مبدأ „الديون الكريهة“ في القانون الدولي: العراق غير ملزم بديون النظام السابق
::cck::3389::/cck::
::introtext::
ثروة العراق مصدر فقره
لعل في هذا القول تناقض واضح إذ إن الثروة تكون عادة مصدراً للرفاهية ولكن بشرط كون صاحب الثروة قادراً على الدفاع عن هذه الثروة لأن الثروة تجذب عيون الطامعين لنهبها بشتى السبل. وسبل نهب ثروات الشعوب تختلف باختلاف المكان والزمان. في زمن الاستعمار التقليدي كان هذا النهب يتم مباشرة وبعد تنامي كفاح الشعوب ضد الاستعمار وظهور توازن في القوى بعد الحرب العالمية الثانية إبان الحرب الباردة، أخذ هذا النهب أشكالاً أخرى غير مباشرة ما يسمى (الاستعمار الجديد) أي خلال حكام محليين مرتبطين بجهات خارجية.
::/introtext::
::fulltext::
ثروة العراق مصدر فقره
لعل في هذا القول تناقض واضح إذ إن الثروة تكون عادة مصدراً للرفاهية ولكن بشرط كون صاحب الثروة قادراً على الدفاع عن هذه الثروة لأن الثروة تجذب عيون الطامعين لنهبها بشتى السبل. وسبل نهب ثروات الشعوب تختلف باختلاف المكان والزمان. في زمن الاستعمار التقليدي كان هذا النهب يتم مباشرة وبعد تنامي كفاح الشعوب ضد الاستعمار وظهور توازن في القوى بعد الحرب العالمية الثانية إبان الحرب الباردة، أخذ هذا النهب أشكالاً أخرى غير مباشرة ما يسمى (الاستعمار الجديد) أي خلال حكام محليين مرتبطين بجهات خارجية.
أحد الأساليب غير المباشرة للدول الصناعية الغنية لنهب ثروات شعوب العالم الثالث هي القروض التي تمنحها هذه الدول إلى الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة يتحمل الشعب تسديدها مع الفوائد المترتبة من دون أن يستفيد منها الشعب نفسه شيئاً، إذ إن القسم الأكبر من هذه القروض يتحول إلى حسابات خاصة للمتسلطين على الحكم في بنوك الدول الصناعية نفسها أو يستعمل لشراء الأسلحة ومعدات القمع الأخرى التي تستخدم ضد الشعب الذي يتحمل بعدئذ تكاليف تسديدها.
بلغ مستوى ديون العالم الثالث حسب تقرير البنك الدولي لسنة 2002 أكثر من 2340 مليار دولار، قسم كبير منها منحت لأنظمة استبدادية أو هي قروض عسكرية أو سياسية شخصية للحاكم نفسه كما كان الحال مع الدكتاتور موبوتو رئيس ما كانت تعرف في الماضي بجمهورية زائير وكونغو الديمقراطية الحالية ونظام ماركوس السابق في الفلبين والنظام العراقي السابق. هذه القروض تم منحها على شكل قروض لهذه الأنظمة من قبل الدول الصناعية التي سهلت في الوقت نفسه عملية اختلاس هذه الأموال من قبل الحكام خلال تحويلهم لهذه الأموال إلى حساباتهم السرية الخاصة في بنوك هذه الدول وبعلم منها. وبعد عملية اختلاس الأموال المقترضة كان يأتي دور الشعب لتسديد هذه الديون وفوائدها العالية على حساب قوته اليومي إذ يلتهم تسديد الديون في دول العالم الثالث 30-70 في المائة من واردات هذه الدول من صادراتها. الجوع والفقر والمرض والحروب الداخلية والإرهاب هي من النتائج المباشرة لهذه السياسة الاستعمارية.
القروض الممنوحة للأنظمة الدكتاتورية هي قروض سياسية شخصية بحتة لم يستفد منها إلا الدكتاتور نفسه وبعض أعوانه، فالدكتاتور السابق موبوتو كان يملك في حساباته الخاصة رصيداً يبلغ أكثر من 10 مليارات دولار عند سقوطه من الحكم عام 1998 حيث كانت تبلغ ديون زائير نفسها 13 مليار دولار ورصيد ماركوس عام سقوطه سنة 1986 كان يبلغ أيضا 10 مليارات دولار وديون الفلبين في الوقت نفسه 28 مليار دولار. وكان رصيد صدام حسين دكتاتور العراق السابق وأعوانه يتراوح بين 10 و40 مليار دولار وديون العراق تقدر بأكثر من 150 مليار دولار.
وإذ لم تكن هذه القروض كلها قروضاً سياسية أو شخصية، فقد كانت في أغلب الأحيان قروضاً عسكرية أو ضمانات تقدمها الدول الصناعية لشركاتها لتصدير منتجاتها إلى دول العالم الثالث. لذا كان من الطبيعي بأن تواجه دول العالم الثالث صعوبات كبيرة لتسديد هذه الديون حيث اضطرت بعض الدول إلى إعلان إفلاسها كالأرجنتين مثلاً.
ومع تزايد صعوبات دول العالم الثالث في مجال تسديد الديون، تزايدت أيضاً المناقشات حول شرعية الديون الممنوحة للأنظمة الاستبدادية بكونها ديوناً كريهة ليست لها شرعية في القانون الدولي.
مبدأ الديون الكريهة في القانون الدولي
القصد من هذه الديون هي الديون السيادية، أي عملية الاقتراض تتداخل فيها الدول كصاحبة السيادة من خلال منح هذه القروض مباشرة أو تقديم ضمانات لشركاتها المصدرة وهذا يتم عادة خلال عقود ينظمها القانون الدولي. وبما أن القانون الدولي يحتوي أيضا على مبادئ احترام حقوق الإنسان والعدالة فإن عقود الديون السيادية تخضع أيضا لهذه المبادئ وإلا لأصبحت ديوناً باطلة. مصطلح الديون الكريهة طوره فقيه القانون الدولي الروسي الأصل Alexander Nahum Sack في كتاب له حول توارث الدول صدر عام 1927 حيث عرف الديون الكريهة بأنها: (الديون التي تقترضها الأنظمة غير الشرعية في سبيل تثبيت حكمها وليس خدمة للشعب، حيث إن هذه الديون تساعد الأنظمة الاستبدادية على اضطهاد الشعب والقضاء على مقاومته. هذه الديون تعتبر ديوناً كريهة بالنسبة للشعب ولا تعتبر ديوناً ملزمة له بل هي ديون يكون النظام الدكتاتوري مسؤولا عنها وحده، وهي ديون يمكن اعتبارها ديوناً شخصية للدكتاتور نفسه الذي تسببها ولهذا فإن هذه الديون تسقط مع سقوط النظام غير الشرعي).
ومن المعلوم أن كل حكومة لم تستلم الحكم من خلال عملية ديمقراطية، أي انتخابات حرة ونزيهة لا يمكن أن تعتبر شرعية كما جاء في المادة الحادية والعشرين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة الخامسة والعشرين للعهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية.
إن مبدأ الديون الكريهة تم تطويره ودعمه باستمرار منذ ذلك الوقت خلال قرارات المحاكم وآراء الفقهاء القانونيين وممارسة الدول في هذا المجال وهي تعتبر من مصادر القانون الدولي حسب المادة الثامنة والثلاثين من نظام محكمة العدل الدولية.
والرأي السائد في القانون الدولي لاعتبار ديون سيادية ما ديوناً كريهة يتوقف على ثلاثة شروط:
1- نظام الحكم في الدولة في وقت الاقتراض كان نظاماً غير شرعي أو الجهة المتعاقدة على القرض لم تكن أصلاً مخولة حسب قانون الدولة المقترضة.
2- الديون التي تم إنفاقها لأغراض لا تخدم مصلحة الشعب.
3- الجهة المانحة للقرض كانت على علم بالطبيعة غير الشرعية للنظام الحاكم وأن الديون تستخدم لأغراض ضد مصلحة الشعب أو كان بوسعها أن تحقق في ذلك.
ويذكر بعض فقهاء القانون الدولي بعض الأمثلة حيث يتم إنفاق الديون لأغراض منافية لمصلحة الشعب وبذلك يمكن اعتبارها ديوناً كريهة.
الباحثة البريطانية Patricia Adams تذكر في كتابها (الديون الكريهة) بعضاً منها:
1- الإثراء الشخصي.
2- استعمالها لغرض اضطهاد الشعب.
3- شن حروب عدوانية ضد دول أخرى.
4- تقوية المؤسسات الدكتاتورية.
5- استثمارها لصالح فئة معينة من الشعب دون الفئات الأخرى لأسباب سياسية وكأداة للتميز بين أفراد الشعب.
صحيح أن مبدأ الديون الكريهة بقي كأحد مبادئ القانون الدولي يفتقر إلى آلية تنفيذ دولية كما يذكره الباحث الألماني Jürgen Kaiser من مؤسسة Friedrich-Ebert-Stíftung ولكن يمكن أن نضيف إلى هذا الرأي أن هذا المبدأ هو ليس المبدأ الوحيد من هذا النوع إذ إن مبدأ حق تقرير المصير الذي هو من المبادئ الأساسية للقانون الدولي يفتقر إلى آلية من هذا النوع أيضاً وإن الشعوب هي التي يجب أن تكافح من أجله والقانون الدولي يمنحه الشرعية فقط.
مبدأ الديون الكريهة قريب جداً من مبدأ مماثل في الأنظمة القانونية المدنية حيث الفرد لا يمكن إلزامه بدفع دين اقترضه شخص آخر باسمه ولكن من دون تخويل منه.
والتخويل في القانون المدني يكون مرادفه على مستوى الدولة انتخابات حرة ونزيهة في الأنظمة الديمقراطية لتحديد من يحكم باسم الشعب.
ولهذا فإن مسؤولية الديون الكريهة تقع على عاتق الجهات المانحة لهذه الديون والتي كانت على علم بطبيعة النظام غير الشرعي وبحقيقة أن هذه الديون لا تستعمل لخدمة مصالح الشعب. لذا فإنه بعد سقوط النظام سوف لا يكون النظام الجديد ملزماً بتسديد ديون النظام السابق. وهذا المبدأ يمكن تطبيقه بصورة كاملة على الحالة العراقية، حيث الدول التي منحت قروضاً للنظام السابق تكون هي المسؤولة الوحيدة عن هذه الديون وليس العراق الجديد، لأن هذه الدول كانت على علم مسبق بالطبيعة الفاسدة وغير الشرعية والقمعية للنظام العراقي السابق وحروبه ضد الشعب العراقي في الداخل وضد دول الجوار.
وهناك الكثير من السوابق في القانون الدولي، حيث اعتبرت هيئات التحكيم بعدم شرعية ديون أنظمة دكتاتورية منهارة أو رفضت أنظمة جديدة تسديد ديون النظام السابق باعتباره كان نظاماً دكتاتورياً معادياً لمصالح الشعب، ولهذا فإن ديون هذا النظام ليست إلا ديوناً كريهة. من أمثلة هذه السوابق في القانون الدولي هي:
1- قضية كوستاريكا: دكتاتور كوستاريكا الأسبق تينوكو اقترض ديناً من بنك كندي بلغ عدة ملايين من الدولارات استعمله لأغراضه الشخصية، وبعد سقوط نظامه سنة 1923 رفضت الحكومة الجديدة تسديد هذه الديون للبنك الكندي، وأحيلت القضية إلى تحكيم دولي، وقرر قاضي التحكيم بأن حكومة كوستاريكا غير ملزمة بدفع ديون الحكومة السابقة لأن ديون الدول يجب أن تنفق من أجل المصلحة العامة وليس لأغراض شخصية وأن البنك الكندي كان على علم بحقيقة أن هذا القرض سينفق لأغراض شخصية، من قبل الحاكم السابق.
2- القضية الإسبانية-الأمريكية: في الحرب الإسبانية-الأمريكية سنة 1898 طردت أمريكا إسبانيا من كوبا واحتلت كوبا بنفسها. ثم طالبت إسبانيا بعدئذ بتسديد ديون كوبا التي اقترضها إسبانيا باسم كوبا، ورفضت الحكومة الأمريكية آنذاك هذا الطلب بحجة أن هذه الديون هي غير أخلاقية لأنها تمت من دون موافقة الشعب الكوبي، وأن الديون استعملت لسحق كفاح الشعب الكوبي ضد الاستعمار وأن هذه الحقائق كانت معروفة للجهات المانحة، لذا يجب عليها تحمل العواقب.
3- قضية الاتحاد السوفييتي: بعد الثورة الاشتراكية في روسيا وتأسيس الاتحاد السوفييتي أصدرت الحكومة السوفييتية قراراً عام 1918 بشطب كل ديون روسيا القيصرية بحجة أن هذه الديون كانت ديوناً شخصية لقيصر روسيا المخلوع، لذا فهي غير ملزمة للاتحاد السوفييتي.
4- قضية ديون النظام الرواندي السابق: اعترف مجلس العموم البريطاني سنة 1998 بعدم شرعية ديون نظام رواندا السابق بحجة أن نظام رواندا السابق هو المسؤول عن جريمة الإبادة الجماعية وأنفقت هذه الديون على شراء الأسلحة لاستعمالها ضد الشعب ولهذا فإن الحكومة الجديدة غير ملزمة بتسديد هذه الديون.
إجبار الشعوب على تسديد ديون الأنظمة الدكتاتورية عمل مناف للعرف ومبادئ الأخلاق الدولية والمبادئ العامة للقانون لأنه بمثابة إثراء غير شرعي من قبل الجهات المانحة على حساب هذه الشعوب التي لم تكن هي الجهة المستفيدة من هذه الديون التي تجبر على تسديدها وبذلك تصبح هذه الشعوب مصدراً للربح المادي غير المشروع لصالح الدول المانحة المتعاونة مع الأنظمة القمعية غير الشرعية الفاسدة.
في بعض الحالات مُنحت قروض لأنظمة غير شرعية كانت تخوض حرباً عدوانية ضد الدول الأخرى وضد شعبها، كما كان الحال مع النظام العراقي السابق فإن قروضاً من هذا النوع يمكن اعتبارها حسب رأي فقيه القانون الدولي البروفيسور O,Connel كدخول في الحرب إلى جانب النظام، ولهذا تتخذ هذه الديون شكل مساهمات حربية، كما أنه ليس من المعقول إجبار ضحايا إرهاب الأنظمة الدكتاتورية على دفع ثمن تكاليف الآلات والوسائل التي استعملت لتعذيبهم وقمعهم وقتلهم. في هذه الحالات يمكن ملاحقة الدول المانحة قضائياً بسبب مساهمتها في جرائم النظام هذه، كما أثبته مثال جنوب إفريقيا حيث رُفعت دعاوى قضائية ضد البنوك التي منحت قروضاً لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا سابقاً.
سجل حقوق الإنسان لبعض الدول كان له تأثير في بعض الحالات على مواقف الجهات المانحة إذ خصم صندوق النقد الدولي سنة 1997 قسماً من مساعداتها لجمهورية كرواتيا بسبب بطء العملية الديمقراطية فيها.
خلاصة القول إن الدول التي تمنح قروضاً للأنظمة غير الشرعية تتحمل وحدها عواقب هذه العملية، وتجازف بأموالها لأنها كانت على علم مسبق بعدم تخويل الشعب لهذه الأنظمة للتعاقد بالاقتراض باسمه، وأن عقوداً من هذا النوع باطلة من الناحية القانونية حسب مبدأ تجاوز الصلاحيات المعروف في القانون الدولي بمبدأ Ultra Vires .
ديون النظام العراقي السابق والقانون الدولي
لا أحد يعرف إلى الآن كم هي ديون النظام العراقي السابق بالضبط لعدم وجود سجلات مضبوطة حول هذه الديون لأن النظام كان على يقين بطبيعته المؤقتة ولذلك لم يكن مستقبل العراق وشعبه يوماً ما يعني شيئاً بالنسبة له.
وهناك تقديرات متفاوتة حول ديون النظام الخارجية فمنظمة Jubileeiraq تقدر ديون العراق بمبلغ يتراوح بين 94 و154 مليار دولار منها 42 مليارا لصالح نادي باريس وحوالي 70 مليارا لدول الخليج التي كانت تدعم العراق في حربه ضد إيران و13 مليارا لجهات أخرى. ولكن هذه الديون ليست كلها ديوناً حقيقية بل القسم الأكبر منها هو تراكم فوائد الديون الأصلية للنظام، ولا نستطيع أن نتأكد أيضاً من صحة بعض هذه الديون إذ إن ليس هناك دليل على تحرك فعلي للأموال. فمثلاً من مجموع 42 مليار دولار التي تطالب بها أعضاء نادي باريس من العراق فإن 21 ملياراً منها هي عبارة عن تراكم فوائد نشأت بين سنوات الحصار من 1990 إلى 2003 ومن الديون الباقية الأصلية فإن نسبة 90 في المائة منها هي ديون عسكرية تراكمت منذ سنة 1980 عند بدء الحرب العراقية – الإيرانية، إذ كان للعراق قبل بدء هذه الحرب فائض من العملات الصعبة يقدر بأكثر من 36 مليار دولار، وكان خالياً من ديون طويلة الأمد، كما أنه قام بتسديد ديونه إلى سنة 1990 عام غزو الجارة الكويت، بانتظام وأن الدول المانحة كانت على علم بالطبيعة غير الشرعية والعدوانية للنظام السابق.
ولهذا فإن تقييم شرعية ديون العراق يمكن أن يتم على ضوء الأسئلة التالية:
1- هل كان النظام العراقي السابق نظاماً شرعياً؟
2- هل استفاد الشعب العراقي من خلال قروض النظام السابق أم تضرر؟
3- هل كانت الدول المانحة للقروض على علم بالطبيعة الدكتاتورية والقمعية للنظام والأغراض النهائية لهذه القروض؟
4- هل كانت الديون العسكرية الممنوحة للعراق بمثابة مساهمة من قبل الدول المانحة في حرب النظام ضد الشعب العراقي ودول الجوار؟
5- هل استخدمت هذه الديون لأغراض شخصية من قبل النظام السابق وبعلم من الدول المانحة؟
6- هل يحق للعراق المطالبة بتعويضات من الدول المانحة بسبب مساهماتها المالية على شكل قروض في قمع الشعب العراقي؟
7- هل يحق للحكومة الشرعية العراقية المقبلة الامتناع عن تسديد ديون النظام العراقي السابق؟
وكانت الإجابة على هذه التساؤلات على الشكل التالي:
1- النظام الشرعي – حسب القانون الدولي كما جاء في المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 25 من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية يكون نظاما يتداول فيه الحكم عن طريق انتخابات دورية وحرة ونزيهة. ولعله كان من المعلوم للجميع وخاصة للدول المانحة التي كانت تتعامل عن قرب من النظام السابق بأن النظام العراقي السابق كان نظاماً دكتاتورياً استولى على السلطة عن طريق القوة سنة 1968 تحت قيادة الحزب الواحد ولهذا فإن الشرط الأول لاعتبار ديوناً النظام السابق ديونا كريهة غير ملزمة للعراق الجديد متوافر.
2- إن القروض تمنح عادة من خلال معاهدة دولية تحدد أيضاً الغرض النهائي لهذه القروض وكذلك يمكن التحقق من استخدام هذه القروض من الناحية العملية للتأكد من عدم سوء استخدامها واختبار مدى استفادة الشعب من هذه القروض. في الحالة العراقية فإن الممارسات القمعية للنظام الدكتاتوري السابق من سنة 1968 وحتى تحرير العراق في نيسان 2004 ضد الشعبين الكردي والعربي والأقليات الأخرى في العراق، كل هذا كان معلوماً للجميع من خلال وسائل الإعلام وتقارير منظمات حقوق الإنسان، ولهذا فإن أي دعم مالي للنظام السابق حتى لو كان على شكل قروض كان يؤدي حتماً إلى تقوية المؤسسات الدكتاتوية القمعية لهذا النظام، ويساهم مباشرة في زيادة الأعمال القمعية ضد المواطنين كبناء المزيد من السجون ومعسكرات الاعتقال وحفر المقابر الجماعية وشراء آلات ووسائل التعذيب. ولهذا فإن الشرط الثاني متوافر أيضا.
3- ليس بعسير على الدول المانحة أو أية دولة أخرى التعرف إلى الطبيعة الدكتاتورية للنظام العراقي السابق، إذ كان النظام قد استولى على الحكم خلال انقلاب عسكري سنة 1968 علناً، ومجلس قيادة الثورة غير المنتخبة كانت أعلى سلطة تشريعية في العراق، وكان النظام يمارس إرهاب الدولة بصورة واسعة والملايين من العراقيين لجأوا إلى الدول الأخرى منها بعض الدول المانحة كلاجئين سياسيين ووسائل الإعلام كانت مليئة بأخبار القمع والاضطهاد والتعذيب في العراق. ولهذا كانت الدول المانحة باستطاعتها الكشف بسهولة عن حقيقة أن القروض الممنوحة لهذا النظام كانت تستخدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة لقمع المواطنين العراقيين وتمويل الحرب العدوانية على دول الجوار والحركات التحررية في الداخل. ولهذا فإن الشرط الثالث متوافر أيضاً. لذا فإن حكومة عراقية شرعية مقبلة غير ملزمة بتسديد ديون النظام الدكتاتوري السابق باعتبارها ديوناً كريهة حسب القانون الدولي.
4- ديون النظام السابق تراكمت بأكملها بين سنوات 1980-2003 وهي سنوات الحرب ضد دول الجوار وضد الشعبين الكردي والعربي في العراق والأقليات الأخرى، حيث اُستخدمت الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين الكرد، وأُحرقت أربع آلاف قرية كردية، ودمرت أهوار الجنوب الشيعي، ودفن عشرات الألوف من الأفراد في المقابر الجماعية من بين هؤلاء أكثر من 182 ألف كردي خلال عمليات الأنفال للإبادة الجماعية ضد الشعب الكردي. فكان من الطبيعي أن تبلغ نسبة الديون العسكرية أكثر من 90 في المائة من ديون النظام السابق. إن منح الديون العسكرية لنظام يخوض حرباً ضد شعبه والدول الأخرى وخرقاً للقانون الدولي لا يمكن اعتباره إلا مساهمة في هذه الحرب وليس قرضاً بمفهوم القانون الدولي لأنها كانت منحاً حربية على شكل أسلحة وعتاد ومؤن لصالح النظام السابق والحكومة العراقية المقبلة غيرة ملزمة بتسديدها. كما أن الديون العسكرية تشكل القسم الأكبر من ديون النظام السابق خاصة ديون فرنسا وأمريكا وروسيا وبريطانيا وقسم منها استعمل لإنتاج أسلحة الدمار الشامل.
5- أرصدة أعضاء النظام السابق وعلى رأسهم الدكتاتور المخلوع وأفراد عائلته لا يمكن تحديدها بصورة نهائية لكن التقديرات تتراوح بين 10 و40 مليار دولار تراكمت على حساباتهم الشخصية، ولكن من السهل على الدول المانحة التي لها أجهزتها الأمنية القوية والمؤسسات المالية المتطورة الكشف عن التحركات المالية لصالح أعضاء النظام السابق، إذ إنه من الصعب جداً تحويل المليارات من الدولارات إلى حسابات شخصية من دون علم الدول المانحة أو حتى من دون موافقتها. فالدول الصناعية غالباً ما تغمض العين تجاه سرقة أموال دول العالم الثالث من قبل أنظمته الدكتاتورية وحكامه غير الشرعيين أو حتى تقدم لهم المساعدة خلال فتح حسابات شخصية سرية لهم في بنوكها. ولهذا فإن الدول التي تعاملت مع النظام العراقي السابق مالياً ومنحته قروضاً كانت لا بد أن تكون على علم مسبق بأن القروض هذه تستخدم أيضاً لأغراض شخصية من قبل هذا النظام. هذه الديون لا يستطيع الشعب العراقي أن يكون مسؤولاً عنها لأن مسؤولية من هذا النوع ستكون منافية للقانون الدولي ومبادئ العدالة كما جاءت في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة، لأن الشعب لا يمكن الطلب منه تسديد قرض لم يستفد منه ولم يخول أحداً للتعاقد باسمه لاقتراضه. ولهذا على الدول المانحة أن تحاول جمع مستحقاتها من أرصدة النظام العراقي السابق في بنوكها أو بنوك الدول الأخرى، وإن قرار هيئة التحكيم في قضية كوستاريكا كسابقة في القانون الدولي كما تم ذكره أعلاه ينطبق كاملاً على الحالة العراقية.
6- من المعلوم أن الأنظمة القانونية كافة تمنح المتضرر من خلال فعل غير قانوني ما الحق في المطالبة بتعويض عادل أمام القضاء، وهذا المبدأ هو أيضاً من المبادئ القانونية العامة كمصدر للقانون الدولي ويحق للشعب العراقي الاستناد اليه ورفع دعاوى قضائية أمام المحاكم العراقية ومحاكم الدول المانحة لقروض النظام السابق ومطالبتها بتعويضات عادلة للأضرار التي لحقت به من خلال هذه القروض التي استعملت لقمعه. هذه الدعاوى يمكن أن تكون فردية أو جماعية وهناك سابقة جنوب إفريقيا حيث رفعت دعاوى قضائية بعد الإطاحة بنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا ضد البنوك التي منحت قروضاً لنظام جنوب إفريقيا السابق.
7- الحكومة العراقية المقبلة التي ستشكل بعد انتخابات يناير 2005 ستكون حكومة شرعية تشكل من خلال عملية ديمقراطية بشرط أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة، ولهذا فإنه لا بد لها أن تمثل مصالح الشعب العراقي في كافة المجالات منها المجال المتعلق بديون النظام السابق، حيث يحق للحكومة المقبلة إصدار قرار بشطب كل ديون النظام السابق من جانب واحد باعتبارها ديوناً سياسية شخصية وعسكرية استعملت لأغراض شخصية وشن حروب عدوانية على دول الجوار وقمع الشعب نفسه، كما قامت به الحكومة السوفييتية بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية حيث شطبت سنة 1918 كل ديون روسيا القيصرية من جانب واحد. فإن العراق هو الآن بأمسّ الحاجة إلى مواردها الذاتية لتعمير البنية التحتية التي دمرتها حروب النظام بتكاليف تقدر بحوالي 500 مليار دولار.
و كاستنتاج يمكن أن نقول إن العراق يمكن أن يعتمد بالكامل على القانون الدولي لإعلان ديون النظام السابق ديوناً كريهة حسب القانون الدولي وبذلك تكون غير ملزمة للنظام الجديد وكذلك يحق للعراق المطالبة بتشكيل هيئة تحكيم دولية تنظر في كل حالة قرض على حدة للتحقيق حول محتوى هذا القرض والغرض من التعاقد عليه وكيفية الاستفادة منه من الناحية العملية، كما أن العراق يستطيع أن يثبت في أي وقت أن النظام العراقي السابق كان نظاماً قمعياً غير شرعي يمارس إرهاب الدولة في الداخل والخارج بأبشع صوره، وأن قصف مدينة حلبجة الكردية بالأسلحة الكيميائية وتدمير مناطق الأهوار في الجنوب وارتكاب المئات من الجرائم الأخرى كالإبادة الجماعية كل ذلك موثق، وأن الشعب العراقي لم يكن الجهة المستفيدة من هذه القروض بل الجهة المتضررة، ويمكن الاستفادة من هذه الحقائق لتفنيد مطالب الدول المانحة.
و كذلك يحق للحكومة العراقية المقبلة اعتبار فوائد الديون التي تراكمت على العراق بين 1990 و2003 ديوناً إجبارية بسبب الحصار الدولي على العراق في هذه الفترة، إذ لم يكن بوسع النظام تسديد ديونه حتى لو رغب فيه لأنه كان لا يمارس سيادة على صادراتها. وفي ما يتعلق بالفترة بين نيسان 2003 وحزيران 2004، فإن العراق كان فاقداً لسيادته بصورة كاملة خلال الاحتلال الأنجلو-أمريكي له، لهذا فإن فرض الفوائد على ديون النظام في هذه الفترة لا أساس له.
ولا يمكن إغفال حقيقة بأن هناك ربطاً بين أعمال العنف في العراق والعمليات الإرهابية والأوضاع المعيشية المأساوية لأكثرية العراقيين حيث البطالة والفقر والمرض والجوع والفساد المالي داخل مؤسسات الدولة يسهل على الجماعات المتطرفة خداع المهمشين واستعمالهم بإلحاق المزيد من الدمار بالعراق، فرفع الظلم عن الشعب العراقي سيفيد الجميع.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3389::/cck::
::introtext::
ثروة العراق مصدر فقره
لعل في هذا القول تناقض واضح إذ إن الثروة تكون عادة مصدراً للرفاهية ولكن بشرط كون صاحب الثروة قادراً على الدفاع عن هذه الثروة لأن الثروة تجذب عيون الطامعين لنهبها بشتى السبل. وسبل نهب ثروات الشعوب تختلف باختلاف المكان والزمان. في زمن الاستعمار التقليدي كان هذا النهب يتم مباشرة وبعد تنامي كفاح الشعوب ضد الاستعمار وظهور توازن في القوى بعد الحرب العالمية الثانية إبان الحرب الباردة، أخذ هذا النهب أشكالاً أخرى غير مباشرة ما يسمى (الاستعمار الجديد) أي خلال حكام محليين مرتبطين بجهات خارجية.
::/introtext::
::fulltext::
ثروة العراق مصدر فقره
لعل في هذا القول تناقض واضح إذ إن الثروة تكون عادة مصدراً للرفاهية ولكن بشرط كون صاحب الثروة قادراً على الدفاع عن هذه الثروة لأن الثروة تجذب عيون الطامعين لنهبها بشتى السبل. وسبل نهب ثروات الشعوب تختلف باختلاف المكان والزمان. في زمن الاستعمار التقليدي كان هذا النهب يتم مباشرة وبعد تنامي كفاح الشعوب ضد الاستعمار وظهور توازن في القوى بعد الحرب العالمية الثانية إبان الحرب الباردة، أخذ هذا النهب أشكالاً أخرى غير مباشرة ما يسمى (الاستعمار الجديد) أي خلال حكام محليين مرتبطين بجهات خارجية.
أحد الأساليب غير المباشرة للدول الصناعية الغنية لنهب ثروات شعوب العالم الثالث هي القروض التي تمنحها هذه الدول إلى الأنظمة الدكتاتورية الفاسدة يتحمل الشعب تسديدها مع الفوائد المترتبة من دون أن يستفيد منها الشعب نفسه شيئاً، إذ إن القسم الأكبر من هذه القروض يتحول إلى حسابات خاصة للمتسلطين على الحكم في بنوك الدول الصناعية نفسها أو يستعمل لشراء الأسلحة ومعدات القمع الأخرى التي تستخدم ضد الشعب الذي يتحمل بعدئذ تكاليف تسديدها.
بلغ مستوى ديون العالم الثالث حسب تقرير البنك الدولي لسنة 2002 أكثر من 2340 مليار دولار، قسم كبير منها منحت لأنظمة استبدادية أو هي قروض عسكرية أو سياسية شخصية للحاكم نفسه كما كان الحال مع الدكتاتور موبوتو رئيس ما كانت تعرف في الماضي بجمهورية زائير وكونغو الديمقراطية الحالية ونظام ماركوس السابق في الفلبين والنظام العراقي السابق. هذه القروض تم منحها على شكل قروض لهذه الأنظمة من قبل الدول الصناعية التي سهلت في الوقت نفسه عملية اختلاس هذه الأموال من قبل الحكام خلال تحويلهم لهذه الأموال إلى حساباتهم السرية الخاصة في بنوك هذه الدول وبعلم منها. وبعد عملية اختلاس الأموال المقترضة كان يأتي دور الشعب لتسديد هذه الديون وفوائدها العالية على حساب قوته اليومي إذ يلتهم تسديد الديون في دول العالم الثالث 30-70 في المائة من واردات هذه الدول من صادراتها. الجوع والفقر والمرض والحروب الداخلية والإرهاب هي من النتائج المباشرة لهذه السياسة الاستعمارية.
القروض الممنوحة للأنظمة الدكتاتورية هي قروض سياسية شخصية بحتة لم يستفد منها إلا الدكتاتور نفسه وبعض أعوانه، فالدكتاتور السابق موبوتو كان يملك في حساباته الخاصة رصيداً يبلغ أكثر من 10 مليارات دولار عند سقوطه من الحكم عام 1998 حيث كانت تبلغ ديون زائير نفسها 13 مليار دولار ورصيد ماركوس عام سقوطه سنة 1986 كان يبلغ أيضا 10 مليارات دولار وديون الفلبين في الوقت نفسه 28 مليار دولار. وكان رصيد صدام حسين دكتاتور العراق السابق وأعوانه يتراوح بين 10 و40 مليار دولار وديون العراق تقدر بأكثر من 150 مليار دولار.
وإذ لم تكن هذه القروض كلها قروضاً سياسية أو شخصية، فقد كانت في أغلب الأحيان قروضاً عسكرية أو ضمانات تقدمها الدول الصناعية لشركاتها لتصدير منتجاتها إلى دول العالم الثالث. لذا كان من الطبيعي بأن تواجه دول العالم الثالث صعوبات كبيرة لتسديد هذه الديون حيث اضطرت بعض الدول إلى إعلان إفلاسها كالأرجنتين مثلاً.
ومع تزايد صعوبات دول العالم الثالث في مجال تسديد الديون، تزايدت أيضاً المناقشات حول شرعية الديون الممنوحة للأنظمة الاستبدادية بكونها ديوناً كريهة ليست لها شرعية في القانون الدولي.
مبدأ الديون الكريهة في القانون الدولي
القصد من هذه الديون هي الديون السيادية، أي عملية الاقتراض تتداخل فيها الدول كصاحبة السيادة من خلال منح هذه القروض مباشرة أو تقديم ضمانات لشركاتها المصدرة وهذا يتم عادة خلال عقود ينظمها القانون الدولي. وبما أن القانون الدولي يحتوي أيضا على مبادئ احترام حقوق الإنسان والعدالة فإن عقود الديون السيادية تخضع أيضا لهذه المبادئ وإلا لأصبحت ديوناً باطلة. مصطلح الديون الكريهة طوره فقيه القانون الدولي الروسي الأصل Alexander Nahum Sack في كتاب له حول توارث الدول صدر عام 1927 حيث عرف الديون الكريهة بأنها: (الديون التي تقترضها الأنظمة غير الشرعية في سبيل تثبيت حكمها وليس خدمة للشعب، حيث إن هذه الديون تساعد الأنظمة الاستبدادية على اضطهاد الشعب والقضاء على مقاومته. هذه الديون تعتبر ديوناً كريهة بالنسبة للشعب ولا تعتبر ديوناً ملزمة له بل هي ديون يكون النظام الدكتاتوري مسؤولا عنها وحده، وهي ديون يمكن اعتبارها ديوناً شخصية للدكتاتور نفسه الذي تسببها ولهذا فإن هذه الديون تسقط مع سقوط النظام غير الشرعي).
ومن المعلوم أن كل حكومة لم تستلم الحكم من خلال عملية ديمقراطية، أي انتخابات حرة ونزيهة لا يمكن أن تعتبر شرعية كما جاء في المادة الحادية والعشرين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة الخامسة والعشرين للعهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية.
إن مبدأ الديون الكريهة تم تطويره ودعمه باستمرار منذ ذلك الوقت خلال قرارات المحاكم وآراء الفقهاء القانونيين وممارسة الدول في هذا المجال وهي تعتبر من مصادر القانون الدولي حسب المادة الثامنة والثلاثين من نظام محكمة العدل الدولية.
والرأي السائد في القانون الدولي لاعتبار ديون سيادية ما ديوناً كريهة يتوقف على ثلاثة شروط:
1- نظام الحكم في الدولة في وقت الاقتراض كان نظاماً غير شرعي أو الجهة المتعاقدة على القرض لم تكن أصلاً مخولة حسب قانون الدولة المقترضة.
2- الديون التي تم إنفاقها لأغراض لا تخدم مصلحة الشعب.
3- الجهة المانحة للقرض كانت على علم بالطبيعة غير الشرعية للنظام الحاكم وأن الديون تستخدم لأغراض ضد مصلحة الشعب أو كان بوسعها أن تحقق في ذلك.
ويذكر بعض فقهاء القانون الدولي بعض الأمثلة حيث يتم إنفاق الديون لأغراض منافية لمصلحة الشعب وبذلك يمكن اعتبارها ديوناً كريهة.
الباحثة البريطانية Patricia Adams تذكر في كتابها (الديون الكريهة) بعضاً منها:
1- الإثراء الشخصي.
2- استعمالها لغرض اضطهاد الشعب.
3- شن حروب عدوانية ضد دول أخرى.
4- تقوية المؤسسات الدكتاتورية.
5- استثمارها لصالح فئة معينة من الشعب دون الفئات الأخرى لأسباب سياسية وكأداة للتميز بين أفراد الشعب.
صحيح أن مبدأ الديون الكريهة بقي كأحد مبادئ القانون الدولي يفتقر إلى آلية تنفيذ دولية كما يذكره الباحث الألماني Jürgen Kaiser من مؤسسة Friedrich-Ebert-Stíftung ولكن يمكن أن نضيف إلى هذا الرأي أن هذا المبدأ هو ليس المبدأ الوحيد من هذا النوع إذ إن مبدأ حق تقرير المصير الذي هو من المبادئ الأساسية للقانون الدولي يفتقر إلى آلية من هذا النوع أيضاً وإن الشعوب هي التي يجب أن تكافح من أجله والقانون الدولي يمنحه الشرعية فقط.
مبدأ الديون الكريهة قريب جداً من مبدأ مماثل في الأنظمة القانونية المدنية حيث الفرد لا يمكن إلزامه بدفع دين اقترضه شخص آخر باسمه ولكن من دون تخويل منه.
والتخويل في القانون المدني يكون مرادفه على مستوى الدولة انتخابات حرة ونزيهة في الأنظمة الديمقراطية لتحديد من يحكم باسم الشعب.
ولهذا فإن مسؤولية الديون الكريهة تقع على عاتق الجهات المانحة لهذه الديون والتي كانت على علم بطبيعة النظام غير الشرعي وبحقيقة أن هذه الديون لا تستعمل لخدمة مصالح الشعب. لذا فإنه بعد سقوط النظام سوف لا يكون النظام الجديد ملزماً بتسديد ديون النظام السابق. وهذا المبدأ يمكن تطبيقه بصورة كاملة على الحالة العراقية، حيث الدول التي منحت قروضاً للنظام السابق تكون هي المسؤولة الوحيدة عن هذه الديون وليس العراق الجديد، لأن هذه الدول كانت على علم مسبق بالطبيعة الفاسدة وغير الشرعية والقمعية للنظام العراقي السابق وحروبه ضد الشعب العراقي في الداخل وضد دول الجوار.
وهناك الكثير من السوابق في القانون الدولي، حيث اعتبرت هيئات التحكيم بعدم شرعية ديون أنظمة دكتاتورية منهارة أو رفضت أنظمة جديدة تسديد ديون النظام السابق باعتباره كان نظاماً دكتاتورياً معادياً لمصالح الشعب، ولهذا فإن ديون هذا النظام ليست إلا ديوناً كريهة. من أمثلة هذه السوابق في القانون الدولي هي:
1- قضية كوستاريكا: دكتاتور كوستاريكا الأسبق تينوكو اقترض ديناً من بنك كندي بلغ عدة ملايين من الدولارات استعمله لأغراضه الشخصية، وبعد سقوط نظامه سنة 1923 رفضت الحكومة الجديدة تسديد هذه الديون للبنك الكندي، وأحيلت القضية إلى تحكيم دولي، وقرر قاضي التحكيم بأن حكومة كوستاريكا غير ملزمة بدفع ديون الحكومة السابقة لأن ديون الدول يجب أن تنفق من أجل المصلحة العامة وليس لأغراض شخصية وأن البنك الكندي كان على علم بحقيقة أن هذا القرض سينفق لأغراض شخصية، من قبل الحاكم السابق.
2- القضية الإسبانية-الأمريكية: في الحرب الإسبانية-الأمريكية سنة 1898 طردت أمريكا إسبانيا من كوبا واحتلت كوبا بنفسها. ثم طالبت إسبانيا بعدئذ بتسديد ديون كوبا التي اقترضها إسبانيا باسم كوبا، ورفضت الحكومة الأمريكية آنذاك هذا الطلب بحجة أن هذه الديون هي غير أخلاقية لأنها تمت من دون موافقة الشعب الكوبي، وأن الديون استعملت لسحق كفاح الشعب الكوبي ضد الاستعمار وأن هذه الحقائق كانت معروفة للجهات المانحة، لذا يجب عليها تحمل العواقب.
3- قضية الاتحاد السوفييتي: بعد الثورة الاشتراكية في روسيا وتأسيس الاتحاد السوفييتي أصدرت الحكومة السوفييتية قراراً عام 1918 بشطب كل ديون روسيا القيصرية بحجة أن هذه الديون كانت ديوناً شخصية لقيصر روسيا المخلوع، لذا فهي غير ملزمة للاتحاد السوفييتي.
4- قضية ديون النظام الرواندي السابق: اعترف مجلس العموم البريطاني سنة 1998 بعدم شرعية ديون نظام رواندا السابق بحجة أن نظام رواندا السابق هو المسؤول عن جريمة الإبادة الجماعية وأنفقت هذه الديون على شراء الأسلحة لاستعمالها ضد الشعب ولهذا فإن الحكومة الجديدة غير ملزمة بتسديد هذه الديون.
إجبار الشعوب على تسديد ديون الأنظمة الدكتاتورية عمل مناف للعرف ومبادئ الأخلاق الدولية والمبادئ العامة للقانون لأنه بمثابة إثراء غير شرعي من قبل الجهات المانحة على حساب هذه الشعوب التي لم تكن هي الجهة المستفيدة من هذه الديون التي تجبر على تسديدها وبذلك تصبح هذه الشعوب مصدراً للربح المادي غير المشروع لصالح الدول المانحة المتعاونة مع الأنظمة القمعية غير الشرعية الفاسدة.
في بعض الحالات مُنحت قروض لأنظمة غير شرعية كانت تخوض حرباً عدوانية ضد الدول الأخرى وضد شعبها، كما كان الحال مع النظام العراقي السابق فإن قروضاً من هذا النوع يمكن اعتبارها حسب رأي فقيه القانون الدولي البروفيسور O,Connel كدخول في الحرب إلى جانب النظام، ولهذا تتخذ هذه الديون شكل مساهمات حربية، كما أنه ليس من المعقول إجبار ضحايا إرهاب الأنظمة الدكتاتورية على دفع ثمن تكاليف الآلات والوسائل التي استعملت لتعذيبهم وقمعهم وقتلهم. في هذه الحالات يمكن ملاحقة الدول المانحة قضائياً بسبب مساهمتها في جرائم النظام هذه، كما أثبته مثال جنوب إفريقيا حيث رُفعت دعاوى قضائية ضد البنوك التي منحت قروضاً لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا سابقاً.
سجل حقوق الإنسان لبعض الدول كان له تأثير في بعض الحالات على مواقف الجهات المانحة إذ خصم صندوق النقد الدولي سنة 1997 قسماً من مساعداتها لجمهورية كرواتيا بسبب بطء العملية الديمقراطية فيها.
خلاصة القول إن الدول التي تمنح قروضاً للأنظمة غير الشرعية تتحمل وحدها عواقب هذه العملية، وتجازف بأموالها لأنها كانت على علم مسبق بعدم تخويل الشعب لهذه الأنظمة للتعاقد بالاقتراض باسمه، وأن عقوداً من هذا النوع باطلة من الناحية القانونية حسب مبدأ تجاوز الصلاحيات المعروف في القانون الدولي بمبدأ Ultra Vires .
ديون النظام العراقي السابق والقانون الدولي
لا أحد يعرف إلى الآن كم هي ديون النظام العراقي السابق بالضبط لعدم وجود سجلات مضبوطة حول هذه الديون لأن النظام كان على يقين بطبيعته المؤقتة ولذلك لم يكن مستقبل العراق وشعبه يوماً ما يعني شيئاً بالنسبة له.
وهناك تقديرات متفاوتة حول ديون النظام الخارجية فمنظمة Jubileeiraq تقدر ديون العراق بمبلغ يتراوح بين 94 و154 مليار دولار منها 42 مليارا لصالح نادي باريس وحوالي 70 مليارا لدول الخليج التي كانت تدعم العراق في حربه ضد إيران و13 مليارا لجهات أخرى. ولكن هذه الديون ليست كلها ديوناً حقيقية بل القسم الأكبر منها هو تراكم فوائد الديون الأصلية للنظام، ولا نستطيع أن نتأكد أيضاً من صحة بعض هذه الديون إذ إن ليس هناك دليل على تحرك فعلي للأموال. فمثلاً من مجموع 42 مليار دولار التي تطالب بها أعضاء نادي باريس من العراق فإن 21 ملياراً منها هي عبارة عن تراكم فوائد نشأت بين سنوات الحصار من 1990 إلى 2003 ومن الديون الباقية الأصلية فإن نسبة 90 في المائة منها هي ديون عسكرية تراكمت منذ سنة 1980 عند بدء الحرب العراقية – الإيرانية، إذ كان للعراق قبل بدء هذه الحرب فائض من العملات الصعبة يقدر بأكثر من 36 مليار دولار، وكان خالياً من ديون طويلة الأمد، كما أنه قام بتسديد ديونه إلى سنة 1990 عام غزو الجارة الكويت، بانتظام وأن الدول المانحة كانت على علم بالطبيعة غير الشرعية والعدوانية للنظام السابق.
ولهذا فإن تقييم شرعية ديون العراق يمكن أن يتم على ضوء الأسئلة التالية:
1- هل كان النظام العراقي السابق نظاماً شرعياً؟
2- هل استفاد الشعب العراقي من خلال قروض النظام السابق أم تضرر؟
3- هل كانت الدول المانحة للقروض على علم بالطبيعة الدكتاتورية والقمعية للنظام والأغراض النهائية لهذه القروض؟
4- هل كانت الديون العسكرية الممنوحة للعراق بمثابة مساهمة من قبل الدول المانحة في حرب النظام ضد الشعب العراقي ودول الجوار؟
5- هل استخدمت هذه الديون لأغراض شخصية من قبل النظام السابق وبعلم من الدول المانحة؟
6- هل يحق للعراق المطالبة بتعويضات من الدول المانحة بسبب مساهماتها المالية على شكل قروض في قمع الشعب العراقي؟
7- هل يحق للحكومة الشرعية العراقية المقبلة الامتناع عن تسديد ديون النظام العراقي السابق؟
وكانت الإجابة على هذه التساؤلات على الشكل التالي:
1- النظام الشرعي – حسب القانون الدولي كما جاء في المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 25 من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية يكون نظاما يتداول فيه الحكم عن طريق انتخابات دورية وحرة ونزيهة. ولعله كان من المعلوم للجميع وخاصة للدول المانحة التي كانت تتعامل عن قرب من النظام السابق بأن النظام العراقي السابق كان نظاماً دكتاتورياً استولى على السلطة عن طريق القوة سنة 1968 تحت قيادة الحزب الواحد ولهذا فإن الشرط الأول لاعتبار ديوناً النظام السابق ديونا كريهة غير ملزمة للعراق الجديد متوافر.
2- إن القروض تمنح عادة من خلال معاهدة دولية تحدد أيضاً الغرض النهائي لهذه القروض وكذلك يمكن التحقق من استخدام هذه القروض من الناحية العملية للتأكد من عدم سوء استخدامها واختبار مدى استفادة الشعب من هذه القروض. في الحالة العراقية فإن الممارسات القمعية للنظام الدكتاتوري السابق من سنة 1968 وحتى تحرير العراق في نيسان 2004 ضد الشعبين الكردي والعربي والأقليات الأخرى في العراق، كل هذا كان معلوماً للجميع من خلال وسائل الإعلام وتقارير منظمات حقوق الإنسان، ولهذا فإن أي دعم مالي للنظام السابق حتى لو كان على شكل قروض كان يؤدي حتماً إلى تقوية المؤسسات الدكتاتوية القمعية لهذا النظام، ويساهم مباشرة في زيادة الأعمال القمعية ضد المواطنين كبناء المزيد من السجون ومعسكرات الاعتقال وحفر المقابر الجماعية وشراء آلات ووسائل التعذيب. ولهذا فإن الشرط الثاني متوافر أيضا.
3- ليس بعسير على الدول المانحة أو أية دولة أخرى التعرف إلى الطبيعة الدكتاتورية للنظام العراقي السابق، إذ كان النظام قد استولى على الحكم خلال انقلاب عسكري سنة 1968 علناً، ومجلس قيادة الثورة غير المنتخبة كانت أعلى سلطة تشريعية في العراق، وكان النظام يمارس إرهاب الدولة بصورة واسعة والملايين من العراقيين لجأوا إلى الدول الأخرى منها بعض الدول المانحة كلاجئين سياسيين ووسائل الإعلام كانت مليئة بأخبار القمع والاضطهاد والتعذيب في العراق. ولهذا كانت الدول المانحة باستطاعتها الكشف بسهولة عن حقيقة أن القروض الممنوحة لهذا النظام كانت تستخدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة لقمع المواطنين العراقيين وتمويل الحرب العدوانية على دول الجوار والحركات التحررية في الداخل. ولهذا فإن الشرط الثالث متوافر أيضاً. لذا فإن حكومة عراقية شرعية مقبلة غير ملزمة بتسديد ديون النظام الدكتاتوري السابق باعتبارها ديوناً كريهة حسب القانون الدولي.
4- ديون النظام السابق تراكمت بأكملها بين سنوات 1980-2003 وهي سنوات الحرب ضد دول الجوار وضد الشعبين الكردي والعربي في العراق والأقليات الأخرى، حيث اُستخدمت الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين الكرد، وأُحرقت أربع آلاف قرية كردية، ودمرت أهوار الجنوب الشيعي، ودفن عشرات الألوف من الأفراد في المقابر الجماعية من بين هؤلاء أكثر من 182 ألف كردي خلال عمليات الأنفال للإبادة الجماعية ضد الشعب الكردي. فكان من الطبيعي أن تبلغ نسبة الديون العسكرية أكثر من 90 في المائة من ديون النظام السابق. إن منح الديون العسكرية لنظام يخوض حرباً ضد شعبه والدول الأخرى وخرقاً للقانون الدولي لا يمكن اعتباره إلا مساهمة في هذه الحرب وليس قرضاً بمفهوم القانون الدولي لأنها كانت منحاً حربية على شكل أسلحة وعتاد ومؤن لصالح النظام السابق والحكومة العراقية المقبلة غيرة ملزمة بتسديدها. كما أن الديون العسكرية تشكل القسم الأكبر من ديون النظام السابق خاصة ديون فرنسا وأمريكا وروسيا وبريطانيا وقسم منها استعمل لإنتاج أسلحة الدمار الشامل.
5- أرصدة أعضاء النظام السابق وعلى رأسهم الدكتاتور المخلوع وأفراد عائلته لا يمكن تحديدها بصورة نهائية لكن التقديرات تتراوح بين 10 و40 مليار دولار تراكمت على حساباتهم الشخصية، ولكن من السهل على الدول المانحة التي لها أجهزتها الأمنية القوية والمؤسسات المالية المتطورة الكشف عن التحركات المالية لصالح أعضاء النظام السابق، إذ إنه من الصعب جداً تحويل المليارات من الدولارات إلى حسابات شخصية من دون علم الدول المانحة أو حتى من دون موافقتها. فالدول الصناعية غالباً ما تغمض العين تجاه سرقة أموال دول العالم الثالث من قبل أنظمته الدكتاتورية وحكامه غير الشرعيين أو حتى تقدم لهم المساعدة خلال فتح حسابات شخصية سرية لهم في بنوكها. ولهذا فإن الدول التي تعاملت مع النظام العراقي السابق مالياً ومنحته قروضاً كانت لا بد أن تكون على علم مسبق بأن القروض هذه تستخدم أيضاً لأغراض شخصية من قبل هذا النظام. هذه الديون لا يستطيع الشعب العراقي أن يكون مسؤولاً عنها لأن مسؤولية من هذا النوع ستكون منافية للقانون الدولي ومبادئ العدالة كما جاءت في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة، لأن الشعب لا يمكن الطلب منه تسديد قرض لم يستفد منه ولم يخول أحداً للتعاقد باسمه لاقتراضه. ولهذا على الدول المانحة أن تحاول جمع مستحقاتها من أرصدة النظام العراقي السابق في بنوكها أو بنوك الدول الأخرى، وإن قرار هيئة التحكيم في قضية كوستاريكا كسابقة في القانون الدولي كما تم ذكره أعلاه ينطبق كاملاً على الحالة العراقية.
6- من المعلوم أن الأنظمة القانونية كافة تمنح المتضرر من خلال فعل غير قانوني ما الحق في المطالبة بتعويض عادل أمام القضاء، وهذا المبدأ هو أيضاً من المبادئ القانونية العامة كمصدر للقانون الدولي ويحق للشعب العراقي الاستناد اليه ورفع دعاوى قضائية أمام المحاكم العراقية ومحاكم الدول المانحة لقروض النظام السابق ومطالبتها بتعويضات عادلة للأضرار التي لحقت به من خلال هذه القروض التي استعملت لقمعه. هذه الدعاوى يمكن أن تكون فردية أو جماعية وهناك سابقة جنوب إفريقيا حيث رفعت دعاوى قضائية بعد الإطاحة بنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا ضد البنوك التي منحت قروضاً لنظام جنوب إفريقيا السابق.
7- الحكومة العراقية المقبلة التي ستشكل بعد انتخابات يناير 2005 ستكون حكومة شرعية تشكل من خلال عملية ديمقراطية بشرط أن تكون الانتخابات حرة ونزيهة، ولهذا فإنه لا بد لها أن تمثل مصالح الشعب العراقي في كافة المجالات منها المجال المتعلق بديون النظام السابق، حيث يحق للحكومة المقبلة إصدار قرار بشطب كل ديون النظام السابق من جانب واحد باعتبارها ديوناً سياسية شخصية وعسكرية استعملت لأغراض شخصية وشن حروب عدوانية على دول الجوار وقمع الشعب نفسه، كما قامت به الحكومة السوفييتية بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية حيث شطبت سنة 1918 كل ديون روسيا القيصرية من جانب واحد. فإن العراق هو الآن بأمسّ الحاجة إلى مواردها الذاتية لتعمير البنية التحتية التي دمرتها حروب النظام بتكاليف تقدر بحوالي 500 مليار دولار.
و كاستنتاج يمكن أن نقول إن العراق يمكن أن يعتمد بالكامل على القانون الدولي لإعلان ديون النظام السابق ديوناً كريهة حسب القانون الدولي وبذلك تكون غير ملزمة للنظام الجديد وكذلك يحق للعراق المطالبة بتشكيل هيئة تحكيم دولية تنظر في كل حالة قرض على حدة للتحقيق حول محتوى هذا القرض والغرض من التعاقد عليه وكيفية الاستفادة منه من الناحية العملية، كما أن العراق يستطيع أن يثبت في أي وقت أن النظام العراقي السابق كان نظاماً قمعياً غير شرعي يمارس إرهاب الدولة في الداخل والخارج بأبشع صوره، وأن قصف مدينة حلبجة الكردية بالأسلحة الكيميائية وتدمير مناطق الأهوار في الجنوب وارتكاب المئات من الجرائم الأخرى كالإبادة الجماعية كل ذلك موثق، وأن الشعب العراقي لم يكن الجهة المستفيدة من هذه القروض بل الجهة المتضررة، ويمكن الاستفادة من هذه الحقائق لتفنيد مطالب الدول المانحة.
و كذلك يحق للحكومة العراقية المقبلة اعتبار فوائد الديون التي تراكمت على العراق بين 1990 و2003 ديوناً إجبارية بسبب الحصار الدولي على العراق في هذه الفترة، إذ لم يكن بوسع النظام تسديد ديونه حتى لو رغب فيه لأنه كان لا يمارس سيادة على صادراتها. وفي ما يتعلق بالفترة بين نيسان 2003 وحزيران 2004، فإن العراق كان فاقداً لسيادته بصورة كاملة خلال الاحتلال الأنجلو-أمريكي له، لهذا فإن فرض الفوائد على ديون النظام في هذه الفترة لا أساس له.
ولا يمكن إغفال حقيقة بأن هناك ربطاً بين أعمال العنف في العراق والعمليات الإرهابية والأوضاع المعيشية المأساوية لأكثرية العراقيين حيث البطالة والفقر والمرض والجوع والفساد المالي داخل مؤسسات الدولة يسهل على الجماعات المتطرفة خداع المهمشين واستعمالهم بإلحاق المزيد من الدمار بالعراق، فرفع الظلم عن الشعب العراقي سيفيد الجميع.
::/fulltext::
::cck::3389::/cck::
