زمننا.
ويكون ذلك بالعودة إلى الأصول، لا بوصفها أنها كانت أساس نهضة مضت ويجب بعثها كما كانت، ولكن من أجل الارتكاز عليها في نقد الحاضر والماضي القريب والقفز إلى المستقبل.
إن الديمقراطية تنشأ في مجتمع نضجت فيه القوى الاجتماعية وتبلورت أهدافه وقيمه الأساسية واكتسب حداً من التحكم بمصيره القومي، فهي مثل الحرية تظهر قيمتها عندما يبلغ المجتمع درجة عالية من التوازن المادي والروحي، ويتوقف نجاحها على طبيعة القوى التي تحتضنها وحسن تكتيكاتها وفهمها لآليات الصراع وصحة منطلقاتها ومفاهيمها، وهنا نصل إلى بيت القصيد وهو الإسلام، الدين الحنيف، فالأمة العربية تكونت ودخلت التاريخ وهي تتبع وتنفذ إرادة الله تعالى بالإسلام، كما أن الإسلام ولد وبلغ شأوه وهو يصنع الأمة العربية، فكيف يجوز الاستهانة بتراثنا الفقهي وشطب قرون من الاجتهاد؟ فالحضارة الإسلامية يمكن أن تختلف باختلاف العصور لكن المبادئ ثابتة وباب الاجتهاد مفتوح، والإسلام لا يعيق التقدم، فقد نتجت عن الدولة الإسلامية حضارة متقدمة استفادت منها البشرية، لذلك فالإسلام يجب ألا يوظف بحيث يبدو كأنه يناقض التطور الحضاري، وذلك بأن يساء استعماله عن طريق استخدامه كشريعة سياسية لأنظمة مستبدة وتفسير وتزييف مبادئ الشورى والعدالة والاختيار لتثبيت شرعية السلطة فيصبح عقبة أمام الديمقراطية، وحتى في الخلاف مع الديمقراطية فالتفاصيل لا تخل بالمبدأ، لأن الإسلام لا يعرف حكم رجال الدين، بل يدعو إلى حكم يقوم على الشورى، والحاكم يصل حسب مبدأ الاختيار ولا تترتب سلطته قبل مبايعته، فهي سلطة غير استبدادية لأنها مرتبطة بشريعة لا يمكن للحاكم الخروج عنها، والأصل يبقى وهو الشورى المدعومة بأهل الحل والعقد الذين ينبغي على الحاكم مشاورتهم في أمور الدولة والرعية.
إن قسماً من الدول الإسلامية عاشت نمطاً ديمقراطياً يختلف عن الديمقراطية الأوروبية المعاصرة، فقد كان نمطاً سياسياً يحقق الوحدة من خلال الارتباط بعقيدة الأمة، وكان ملائماً للتعامل مع بنائها الاجتماعي وفق شروط عصره، لذلك فقد كانت هناك أحزاب ومجموعات ضغط نابعة من عقائد استراتيجية جامعة، فإذا فشلت النخبة في تحقيق التكامل الاجتماعي وانتهت دون أن تؤدي إلى تخطيط عملي لمفهوم الشورى في أسلوب الحكم والاختيار، لا تجد هذه المجموعات مجالاً لأن تتمثل إلا بسبيل الثورة المسلحة للتغيير.
وعليه، فالديمقراطية لا تتنافى مع خصوصيات العرب الثقافية وفي مقدمتها الدين الإسلامي لأن الديمقراطية تتضمن بذاتها وبحكم بنائها وقيمها مبدأ الشورى الإسلامي، لذلك فهناك قواسم مشتركة يجب الاعتراف بها، مثل تداول السلطة والقيام بانتخابات نزيهة وشفافة واحترام الأديان وحرية الرأي والتعبير وكذلك حقوق الإنسان والفصل بين السلطات وسيادة القانون وإنشاء جهاز قضائي نزيه والعمل على تبلور المجتمع المدني كالأحزاب والنقابات المهنية والعمالية والجمعيات التطوعية، ومنع سيطرة حزب واحد، أيا كانت اتجاهاته على مجمل العمل السياسي.
وهكذا نجد الحل في فلسفة الحكم وأسلوبه بين علم الماضي وعلم الحاضر من دون الانخراط في صراعات الماضي ومشكلاته بحيث ننظر إلى المستقبل بتوجيه من الماضي والحاضر، فتكون الحداثة نابعة من تطور داخلي، وتصبح العقيدة اجتهادية نقدية على شكل تراضٍ مثلما يحدث في القضاء الشعبي بين المتخاصمين، إذ يكون أحيانا أكثر فاعلية من القضاء الرسمي عن طريق المحامين والاختلاف في تفسير القوانين والتلاعب بالشهود، فتكون الديمقراطية الشعبية على هذا النحو أنجح من الديمقراطية التمثيلية التي يحصد فيها الحاكم كل الأصوات، بحيث يحصل على أغلبية 99.9 في المائة فيصبح موضوع فكاهة وتندر عالمي.
::/fulltext::
::cck::2553::/cck::
