مآلات العلاقات التركية – الإيرانية

::cck::3323::/cck::
::introtext::

   قال مارك جروسمان، السفير السابق للولايات المتحدة في تركيا في مؤتمر عقد بأنقرة في أكتوبر 2005 إن على تركيا والولايات المتحدة أن تتعاونا في قضية إيران. وفي الحقيقة فإن هذه ليست المرة الأولى التي يصرح فيها إما مسؤولون أمريكيون أو أكاديميون على صلة وثيقة بإدارة الرئيس بوش بمثل هذه الفكرة. وعلاوة على هذا، حتى بعض المسؤولين الأمريكيين صرحوا بأن على تركيا التعاون مع الولايات المتحدة ضد سوريا وإيران حتى يتسنى لها تصحيح علاقاتها مع الولايات المتحدة، التي تضررت كثيراً نتيجة للرفض التركي لاقتراح مارس 2003 الذي كان يقضي بمنح الإذن للقوات الأمريكية للعبور عبر الأراضي التركية قبل بداية التدخل الأمريكي في العراق وما تبعه من أحداث. هذا التحليل الموجز يحاول التعرف إلى العلاقات التركية-الإيرانية مع الأخذ في الاعتبار الضغوط الأمريكية المتزايدة وبمختلف الأساليب على هاتين الدولتين.

::/introtext::
::fulltext::

قال مارك جروسمان، السفير السابق للولايات المتحدة في تركيا في مؤتمر عقد بأنقرة في أكتوبر 2005 إن على تركيا والولايات المتحدة أن تتعاونا في قضية إيران. وفي الحقيقة فإن هذه ليست المرة الأولى التي يصرح فيها إما مسؤولون أمريكيون أو أكاديميون على صلة وثيقة بإدارة الرئيس بوش بمثل هذه الفكرة. وعلاوة على هذا، حتى بعض المسؤولين الأمريكيين صرحوا بأن على تركيا التعاون مع الولايات المتحدة ضد سوريا وإيران حتى يتسنى لها تصحيح علاقاتها مع الولايات المتحدة، التي تضررت كثيراً نتيجة للرفض التركي لاقتراح مارس 2003 الذي كان يقضي بمنح الإذن للقوات الأمريكية للعبور عبر الأراضي التركية قبل بداية التدخل الأمريكي في العراق وما تبعه من أحداث. هذا التحليل الموجز يحاول التعرف إلى العلاقات التركية-الإيرانية مع الأخذ في الاعتبار الضغوط الأمريكية المتزايدة وبمختلف الأساليب على هاتين الدولتين.

   وفي الواقع، فإن لتركيا وإيران تاريخ طويل من الخبرات في التعايش معاً كدولتين جارتين في الشرق الأوسط، الأمر الذي يساعدنا على فهم العلاقات التركية-الإيرانية. ويكون من المفيد هنا تحليل العلاقات بين هاتين الجارتين على ثلاثة مستويات.

   أولاً، كان للتطورات السياسية والأفضليات الاستراتيجية في كل من الدولتين تأثير في تحديد العلاقة بينهما. وليست الأيديولوجية وأجندة السياسة الخارجية أو التفضيلات الشخصية للزعماء السياسيين في تركيا وإيران وحدها هي التي حددت ذلك، ولكن أيضاً التوجهات السياسية المتزايدة والاستقرار أو عدم الاستقرار السياسي كان لها تأثير لا يمكن تجاهله في العلاقات الثنائية بين الدولتين.

   ثانياً، نظراً لأن تركيا وإيران لم تكونا جارتين فقط، بل أيضاً قوتين إقليميتين في الشرق الأوسط، لم تكن العلاقات بينهما بمنأى عن التطورات الإقليمية، وقد تكون لهما مصالح مشتركة في التعاون وأيضاً مصالح متضاربة ومتصادمة. فعلى سبيل المثال لتركيا وإيران مصالح متضاربة في القوقاز وفي شمال العراق لملء فراغ السلطة الذي نشأ في هاتين المنطقتين بعد تفكك الاتحاد السوفييتي والتدخل الأمريكي الأول في العراق عام 1991. ومع ذلك، عندما ساد عدم الاستقرار السياسي في كلتا المنطقتين، وبدأت النواة لكيان كردي مستقل في شمال العراق طوال التسعينات، ما أدى الى زعزعة سياسات النفوذ الإقليمي في الدولتين وسياستهما إزاء الأكراد، بدأت تركيا وإيران تتعاونان على قاعدة أمنية وهو تعاون لا يزال قائماً على أعلى المستويات. وعلاوة على هذا، فإن الجغرافيا  تفرض على تركيا وإيران الحفاظ على علاقات سلسة، عملياً على الأقل، طالما كانا في حاجة إلى بعضهما البعض للوصول إلى آسيا أو أوروبا وبالعكس. وأخيراً، فقد كان للجغرافيا السياسية والتحالفات في المنطقة تأثير كبير في العلاقات الثنائية بين تركيا وإيران. فأحداث مثل حرب الثماني سنوات بين إيران والعراق في الثمانينات من القرن الماضي، أو العلاقات العسكرية التركية-الإسرائيلية و(التحالف) كان لها تأثير حاسم في العلاقات بين تركيا وإيران.

   وعلى المستوى الثالث، ينبغى الاهتمام بالنظام الدولي أو العلاقات بين الدول الإقليمية والقوى المهيمنة أو القوى الكبرى الأخرى في الساحة الدولية. وعندما انحازت تركيا وإيران إلى جانب الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة – حتى ثورة 1979 – كانت العلاقات بين تركيا وإيران وثيقة ومتوترة. ومع ذلك، وبعد الثورة رأت إيران في التقارب التركي الأمريكي تهديداً محتملاً، ولكن تركيا أيضاً كانت تنظر إلى إيران كـ (نظام تهديد) بالنظر إلى نظام حكم تركيا الديمقراطي العلماني. أضف إلى ذلك، وكما هو الحال الآن، فإن الولايات المتحدة كقوة مهيمنة يمكن أن تطلب من حلفائها مثل تركيا أن تتصرف بطريقة معينة لردع إيران.

   وبفضل مدخل التعاون بين حكومتي كل من تركيا وإيران أمكن تحسين العلاقات بين البلدين بعد فترة أواخر تسعينات القرن الماضي وما تلاها  ونجحتا في التعاون في القضايا الأمنية مثل مكافحة الإرهاب العابر للحدود – خصوصاً الحزب الديمقراطي الكردستاني – وأمن الحدود ومنع ظهور دولة كردية مستقلة في الأراضي العراقية والحفاظ على سيادة العراق الإقليمية. وتمكنت كل من تركيا وإيران من زيادة التعاملات الاقتصادية مثل زيادة حجم التبادل التجاري إلى نحو 3 مليارات دولار منذ العام 2004، بالرغم من علاقات الصداقة بين تركيا وإيران منذ اوائل عام 2000. وهناك تطوران مهمان يمكن أن يكون لهما تأثير مباشر في العلاقات الثنائية بين الدولتين. فالمشهد السياسي قد تغير في إيران بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة وزيادة الضغط الأمريكي على إيران. والآن كيف يمكن لهذين التطورين أن يؤثرا في العلاقات التركية – الإيرانية؟

   مؤخراً، وبعيداً عن الإصلاحيين والمحافظين دشنت السياسة الإيرانية حركة سياسية جديدة – المحافظون الجدد. ويتألف هؤلاء   من الحرس الثوري القديم بدعم من الباسيج، أي المجموعة البرلمانية الراديكالية. وبرغم المهددات الأمنية المتزايدة الناجمة عن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية ونشر القوات الأمريكية في أفغانستان، والعراق، والخليج الفارسي وإبعاد الشعب عن لعب دور في السياسة التي  تفرض تهديداً كبيراً للنظام دخل المحافظون الجدد إلى الساحة السياسية. والمحافظون  الجدد راديكاليون بالمفهوم السياسي ويطالبون بالعودة إلى المبادئ الثورية. وبالنسبة إليهم ألحقت حكومة هاشمي رافسنجاني الثيوقراطية (1989-1997) وحكومة  الإصلاحيين بزعامة خاتمي (1997-2005) أكبر الضرر بالثورة الإيرانية بعد رحيل الخميني. وهم يدافعون عن التطبيق الحرفي للقوانين الإسلامية في الحياة اليومية، إلا أنهم برغماتيون اقتصاديا ويقدمون المصالح الوطنية على ما عداها. ولا يزالون يدعون للاكتفاء الذاتي الاقتصادي حيث تلعب الدولة دوراً حاسماً. وعلاوة على هذا فهم يلقون الدعم الشعبي ويطالبون بالتوزيع المتساوي للدخل القومي وزيادة الدعم الحكومي، ويسيطرون على المساجد التي توفر لهم الدعم الشعبي والتفاعل مع المواطنين، وشعارهم السياسي الرئيسي هو الدولة الإيرانية الإسلامية، وكان محمد أحمدي نجاد هو مرشحهم في الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو 2005.
 
 

وألحق نجاد الهزيمة بمنافسه السياسي رفسنجاني في الجولة الثانية من الانتخابات، وأصبح سادس رئيس لجمهورية إيران الإسلامية منذ 1979. والنتائج الرئيسية لانتخاب أحمدي نجاد كانت مركزية السلطة في يد القائد الأعلى، آية الله علي خامنئي، وزيادة نفوذ الحرس الثوري في السياسة الإيرانية.

   وفي ما يتصل بالسياسة الخارجية، شدد أحمدي نجاد على أنه سيمنح الأولوية للعدالة والسلام وتوسيع دائرة العلاقات الثنائية في السياسة الخارجية، وأكد على هذه التوجهات في عدة مناسبات كان آخرها الكلمة التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومن وجهة نظره، فإن كافة المشكلات على الساحة الدولية إنما هي ناجمة عن الافتقار إلى العدالة، وشدد على أن نظاماً مستداماً يرعى وينشر السلام والطمأنينة، يمكن أن يتحقق فقط على مجالي العدالة والروحانية. وأعلن أنه سيمنح الأولوية في سياسته الخارجية للجيران المتخامين، والدول الإسلامية. وبالنسبة للعلاقات مع الولايات المتحدة، قال نجاد، بعد أن انتقد السياسات الأمريكية ضد إيران، إن إيران ليست بحاجة إلى الولايات المتحدة ومع ذلك أبقى الباب موارباً.

   وبالنظر إلى مختلف خطاباته، يبدو أن حكومة أحمدي نجاد ستشعر بـ (الغيرة) تجاه ما يسمى المصالح الوطنية لإيران. أي وبعبارة أخرى (الاستقلالية) و(التبادلية) اللتان تعدان الخاصيتين الأساسيتين حول كيف أن تكون ثوريا،ً الأمر الذي يشدد عليه نجاد في كل مناسبة. وليس فقط بالنسبة لحكومة أحمدي نجاد ولكن لجميع السياسيين في إيران، فإن امتلاك طهران للطاقة النووية هو حق لا يمكن إنكاره وأصبح (مسألة شرف) لجميع الإيرانيين والكيانات السياسية الإيرانية. ومع ذلك، فإن إسرائيل والولايات المتحدة دأبتا على اتهام إيران بالسعي للحصول على أسلحة نووية. ونتيجة لجهودها، تزايدت الضغوط الدولية على إيران  يوماً بعد يوم. وهكذا، وبالنظر إلى (حساسية) إدارة أحمدي نجاد تجاه ما يسمى المصالح الوطنية، فإن ادعاء إيران تطوير برنامج نووي سلمي يبدو كأنه الصعوبة الأولى الرئيسية التي تواجهها إيران بقيادة أحمدي نجاد على الساحة السياسية الدولية.  إن تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، والضغط الدولي المتزايد على إيران يؤثران  بدرجة كبيرة ليس على موقف إيران في الساحة الدولية فحسب، ولكن على العلاقات التركية الإيرانية أيضاً.

   وكما أشرنا في صدر هذا التحليل، فإن الولايات المتحدة ترغب في اصطفاف تركيا إلى جانبها ضد إيران لمنع الأخيرة من التحول الى قوة نووية. وإذا لم تتوصل المفاوضات بين إيران والآلية الثلاثية الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) الى اختراق وراوحت القضية مكانها، فإن الضغط الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بما في ذلك الحظر العسكري والعقوبات الاقتصادية .. إلخ على إيران قد يتزايد. عندها ستجد تركيا نفسها أمام معضلة بحيث يتعين عليها أن تختار بين إيران والولايات المتحدة. وإن انحازت إلى جانب الولايات المتحدة، فإن تركيا سوف تعزل عن إيران التي هي بحاجة إليها كشريك في قضايا الأمن الإقليمي وكسوق اقتصادية متنامية أيضاً. وبالنظر في تعقيدات العلاقات الأمريكية-التركية وبالأخذ في الاعتبار الأثر الكبير لاقتراح مارس عام 2003 سيكون من الصعب للغاية على تركيا أن تعمل ضد الرغبة الأمريكية.

   ومع ذلك، وخصوصاً في ما يتصل بإيران، فإن هذه المعضلة التركية ليست الأولى. ففي أعقاب الثورة الإيرانية مباشرة وجدت تركيا  نفسها أمام موقف صعب ، بين إيران الثورية والولايات المتحدة. عندها تمكنت تركيا من  تحقيق توازن بين مصالح الولايات المتحدة وعلاقاتها هي مع إيران. والآن هناك حكومة (راديكالية) في إيران تتحدى الولايات المتحدة مرة أخرى. والمفارقة هنا هي أن وزير خارجية إيران الحالي منوشهر متقي كان السفير الإيراني لدى تركيا خلال السنوات 1985-1989، وكان متهماً آنذاك بإيواء عناصر المخابرات الإيرانية الذين كانوا متهمين بخطف المنشقين الإيرانيين، وبالتدخل في الشؤون الداخلية للدولة المضيفة. وفي النهاية كان عليه مغادرة تركيا من دون أن يعلن أنه شخص غير مرغوب فيه لتحاشي المزيد من التدهور في العلاقات التركية-الإيرانية. وبعبارة أخرى كان خروجه (حلاً وسطاً) قدمته تركيا لإيران. وعلى مثل هذه الخلفية – عبر موتاكي في مقابلة بثها راديو وتلفزيون تركيا (TRT) مؤخرا عن انطباعاته الجيدة إزاء تلك الفترة وقال إنه سيحاول توطيد التعاون مع تركيا. وبطريقة مماثلة عرض أحمدي نجاد خلال اجتماع قصير مع رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان على هامش قمة الأمم  المتحدة بنيويورك في سبتمبر 2005 تقاسم الخبرات النووية الإيرانية مع الدول الإسلامية.

   وحقيقة، فإن خيارات إيران تبدو محدودة للغاية أمام الضغط الدولي المتعاظم، وبالنظر في احتواء أمريكا لإيران، ومرة أخرى طوال ثمانينات القرن الماضي، فإن إيران ليست في موقف يسمح لها بتعريض علاقاتها مع تركيا للخطر. وهذا هو السبب الذي سيجعل إيران تسعى لتحسين علاقاتها مع تركيا على كل الصعد. وفي ما يتصل بالتجربة التركية طوال مختلف مراحل التدخل الأمريكي في العراق، يمكن أن نستنتج أن تركيا ستقاوم كل خطوة أحادية حتى يتم تقنينها في إطار الأمم المتحدة، كما أعلن الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر أمام البرلمان التركي قبل التدخل الأمريكي في العراق.

   ويجتهد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في إيجاد (توازن) بين الضغط الأمريكي و(التطلعات النووية) الإيرانية. وحتى الآن لم تتأثر العلاقات التركية-الإيرانية بدرجة كبيرة، إلا أن المستقبل قد يكون مختلفاً. هل يبدو أن الجانبين، (الأتراك والإيرانيون) مستعدون لهذا؟ يبدو الأمر كذلك.

 

 
 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3323::/cck::
::introtext::

   قال مارك جروسمان، السفير السابق للولايات المتحدة في تركيا في مؤتمر عقد بأنقرة في أكتوبر 2005 إن على تركيا والولايات المتحدة أن تتعاونا في قضية إيران. وفي الحقيقة فإن هذه ليست المرة الأولى التي يصرح فيها إما مسؤولون أمريكيون أو أكاديميون على صلة وثيقة بإدارة الرئيس بوش بمثل هذه الفكرة. وعلاوة على هذا، حتى بعض المسؤولين الأمريكيين صرحوا بأن على تركيا التعاون مع الولايات المتحدة ضد سوريا وإيران حتى يتسنى لها تصحيح علاقاتها مع الولايات المتحدة، التي تضررت كثيراً نتيجة للرفض التركي لاقتراح مارس 2003 الذي كان يقضي بمنح الإذن للقوات الأمريكية للعبور عبر الأراضي التركية قبل بداية التدخل الأمريكي في العراق وما تبعه من أحداث. هذا التحليل الموجز يحاول التعرف إلى العلاقات التركية-الإيرانية مع الأخذ في الاعتبار الضغوط الأمريكية المتزايدة وبمختلف الأساليب على هاتين الدولتين.

::/introtext::
::fulltext::

قال مارك جروسمان، السفير السابق للولايات المتحدة في تركيا في مؤتمر عقد بأنقرة في أكتوبر 2005 إن على تركيا والولايات المتحدة أن تتعاونا في قضية إيران. وفي الحقيقة فإن هذه ليست المرة الأولى التي يصرح فيها إما مسؤولون أمريكيون أو أكاديميون على صلة وثيقة بإدارة الرئيس بوش بمثل هذه الفكرة. وعلاوة على هذا، حتى بعض المسؤولين الأمريكيين صرحوا بأن على تركيا التعاون مع الولايات المتحدة ضد سوريا وإيران حتى يتسنى لها تصحيح علاقاتها مع الولايات المتحدة، التي تضررت كثيراً نتيجة للرفض التركي لاقتراح مارس 2003 الذي كان يقضي بمنح الإذن للقوات الأمريكية للعبور عبر الأراضي التركية قبل بداية التدخل الأمريكي في العراق وما تبعه من أحداث. هذا التحليل الموجز يحاول التعرف إلى العلاقات التركية-الإيرانية مع الأخذ في الاعتبار الضغوط الأمريكية المتزايدة وبمختلف الأساليب على هاتين الدولتين.

   وفي الواقع، فإن لتركيا وإيران تاريخ طويل من الخبرات في التعايش معاً كدولتين جارتين في الشرق الأوسط، الأمر الذي يساعدنا على فهم العلاقات التركية-الإيرانية. ويكون من المفيد هنا تحليل العلاقات بين هاتين الجارتين على ثلاثة مستويات.

   أولاً، كان للتطورات السياسية والأفضليات الاستراتيجية في كل من الدولتين تأثير في تحديد العلاقة بينهما. وليست الأيديولوجية وأجندة السياسة الخارجية أو التفضيلات الشخصية للزعماء السياسيين في تركيا وإيران وحدها هي التي حددت ذلك، ولكن أيضاً التوجهات السياسية المتزايدة والاستقرار أو عدم الاستقرار السياسي كان لها تأثير لا يمكن تجاهله في العلاقات الثنائية بين الدولتين.

   ثانياً، نظراً لأن تركيا وإيران لم تكونا جارتين فقط، بل أيضاً قوتين إقليميتين في الشرق الأوسط، لم تكن العلاقات بينهما بمنأى عن التطورات الإقليمية، وقد تكون لهما مصالح مشتركة في التعاون وأيضاً مصالح متضاربة ومتصادمة. فعلى سبيل المثال لتركيا وإيران مصالح متضاربة في القوقاز وفي شمال العراق لملء فراغ السلطة الذي نشأ في هاتين المنطقتين بعد تفكك الاتحاد السوفييتي والتدخل الأمريكي الأول في العراق عام 1991. ومع ذلك، عندما ساد عدم الاستقرار السياسي في كلتا المنطقتين، وبدأت النواة لكيان كردي مستقل في شمال العراق طوال التسعينات، ما أدى الى زعزعة سياسات النفوذ الإقليمي في الدولتين وسياستهما إزاء الأكراد، بدأت تركيا وإيران تتعاونان على قاعدة أمنية وهو تعاون لا يزال قائماً على أعلى المستويات. وعلاوة على هذا، فإن الجغرافيا  تفرض على تركيا وإيران الحفاظ على علاقات سلسة، عملياً على الأقل، طالما كانا في حاجة إلى بعضهما البعض للوصول إلى آسيا أو أوروبا وبالعكس. وأخيراً، فقد كان للجغرافيا السياسية والتحالفات في المنطقة تأثير كبير في العلاقات الثنائية بين تركيا وإيران. فأحداث مثل حرب الثماني سنوات بين إيران والعراق في الثمانينات من القرن الماضي، أو العلاقات العسكرية التركية-الإسرائيلية و(التحالف) كان لها تأثير حاسم في العلاقات بين تركيا وإيران.

   وعلى المستوى الثالث، ينبغى الاهتمام بالنظام الدولي أو العلاقات بين الدول الإقليمية والقوى المهيمنة أو القوى الكبرى الأخرى في الساحة الدولية. وعندما انحازت تركيا وإيران إلى جانب الولايات المتحدة إبان الحرب الباردة – حتى ثورة 1979 – كانت العلاقات بين تركيا وإيران وثيقة ومتوترة. ومع ذلك، وبعد الثورة رأت إيران في التقارب التركي الأمريكي تهديداً محتملاً، ولكن تركيا أيضاً كانت تنظر إلى إيران كـ (نظام تهديد) بالنظر إلى نظام حكم تركيا الديمقراطي العلماني. أضف إلى ذلك، وكما هو الحال الآن، فإن الولايات المتحدة كقوة مهيمنة يمكن أن تطلب من حلفائها مثل تركيا أن تتصرف بطريقة معينة لردع إيران.

   وبفضل مدخل التعاون بين حكومتي كل من تركيا وإيران أمكن تحسين العلاقات بين البلدين بعد فترة أواخر تسعينات القرن الماضي وما تلاها  ونجحتا في التعاون في القضايا الأمنية مثل مكافحة الإرهاب العابر للحدود – خصوصاً الحزب الديمقراطي الكردستاني – وأمن الحدود ومنع ظهور دولة كردية مستقلة في الأراضي العراقية والحفاظ على سيادة العراق الإقليمية. وتمكنت كل من تركيا وإيران من زيادة التعاملات الاقتصادية مثل زيادة حجم التبادل التجاري إلى نحو 3 مليارات دولار منذ العام 2004، بالرغم من علاقات الصداقة بين تركيا وإيران منذ اوائل عام 2000. وهناك تطوران مهمان يمكن أن يكون لهما تأثير مباشر في العلاقات الثنائية بين الدولتين. فالمشهد السياسي قد تغير في إيران بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة وزيادة الضغط الأمريكي على إيران. والآن كيف يمكن لهذين التطورين أن يؤثرا في العلاقات التركية – الإيرانية؟

   مؤخراً، وبعيداً عن الإصلاحيين والمحافظين دشنت السياسة الإيرانية حركة سياسية جديدة – المحافظون الجدد. ويتألف هؤلاء   من الحرس الثوري القديم بدعم من الباسيج، أي المجموعة البرلمانية الراديكالية. وبرغم المهددات الأمنية المتزايدة الناجمة عن التهديدات الأمريكية والإسرائيلية ونشر القوات الأمريكية في أفغانستان، والعراق، والخليج الفارسي وإبعاد الشعب عن لعب دور في السياسة التي  تفرض تهديداً كبيراً للنظام دخل المحافظون الجدد إلى الساحة السياسية. والمحافظون  الجدد راديكاليون بالمفهوم السياسي ويطالبون بالعودة إلى المبادئ الثورية. وبالنسبة إليهم ألحقت حكومة هاشمي رافسنجاني الثيوقراطية (1989-1997) وحكومة  الإصلاحيين بزعامة خاتمي (1997-2005) أكبر الضرر بالثورة الإيرانية بعد رحيل الخميني. وهم يدافعون عن التطبيق الحرفي للقوانين الإسلامية في الحياة اليومية، إلا أنهم برغماتيون اقتصاديا ويقدمون المصالح الوطنية على ما عداها. ولا يزالون يدعون للاكتفاء الذاتي الاقتصادي حيث تلعب الدولة دوراً حاسماً. وعلاوة على هذا فهم يلقون الدعم الشعبي ويطالبون بالتوزيع المتساوي للدخل القومي وزيادة الدعم الحكومي، ويسيطرون على المساجد التي توفر لهم الدعم الشعبي والتفاعل مع المواطنين، وشعارهم السياسي الرئيسي هو الدولة الإيرانية الإسلامية، وكان محمد أحمدي نجاد هو مرشحهم في الانتخابات الرئاسية التي جرت في يونيو 2005.
 
 

وألحق نجاد الهزيمة بمنافسه السياسي رفسنجاني في الجولة الثانية من الانتخابات، وأصبح سادس رئيس لجمهورية إيران الإسلامية منذ 1979. والنتائج الرئيسية لانتخاب أحمدي نجاد كانت مركزية السلطة في يد القائد الأعلى، آية الله علي خامنئي، وزيادة نفوذ الحرس الثوري في السياسة الإيرانية.

   وفي ما يتصل بالسياسة الخارجية، شدد أحمدي نجاد على أنه سيمنح الأولوية للعدالة والسلام وتوسيع دائرة العلاقات الثنائية في السياسة الخارجية، وأكد على هذه التوجهات في عدة مناسبات كان آخرها الكلمة التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ومن وجهة نظره، فإن كافة المشكلات على الساحة الدولية إنما هي ناجمة عن الافتقار إلى العدالة، وشدد على أن نظاماً مستداماً يرعى وينشر السلام والطمأنينة، يمكن أن يتحقق فقط على مجالي العدالة والروحانية. وأعلن أنه سيمنح الأولوية في سياسته الخارجية للجيران المتخامين، والدول الإسلامية. وبالنسبة للعلاقات مع الولايات المتحدة، قال نجاد، بعد أن انتقد السياسات الأمريكية ضد إيران، إن إيران ليست بحاجة إلى الولايات المتحدة ومع ذلك أبقى الباب موارباً.

   وبالنظر إلى مختلف خطاباته، يبدو أن حكومة أحمدي نجاد ستشعر بـ (الغيرة) تجاه ما يسمى المصالح الوطنية لإيران. أي وبعبارة أخرى (الاستقلالية) و(التبادلية) اللتان تعدان الخاصيتين الأساسيتين حول كيف أن تكون ثوريا،ً الأمر الذي يشدد عليه نجاد في كل مناسبة. وليس فقط بالنسبة لحكومة أحمدي نجاد ولكن لجميع السياسيين في إيران، فإن امتلاك طهران للطاقة النووية هو حق لا يمكن إنكاره وأصبح (مسألة شرف) لجميع الإيرانيين والكيانات السياسية الإيرانية. ومع ذلك، فإن إسرائيل والولايات المتحدة دأبتا على اتهام إيران بالسعي للحصول على أسلحة نووية. ونتيجة لجهودها، تزايدت الضغوط الدولية على إيران  يوماً بعد يوم. وهكذا، وبالنظر إلى (حساسية) إدارة أحمدي نجاد تجاه ما يسمى المصالح الوطنية، فإن ادعاء إيران تطوير برنامج نووي سلمي يبدو كأنه الصعوبة الأولى الرئيسية التي تواجهها إيران بقيادة أحمدي نجاد على الساحة السياسية الدولية.  إن تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، والضغط الدولي المتزايد على إيران يؤثران  بدرجة كبيرة ليس على موقف إيران في الساحة الدولية فحسب، ولكن على العلاقات التركية الإيرانية أيضاً.

   وكما أشرنا في صدر هذا التحليل، فإن الولايات المتحدة ترغب في اصطفاف تركيا إلى جانبها ضد إيران لمنع الأخيرة من التحول الى قوة نووية. وإذا لم تتوصل المفاوضات بين إيران والآلية الثلاثية الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) الى اختراق وراوحت القضية مكانها، فإن الضغط الدولي بقيادة الولايات المتحدة، بما في ذلك الحظر العسكري والعقوبات الاقتصادية .. إلخ على إيران قد يتزايد. عندها ستجد تركيا نفسها أمام معضلة بحيث يتعين عليها أن تختار بين إيران والولايات المتحدة. وإن انحازت إلى جانب الولايات المتحدة، فإن تركيا سوف تعزل عن إيران التي هي بحاجة إليها كشريك في قضايا الأمن الإقليمي وكسوق اقتصادية متنامية أيضاً. وبالنظر في تعقيدات العلاقات الأمريكية-التركية وبالأخذ في الاعتبار الأثر الكبير لاقتراح مارس عام 2003 سيكون من الصعب للغاية على تركيا أن تعمل ضد الرغبة الأمريكية.

   ومع ذلك، وخصوصاً في ما يتصل بإيران، فإن هذه المعضلة التركية ليست الأولى. ففي أعقاب الثورة الإيرانية مباشرة وجدت تركيا  نفسها أمام موقف صعب ، بين إيران الثورية والولايات المتحدة. عندها تمكنت تركيا من  تحقيق توازن بين مصالح الولايات المتحدة وعلاقاتها هي مع إيران. والآن هناك حكومة (راديكالية) في إيران تتحدى الولايات المتحدة مرة أخرى. والمفارقة هنا هي أن وزير خارجية إيران الحالي منوشهر متقي كان السفير الإيراني لدى تركيا خلال السنوات 1985-1989، وكان متهماً آنذاك بإيواء عناصر المخابرات الإيرانية الذين كانوا متهمين بخطف المنشقين الإيرانيين، وبالتدخل في الشؤون الداخلية للدولة المضيفة. وفي النهاية كان عليه مغادرة تركيا من دون أن يعلن أنه شخص غير مرغوب فيه لتحاشي المزيد من التدهور في العلاقات التركية-الإيرانية. وبعبارة أخرى كان خروجه (حلاً وسطاً) قدمته تركيا لإيران. وعلى مثل هذه الخلفية – عبر موتاكي في مقابلة بثها راديو وتلفزيون تركيا (TRT) مؤخرا عن انطباعاته الجيدة إزاء تلك الفترة وقال إنه سيحاول توطيد التعاون مع تركيا. وبطريقة مماثلة عرض أحمدي نجاد خلال اجتماع قصير مع رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان على هامش قمة الأمم  المتحدة بنيويورك في سبتمبر 2005 تقاسم الخبرات النووية الإيرانية مع الدول الإسلامية.

   وحقيقة، فإن خيارات إيران تبدو محدودة للغاية أمام الضغط الدولي المتعاظم، وبالنظر في احتواء أمريكا لإيران، ومرة أخرى طوال ثمانينات القرن الماضي، فإن إيران ليست في موقف يسمح لها بتعريض علاقاتها مع تركيا للخطر. وهذا هو السبب الذي سيجعل إيران تسعى لتحسين علاقاتها مع تركيا على كل الصعد. وفي ما يتصل بالتجربة التركية طوال مختلف مراحل التدخل الأمريكي في العراق، يمكن أن نستنتج أن تركيا ستقاوم كل خطوة أحادية حتى يتم تقنينها في إطار الأمم المتحدة، كما أعلن الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر أمام البرلمان التركي قبل التدخل الأمريكي في العراق.

   ويجتهد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في إيجاد (توازن) بين الضغط الأمريكي و(التطلعات النووية) الإيرانية. وحتى الآن لم تتأثر العلاقات التركية-الإيرانية بدرجة كبيرة، إلا أن المستقبل قد يكون مختلفاً. هل يبدو أن الجانبين، (الأتراك والإيرانيون) مستعدون لهذا؟ يبدو الأمر كذلك.

 

 
 

::/fulltext::
::cck::3323::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *