هل لدينا ما يمكن أن نطلق عليه إعلام خليجي؟
::cck::2677::/cck::
::introtext::
منذ فترة تحدثت مع زميل صحفي كويتي مخضرم وسألني عن المشكلات التي واجهتها خلال عملي رئيساً لتحرير صحيفة يومية، فقلت له إن مشكلاتي كانت في تغطية الشأن المحلي، فهو ميدان حساس نظراً للتركيبة الاجتماعية والعائلية والقبلية للبلد، ولكن خطوطنا الحمراء في الشأن السياسي العالمي بعيدة جداً، ضحك الرجل وعلّق قائلاً: أما نحن فعكسكم تماماً، ليست لدينا تقريباً خطوط حمراء، في الشأنين المحلي، ولكن خطوطنا كثيرة ومتشابكة في الشأنين العربي والعالمي!
::/introtext::
::fulltext::
منذ فترة تحدثت مع زميل صحفي كويتي مخضرم وسألني عن المشكلات التي واجهتها خلال عملي رئيساً لتحرير صحيفة يومية، فقلت له إن مشكلاتي كانت في تغطية الشأن المحلي، فهو ميدان حساس نظراً للتركيبة الاجتماعية والعائلية والقبلية للبلد، ولكن خطوطنا الحمراء في الشأن السياسي العالمي بعيدة جداً، ضحك الرجل وعلّق قائلاً: أما نحن فعكسكم تماماً، ليست لدينا تقريباً خطوط حمراء، في الشأنين المحلي، ولكن خطوطنا كثيرة ومتشابكة في الشأنين العربي والعالمي!
إن الخارطة الإعلامية الخليجية متباينة بشكل كبير. نعم، هناك عوامل مشتركة ونقاط التقاء، ولكن يبقى هذا التباين غالباً على الصورة، فلكل دولة خارطتها الخاصة وخطوطها التي يجب أن يتلمسها الصحفي ويتعرف إليها قبل أن يعمل في ميدانها.
لكن هل هذا التباين موجود في الصحافة المطبوعة فقط؟ كلا، هناك اختلاف واضح أيضاً في القنوات الفضائية الممولة خليجياً، فتعامل هذه الفضائيات مع القضايا العربية والعالمية وحتى الخليجية يختلف باختلاف التمويل، وعلى ذلك فإن من الأفضل تفكيك هذه المسألة والحديث عن كل وسيلة إعلامية على حدة وبشكل عام حتى تتضح الصورة ونستوعب تفاصيلها.
إن الإعلام الخليجي مصطلح جغرافي لا أكثر، فإذا قلنا هنا (صحافة خليجية) فإننا نعني بها الصحافة التي تمول من دول الخليج وليس الغطاء الثقافي والتحريري لهذه المؤسسات لأنها لا تملك سياسة تحريرية موحدة حتى يمكن الحديث عنها.
الصحافة المطبوعة:
نظراً للتركيبة السكانية الخاصة في دول الخليج وقلة أعداد المواطنين وتأخر دخول التعليم الحديث للمنطقة نسبياً مقارنة بغيرها من الدول العربية والمعاملة الخاصة التي يحصل عليها المواطن في قضايا التوظيف فإن هناك نقصاً حاداً في أعداد المواطنين الخليجيين العاملين في المؤسسات الإعلامية الخليجية وهذا الأمر انعكس على الصحف المطبوعة التي كان من المفترض أن تهتم بالشأن المحلي الخليجي لتصبح عروبية التوجه، قومية الانتماء.
وبقيت الصحف الخليجية ولفترات طويلة متقلبة بين العروبي والليبرالي والتقليدي، ونقول متقلبة لأنها تغيّر لونها باختلاف إدارتها وتمويلها ولدينا بعض الأمثلة التي ليس هنا مجال ذكرها.
إن المتتبع للصحف الخليجية قبل غزو العراق للكويت في بداية التسعينات يرى أن الطابع العروبي والليبرالي هو الغالب نظراً لنوعية الصحفيين العرب العاملين في هذه المؤسسات فبعضها كان يتطرف في قوميته معلناً ناصريته ويفرد الصفحات تلو الصفحات في ذكرى وفاة الزعيم المصري جمال عبد الناصر أو ميلاده. والبعض الآخر كان مفرطاً أيضاً في تقليديته، سعيداً بحماية الدولة له، ضارباً عرض الحائط بكل معايير الأداء الصحفي المتعارف عليها كأرقام التوزيع ومشاركة القراء والتأثير في الرأي العام، فالصحف التقليدية لم تكن غير نشرة يومية لنشاطات الحكومة.
وخلال تلك الفترة لم تكن قضايا العرب متنوعة كما هي الآن، فلم يكن هناك سوى القضية الفلسطينية التي أجمعت عليها وسائل الإعلام العربية، والحرب العراقية – الإيرانية التي تراوحت تغطيتها بين مساند للعراق بشكل قوي ناقلاً لبياناته مع إفراد الصفحات الملونة للانتصارات أو الاكتفاء بأخبار النصر على الصفحة الأولى فقط.
وبشكل عام كانت الصحف الخليجية موحدة تقريباً تجاه القضايا القومية حتى حصل الغزو العراقي للكويت، حينها بدأ ذلك التشتت الذي لا يزال إعلامنا يعاني من تبعاته حتى يومنا هذا.
فالمتتبع حالياً لما تكتبه الصحافة الخليجية يرى التباين الواضح في توجهاتها حتى في القضايا القومية، فالقضية الفلسطينية نزلت في بعضها إلى درجة دنيا من الأهمية وبرزت مسألة الإرهاب والاحتلال الأمريكي للعراق واختفت أسماء مثل: (فتح – الجبهة الشعبية – الكفاح المسلح – الناصريون – القوميون – العروبة – بوابة العرب الشرقية – الشيوعية – حركات التحرر العالمية)، التي كان هناك شبه إجماع عربي عليها لصالح أسماء أخرى مثل: (الزرقاوي – المقاومة العراقية – حماس – الإرهاب – تنظيم القاعدة – التنظيمات الفلسطينية المسلحة – ابن لادن) وغيرها من الأسماء التي فرضت نفسها على الساحة في السنوات الأخيرة واختلفت عليها الصحافة الخليجية، كما اختلفت عليها العربية أيضاً.
وأستطيع أن أقول إن الصحافة الخليجية شأنها شأن نظيرتها العربية تعيش حالة من التخبط غير الواضح، حتى أصبح القارئ يعرف توجه الصحيفة فيشتريها لأنها تكتب ما يرضيه، واختلفت الصحف باختلاف توجهات دولها ومموليها، فبعضها يطلق على الجيش الأمريكي في العراق ( القوات المتعددة الجنسيات بقيادة أمريكا ) وهي تسمية فرضتها واشنطن على وسائل الإعلام في إيحاء غير خافٍ على القارئ بأنها جزء من تحالف عالمي يحب الخير ويكره الشر قادم لبلاد الرافدين لتخليصها من كابوس جثم على صدرها سنوات طويلة وهي هناك شأنها شأن القوات التشيكية و الأوكرانية التي يتطلب وجودها حفظ الأمن وإحلال السلام.
أما البعض الآخر فلا يزال صامداً محافظاً على أسماء لم تعد وسائل الإعلام الخليجية تستخدمها بكثرة من قبيل (قوات الاحتلال الأمريكية) أو (المقاومة العراقية) معلنة وبشكل واضح اختلافها عن التوجه العام ومكرسة التباين التي تنتهجه الصحافة الخليجية الرسمية في تغطيتها للقضايا القومية والمصيرية.
لقد تركت الصحف موقعها الإعلامي الرائد لصالح الفضائيات التي خرجت مؤخراً، وانكفأت على نفسها محلياً، ولم يعد تأثيرها كما كان سابقاً، فأغلب الصحف بدأت تركز على الشأن المحلي الذي وجدت نفسها فيه أكثر تأثيراً.
لو لم نقاوم اندفاعنا نحو التشاؤمية لقلنا إننا في الخليج لا نملك صحافة مطبوعة مؤثرة، ولكن هناك بعض النماذج التي تدفعنا نحو التفاؤل، فما وصلنا إليه ليس هو نهاية المطاف فقد تكون هناك أمور خافية علينا في المستقبل القريب يمكن أن تنقل صحافتنا الخليجية إلى آفاق أرحب.
الفضائيات:
كان الفضل لقناة (الجزيرة) في توسيع هامش الحرية الإعلامية في العالم العربي، شئنا ذلك أم أبينا، فقد دفعت بالخطوط الحمراء التي أسرت الإعلام العربي بعيداً مهيأة الساحة لبروز فضائيات تتمتع بحرية نسبية في عالم عاش تحت سيطرة حكومية قوية ولفترات طويلة.
لقد انتقل الثقل الإعلامي العربي من ميادينه التقليدية مثل بيروت والقاهرة إلى دول الخليج العربية، وهو أمر لم يكن يحلم به أحد منذ سنوات قليلة فقط، وعندما نتحدث هنا عن الإعلام فإننا نعني به الإعلام الفضائي.
إن وجود بنى تحتية متطورة نسبياً في دول الخليج، وعدم تدخل حكوماتها في تفاصيل العمل اليومي لهذه المؤسسات جعلاها تتمتع بنوع من الحرية لم يكن ممنوحاً لها في غيرها من الدول العربية التي لا تزال تدير وسائلها الإعلامية وكأنها وزارات أو إدارات حكومية التي كعادتها ثقيلة الحركة قليلة البركة.
وتعلم الجهات الممولة للفضائيات أن الكلمة السحرية لنجاح أي عمل إعلامي هي الحرية ولذلك فهي لا تتدخل بشكل سافر حتى لا ينعكس ذلك على أداء المؤسسات، وأطلقت لها العنان بعض الشيء لتذهب إلى أقصى مسافة ممكنة تستطيع الجهة الممولة تحمل تبعاته، فانعكس ذلك على الجمهور العربي الذي أصبحت الفضائيات متنفساً له ونقلته بعيداً عن الإعلام الموجّه والتقليدي والأيديولوجي الذي رزح تحته لعقود طويلة.
ولكن دعونا نسأل أنفسنا السؤال التالي: إذا كانت الفضائيات تتمتع بكل هذه الحرية فلماذا لا تتمتع بها الصحف المطبوعة؟
لقد سألني أكثر من مسؤول عربي هذا السؤال، حتى إن أحدهم طرحه علي بالصيغة التالية عندما كنت رئيساً لتحرير صحيفة يومية: لماذا ليست لك الحرية لتكتب ما تشاء في صحيفتك كما تفعل قناة (الجزيرة)؟
كان السؤال محرجاً وخصوصاً أنني لم أتوقعه منه مع وجود أجهزة التسجيل، فقلت له يا سيدي: لا يستطيع أي شخص اقتحام قناة (الجزيرة) فهناك شرطة على الباب وحرس، أما صحيفتي فإن مبناها على شارع عام، ويكفي أن يصعد أحدهم عدة درجات من السلّم حتى يكون في مكتبي، وأنا ليس لي حرس ولا حماية، ولهذا فأنا أخاف على نفسي من الغاضبين.
قلت ذلك بابتسامة عريضة داعياً ربي أن تكون مهرباً سهلاً من سؤاله، وأعتقد أنه لم يقتنع ولكنه سكت على الأقل.
إن الفضائيات الممولة خليجياً لا تغطي الشأن المحلي وهي لا تنتقد الحكومات الممولة لها وهذا جعلها في مأمن من غضب الحكومة وعناصرها، أما الصحف فإنها لا تستطيع بحكم تمويلها واختلاف عملها منافسة الفضائيات، فهي كما قلنا وجدت نفسها في الشأن المحلي، فهي إن كتبت وانتقدت أداء الحكومة غضبت عليها وعطلت أداءها، ودعوني أحدثكم عن تجاربي عندما كنت رئيساً لتحرير صحيفة يومية:
نشرت الصحيفة تحقيقاً صحفياً عن مؤسسة شبه حكومية، وهذه المؤسسة أكبر معلن في الدولة فلديها ميزانية ضخمة للإعلانات وتعلن لكل حدث فيها اعتبارا من الوفيات والولادات وحتى كشوف الموازنات… إلخ.
بعد نشر التحقيق أعلنت تلك المؤسسة أنها ستقاطع الصحيفة ولن تنشر أي إعلان في صفحاتها، وتوتر الوضع، فقسم الإعلانات لم يكن ليتحمل ضربة كهذه، ومجلس الإدارة سيرى خللاً في الموازنة الختامية نهاية العام، فالمؤسسات الصحفية الخليجية تبقى استثمارية في نهاية الأمر، يهم مالكيها رقم الأرباح، وأنا بصفتي رئيساً للتحرير لا أستطيع أن أغضب الجميع وأكون سبباً في تدني أرباح المؤسسة، فما هو الحل؟
اضطررنا لحاجتنا وحاجتهم لحل الإشكال ودياً وانتهى الأمر على خير، ولكن حدَّ ذلك من إمكاناتنا في طرح قضايا جريئة، فقد لسعتنا الحيّة وخفنا من الحبل كما يقول المثل.
أرجو ألا يتهمني أحدكم بأنني جبان أو لست صاحب مبدأ، فليس الأمر هكذا، ولكنني قلت ما لم يقله الكثير من رؤساء التحرير الذين لم يتجرأ بعضهم على النقد أصلاً.
إن دول الخليج العربية تبقى دولاً صغيرة نسبياً، وثقافة النقد لا تصنع وتباع في السوق، بل هي تبنى على مدى سنوات حتى يستسيغها المجتمع ويقبلها ويهضمها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2677::/cck::
::introtext::
منذ فترة تحدثت مع زميل صحفي كويتي مخضرم وسألني عن المشكلات التي واجهتها خلال عملي رئيساً لتحرير صحيفة يومية، فقلت له إن مشكلاتي كانت في تغطية الشأن المحلي، فهو ميدان حساس نظراً للتركيبة الاجتماعية والعائلية والقبلية للبلد، ولكن خطوطنا الحمراء في الشأن السياسي العالمي بعيدة جداً، ضحك الرجل وعلّق قائلاً: أما نحن فعكسكم تماماً، ليست لدينا تقريباً خطوط حمراء، في الشأنين المحلي، ولكن خطوطنا كثيرة ومتشابكة في الشأنين العربي والعالمي!
::/introtext::
::fulltext::
منذ فترة تحدثت مع زميل صحفي كويتي مخضرم وسألني عن المشكلات التي واجهتها خلال عملي رئيساً لتحرير صحيفة يومية، فقلت له إن مشكلاتي كانت في تغطية الشأن المحلي، فهو ميدان حساس نظراً للتركيبة الاجتماعية والعائلية والقبلية للبلد، ولكن خطوطنا الحمراء في الشأن السياسي العالمي بعيدة جداً، ضحك الرجل وعلّق قائلاً: أما نحن فعكسكم تماماً، ليست لدينا تقريباً خطوط حمراء، في الشأنين المحلي، ولكن خطوطنا كثيرة ومتشابكة في الشأنين العربي والعالمي!
إن الخارطة الإعلامية الخليجية متباينة بشكل كبير. نعم، هناك عوامل مشتركة ونقاط التقاء، ولكن يبقى هذا التباين غالباً على الصورة، فلكل دولة خارطتها الخاصة وخطوطها التي يجب أن يتلمسها الصحفي ويتعرف إليها قبل أن يعمل في ميدانها.
لكن هل هذا التباين موجود في الصحافة المطبوعة فقط؟ كلا، هناك اختلاف واضح أيضاً في القنوات الفضائية الممولة خليجياً، فتعامل هذه الفضائيات مع القضايا العربية والعالمية وحتى الخليجية يختلف باختلاف التمويل، وعلى ذلك فإن من الأفضل تفكيك هذه المسألة والحديث عن كل وسيلة إعلامية على حدة وبشكل عام حتى تتضح الصورة ونستوعب تفاصيلها.
إن الإعلام الخليجي مصطلح جغرافي لا أكثر، فإذا قلنا هنا (صحافة خليجية) فإننا نعني بها الصحافة التي تمول من دول الخليج وليس الغطاء الثقافي والتحريري لهذه المؤسسات لأنها لا تملك سياسة تحريرية موحدة حتى يمكن الحديث عنها.
الصحافة المطبوعة:
نظراً للتركيبة السكانية الخاصة في دول الخليج وقلة أعداد المواطنين وتأخر دخول التعليم الحديث للمنطقة نسبياً مقارنة بغيرها من الدول العربية والمعاملة الخاصة التي يحصل عليها المواطن في قضايا التوظيف فإن هناك نقصاً حاداً في أعداد المواطنين الخليجيين العاملين في المؤسسات الإعلامية الخليجية وهذا الأمر انعكس على الصحف المطبوعة التي كان من المفترض أن تهتم بالشأن المحلي الخليجي لتصبح عروبية التوجه، قومية الانتماء.
وبقيت الصحف الخليجية ولفترات طويلة متقلبة بين العروبي والليبرالي والتقليدي، ونقول متقلبة لأنها تغيّر لونها باختلاف إدارتها وتمويلها ولدينا بعض الأمثلة التي ليس هنا مجال ذكرها.
إن المتتبع للصحف الخليجية قبل غزو العراق للكويت في بداية التسعينات يرى أن الطابع العروبي والليبرالي هو الغالب نظراً لنوعية الصحفيين العرب العاملين في هذه المؤسسات فبعضها كان يتطرف في قوميته معلناً ناصريته ويفرد الصفحات تلو الصفحات في ذكرى وفاة الزعيم المصري جمال عبد الناصر أو ميلاده. والبعض الآخر كان مفرطاً أيضاً في تقليديته، سعيداً بحماية الدولة له، ضارباً عرض الحائط بكل معايير الأداء الصحفي المتعارف عليها كأرقام التوزيع ومشاركة القراء والتأثير في الرأي العام، فالصحف التقليدية لم تكن غير نشرة يومية لنشاطات الحكومة.
وخلال تلك الفترة لم تكن قضايا العرب متنوعة كما هي الآن، فلم يكن هناك سوى القضية الفلسطينية التي أجمعت عليها وسائل الإعلام العربية، والحرب العراقية – الإيرانية التي تراوحت تغطيتها بين مساند للعراق بشكل قوي ناقلاً لبياناته مع إفراد الصفحات الملونة للانتصارات أو الاكتفاء بأخبار النصر على الصفحة الأولى فقط.
وبشكل عام كانت الصحف الخليجية موحدة تقريباً تجاه القضايا القومية حتى حصل الغزو العراقي للكويت، حينها بدأ ذلك التشتت الذي لا يزال إعلامنا يعاني من تبعاته حتى يومنا هذا.
فالمتتبع حالياً لما تكتبه الصحافة الخليجية يرى التباين الواضح في توجهاتها حتى في القضايا القومية، فالقضية الفلسطينية نزلت في بعضها إلى درجة دنيا من الأهمية وبرزت مسألة الإرهاب والاحتلال الأمريكي للعراق واختفت أسماء مثل: (فتح – الجبهة الشعبية – الكفاح المسلح – الناصريون – القوميون – العروبة – بوابة العرب الشرقية – الشيوعية – حركات التحرر العالمية)، التي كان هناك شبه إجماع عربي عليها لصالح أسماء أخرى مثل: (الزرقاوي – المقاومة العراقية – حماس – الإرهاب – تنظيم القاعدة – التنظيمات الفلسطينية المسلحة – ابن لادن) وغيرها من الأسماء التي فرضت نفسها على الساحة في السنوات الأخيرة واختلفت عليها الصحافة الخليجية، كما اختلفت عليها العربية أيضاً.
وأستطيع أن أقول إن الصحافة الخليجية شأنها شأن نظيرتها العربية تعيش حالة من التخبط غير الواضح، حتى أصبح القارئ يعرف توجه الصحيفة فيشتريها لأنها تكتب ما يرضيه، واختلفت الصحف باختلاف توجهات دولها ومموليها، فبعضها يطلق على الجيش الأمريكي في العراق ( القوات المتعددة الجنسيات بقيادة أمريكا ) وهي تسمية فرضتها واشنطن على وسائل الإعلام في إيحاء غير خافٍ على القارئ بأنها جزء من تحالف عالمي يحب الخير ويكره الشر قادم لبلاد الرافدين لتخليصها من كابوس جثم على صدرها سنوات طويلة وهي هناك شأنها شأن القوات التشيكية و الأوكرانية التي يتطلب وجودها حفظ الأمن وإحلال السلام.
أما البعض الآخر فلا يزال صامداً محافظاً على أسماء لم تعد وسائل الإعلام الخليجية تستخدمها بكثرة من قبيل (قوات الاحتلال الأمريكية) أو (المقاومة العراقية) معلنة وبشكل واضح اختلافها عن التوجه العام ومكرسة التباين التي تنتهجه الصحافة الخليجية الرسمية في تغطيتها للقضايا القومية والمصيرية.
لقد تركت الصحف موقعها الإعلامي الرائد لصالح الفضائيات التي خرجت مؤخراً، وانكفأت على نفسها محلياً، ولم يعد تأثيرها كما كان سابقاً، فأغلب الصحف بدأت تركز على الشأن المحلي الذي وجدت نفسها فيه أكثر تأثيراً.
لو لم نقاوم اندفاعنا نحو التشاؤمية لقلنا إننا في الخليج لا نملك صحافة مطبوعة مؤثرة، ولكن هناك بعض النماذج التي تدفعنا نحو التفاؤل، فما وصلنا إليه ليس هو نهاية المطاف فقد تكون هناك أمور خافية علينا في المستقبل القريب يمكن أن تنقل صحافتنا الخليجية إلى آفاق أرحب.
الفضائيات:
كان الفضل لقناة (الجزيرة) في توسيع هامش الحرية الإعلامية في العالم العربي، شئنا ذلك أم أبينا، فقد دفعت بالخطوط الحمراء التي أسرت الإعلام العربي بعيداً مهيأة الساحة لبروز فضائيات تتمتع بحرية نسبية في عالم عاش تحت سيطرة حكومية قوية ولفترات طويلة.
لقد انتقل الثقل الإعلامي العربي من ميادينه التقليدية مثل بيروت والقاهرة إلى دول الخليج العربية، وهو أمر لم يكن يحلم به أحد منذ سنوات قليلة فقط، وعندما نتحدث هنا عن الإعلام فإننا نعني به الإعلام الفضائي.
إن وجود بنى تحتية متطورة نسبياً في دول الخليج، وعدم تدخل حكوماتها في تفاصيل العمل اليومي لهذه المؤسسات جعلاها تتمتع بنوع من الحرية لم يكن ممنوحاً لها في غيرها من الدول العربية التي لا تزال تدير وسائلها الإعلامية وكأنها وزارات أو إدارات حكومية التي كعادتها ثقيلة الحركة قليلة البركة.
وتعلم الجهات الممولة للفضائيات أن الكلمة السحرية لنجاح أي عمل إعلامي هي الحرية ولذلك فهي لا تتدخل بشكل سافر حتى لا ينعكس ذلك على أداء المؤسسات، وأطلقت لها العنان بعض الشيء لتذهب إلى أقصى مسافة ممكنة تستطيع الجهة الممولة تحمل تبعاته، فانعكس ذلك على الجمهور العربي الذي أصبحت الفضائيات متنفساً له ونقلته بعيداً عن الإعلام الموجّه والتقليدي والأيديولوجي الذي رزح تحته لعقود طويلة.
ولكن دعونا نسأل أنفسنا السؤال التالي: إذا كانت الفضائيات تتمتع بكل هذه الحرية فلماذا لا تتمتع بها الصحف المطبوعة؟
لقد سألني أكثر من مسؤول عربي هذا السؤال، حتى إن أحدهم طرحه علي بالصيغة التالية عندما كنت رئيساً لتحرير صحيفة يومية: لماذا ليست لك الحرية لتكتب ما تشاء في صحيفتك كما تفعل قناة (الجزيرة)؟
كان السؤال محرجاً وخصوصاً أنني لم أتوقعه منه مع وجود أجهزة التسجيل، فقلت له يا سيدي: لا يستطيع أي شخص اقتحام قناة (الجزيرة) فهناك شرطة على الباب وحرس، أما صحيفتي فإن مبناها على شارع عام، ويكفي أن يصعد أحدهم عدة درجات من السلّم حتى يكون في مكتبي، وأنا ليس لي حرس ولا حماية، ولهذا فأنا أخاف على نفسي من الغاضبين.
قلت ذلك بابتسامة عريضة داعياً ربي أن تكون مهرباً سهلاً من سؤاله، وأعتقد أنه لم يقتنع ولكنه سكت على الأقل.
إن الفضائيات الممولة خليجياً لا تغطي الشأن المحلي وهي لا تنتقد الحكومات الممولة لها وهذا جعلها في مأمن من غضب الحكومة وعناصرها، أما الصحف فإنها لا تستطيع بحكم تمويلها واختلاف عملها منافسة الفضائيات، فهي كما قلنا وجدت نفسها في الشأن المحلي، فهي إن كتبت وانتقدت أداء الحكومة غضبت عليها وعطلت أداءها، ودعوني أحدثكم عن تجاربي عندما كنت رئيساً لتحرير صحيفة يومية:
نشرت الصحيفة تحقيقاً صحفياً عن مؤسسة شبه حكومية، وهذه المؤسسة أكبر معلن في الدولة فلديها ميزانية ضخمة للإعلانات وتعلن لكل حدث فيها اعتبارا من الوفيات والولادات وحتى كشوف الموازنات… إلخ.
بعد نشر التحقيق أعلنت تلك المؤسسة أنها ستقاطع الصحيفة ولن تنشر أي إعلان في صفحاتها، وتوتر الوضع، فقسم الإعلانات لم يكن ليتحمل ضربة كهذه، ومجلس الإدارة سيرى خللاً في الموازنة الختامية نهاية العام، فالمؤسسات الصحفية الخليجية تبقى استثمارية في نهاية الأمر، يهم مالكيها رقم الأرباح، وأنا بصفتي رئيساً للتحرير لا أستطيع أن أغضب الجميع وأكون سبباً في تدني أرباح المؤسسة، فما هو الحل؟
اضطررنا لحاجتنا وحاجتهم لحل الإشكال ودياً وانتهى الأمر على خير، ولكن حدَّ ذلك من إمكاناتنا في طرح قضايا جريئة، فقد لسعتنا الحيّة وخفنا من الحبل كما يقول المثل.
أرجو ألا يتهمني أحدكم بأنني جبان أو لست صاحب مبدأ، فليس الأمر هكذا، ولكنني قلت ما لم يقله الكثير من رؤساء التحرير الذين لم يتجرأ بعضهم على النقد أصلاً.
إن دول الخليج العربية تبقى دولاً صغيرة نسبياً، وثقافة النقد لا تصنع وتباع في السوق، بل هي تبنى على مدى سنوات حتى يستسيغها المجتمع ويقبلها ويهضمها.
::/fulltext::
::cck::2677::/cck::
