إيران.. في مواجهة من..؟!

::cck::3130::/cck::
::introtext::

تمتلك إيران قدراً كبيراً – نسبياً – من كل (عنصر) من عناصر (قوة الدولة) الستة وهي: الموقع الجغرافي والطبوغرافي، نوع وكم السكان، الموارد الطبيعية، القدرات التقنية، القوة العسكرية، والإدارة السياسية (نظام الحكم). فمن حيث الموقع تقع في ملتقى قارات العالم القديم الثلاث، وتوجد بها سهول زراعية خصبة ترفدها أنهار جارية بمجموع مساحة قدرها 1648 كيلومتر مربعاً، ويسكنها حوالي 70 مليون نسمة وتبلغ نسبة الأمية فيهم حوالي 30 في المائة، وغالبيتهم تحت سن 26 عاماً.

::/introtext::
::fulltext::

تمتلك إيران قدراً كبيراً – نسبياً – من كل (عنصر) من عناصر (قوة الدولة) الستة وهي: الموقع الجغرافي والطبوغرافي، نوع وكم السكان، الموارد الطبيعية، القدرات التقنية، القوة العسكرية، والإدارة السياسية (نظام الحكم). فمن حيث الموقع تقع في ملتقى قارات العالم القديم الثلاث، وتوجد بها سهول زراعية خصبة ترفدها أنهار جارية بمجموع مساحة قدرها 1648 كيلومتر مربعاً، ويسكنها حوالي 70 مليون نسمة وتبلغ نسبة الأمية فيهم حوالي 30 في المائة، وغالبيتهم تحت سن 26 عاماً.

 ولكن هذا العدد متنوع الثقافة والمذاهب والأعراق، وإن ظلت السيادة للعنصر الآري المعتنق للمذهب الشيعي. فضمن سكان إيران تجد: الفرس والعرب والبلوش والأكراد والتركمان.. إلخ. كما يوجد السنة ومذاهب وأديان أخرى جنباً إلى جنب مع المذهب الشيعي. لهذا لا تزال درجة انصهار (الشعب) الإيراني محدودة.

 أما الموارد الطبيعية فإيران غنية بمواردها الزراعية والمعدنية المختلفة، وفيها احتياطيات كبيرة من المعادن المهمة إضافة لكونها إحدى الدول المنتجة والمصدرة الرئيسة للنفط والغاز. ومن حيث قدرات شعبها التقنية تعتبر إيران واحدة من أكثر دول العالم الثالث تقدماً تقنياً وإن ما زالت بنيتها التقنية متواضعة – مقارنة بالدول الصناعية الكبرى. وعسكرياً فإن لديها جيشاً قوياً – نسبياً – مزوداً بأسلحة أمريكية وروسية وصينية.. وهي قادرة على امتلاك الخيار النووي – المصنع ذاتياً – في مدى سنتين من الآن.

أما إدارتها العليا الحالية (حكومتها أو نظامها السياسي الحالي) فإن أهم ما يلاحظ عليها هو:

1- كون المذهب الجعفري وحده هو مصدر التشريع الوحيد.

2- وجود منصب (المرشد الأعلى) الذي يختار من قبل كبار رجالات الدين ويمتلك سلطات واسعة جداً.

3- وجود مؤسستين رقابيتين (مصلحة تشخيص النظام ومصلحة صيانة الدستور) غير منتخبتين ولهما سلطات كبيرة.

4- حصر (الترشيح) لمناصب السلطات العليا الثلاث بمن تنطبق عليهم شروط (التدين) أو المزكين من قبل بعض رجال الدين والذين توافق مصلحة صيانة الدستور على ترشحهم.

5- حظر الأحزاب السياسية بأنواعها.

6- تقييد الكثير من الحريات العامة.

 ومن ذلك نرى أن هذا النظام لايزال إقصائياً إلى حد بعيد، رغم قيامه على مؤسسات قوية. ولا تزال المشاركة السياسية الشعبية فيه محدودة ومقيدة، الأمر الذي يتسبب – في المديين المتوسط والطويل – في نشوء عدم استقرار سياسي مبطن يمكن أن تنتج عنه – إن اشتعل فتيله – كوارث وقلاقل سياسية، غالباً ما ستؤدي إلى تمزق البلاد وضعفها وتخلفها.

 إن عنصر (النظام السياسي) هو أهم العناصر الستة لقوة الدولة- أي دولة، لأنه العنصر الذي إن صلح صلح كل شيء وإن فسد خرب كل شيء في الحياة العامة. إن النظام السياسي يمكن أن يرفع بيوتا لا عماد لها، ويمكن أن يهدم أصلب بيوت العز والشرف، فالنظام السياسي (لأي بلد) هو: الإدارة العليا لشؤونها العامة، وهذه الإدارة غالباً ما تبنى – إن صلحت – وتهدم إن فسدت.

وفي الوقت الراهن نجد أن عنصر (النظام السياسي) في إيران هو من أضعف العناصر الستة فيها، للأسباب التي ذكرت آنفاً. ولو تم تفادي أهم ما يؤخذ عليه حاليا لتمكن من قيادة إيران لتصبح قوة إقليمية (عظمى) على مستوى المنطقة وقوة (كبرى) على مستوى العالم. ورغم ما يسببه هذا النظام من بعض استياء في الداخل وشيء من تخبط في الخارج نتيجة لبعض السياسات الخارجية السلبية إلا أن قوة إيران بصفة عامة في تصاعد. ويقدر الخبراء أنها الآن قوة (كبرى) على مستوى الإقليم و(متوسطة) على مستوى العالم.

لنفترض أن نظام إيران الحالي سيستمر لعقد قادم – على الأقل – ونتساءل: ماذا تريد إيران – بنظامها هذا – من المنطقة والعالم في المدى القصير؟ ثم نحاول الإجابة – بمنتهى الإيجاز – عن هذا التساؤل المهم في ما يلي من فقرات.

 ماذا تريد إيران الحالية من المنطقة والعالم؟ سؤال يمكن وضعه في عدة صيغ أخرى، منها: ما هي أهم (أهداف) السياسة الخارجية لإيران في الآماد المختلفة – وبخاصة المدى القصير – تجاه المنطقة بصفة خاصة والعالم بصفة عامة؟

 ولا يمكن في الواقع الإجابة عن هذا التساؤل بموضوعية وصراحة وبمنتهى الاختصار – كما وعدنا وبما يسمح به هذا الحيز الضيق – دون أن نأخذ في الاعتبار القومية (الفارسية) والمذهب الشيعي، فالقومية شعور طبيعي لدى كل الجماعات الإنسانية. ويصعب – غالبا – التخلص من تداعياته السلبية على البشر. أما (المذهبية) فهي أشد وأخطر، لأنها في الغالب تبغض ولا تحبب، وتفرق ولا توحد.

وقد ابتلى العالم العربي والإسلامي بالمذهبية منذ فجر الإسلام، فانقسم إلى شيع وطوائف متناحرة أو شبه متناحرة أو (مختلفة) في أحسن الأحوال. وليس الدين الإسلامي وحده الذي يعاني من هذه الفرقة، بل إن كل دين آخر يعاني تقريباً من ذات البلاء وإن بدرجات متفاوتة مع افتراض أن (الغالبية) – في كل دين – تمثله أكثر من غيرها. لذلك تظل المذهبية وخاصة تلك المتجسدة في الشيعة وسبل التعامل (السليم) معها من أهم التحديات (الفكرية) التي يواجهها الدين الإسلامي الحنيف على مر العصور.

إيران تريد باختصار فرض السيادة الشيعية (بقيادة فارسية) على المنطقة، وأن تصبح القوة العالمية الكبرى المتحدثة باسم شيعة العالم. إن من حق أي دولة أن تكون لها أهدافها الخاصة داخل وخارج حدودها ولكن من حق المتضررين من تلك الأهداف أن يقاوموا بكل وسائل المقاومة الممكنة، حماية لبقائهم ومصالحهم هم أيضاً.

 ويعتقد الاستراتيجيون الإيرانيون كما يبدو، أن (مجال) دولتهم الحيوي (المباشر) يمتد من: شرق أفغانستان حتى تخوم البحر الأبيض المتوسط. وهم يريدون سيادة شيعية – بقيادة فارسية غير مباشرة – على كل هذا المجال. ويعتبرون جنوب العراق أهم امتداد لهم بعد إيران ذاتها. لذلك فإنهم يصرون على ضمان أن ما يتم في هذه البقعة يتماشى مع أهدافهم ومصالحهم؟ والارتباط المذهبي لجنوب العراق بالإيرانيين يدفع الأخيرين إلى استمرار الإصرار على هذا الهدف، كما يسهل لهم إمكانات تحققه. وقس على ذلك في المناطق التي يشكل الشيعة فيها أغلبية.

 إن أهم أهداف السياسة الخارجية الإيرانية الراهنة تضعها مباشرة في مواجهة (صراعية) مع العرب السنة ومع أمريكا، فالأخيرة تعتبر الهيمنة على هذه المنطقة هدفاً استراتيجياً لا يمكن التساهل فيه مهما كلف الأمر، لا سيما أن السيطرة على هذه المنطقة تضمن لأمريكا استمرار الهيمنة على العالم عبر التحكم في قلبه وأهم مصادر الطاقة فيه.

 وقد دخلت إيران بالفعل في صراع مع أمريكا، وزاد هذا الصراع حدة طموحات إيران النووية وإصرارها على امتلاك خيار (الطاقة النووية للأغراض السلمية) كما هو معروف. وكذلك تفاقم هذا الخلاف نتيجة اتهام كل من أمريكا وبريطانيا لإيران بأنها (تتدخل) في العراق. ومن العجيب أن يأتي هذا (الاتهام) من دولتين غزتا العراق واحتلتاه ودمرتاه، ولكنه صراع القوة الذي يتجاوز حدود المنطق.

 لقد أصبح (التدخل) الإيراني في العراق حقيقة. ولكن هذا التدخل يجب أن ينظر إليه في الإطار العام للواقعة، وفي (البانوراما) التي محورها هذا القطر العراقي الجريح. فكل في العراق وخارجه يغني على ليلاه. قوة الغزو والاحتلال لها أهدافها وكذلك بقية دول الجوار وغير الجوار. السنا بصدد تحليل جزء (صراعي) من السياسة الدولية في أسخن بقع العالم الراهن؟
 
وعندما نركز الضوء على علاقة إيران الراهنة مع أمريكا نجد دولتين وقد ساد الصراع في علاقاتهما على (التعاون)، بل وصلت حدة هذا الصراع إلى حافة الحرب.. ميزان القوة العسكرية يميل – بالطبع وبشدة – لصالح أمريكا، وليس هناك حتى مجال للمقارنة بين القوة المسلحة للطرفين، فأمريكا هي القوة العظمى الوحيدة الآن وتملك أقوى جيش في العالم مزود بأحدث وأفتك الأسلحة التي عرفتها البشرية حتى تاريخه.

وأمريكا تحاصر، بجيوشها ووجودها العسكري، إيران من كل جانب تقريباً.. من الشرق (أفغانستان) والشمال (أوزبكستان) والغرب (العراق) ومن الجنوب أسطول أمريكا في المحيط الهندي. ربما يمكن لأمريكا أن تحتل إيران وتدمر جيشها ومنشآتها النووية الصاعدة في أيام.

ولكن ليس القوة العسكرية هي كل شيء.. أمريكا تحتاج إلى تفويض من مجلس الأمن لاستخدام القوة ضد إيران في حال عدم تخلى إيران عن قدراتها النووية السلمية. وحصولها على هكذا تفويض يعتبر الآن في عداد المستحيلات. وهناك روسيا والصين، وهما الدولتان الكبريان اللتان تدركا تماماً نوايا أمريكا من هكذا مغامرة، وسيكون (فيتو) كل منهما جاهزاً ضد غزو أمريكي محتمل لإيران. هذا إن افترضنا أن فرنسا لن تعارض أمريكا في هذا الأمر لاعتبارات التحالف الأطلسي بين البلدين.

ولا شك أن حدة الوضع الراهن ناجمة عن: وجود حكومة متشددة في كل منهما، ففي واشنطن (المحافظون الجدد) وفي طهران (المحافظون) التقليديون. وزاد من التشدد الإيراني انتخاب الدكتور محمود أحمدي نجاد على رأس السلطة التنفيذية، فامتد اليمين إلى هذه السلطة أيضاً بعد أن كان متمركزاً في السلطة التشريعية (مجلس الشورى).. بسبب هيمنة المحافظين فيها، ويعزى هذا التوجه الإيراني إلى عوامل منها: السياسات الأمريكية التي تعادي إيران بأسلوب استفزازي وغير متزن في الوقت الذي تسهم فيه تلك السياسات في التخلص من أقوى خصوم إيران التقليديين (نظام صدام حسين وطالبان.. إلخ) وتمهد لإيران – من حيث لا تقصد – تقوية نفوذها في العراق.

 ومن ناحية أخرى نمّت إيران علاقاتها السياسية مع كل من الصين وروسيا، وهذا ساعد على تصليب موقفها تجاه أمريكا. ومعروف أن الصين تحتاج إلى النفط الإيراني الأقرب – جغرافياً – إليها، بسبب نموها الاقتصادي المتصاعد وحاجتها المتزايدة للطاقة، كما أن هذين البلدين يرفضان بشدة امتداد الهيمنة الأمريكية لإيران بسبب تهديدها المباشر لهما.

ولكن كل هذه الملابسات لن تثني أمريكا عن مواصلة عداءها لإيران، ومحاولتها خلخلة وتغيير نظامها، فإن تعذر على أمريكا غزو واحتلال إيران فإنها في الغالب ستقوم بواحد أو أكثر مما يلي:

– ضرب المنشآت النووية الإيرانية في كل من: (نطنز، أراك، أصفهان) وكذلك بعض المواقع العسكرية الإيرانية – وبالتعاون مع إسرائيل.

– تشديد الخناق الاقتصادي على إيران عبر الحصار والمقاطعة..الخ.

– التدخل سراً في إيران لإثارة العرقيات والطوائف الإيرانية بهدف بث القلاقل وإحراج النظام كما عملت بالفعل مؤخرا في (خوزستان) (عربستان) وبخاصة في منطقة (الأهواز).

إن ركب المحافظون الجدد رأسهم وغزوا إيران – كما فعلوا مع العراق – فإنهم يضعون أمريكا في موقف آخر لا تحسد عليه. فإيران ليست العراق، والجيش الإيراني في وضع يسمح له بتكبيد الأمريكيين خسائر فادحة، كما أن بقاء القوات الأمريكية في إيران لن يكون نزهة، فهناك مقاومة شرسة سيواجهها الغزاة من داخل إيران وخارجها. لكل ذلك يعتبر الغزو محتملا وليس حتمياً. ويدرك صانعو القرار الإيراني كما يبدو هذه الأبعاد والملابسات. ولعل هذا ما يفسر مضيهم في سياساتهم المتشددة غير مكترثين بالتهديدات الأمريكية السافرة المستمرة.

 حقاً لقد فتح الغزو الأمريكي (باب جهنم) في العراق والمنطقة – على حد تعبير الرئيس الفرنسي جاك شيراك – فأصبح ساحة اقتتال دام وصراع مرير فيما بين أطراف عراقية من جهة وبين العراقيين وقوات الاحتلال من جهة أخرى، إضافة إلى الدول المنخرطة في هذه الساحة بشكل أو آخر من دول الجوار وفي مقدمتها إيران وغير الجوار. ولكل طرف بالطبع أجندته، التي تتضمن ما يعتقد أنه يحقق مصالحه.. وكل طرف يحاول أن يخرج من هذه الساحة بأكبر (مكاسب) أو أقل خسائر ممكنة.

 وتظل الولايات المتحدة الطرف الأقدر على غلق هذا الباب – كما فتحته – وطي هذه الصفحة الدامية في تاريخ الإنسانية والمخجلة في تاريخ أمريكا. ولعل السبيل إلى ذلك هو: الانسحاب الأمريكى (التدريجي والعاجل) من العراق وإبقاء العراق دولة متحدة واحدة يحكمها (دستور) ترضاه الأطراف العراقية الرئيسية، ومن ثم الشروع الجاد في عمليات الإصلاح غير القسري بالمنطقة.. والعمل بجدية لجعل ما يسمى (منطقة الشرق الأوسط) منطقة خالية من الأسلحة النووية، ونزع هذه الأسلحة من كل دول المنطقة وفي مقدمتها إسرائيل التي تزيد طين المنطقة بلة بامتلاك حوالي 300 رأس نووي موجهة ضد أغلب مدن الجوار – بما فيها إيران، معرضة هذه التجمعات السكانية لتهديد الإبادة الشاملة والهلاك المحتوم، عسى أن تبصر هذه المنطقة بعد ذلك النور، وتحس الاستقرار وتعيش الأمن.. إن من السهل أن نتمنى ونأمل تحقق ذلك. ولكن هل بوسعنا في الواقع أن نتوقع من العم سام هكذا تحرك ايجابي؟

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3130::/cck::
::introtext::

تمتلك إيران قدراً كبيراً – نسبياً – من كل (عنصر) من عناصر (قوة الدولة) الستة وهي: الموقع الجغرافي والطبوغرافي، نوع وكم السكان، الموارد الطبيعية، القدرات التقنية، القوة العسكرية، والإدارة السياسية (نظام الحكم). فمن حيث الموقع تقع في ملتقى قارات العالم القديم الثلاث، وتوجد بها سهول زراعية خصبة ترفدها أنهار جارية بمجموع مساحة قدرها 1648 كيلومتر مربعاً، ويسكنها حوالي 70 مليون نسمة وتبلغ نسبة الأمية فيهم حوالي 30 في المائة، وغالبيتهم تحت سن 26 عاماً.

::/introtext::
::fulltext::

تمتلك إيران قدراً كبيراً – نسبياً – من كل (عنصر) من عناصر (قوة الدولة) الستة وهي: الموقع الجغرافي والطبوغرافي، نوع وكم السكان، الموارد الطبيعية، القدرات التقنية، القوة العسكرية، والإدارة السياسية (نظام الحكم). فمن حيث الموقع تقع في ملتقى قارات العالم القديم الثلاث، وتوجد بها سهول زراعية خصبة ترفدها أنهار جارية بمجموع مساحة قدرها 1648 كيلومتر مربعاً، ويسكنها حوالي 70 مليون نسمة وتبلغ نسبة الأمية فيهم حوالي 30 في المائة، وغالبيتهم تحت سن 26 عاماً.

 ولكن هذا العدد متنوع الثقافة والمذاهب والأعراق، وإن ظلت السيادة للعنصر الآري المعتنق للمذهب الشيعي. فضمن سكان إيران تجد: الفرس والعرب والبلوش والأكراد والتركمان.. إلخ. كما يوجد السنة ومذاهب وأديان أخرى جنباً إلى جنب مع المذهب الشيعي. لهذا لا تزال درجة انصهار (الشعب) الإيراني محدودة.

 أما الموارد الطبيعية فإيران غنية بمواردها الزراعية والمعدنية المختلفة، وفيها احتياطيات كبيرة من المعادن المهمة إضافة لكونها إحدى الدول المنتجة والمصدرة الرئيسة للنفط والغاز. ومن حيث قدرات شعبها التقنية تعتبر إيران واحدة من أكثر دول العالم الثالث تقدماً تقنياً وإن ما زالت بنيتها التقنية متواضعة – مقارنة بالدول الصناعية الكبرى. وعسكرياً فإن لديها جيشاً قوياً – نسبياً – مزوداً بأسلحة أمريكية وروسية وصينية.. وهي قادرة على امتلاك الخيار النووي – المصنع ذاتياً – في مدى سنتين من الآن.

أما إدارتها العليا الحالية (حكومتها أو نظامها السياسي الحالي) فإن أهم ما يلاحظ عليها هو:

1- كون المذهب الجعفري وحده هو مصدر التشريع الوحيد.

2- وجود منصب (المرشد الأعلى) الذي يختار من قبل كبار رجالات الدين ويمتلك سلطات واسعة جداً.

3- وجود مؤسستين رقابيتين (مصلحة تشخيص النظام ومصلحة صيانة الدستور) غير منتخبتين ولهما سلطات كبيرة.

4- حصر (الترشيح) لمناصب السلطات العليا الثلاث بمن تنطبق عليهم شروط (التدين) أو المزكين من قبل بعض رجال الدين والذين توافق مصلحة صيانة الدستور على ترشحهم.

5- حظر الأحزاب السياسية بأنواعها.

6- تقييد الكثير من الحريات العامة.

 ومن ذلك نرى أن هذا النظام لايزال إقصائياً إلى حد بعيد، رغم قيامه على مؤسسات قوية. ولا تزال المشاركة السياسية الشعبية فيه محدودة ومقيدة، الأمر الذي يتسبب – في المديين المتوسط والطويل – في نشوء عدم استقرار سياسي مبطن يمكن أن تنتج عنه – إن اشتعل فتيله – كوارث وقلاقل سياسية، غالباً ما ستؤدي إلى تمزق البلاد وضعفها وتخلفها.

 إن عنصر (النظام السياسي) هو أهم العناصر الستة لقوة الدولة- أي دولة، لأنه العنصر الذي إن صلح صلح كل شيء وإن فسد خرب كل شيء في الحياة العامة. إن النظام السياسي يمكن أن يرفع بيوتا لا عماد لها، ويمكن أن يهدم أصلب بيوت العز والشرف، فالنظام السياسي (لأي بلد) هو: الإدارة العليا لشؤونها العامة، وهذه الإدارة غالباً ما تبنى – إن صلحت – وتهدم إن فسدت.

وفي الوقت الراهن نجد أن عنصر (النظام السياسي) في إيران هو من أضعف العناصر الستة فيها، للأسباب التي ذكرت آنفاً. ولو تم تفادي أهم ما يؤخذ عليه حاليا لتمكن من قيادة إيران لتصبح قوة إقليمية (عظمى) على مستوى المنطقة وقوة (كبرى) على مستوى العالم. ورغم ما يسببه هذا النظام من بعض استياء في الداخل وشيء من تخبط في الخارج نتيجة لبعض السياسات الخارجية السلبية إلا أن قوة إيران بصفة عامة في تصاعد. ويقدر الخبراء أنها الآن قوة (كبرى) على مستوى الإقليم و(متوسطة) على مستوى العالم.

لنفترض أن نظام إيران الحالي سيستمر لعقد قادم – على الأقل – ونتساءل: ماذا تريد إيران – بنظامها هذا – من المنطقة والعالم في المدى القصير؟ ثم نحاول الإجابة – بمنتهى الإيجاز – عن هذا التساؤل المهم في ما يلي من فقرات.

 ماذا تريد إيران الحالية من المنطقة والعالم؟ سؤال يمكن وضعه في عدة صيغ أخرى، منها: ما هي أهم (أهداف) السياسة الخارجية لإيران في الآماد المختلفة – وبخاصة المدى القصير – تجاه المنطقة بصفة خاصة والعالم بصفة عامة؟

 ولا يمكن في الواقع الإجابة عن هذا التساؤل بموضوعية وصراحة وبمنتهى الاختصار – كما وعدنا وبما يسمح به هذا الحيز الضيق – دون أن نأخذ في الاعتبار القومية (الفارسية) والمذهب الشيعي، فالقومية شعور طبيعي لدى كل الجماعات الإنسانية. ويصعب – غالبا – التخلص من تداعياته السلبية على البشر. أما (المذهبية) فهي أشد وأخطر، لأنها في الغالب تبغض ولا تحبب، وتفرق ولا توحد.

وقد ابتلى العالم العربي والإسلامي بالمذهبية منذ فجر الإسلام، فانقسم إلى شيع وطوائف متناحرة أو شبه متناحرة أو (مختلفة) في أحسن الأحوال. وليس الدين الإسلامي وحده الذي يعاني من هذه الفرقة، بل إن كل دين آخر يعاني تقريباً من ذات البلاء وإن بدرجات متفاوتة مع افتراض أن (الغالبية) – في كل دين – تمثله أكثر من غيرها. لذلك تظل المذهبية وخاصة تلك المتجسدة في الشيعة وسبل التعامل (السليم) معها من أهم التحديات (الفكرية) التي يواجهها الدين الإسلامي الحنيف على مر العصور.

إيران تريد باختصار فرض السيادة الشيعية (بقيادة فارسية) على المنطقة، وأن تصبح القوة العالمية الكبرى المتحدثة باسم شيعة العالم. إن من حق أي دولة أن تكون لها أهدافها الخاصة داخل وخارج حدودها ولكن من حق المتضررين من تلك الأهداف أن يقاوموا بكل وسائل المقاومة الممكنة، حماية لبقائهم ومصالحهم هم أيضاً.

 ويعتقد الاستراتيجيون الإيرانيون كما يبدو، أن (مجال) دولتهم الحيوي (المباشر) يمتد من: شرق أفغانستان حتى تخوم البحر الأبيض المتوسط. وهم يريدون سيادة شيعية – بقيادة فارسية غير مباشرة – على كل هذا المجال. ويعتبرون جنوب العراق أهم امتداد لهم بعد إيران ذاتها. لذلك فإنهم يصرون على ضمان أن ما يتم في هذه البقعة يتماشى مع أهدافهم ومصالحهم؟ والارتباط المذهبي لجنوب العراق بالإيرانيين يدفع الأخيرين إلى استمرار الإصرار على هذا الهدف، كما يسهل لهم إمكانات تحققه. وقس على ذلك في المناطق التي يشكل الشيعة فيها أغلبية.

 إن أهم أهداف السياسة الخارجية الإيرانية الراهنة تضعها مباشرة في مواجهة (صراعية) مع العرب السنة ومع أمريكا، فالأخيرة تعتبر الهيمنة على هذه المنطقة هدفاً استراتيجياً لا يمكن التساهل فيه مهما كلف الأمر، لا سيما أن السيطرة على هذه المنطقة تضمن لأمريكا استمرار الهيمنة على العالم عبر التحكم في قلبه وأهم مصادر الطاقة فيه.

 وقد دخلت إيران بالفعل في صراع مع أمريكا، وزاد هذا الصراع حدة طموحات إيران النووية وإصرارها على امتلاك خيار (الطاقة النووية للأغراض السلمية) كما هو معروف. وكذلك تفاقم هذا الخلاف نتيجة اتهام كل من أمريكا وبريطانيا لإيران بأنها (تتدخل) في العراق. ومن العجيب أن يأتي هذا (الاتهام) من دولتين غزتا العراق واحتلتاه ودمرتاه، ولكنه صراع القوة الذي يتجاوز حدود المنطق.

 لقد أصبح (التدخل) الإيراني في العراق حقيقة. ولكن هذا التدخل يجب أن ينظر إليه في الإطار العام للواقعة، وفي (البانوراما) التي محورها هذا القطر العراقي الجريح. فكل في العراق وخارجه يغني على ليلاه. قوة الغزو والاحتلال لها أهدافها وكذلك بقية دول الجوار وغير الجوار. السنا بصدد تحليل جزء (صراعي) من السياسة الدولية في أسخن بقع العالم الراهن؟
 
وعندما نركز الضوء على علاقة إيران الراهنة مع أمريكا نجد دولتين وقد ساد الصراع في علاقاتهما على (التعاون)، بل وصلت حدة هذا الصراع إلى حافة الحرب.. ميزان القوة العسكرية يميل – بالطبع وبشدة – لصالح أمريكا، وليس هناك حتى مجال للمقارنة بين القوة المسلحة للطرفين، فأمريكا هي القوة العظمى الوحيدة الآن وتملك أقوى جيش في العالم مزود بأحدث وأفتك الأسلحة التي عرفتها البشرية حتى تاريخه.

وأمريكا تحاصر، بجيوشها ووجودها العسكري، إيران من كل جانب تقريباً.. من الشرق (أفغانستان) والشمال (أوزبكستان) والغرب (العراق) ومن الجنوب أسطول أمريكا في المحيط الهندي. ربما يمكن لأمريكا أن تحتل إيران وتدمر جيشها ومنشآتها النووية الصاعدة في أيام.

ولكن ليس القوة العسكرية هي كل شيء.. أمريكا تحتاج إلى تفويض من مجلس الأمن لاستخدام القوة ضد إيران في حال عدم تخلى إيران عن قدراتها النووية السلمية. وحصولها على هكذا تفويض يعتبر الآن في عداد المستحيلات. وهناك روسيا والصين، وهما الدولتان الكبريان اللتان تدركا تماماً نوايا أمريكا من هكذا مغامرة، وسيكون (فيتو) كل منهما جاهزاً ضد غزو أمريكي محتمل لإيران. هذا إن افترضنا أن فرنسا لن تعارض أمريكا في هذا الأمر لاعتبارات التحالف الأطلسي بين البلدين.

ولا شك أن حدة الوضع الراهن ناجمة عن: وجود حكومة متشددة في كل منهما، ففي واشنطن (المحافظون الجدد) وفي طهران (المحافظون) التقليديون. وزاد من التشدد الإيراني انتخاب الدكتور محمود أحمدي نجاد على رأس السلطة التنفيذية، فامتد اليمين إلى هذه السلطة أيضاً بعد أن كان متمركزاً في السلطة التشريعية (مجلس الشورى).. بسبب هيمنة المحافظين فيها، ويعزى هذا التوجه الإيراني إلى عوامل منها: السياسات الأمريكية التي تعادي إيران بأسلوب استفزازي وغير متزن في الوقت الذي تسهم فيه تلك السياسات في التخلص من أقوى خصوم إيران التقليديين (نظام صدام حسين وطالبان.. إلخ) وتمهد لإيران – من حيث لا تقصد – تقوية نفوذها في العراق.

 ومن ناحية أخرى نمّت إيران علاقاتها السياسية مع كل من الصين وروسيا، وهذا ساعد على تصليب موقفها تجاه أمريكا. ومعروف أن الصين تحتاج إلى النفط الإيراني الأقرب – جغرافياً – إليها، بسبب نموها الاقتصادي المتصاعد وحاجتها المتزايدة للطاقة، كما أن هذين البلدين يرفضان بشدة امتداد الهيمنة الأمريكية لإيران بسبب تهديدها المباشر لهما.

ولكن كل هذه الملابسات لن تثني أمريكا عن مواصلة عداءها لإيران، ومحاولتها خلخلة وتغيير نظامها، فإن تعذر على أمريكا غزو واحتلال إيران فإنها في الغالب ستقوم بواحد أو أكثر مما يلي:

– ضرب المنشآت النووية الإيرانية في كل من: (نطنز، أراك، أصفهان) وكذلك بعض المواقع العسكرية الإيرانية – وبالتعاون مع إسرائيل.

– تشديد الخناق الاقتصادي على إيران عبر الحصار والمقاطعة..الخ.

– التدخل سراً في إيران لإثارة العرقيات والطوائف الإيرانية بهدف بث القلاقل وإحراج النظام كما عملت بالفعل مؤخرا في (خوزستان) (عربستان) وبخاصة في منطقة (الأهواز).

إن ركب المحافظون الجدد رأسهم وغزوا إيران – كما فعلوا مع العراق – فإنهم يضعون أمريكا في موقف آخر لا تحسد عليه. فإيران ليست العراق، والجيش الإيراني في وضع يسمح له بتكبيد الأمريكيين خسائر فادحة، كما أن بقاء القوات الأمريكية في إيران لن يكون نزهة، فهناك مقاومة شرسة سيواجهها الغزاة من داخل إيران وخارجها. لكل ذلك يعتبر الغزو محتملا وليس حتمياً. ويدرك صانعو القرار الإيراني كما يبدو هذه الأبعاد والملابسات. ولعل هذا ما يفسر مضيهم في سياساتهم المتشددة غير مكترثين بالتهديدات الأمريكية السافرة المستمرة.

 حقاً لقد فتح الغزو الأمريكي (باب جهنم) في العراق والمنطقة – على حد تعبير الرئيس الفرنسي جاك شيراك – فأصبح ساحة اقتتال دام وصراع مرير فيما بين أطراف عراقية من جهة وبين العراقيين وقوات الاحتلال من جهة أخرى، إضافة إلى الدول المنخرطة في هذه الساحة بشكل أو آخر من دول الجوار وفي مقدمتها إيران وغير الجوار. ولكل طرف بالطبع أجندته، التي تتضمن ما يعتقد أنه يحقق مصالحه.. وكل طرف يحاول أن يخرج من هذه الساحة بأكبر (مكاسب) أو أقل خسائر ممكنة.

 وتظل الولايات المتحدة الطرف الأقدر على غلق هذا الباب – كما فتحته – وطي هذه الصفحة الدامية في تاريخ الإنسانية والمخجلة في تاريخ أمريكا. ولعل السبيل إلى ذلك هو: الانسحاب الأمريكى (التدريجي والعاجل) من العراق وإبقاء العراق دولة متحدة واحدة يحكمها (دستور) ترضاه الأطراف العراقية الرئيسية، ومن ثم الشروع الجاد في عمليات الإصلاح غير القسري بالمنطقة.. والعمل بجدية لجعل ما يسمى (منطقة الشرق الأوسط) منطقة خالية من الأسلحة النووية، ونزع هذه الأسلحة من كل دول المنطقة وفي مقدمتها إسرائيل التي تزيد طين المنطقة بلة بامتلاك حوالي 300 رأس نووي موجهة ضد أغلب مدن الجوار – بما فيها إيران، معرضة هذه التجمعات السكانية لتهديد الإبادة الشاملة والهلاك المحتوم، عسى أن تبصر هذه المنطقة بعد ذلك النور، وتحس الاستقرار وتعيش الأمن.. إن من السهل أن نتمنى ونأمل تحقق ذلك. ولكن هل بوسعنا في الواقع أن نتوقع من العم سام هكذا تحرك ايجابي؟

::/fulltext::
::cck::3130::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *