الاتحاد الأوروبي وإيران: بناء وفقدان الثقة
::cck::3132::/cck::
::introtext::
تتسم العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران بعدم وضوح معالمها، لأنها تظهر وجهاً متناقضاً. فقد ظل هناك اتصال مستمر بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي – ومختلف أجهزة الاتحاد أيضاً- وإيران، على الرغم من عدم وجود علاقات تعاقدية رسمية بين الجانبين. وإذا كانت البراغماتية هي العامل الوحيد الذي يؤكد العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإيران، فلا شك أن اتفاقية للتجارة والتعاون وعرابين مثيلة أخرى كانت وجدت طريقها إلى التوقيع منذ وقت بعيد، نتيجة للجاذبية الاقتصادية للروابط الأوثق بين إيران الغنية بالطاقة وأوروبا المتعطشة للطاقة. ولكن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران تظل معقدة لسببين رئيسيين، كلاهما مرتبط بطبيعة نظام الحكم الإسلامي (الثوري): فمن جهة أدى قيام هياكل ومؤسسات ديمقراطية حقيقية في إيران إلى بعث الأمل من أن تعاملاً مع إيران من شأنه أن يقود إلى ديمقراطية حقيقية في هذا البلد، ومن جهة ثانية، فإن الوضع على الأرض في إيران ليس مرضياً، ومن خلال تعاملاته مع إيران، حاول الاتحاد الأوروبي تسوية وإزالة هذه التناقضات، وباختياره نهج (الحوار)، فإنه تبنى أسلوباً يتسم بالتصميم والثقة بالنفس، وذلك خلافاً لأسلوب الولايات المتحدة على الرغم من حقيقة أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتقاسمان أهدافاً مشتركة، يتمثل أكثرها أهمية في حث إيران على التخلي عن برنامجها النووي.
::/introtext::
::fulltext::
تتسم العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران بعدم وضوح معالمها، لأنها تظهر وجهاً متناقضاً. فقد ظل هناك اتصال مستمر بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي – ومختلف أجهزة الاتحاد أيضاً- وإيران، على الرغم من عدم وجود علاقات تعاقدية رسمية بين الجانبين. وإذا كانت البراغماتية هي العامل الوحيد الذي يؤكد العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإيران، فلا شك أن اتفاقية للتجارة والتعاون وعرابين مثيلة أخرى كانت وجدت طريقها إلى التوقيع منذ وقت بعيد، نتيجة للجاذبية الاقتصادية للروابط الأوثق بين إيران الغنية بالطاقة وأوروبا المتعطشة للطاقة. ولكن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران تظل معقدة لسببين رئيسيين، كلاهما مرتبط بطبيعة نظام الحكم الإسلامي (الثوري): فمن جهة أدى قيام هياكل ومؤسسات ديمقراطية حقيقية في إيران إلى بعث الأمل من أن تعاملاً مع إيران من شأنه أن يقود إلى ديمقراطية حقيقية في هذا البلد، ومن جهة ثانية، فإن الوضع على الأرض في إيران ليس مرضياً، ومن خلال تعاملاته مع إيران، حاول الاتحاد الأوروبي تسوية وإزالة هذه التناقضات، وباختياره نهج (الحوار)، فإنه تبنى أسلوباً يتسم بالتصميم والثقة بالنفس، وذلك خلافاً لأسلوب الولايات المتحدة على الرغم من حقيقة أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتقاسمان أهدافاً مشتركة، يتمثل أكثرها أهمية في حث إيران على التخلي عن برنامجها النووي.
الحوارات النقدية والشاملة:
كانت هناك عقود تجارية محدودة بين إيران والمجموعة الأوروبية (سابقاً) قبل الثورة الإسلامية، وقد أنهي معظمها قبل الإطاحة بنظام الشاه. وكانت إيران تعتبر طيلة الثمانينات في كل أنحاء العالم دولة منبوذة مزقتها اضطرابات ثورية وحرب دموية دامت ثماني سنوات مع العراق المجاور. وفي ديسمبر 1992 وأثناء القمة الأوروبية في ادنبرة، قررت المجموعة البدء في (حوار نقدي) مع الجمهورية الإسلامية. وقد اعتبر الحوار (نقدياً) لأنه لم يفعل أي نقطة اهتمام ذات شأن، كدعم إيران للإرهاب الدولي أو الحكم الصادر بإهدار دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي. والأكثر أهمية أنه كان حواراً استمع خلاله الإيرانيون مثلما تم الاستماع اليهم. وقد أدير الحوار علناً، خلافاً للتعاملات السرية الأمريكية مع إيران أثناء مسألة الكونترا. وقد حدثت أزمة كبيرة في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران في عام 1996 حينما حكمت محكمة عليا ألمانية بأن وزير المخابرات والأمن الإيراني علي فلاحيان ومسؤولين إيرانيين كباراً كانوا ضالعين في اغتيال عدد من المعارضين الأكراد في عام 1992. ولكن رد فعل الحكومة الإيرانية تمثل في التحفظ على فلاحيان وإقالته من منصبه، وقد مكن الفوز الساحق لحجة الإسلام محمد رضا خاتمي من الانتخابات الرئاسية من عام 1997 دول الاتحاد الأوروبي من إعادة دبلوماسييها إلى إيران بعدما كان تم استدعاؤهم نتيجة لردود الفعل الإيرانية غير المقبولة تجاه حكم المحكمة الألمانية.
وساعد انتخاب خاتمي والمبادرات الإيجابية التي اتخذتها حكومته الاتحاد الأوروبي على تبرير تحسين العلاقات مع إيران وأوجد ما أطلق عليه الحوار الشامل معها، وكان الهدف الواضح للاتحاد الأوروبي يتمثل في دعم أجندة الرئيس للإصلاح والسياسة العامة للتحرير الثقافي والاقتصادي والسياسي في إيران. وقد اشتمل الحوار الشامل الذي بدأ في عام 1998 على اجتماعين سنويين للترويكا الأوروبية مع الإيرانيين على مستوى وكلاء الوزارات. ويعتبر الحوار شاملاً لأنه يغطي – بين قضايا أخرى – مشكلة الشرق الأوسط وعدم انتشار أسلحة الدمار الشامل وحقوق الإنسان والإرهاب، بالإضافة إلى قضايا مثل مكافحة المخدرات واللاجئين والتعاون المحتمل في قطاع الطاقة.
وقد مهدت لهذا التطور حقيقة أن الدبلوماسية العامة لخاتمي في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وجدت ترحيباً كبيراً . كما شجعت الانتخابات البرلمانية في عام 2000 وإعادة انتخاب خاتمي في عام 2001 الاتحاد الأوروبي على تشكيل روابط أوثق مع إيران، مع تصور لأول مرة بإمكانية إبرام اتفاقية للتجارة والتعاون. وقد منح تفويض للمفوضية في مجلس لوكسمبورغ في 17 يونيو 2002 لإبرام هذه الاتفاقية. كما أن التفويض المذكور ارتبط شرطياً بتحقيق نجاح في مجال الحوار السياسي الذي تناول مناقشات – بين أمور أخرى – حول حقوق الإنسان والقضية النووية الإيرانية وقضية مكافحة الإرهاب. وبالاختصار، إذا كان الإيرانيون راغبين في تغيير سياساتهم في مجالات ذات اهتمام للاتحاد الأوروبي، فإن الاتحاد سيوافق على إبرام اتفاقية سخية للتجارة والتعاون، ولكن إيران لن تكون قادرة على عزل هكذا اتفاقية عن قضايا أخرى مثلما أوضح الاتحاد الأوروبي بجلاء في مناسبات كثيرة من بينها قرارات المجلس في 16 يونيو 2003:
(أعاد المجلس إلى الأذهان أن اتخاذ قرار للبدء في هذه المفاوضات بشأن اتفاقية للتجارة والتعاون، فإنه توقع أن تعزيز علاقات اقتصادية وتجارية بين الاتحاد الأوروبي وإيران يجب أن يكون متناغماً مع تقدم مماثل في كافة الأوجه الأخرى لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع إيران. وقد حدد على وجه الخصوص الحاجة إلى تطورات إيجابية جوهرية في مجال حقوق الإنسان، وعدم انتشار أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، وعملية السلام شرق الأوسطية).
تقييم أول للحوارات: حقوق الإنسان
واجه الحوار النقدي والحوار الشامل فيما بعد انتقاداً حاداً قبل المعارضة الإيرانية. كما واجهت الحوارات انتقاداً من مسؤولين أمريكيين عبروا أحياناً عن اختلافهم في هذا الشأن باعتبار أن هذه الحوارات تمثل (منتدى يلتقي فيه الأوروبيون والإيرانيون لانتقاد الأمريكيين). كما علق آخرون – بسخرية عليها، قائلين إن الحوارات ليست إلا ستاراً لنشاطات اقتصادية مكثفة مع إيران وعبروا عن الرأي القائل (ليس من الواضح تماماً ما إذا كان أحد يؤمن حقاً بهذا الحوار). ولكن سواء كان (نقدياً) أو (شاملاً)، فيجب عدم التقليل من أهمية حوار الاتحاد الأوروبي مع إيران باعتبار أنه كان تمريناً على التوفيق بين الطموحات المثالية لتعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية والضروريات الواقعية للتعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد والأمن. ومن منظور الاتحاد الأوروبي كانت مرحلة (الحوار النقدي) – الفترة من قمة أدنبرة في عام 1992 إلى انتخاب خاتمي- أقل نجاحاً من حيث التبشير بتحسينات دراماتيكية مما تم بشأن الطريقة التي أدى الحوار من خلالها إلى تحول تدريجي في سلوك الإيرانيين. ومع ذلك فهذا لم يحدث بين عشية وضحاها، ولا يستطيع الأوروبيون أن ينسبوا كل الفضل في ذلك لأنفسهم.
فالسياسات الداخلية- مثل سياسات رفسنجاني – التي تمكنت أخيراً من سحق نفوذ المتشددين في جهاز السلطة، كانت بالتأكيد تمثل قوى موجهة رئيسية. وثمة سبب آخر ربما كان أقل تأثيراً وتمثل في النقاش الذي بدأ على استحياء حول الإسلام وحقوق الإنسان والديمقراطية في أوساط المفكرين الإيرانيين الإسلاميين. وبات من المستحيل الآن على النظام أن ينكر حقيقة أن اهتمامات جادة أصبحت موجودة في صفوف الشعب بوضع حقوق الإنسان وأن الناس ظلوا يطالبون بإحداث تحسينات في هذا المجال. وقد تعززت الجهود في هذا الاتجاه حينما منحت جائزة نوبل للسلام إلى شيرين عبادي الناشطة الإيرانية في مجال حقوق الإنسان في عام 2003.
وساند الاتحاد الأوروبي هذا الاتجاه بقصد أم بغير قصد. فقبل عام من ذلك، كان الاتحاد الأوروبي ربط سلفاً بين إمكانات التعاون السياسي والاقتصادي الأوثق مع إيران والتقدم الذي يتحقق بشأن قضايا حقوق الإنسان. وبدأ حوار حول حقوق الإنسان في عام 2002 بلا شروط مسبقة، حيث تناول كافة قضايا حقوق الإنسان، ولكنه اشترط أيضاً (أن يختار كل طرف انهاء الحوار في أي وقت) . وبدءاً من مجلس 21 أكتوبر 2002، ظل وضع حقوق الإنسان في إيران على أجندة المجالس اللاحقة. وعلقت رئاسة الاتحاد الأوروبي والممثل الأعلى أيضاً على سجل حقوق الإنسان في إيران في فترات مختلفة. وقد حدثت هكذا مستجدات وتدخلات – على سبيل المثال – في حالة مقتل الصحفية الكندية الإيرانية المولد زهرة كاظمي أو مؤخراً حينما دعا الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق سراح أكبر غانجي أحد سجناء الضمير الإيرانيين. ولا حاجة للقول إن الإيرانيين لم يكونوا سعداء بالبيانات النقدية الصريحة للاتحاد الأوروبي، غير أن ذلك لم يدفعهم للانسحاب من عملية الحوار. ويكمن الاختلاف بين النهج الأوروبي والنهج الأمريكي في حقيقة أنه برغم أن انتقاد الاتحاد الأوروبي لسجل إيران في مجال حقوق الإنسان رفض من قبل طهران، إلا أنه حظي باستماع واهتمام وأحدث بعض التأثير. وفيما لم تجد الانتقادات الأمريكية آذاناً صاغية في طهران، حظي صوت الاتحاد الأوروبي تجاه حقوق الإنسان ببعض المصداقية. أما لدى شركاء آخرين لإيران مثل الصين وروسيا والدول الإسلامية ودول العالم الثالث، فلم يجد الصوت الأوروبي اهتماماً يذكر في هذه الدول، وفي نهاية الأمر، فإن مقارنة فشل السياسة الأمريكية في الإحتواء المزدوج لإيران والعراق مع حوار الاتحاد الأوروبي مع الإيرانيين، فإن الأخير أثمر نتائج أفضل – حتى إن كان لدرجة رفع الوعي فقط في أوساط الساسة الإيرانيين بأن الاتحاد الأوروبي جاد بشأن حقوق الإنسان.
وعموماً فبعد عقد من الدخول في هذا الحوار، يبدو كلا الجانبين اصبح يسأم، على الرغم من الحوار استمر وصمد أمام أزمات كبرى وصغرى في الوقت ذاته، ولكن هذا تغير في صيف 2003 حينما وصلت أنباء القدرات النووية غير المعروفة في إيران إلى الغرب.
تقييم ثان للحوارات: القضية النووية:
في عام 2003 تناولت مختلف قرارات المجلس (على سبيل المثال قرارات 16 يونيو 2003 و21 يوليو 2003 و3 سبتمبر 2003) القضية النووية.
فقد عبر الاتحاد الأوروبي عن مخاوفه تجاه دورة الوقود النووية الكاملة وانعكاساتها على انتشار أسلحة الدمار الشامل، ودعا إيران للتعاون الوثيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مصراً على (القبول الفوري وغير المشروط والتوقيع على البروتوكول الإضافي للوكالة حول الإجراءات الوقائية وتطبيقها) (كدلالة على الالتزام الإيراني في مجال عدم الانتشار). ولكن بحلول خريف 2003 كان هناك تحفظ شديد بين إيران والغرب تجاه البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية.
وقد أمكن تجاوز الأزمة – أو إرجاؤها – حينما أخذ وزراء خارجية الدول الثلاث الكبار في أوروبا (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) زمام المبادرة في اكتوبر 2003 وزاروا طهران. وأوضح هؤلاء لمضيفيهم أن إيران يجب أن توقف تخصيب اليورانيوم وتسمح بعمليات تفتيش مفاجئة تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك بالتوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة عدم الانتشار. وفي المقابل، فقد أكدوا لطهران أن أوروبا سوف تقاوم الضغط الأمريكي وتواصل الحوار. وعلاوة على ذلك عرضوا أيضاً مجموعة من الحوافز الاقتصادية.
وليس من المعروف في أي ظروف محددة حصل (الثلاثة الكبار) على تفويضهم ولا من أي بلد من البلدان الثلاثة انطلقت المبادرة. كما أنه ليس من الواضح إلى أي مدى كان للرئاسة الايطالية دور تلعبه في العملية. ولكن، حينما أطلقت المبادرة جرى تنسيقها مع خافيير سولانا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية العامة بالاتحاد الأوروبي وتوسيعها إلى بقية أعضاء الاتحاد الـ 25. وقد تم تعريض الصيغة النهائية بـ (مبادرة الترويكا/ الاتحاد الأوروبي) وأصبحت أداة السياسة الرئيسية للاتحاد الأوروبي في جهوده للتعامل مع إيران.
وطوال عام 2004، كان الاتحاد الأوروبي قادراً ظاهرياً على إقناع إيران بضرورة التعاون: الجمهورية الإسلامية وقعت على البروتوكول الإضافي لمعاهدة عدم الانتشار وامتنعت عن تخصيب اليورانيوم. وفي الوقت ذاته، حول النظام الحاكم في طهران المسألة النووية إلى قضية فخر وهيبة وطنية. وفي نهاية الأمر، أصر قادة الرأي العام في إيران بالإجماع على الإبقاء على برنامج التخصيب، برغم أن الأصوات التي جاهرت بتفضيل تطوير سلاح نووي لم تكن الغالبة، ومن وجهة نظر خارجية، كان للمفاوضين الإيرانيين تفويض سياسي قوي سانده الشعب.
وبحلول نهاية العام، كانت للاتحاد الأوروبي اسس لتفاؤل حذر. ففي 15 نوفمبر 2004، وقعت إيران وترويكا الاتحاد الأوروبي اتفاقية باريس، التي كانت صدى لبيان الموافقة الإيرانية الصادر في 21 أكتوبر 2003. ففي اتفاقية 15 نوفمبر أكد الطرفان التزامهما بمعاهدة عدم الانتشار: بموجب شروط هذه الاتفاقية، لن تسعى إيران إلى امتلاك أسلحة نووية (المادة 2 من اتفاقية عدم الانتشار)، فيما يتعين على ترويكا الاتحاد الأوروبي الاعتراف بحقوق إيران المنصوص عليها في اتفاقية عدم الانتشار. وبمنأى عن القضية النووية (أكدت الترويكا الأوروبية وإيران عزمهما على مكافحة الإرهاب) متخذين تنظيم القاعدة ومجاهدي خلق كأمثلة. ومن وجهة نظر إيرانية، تمثل نجاحهم الرئيسي في اعتراف الترويكا الأوروبية بأن إيقاف كل نشاطات التخصيب إنما هو (تدبير طوعي لبناء الثقة وليس التزاماً قانونياً). ولكن الاتحاد الأوروبي كان يربط بوضوح الإمكانات المستقبلية لعلاقات بينه وبين إيران باستعداد إيران للإبقاء على إيقاف التخصيب. ومن وجهة نظر الاتحاد الأوروبي كان قد عُرض على إيران تعاون ودعم كبيران، خاصة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد. وباختصار، بدا إصرار الإيرانيين على دورة الوقود النووي غير معقول للأوروبيين، بينما كان إيقاف دورة الوقود النووي نهائياً غير مقبول للإيرانيين.
وأصبحت هذه الخلافات طيلة عام 2005 ملحوظة أكثر فأكثر. ومما ينذر بسوء أن إيران أكدت الطبيعة الطوعية لإيقاف التخصيب في مناسبات كثيرة. ففي 25 مايو 2005 في جنيف، وعدت الترويكا الأوروبية الإيرانيين بأنهم بحلول نهاية يوليو أو مطلع أغسطس سوف يقدمون مخططاً تمهيدياً جديداً لاتفاقية من أجل تسوية الأزمة، ولكن في تحرك مفاجئ في الأول من أغسطس 2005، بعث الجانب الإيراني رسالة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية اخطروا فيها الوكالة بمواصلة نشاطات التخصيب في مفاعلات أصفهان. ورداً على ذلك، حذرت الوكالة إيران من مواصلة التخصيب ما لم يتم تشغيل أجهزة المراقبة اللازمة هناك.
وكان هذا بمثابة صدمة للأوروبيين، فقد بدا أن السنتين الأخيرتين من المفاوضات والمساومات المضنية والمناقشات المكثفة مع الإيرانيين تشيران إلى الجانبين كانا راغبين في ايجاد حل وأن الإيرانيين كانوا مستعدين للتوصل إلى حل وسط في مرحلة ما. وردت الترويكا الأوروبية على الفور برسالة واضحة إلى كبير المفاوضين للجمهورية الإسلامية الدكتور حسن روحاني قائلةً إن هذا التحرك (سوف يفاقم القلق الدولي تجاه الهدف الحقيقي للبرنامج النووي الإيراني). ولكن لماذا أقدم الإيرانيون على هذه الخطوة في هذا التوقيت؟
أولاً، لقد أرادوا إظهار أن السياسة النووية لإيران ليست مرتبطة بالحكومة وإنما هي مشروع طويل الأجل وإنها نتيجة إجماع سياسي في أوساط النخبة. وبناء عليه، فإنهم حريصون على المضي قدماً قبل أن يؤدي الرئيس الجديد اليمين القانونية. ثانياً، وفقاً للرسالة التي بعثوا بها إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإنهم عبروا عن خيبة أمل من حقيقة أنهم – برأيهم- قد حصلوا على القليل – إن لم يكن لا شيء- في مقابل إيقاف عمليات التخصيب. ثالثاً، أبدوا خشية من أن استمرار الأوروبيين في إبقائهم في مفاوضات لا نهاية لها – يعني أن إيقاف التخصيب سيظل قائماً طالما أصبح أمراً واقعاً.
ولكن السبب الرئيسي يظل أعمق: إنه انعدام الثقة. فقد قام الحوار بين الاتحاد الأوروبي وإيران على عملية بناء ثقة تتسم بالبطء والضيق وإيجاد هذه الثقة. ففي مجالات كثيرة (مكافحة المخدرات مثلاً) تحقق بنجاح تدبير لبناء الثقة، ولكن هذا فشل بوضوح في المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.. وبحسب رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني الدكتور حسن روحاني، لم يثق الإيرانيون بالأوروبيين كما لم يثق الأوروبيون بالإيرانيين. وبالطبع، فمن منظور أوروبي، فقد أصيبت الجهود المكثفة من قبل الاتحاد الأوروبي لكسب الإيرانيين، وبالتالي لكسب ثقتهم، بنكسة خطيرة بعد اتخاذ قرار مواصلة النشاط في مفاعلات أصفهان.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3132::/cck::
::introtext::
تتسم العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران بعدم وضوح معالمها، لأنها تظهر وجهاً متناقضاً. فقد ظل هناك اتصال مستمر بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي – ومختلف أجهزة الاتحاد أيضاً- وإيران، على الرغم من عدم وجود علاقات تعاقدية رسمية بين الجانبين. وإذا كانت البراغماتية هي العامل الوحيد الذي يؤكد العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإيران، فلا شك أن اتفاقية للتجارة والتعاون وعرابين مثيلة أخرى كانت وجدت طريقها إلى التوقيع منذ وقت بعيد، نتيجة للجاذبية الاقتصادية للروابط الأوثق بين إيران الغنية بالطاقة وأوروبا المتعطشة للطاقة. ولكن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران تظل معقدة لسببين رئيسيين، كلاهما مرتبط بطبيعة نظام الحكم الإسلامي (الثوري): فمن جهة أدى قيام هياكل ومؤسسات ديمقراطية حقيقية في إيران إلى بعث الأمل من أن تعاملاً مع إيران من شأنه أن يقود إلى ديمقراطية حقيقية في هذا البلد، ومن جهة ثانية، فإن الوضع على الأرض في إيران ليس مرضياً، ومن خلال تعاملاته مع إيران، حاول الاتحاد الأوروبي تسوية وإزالة هذه التناقضات، وباختياره نهج (الحوار)، فإنه تبنى أسلوباً يتسم بالتصميم والثقة بالنفس، وذلك خلافاً لأسلوب الولايات المتحدة على الرغم من حقيقة أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتقاسمان أهدافاً مشتركة، يتمثل أكثرها أهمية في حث إيران على التخلي عن برنامجها النووي.
::/introtext::
::fulltext::
تتسم العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران بعدم وضوح معالمها، لأنها تظهر وجهاً متناقضاً. فقد ظل هناك اتصال مستمر بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي – ومختلف أجهزة الاتحاد أيضاً- وإيران، على الرغم من عدم وجود علاقات تعاقدية رسمية بين الجانبين. وإذا كانت البراغماتية هي العامل الوحيد الذي يؤكد العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وإيران، فلا شك أن اتفاقية للتجارة والتعاون وعرابين مثيلة أخرى كانت وجدت طريقها إلى التوقيع منذ وقت بعيد، نتيجة للجاذبية الاقتصادية للروابط الأوثق بين إيران الغنية بالطاقة وأوروبا المتعطشة للطاقة. ولكن العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران تظل معقدة لسببين رئيسيين، كلاهما مرتبط بطبيعة نظام الحكم الإسلامي (الثوري): فمن جهة أدى قيام هياكل ومؤسسات ديمقراطية حقيقية في إيران إلى بعث الأمل من أن تعاملاً مع إيران من شأنه أن يقود إلى ديمقراطية حقيقية في هذا البلد، ومن جهة ثانية، فإن الوضع على الأرض في إيران ليس مرضياً، ومن خلال تعاملاته مع إيران، حاول الاتحاد الأوروبي تسوية وإزالة هذه التناقضات، وباختياره نهج (الحوار)، فإنه تبنى أسلوباً يتسم بالتصميم والثقة بالنفس، وذلك خلافاً لأسلوب الولايات المتحدة على الرغم من حقيقة أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتقاسمان أهدافاً مشتركة، يتمثل أكثرها أهمية في حث إيران على التخلي عن برنامجها النووي.
الحوارات النقدية والشاملة:
كانت هناك عقود تجارية محدودة بين إيران والمجموعة الأوروبية (سابقاً) قبل الثورة الإسلامية، وقد أنهي معظمها قبل الإطاحة بنظام الشاه. وكانت إيران تعتبر طيلة الثمانينات في كل أنحاء العالم دولة منبوذة مزقتها اضطرابات ثورية وحرب دموية دامت ثماني سنوات مع العراق المجاور. وفي ديسمبر 1992 وأثناء القمة الأوروبية في ادنبرة، قررت المجموعة البدء في (حوار نقدي) مع الجمهورية الإسلامية. وقد اعتبر الحوار (نقدياً) لأنه لم يفعل أي نقطة اهتمام ذات شأن، كدعم إيران للإرهاب الدولي أو الحكم الصادر بإهدار دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي. والأكثر أهمية أنه كان حواراً استمع خلاله الإيرانيون مثلما تم الاستماع اليهم. وقد أدير الحوار علناً، خلافاً للتعاملات السرية الأمريكية مع إيران أثناء مسألة الكونترا. وقد حدثت أزمة كبيرة في العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وإيران في عام 1996 حينما حكمت محكمة عليا ألمانية بأن وزير المخابرات والأمن الإيراني علي فلاحيان ومسؤولين إيرانيين كباراً كانوا ضالعين في اغتيال عدد من المعارضين الأكراد في عام 1992. ولكن رد فعل الحكومة الإيرانية تمثل في التحفظ على فلاحيان وإقالته من منصبه، وقد مكن الفوز الساحق لحجة الإسلام محمد رضا خاتمي من الانتخابات الرئاسية من عام 1997 دول الاتحاد الأوروبي من إعادة دبلوماسييها إلى إيران بعدما كان تم استدعاؤهم نتيجة لردود الفعل الإيرانية غير المقبولة تجاه حكم المحكمة الألمانية.
وساعد انتخاب خاتمي والمبادرات الإيجابية التي اتخذتها حكومته الاتحاد الأوروبي على تبرير تحسين العلاقات مع إيران وأوجد ما أطلق عليه الحوار الشامل معها، وكان الهدف الواضح للاتحاد الأوروبي يتمثل في دعم أجندة الرئيس للإصلاح والسياسة العامة للتحرير الثقافي والاقتصادي والسياسي في إيران. وقد اشتمل الحوار الشامل الذي بدأ في عام 1998 على اجتماعين سنويين للترويكا الأوروبية مع الإيرانيين على مستوى وكلاء الوزارات. ويعتبر الحوار شاملاً لأنه يغطي – بين قضايا أخرى – مشكلة الشرق الأوسط وعدم انتشار أسلحة الدمار الشامل وحقوق الإنسان والإرهاب، بالإضافة إلى قضايا مثل مكافحة المخدرات واللاجئين والتعاون المحتمل في قطاع الطاقة.
وقد مهدت لهذا التطور حقيقة أن الدبلوماسية العامة لخاتمي في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وجدت ترحيباً كبيراً . كما شجعت الانتخابات البرلمانية في عام 2000 وإعادة انتخاب خاتمي في عام 2001 الاتحاد الأوروبي على تشكيل روابط أوثق مع إيران، مع تصور لأول مرة بإمكانية إبرام اتفاقية للتجارة والتعاون. وقد منح تفويض للمفوضية في مجلس لوكسمبورغ في 17 يونيو 2002 لإبرام هذه الاتفاقية. كما أن التفويض المذكور ارتبط شرطياً بتحقيق نجاح في مجال الحوار السياسي الذي تناول مناقشات – بين أمور أخرى – حول حقوق الإنسان والقضية النووية الإيرانية وقضية مكافحة الإرهاب. وبالاختصار، إذا كان الإيرانيون راغبين في تغيير سياساتهم في مجالات ذات اهتمام للاتحاد الأوروبي، فإن الاتحاد سيوافق على إبرام اتفاقية سخية للتجارة والتعاون، ولكن إيران لن تكون قادرة على عزل هكذا اتفاقية عن قضايا أخرى مثلما أوضح الاتحاد الأوروبي بجلاء في مناسبات كثيرة من بينها قرارات المجلس في 16 يونيو 2003:
(أعاد المجلس إلى الأذهان أن اتخاذ قرار للبدء في هذه المفاوضات بشأن اتفاقية للتجارة والتعاون، فإنه توقع أن تعزيز علاقات اقتصادية وتجارية بين الاتحاد الأوروبي وإيران يجب أن يكون متناغماً مع تقدم مماثل في كافة الأوجه الأخرى لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع إيران. وقد حدد على وجه الخصوص الحاجة إلى تطورات إيجابية جوهرية في مجال حقوق الإنسان، وعدم انتشار أسلحة الدمار الشامل، والإرهاب، وعملية السلام شرق الأوسطية).
تقييم أول للحوارات: حقوق الإنسان
واجه الحوار النقدي والحوار الشامل فيما بعد انتقاداً حاداً قبل المعارضة الإيرانية. كما واجهت الحوارات انتقاداً من مسؤولين أمريكيين عبروا أحياناً عن اختلافهم في هذا الشأن باعتبار أن هذه الحوارات تمثل (منتدى يلتقي فيه الأوروبيون والإيرانيون لانتقاد الأمريكيين). كما علق آخرون – بسخرية عليها، قائلين إن الحوارات ليست إلا ستاراً لنشاطات اقتصادية مكثفة مع إيران وعبروا عن الرأي القائل (ليس من الواضح تماماً ما إذا كان أحد يؤمن حقاً بهذا الحوار). ولكن سواء كان (نقدياً) أو (شاملاً)، فيجب عدم التقليل من أهمية حوار الاتحاد الأوروبي مع إيران باعتبار أنه كان تمريناً على التوفيق بين الطموحات المثالية لتعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية والضروريات الواقعية للتعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد والأمن. ومن منظور الاتحاد الأوروبي كانت مرحلة (الحوار النقدي) – الفترة من قمة أدنبرة في عام 1992 إلى انتخاب خاتمي- أقل نجاحاً من حيث التبشير بتحسينات دراماتيكية مما تم بشأن الطريقة التي أدى الحوار من خلالها إلى تحول تدريجي في سلوك الإيرانيين. ومع ذلك فهذا لم يحدث بين عشية وضحاها، ولا يستطيع الأوروبيون أن ينسبوا كل الفضل في ذلك لأنفسهم.
فالسياسات الداخلية- مثل سياسات رفسنجاني – التي تمكنت أخيراً من سحق نفوذ المتشددين في جهاز السلطة، كانت بالتأكيد تمثل قوى موجهة رئيسية. وثمة سبب آخر ربما كان أقل تأثيراً وتمثل في النقاش الذي بدأ على استحياء حول الإسلام وحقوق الإنسان والديمقراطية في أوساط المفكرين الإيرانيين الإسلاميين. وبات من المستحيل الآن على النظام أن ينكر حقيقة أن اهتمامات جادة أصبحت موجودة في صفوف الشعب بوضع حقوق الإنسان وأن الناس ظلوا يطالبون بإحداث تحسينات في هذا المجال. وقد تعززت الجهود في هذا الاتجاه حينما منحت جائزة نوبل للسلام إلى شيرين عبادي الناشطة الإيرانية في مجال حقوق الإنسان في عام 2003.
وساند الاتحاد الأوروبي هذا الاتجاه بقصد أم بغير قصد. فقبل عام من ذلك، كان الاتحاد الأوروبي ربط سلفاً بين إمكانات التعاون السياسي والاقتصادي الأوثق مع إيران والتقدم الذي يتحقق بشأن قضايا حقوق الإنسان. وبدأ حوار حول حقوق الإنسان في عام 2002 بلا شروط مسبقة، حيث تناول كافة قضايا حقوق الإنسان، ولكنه اشترط أيضاً (أن يختار كل طرف انهاء الحوار في أي وقت) . وبدءاً من مجلس 21 أكتوبر 2002، ظل وضع حقوق الإنسان في إيران على أجندة المجالس اللاحقة. وعلقت رئاسة الاتحاد الأوروبي والممثل الأعلى أيضاً على سجل حقوق الإنسان في إيران في فترات مختلفة. وقد حدثت هكذا مستجدات وتدخلات – على سبيل المثال – في حالة مقتل الصحفية الكندية الإيرانية المولد زهرة كاظمي أو مؤخراً حينما دعا الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق سراح أكبر غانجي أحد سجناء الضمير الإيرانيين. ولا حاجة للقول إن الإيرانيين لم يكونوا سعداء بالبيانات النقدية الصريحة للاتحاد الأوروبي، غير أن ذلك لم يدفعهم للانسحاب من عملية الحوار. ويكمن الاختلاف بين النهج الأوروبي والنهج الأمريكي في حقيقة أنه برغم أن انتقاد الاتحاد الأوروبي لسجل إيران في مجال حقوق الإنسان رفض من قبل طهران، إلا أنه حظي باستماع واهتمام وأحدث بعض التأثير. وفيما لم تجد الانتقادات الأمريكية آذاناً صاغية في طهران، حظي صوت الاتحاد الأوروبي تجاه حقوق الإنسان ببعض المصداقية. أما لدى شركاء آخرين لإيران مثل الصين وروسيا والدول الإسلامية ودول العالم الثالث، فلم يجد الصوت الأوروبي اهتماماً يذكر في هذه الدول، وفي نهاية الأمر، فإن مقارنة فشل السياسة الأمريكية في الإحتواء المزدوج لإيران والعراق مع حوار الاتحاد الأوروبي مع الإيرانيين، فإن الأخير أثمر نتائج أفضل – حتى إن كان لدرجة رفع الوعي فقط في أوساط الساسة الإيرانيين بأن الاتحاد الأوروبي جاد بشأن حقوق الإنسان.
وعموماً فبعد عقد من الدخول في هذا الحوار، يبدو كلا الجانبين اصبح يسأم، على الرغم من الحوار استمر وصمد أمام أزمات كبرى وصغرى في الوقت ذاته، ولكن هذا تغير في صيف 2003 حينما وصلت أنباء القدرات النووية غير المعروفة في إيران إلى الغرب.
تقييم ثان للحوارات: القضية النووية:
في عام 2003 تناولت مختلف قرارات المجلس (على سبيل المثال قرارات 16 يونيو 2003 و21 يوليو 2003 و3 سبتمبر 2003) القضية النووية.
فقد عبر الاتحاد الأوروبي عن مخاوفه تجاه دورة الوقود النووية الكاملة وانعكاساتها على انتشار أسلحة الدمار الشامل، ودعا إيران للتعاون الوثيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مصراً على (القبول الفوري وغير المشروط والتوقيع على البروتوكول الإضافي للوكالة حول الإجراءات الوقائية وتطبيقها) (كدلالة على الالتزام الإيراني في مجال عدم الانتشار). ولكن بحلول خريف 2003 كان هناك تحفظ شديد بين إيران والغرب تجاه البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية.
وقد أمكن تجاوز الأزمة – أو إرجاؤها – حينما أخذ وزراء خارجية الدول الثلاث الكبار في أوروبا (فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة) زمام المبادرة في اكتوبر 2003 وزاروا طهران. وأوضح هؤلاء لمضيفيهم أن إيران يجب أن توقف تخصيب اليورانيوم وتسمح بعمليات تفتيش مفاجئة تقوم بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك بالتوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة عدم الانتشار. وفي المقابل، فقد أكدوا لطهران أن أوروبا سوف تقاوم الضغط الأمريكي وتواصل الحوار. وعلاوة على ذلك عرضوا أيضاً مجموعة من الحوافز الاقتصادية.
وليس من المعروف في أي ظروف محددة حصل (الثلاثة الكبار) على تفويضهم ولا من أي بلد من البلدان الثلاثة انطلقت المبادرة. كما أنه ليس من الواضح إلى أي مدى كان للرئاسة الايطالية دور تلعبه في العملية. ولكن، حينما أطلقت المبادرة جرى تنسيقها مع خافيير سولانا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية العامة بالاتحاد الأوروبي وتوسيعها إلى بقية أعضاء الاتحاد الـ 25. وقد تم تعريض الصيغة النهائية بـ (مبادرة الترويكا/ الاتحاد الأوروبي) وأصبحت أداة السياسة الرئيسية للاتحاد الأوروبي في جهوده للتعامل مع إيران.
وطوال عام 2004، كان الاتحاد الأوروبي قادراً ظاهرياً على إقناع إيران بضرورة التعاون: الجمهورية الإسلامية وقعت على البروتوكول الإضافي لمعاهدة عدم الانتشار وامتنعت عن تخصيب اليورانيوم. وفي الوقت ذاته، حول النظام الحاكم في طهران المسألة النووية إلى قضية فخر وهيبة وطنية. وفي نهاية الأمر، أصر قادة الرأي العام في إيران بالإجماع على الإبقاء على برنامج التخصيب، برغم أن الأصوات التي جاهرت بتفضيل تطوير سلاح نووي لم تكن الغالبة، ومن وجهة نظر خارجية، كان للمفاوضين الإيرانيين تفويض سياسي قوي سانده الشعب.
وبحلول نهاية العام، كانت للاتحاد الأوروبي اسس لتفاؤل حذر. ففي 15 نوفمبر 2004، وقعت إيران وترويكا الاتحاد الأوروبي اتفاقية باريس، التي كانت صدى لبيان الموافقة الإيرانية الصادر في 21 أكتوبر 2003. ففي اتفاقية 15 نوفمبر أكد الطرفان التزامهما بمعاهدة عدم الانتشار: بموجب شروط هذه الاتفاقية، لن تسعى إيران إلى امتلاك أسلحة نووية (المادة 2 من اتفاقية عدم الانتشار)، فيما يتعين على ترويكا الاتحاد الأوروبي الاعتراف بحقوق إيران المنصوص عليها في اتفاقية عدم الانتشار. وبمنأى عن القضية النووية (أكدت الترويكا الأوروبية وإيران عزمهما على مكافحة الإرهاب) متخذين تنظيم القاعدة ومجاهدي خلق كأمثلة. ومن وجهة نظر إيرانية، تمثل نجاحهم الرئيسي في اعتراف الترويكا الأوروبية بأن إيقاف كل نشاطات التخصيب إنما هو (تدبير طوعي لبناء الثقة وليس التزاماً قانونياً). ولكن الاتحاد الأوروبي كان يربط بوضوح الإمكانات المستقبلية لعلاقات بينه وبين إيران باستعداد إيران للإبقاء على إيقاف التخصيب. ومن وجهة نظر الاتحاد الأوروبي كان قد عُرض على إيران تعاون ودعم كبيران، خاصة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد. وباختصار، بدا إصرار الإيرانيين على دورة الوقود النووي غير معقول للأوروبيين، بينما كان إيقاف دورة الوقود النووي نهائياً غير مقبول للإيرانيين.
وأصبحت هذه الخلافات طيلة عام 2005 ملحوظة أكثر فأكثر. ومما ينذر بسوء أن إيران أكدت الطبيعة الطوعية لإيقاف التخصيب في مناسبات كثيرة. ففي 25 مايو 2005 في جنيف، وعدت الترويكا الأوروبية الإيرانيين بأنهم بحلول نهاية يوليو أو مطلع أغسطس سوف يقدمون مخططاً تمهيدياً جديداً لاتفاقية من أجل تسوية الأزمة، ولكن في تحرك مفاجئ في الأول من أغسطس 2005، بعث الجانب الإيراني رسالة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية اخطروا فيها الوكالة بمواصلة نشاطات التخصيب في مفاعلات أصفهان. ورداً على ذلك، حذرت الوكالة إيران من مواصلة التخصيب ما لم يتم تشغيل أجهزة المراقبة اللازمة هناك.
وكان هذا بمثابة صدمة للأوروبيين، فقد بدا أن السنتين الأخيرتين من المفاوضات والمساومات المضنية والمناقشات المكثفة مع الإيرانيين تشيران إلى الجانبين كانا راغبين في ايجاد حل وأن الإيرانيين كانوا مستعدين للتوصل إلى حل وسط في مرحلة ما. وردت الترويكا الأوروبية على الفور برسالة واضحة إلى كبير المفاوضين للجمهورية الإسلامية الدكتور حسن روحاني قائلةً إن هذا التحرك (سوف يفاقم القلق الدولي تجاه الهدف الحقيقي للبرنامج النووي الإيراني). ولكن لماذا أقدم الإيرانيون على هذه الخطوة في هذا التوقيت؟
أولاً، لقد أرادوا إظهار أن السياسة النووية لإيران ليست مرتبطة بالحكومة وإنما هي مشروع طويل الأجل وإنها نتيجة إجماع سياسي في أوساط النخبة. وبناء عليه، فإنهم حريصون على المضي قدماً قبل أن يؤدي الرئيس الجديد اليمين القانونية. ثانياً، وفقاً للرسالة التي بعثوا بها إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإنهم عبروا عن خيبة أمل من حقيقة أنهم – برأيهم- قد حصلوا على القليل – إن لم يكن لا شيء- في مقابل إيقاف عمليات التخصيب. ثالثاً، أبدوا خشية من أن استمرار الأوروبيين في إبقائهم في مفاوضات لا نهاية لها – يعني أن إيقاف التخصيب سيظل قائماً طالما أصبح أمراً واقعاً.
ولكن السبب الرئيسي يظل أعمق: إنه انعدام الثقة. فقد قام الحوار بين الاتحاد الأوروبي وإيران على عملية بناء ثقة تتسم بالبطء والضيق وإيجاد هذه الثقة. ففي مجالات كثيرة (مكافحة المخدرات مثلاً) تحقق بنجاح تدبير لبناء الثقة، ولكن هذا فشل بوضوح في المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني.. وبحسب رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني الدكتور حسن روحاني، لم يثق الإيرانيون بالأوروبيين كما لم يثق الأوروبيون بالإيرانيين. وبالطبع، فمن منظور أوروبي، فقد أصيبت الجهود المكثفة من قبل الاتحاد الأوروبي لكسب الإيرانيين، وبالتالي لكسب ثقتهم، بنكسة خطيرة بعد اتخاذ قرار مواصلة النشاط في مفاعلات أصفهان.
::/fulltext::
::cck::3132::/cck::
