دور العامل القبلي في تنامي ظاهرة العنف السياسي في اليمن

::cck::3392::/cck::
::introtext::

مازال للقبلية  اليد الطولى في الحياة السياسية اليمنية، ويصف بعض الباحثين في علم الأنثربولوجيا هذا الوضع بالقول (اليمن هو القبائل والقبائل هي اليمن) وهذا الوصف وإن كان يبدو مخلاً في بساطته إلا أنه يحمل الكثير من الحقيقة عن الدولة والمجتمع في اليمن، فالقبيلة هي المؤسسة الأكثر وضوحاً، كما أن شخصياتها وقوانينها وأعرافها تبدو أكثر أهمية وأوسع نفوذاً من مؤسسات وشخصيات وقوانين الدولة ذاتها، وحتى الآن لم تستطع الدولة التخلص من القبيلة كمؤسسة منافسة ومؤثرة كل التأثير عليها، كما عجز التحديث عن تقليص القبيلة والعقلية القبلية التي تعوق الاندماج السياسي، والتحديث الاجتماعي.

::/introtext::
::fulltext::

مازال للقبلية  اليد الطولى في الحياة السياسية اليمنية، ويصف بعض الباحثين في علم الأنثربولوجيا هذا الوضع بالقول (اليمن هو القبائل والقبائل هي اليمن) وهذا الوصف وإن كان يبدو مخلاً في بساطته إلا أنه يحمل الكثير من الحقيقة عن الدولة والمجتمع في اليمن، فالقبيلة هي المؤسسة الأكثر وضوحاً، كما أن شخصياتها وقوانينها وأعرافها تبدو أكثر أهمية وأوسع نفوذاً من مؤسسات وشخصيات وقوانين الدولة ذاتها، وحتى الآن لم تستطع الدولة التخلص من القبيلة كمؤسسة منافسة ومؤثرة كل التأثير عليها، كما عجز التحديث عن تقليص القبيلة والعقلية القبلية التي تعوق الاندماج السياسي، والتحديث الاجتماعي.

وتقدر إحدى الإحصائيات عدد القبائل اليمنية بـ (200) قبيلة، وتوزعها تشطيريًّا فتحدد عدد قبائل الشطر الشمالي (سابقًا) بـ (168) قبيلة، منها (141) تقطن المناطق الجبلية، و (27) قبيلة في مناطق تهامة الساحلية أما قبائل الشطر الجنوبي (سابقًا) فتم تقديرها بـ (25) قبيلة، وبالرغم من تفاوت حجم ونفوذ تلك القبائل إلا أن القبيلة في اليمن ظلت – على مر التاريخ – تمثل كياناً إجتماعيّاً وسياسيًّا واقتصاديًّا مؤطراً بخصوصيات استقلالية وسيادية تدافع عنها بكل ما تمتلكه من أسلحة وقيم حربية، ورجال مدربة، وموارد مالية، فلدى كل قبيلة من هذه القبائل ميليشياتها العسكرية الخاصة بها والمسلحة بكميات من الأسلحة التي يعُتقد أنها أكبر مما لدى الجيش النظامي نفسه، وحسب  تقديرات لوزارة الداخلية فإن لدى هذه القبائل أكثر من 100 ألف مقاتل مسلحين بحوالي 11 مليون قطعة سلاح، تتراوح بين الأسلحة الخفيفة  والأسلحة الثقيلة كراجمات الصواريخ، فضلاً عما تحظى به، من مركز قبلي عام يؤهلها للدخول في صداقات، وأحلاف مع غيرها من قبائل الجوار، وهو الأمر الذي لم يكن بوسع أية قوة سياسية – تتولى حكم اليمن- تجاهله، أو التقليل من خطورته على مستقبل الدولة، ولعل من أوضح الصور التي تكشف حجم نفوذ وتأثير القبائل في الدولة الواقعة التي اصطدم بها محسن العيني – رئيس الوزراء آنذاك- مع المشائخ، إذ أنه عندما وجد الدولة تشهر إفلاسها التام بادر في الثاني من فبراير 1971م إلى إصدار قرار يلغي موازنات القبائل والصروف والأرتاب، لكنه لم يصمد بعد ذلك بمركزه طويلاً، حيث أن ردود الأفعال الحادة التي ترتبت عن قراره دفعته في الثالث والعشرين من نفس الشهر، والعام إلى تقديم استقالته- أي أن الدولة تنازلت عن إرادتها السياسية لصالح مصالح القبائل المحدودة!.

 وإذا كانت السياسة التي حاولت الحكومة اليمنية فرضها على الواقع القبلي من خلال محاولتها الحد من الروابط العشائرية والقضاء عليها كخطوة أولى لدفع المجتمع إلى قيم جديدة، قد تلاشت ولم تحقق أي نجاح، فإن القبيلة في المقابل بدأ نفوذها في الصعود بحيث أصبحت العلاقة التي تربط المناطق القبلية بالإدارة المركزية للدولة علاقة ضعيفة وتكاد تكون غير موجودة في بعض المناطق، وحتى بالنسبة للمناطق التي توجد فيها سلطات الدولة فهي شكلية حيث لا تزال السلطة السياسية والإدارية تتركز في أيدي مشايخ القبائل في تلك المناطق، ولذلك فإن المسئولين الحكوميين في هذه المناطق يعتمدون في تصريف مهامهم الوظيفية على مساعدة المشايخ لهم، وخاصة إذا ما كان هؤلاء المسئولين قد تم تعيينهم من غير أبناء المنطقة حيث أنه في الغالب يتم اختيار المسئولين الحكوميين من بين أبناء هذه المناطق، كما أن حفظ الأمن والاستقرار والتوازن السياسي بين القبائل والأقسام التي يتكون منها المجتمع القبلي يقوم على نظام المسئولية والجزاء بالطرق العرفية القبلية.

وعلى أية حال، فإن النفوذ الذي تتمتع به القبائل في اليمن على حساب سلطة الدولة المركزية كان أحد الأسباب في بروز بعض مظاهر العنف السياسي ،مثل:

1- تدمير مرافق الدولة الحيوية: من الأمثلة على ذلك أن قبائل “وائلة” الحدودية قامت بنسف علامات حدودية مستجدة في جبال الصوح، شمال منطقة الفرع التابعة لقبيلة وائلة، والتي كانت نفذتها الشركة المكلفة بترسيم الحدود بين اليمن والسعودية، وفقا لمعاهدة جدة الحدودية الموقعة بين البلدين في 12 يونيو 2000، وجاء ذلك اعتراضًا على مرورها في عمق أراضيها القبلية، وهو ما رفضته القبيلة قطعيًا منذ توقيع هذه المعاهدة، وطالبت مرارًا بتغيير الخط الحدودي بعيدًا عن أراضيها، حتى لا يجزئ أراضيها وأبناءها إلى شطرين، أحدهما في الأراضي اليمنية والآخر تحت السيادة السعودية، وما يسببه ذلك من الإسهام في إضعاف قوة القبيلة. ومن الأمثلة الأخرى أيضاً تورط بعض القبائل في ظاهرة تفجيرات أنابيب النفط، حيث وصل عددها في الفترة من 1995 وحتى نهاية العام 2001  إلى 66 تفجيراً.

2- ظاهرة الثأر القبلي: تشكل قلقاً واسعاً للسلطات الأمنية والسياسية في البلاد، وتعتبر من الظواهر المستعصية على الحل، وخصوصًا أنها في تنام مستمر مع كل سنة تمر من دون حل جذري، رغم أن كثيراً من المراقبين كان يراهن على إنهائها خاصة بعد قيام دولة الوحدة وانتهاء الحرب الأهلية الأخيرة عام 1994، إلا أنها نمت في شكل كبير جداً، فقد صارت مشاهد الخلافات والنزاعات الطويلة والمتوارثة الفردية والجماعية وما ينجم عنها  من خسائر في استمرار سقوط الضحايا وفقدان الممتلكات واتساع دائرة الانتقام من المشاهد المرتبطة بعمليات الثأر في البلاد.

و من أهم أسباب انتشار ظاهرة الثأر هو انتشار الأسلحة في أوساط المجتمع اليمني، وسهولة الحصول عليها من أقرب سوق، وعدم حسم القضايا الخاصة بالثأر إلى جانب عدم وجود أجهزة أمنية قوية قادرة على تنفيذ الأحكام الشرعية الصادرة من المحاكم، إضافة إلى ضعف الوازع الديني وضعف التمسك بأعراف وتقاليد القبيلة وظاهرة انتشار المؤاخاة (الرباعة) ما يسمح لمرتكب جريمة القتل عمداً أن ينجو من جريمته والهروب للاحتماء بقبيلة أخرى، كما أن التنازع على الحدود بين القبائل وملكية الأراضي والاستيلاء عليها من قبل الطامعين تعتبر من أهم أسباب الثأر وكذا انتشار أمراض الرشوة ما يتسبب في إيجاد مخارج في الحكم يستفيد منها مرتكب جريمة القتل العمد أو منفذ جريمة الثأر أثناء التطويل في التقاضي وغيرها من الأسباب.

ويرى مراقبون للمشهد القبلي في اليمن ى أن الإشكالية الكبيرة التي تواجه مساعي القضاء على الثأر تكمن في قضيتين رئيسيتين: الأولى الكم الهائل من السلاح الذي يتوافر في أيدي المواطنين: قبائل وغير قبائل. والثانية: القضاء الذي يبدو مشلولاً في معالجة هذه القضية، أما في المناطق التي يسيطر عليها رجال القبائل فإن السلاح يكاد يكون متوفراً أكثر من الطعام، ولهذا فإن التجارة به تعتبر من التجارات الرابحة في البلاد، بخاصة في هذه المناطق، ويؤكد عدد من المهتمين أن القضاء على ظاهرة الثأر لا يمكن أن يتم من دون أن يجري تطبيق القانون في كل المناطق والابتعاد عن التمسك بالأعراف التي تقدم علاجات مسكنة لا تلبث أن تستيقظ روح الثأر من جديد والتي تحصد مئات القتلى والجرحى كل عام.

3- ظاهرة اختطاف السياح والدبلوماسيين الأجانب: وتعتبر الأبرز في أعمال العنف السياسي التي شهدتها البلاد منذ تسعينات القرن الماضي وحتى العام 2001، حيث تورطت بعض القبائل في عمليات خطف عديدة، كاختطاف الملحق الإعلامي الأمريكي (ماهوني) عام 1993،  واختطاف سكرتير أول السفارة الفرنسية بصنعاء واحتجازه كرهينة في محافظة مأرب عام 1999 على يد إحدى فروع قبيلة (جهم)، واختطاف السفير البولندي بصنعاء (كريستوف سوبروفيتش) في مارس 2000 بواسطة مسلحين من قبيلة القيري وهي فرع من قبائل خولان.

وبصورة عامة فقد وصل إجمالي عدد المختطفين خلال الفترة من 93 وحتى عام 2001م إلى ما يقارب (316) شخصاً ينتمون إلى 22 دولة واحتلت فرنسا الصدارة في اختطاف 89 من رعاياها منهم 78 سائحاً و8 خبراء و 3 دبلوماسيين وجاءت في المرتبة الثانية جمهورية ألمانيا الاتحادية بواقع (76) مختطفاً ثم بريطانيا (37) منهم 26 سائحاً و8 خبراء و3 دبلوماسيين وفي المرتبة الرابعة (إيطاليا (24) مختطفاً والولايات المتحدة 22 وهولندا 22 و6 بلجيكيين ومثلهم سويسريون وصينيون و5 بولنديين و4 روس و3 كوريين ومثلهم كنديون و3 يابانيون وأستراليان اثنان وأسبانيان وخبير أوكراني وبلغاري وهندي ونرويجي وسويدي.

والسمة المشتركة في عمليات الاختطاف السابقة أنها كانت تهدف بالأساس إلى الضغط على الحكومة لتلبية بعض المطالب الاجتماعية والاقتصادية، وأحياناً الشخصية،  ففي أول حادثة اختطاف في اليمن كانت في عام 1992 وكان الضحية كنديًا، وكان مطلب الخاطفين في ذلك الوقت أن تعاقب الحكومة قتلة رجلين من القبائل، وكانت أهم المطالب الخاصة التي أعلنها المختطفون للدبلوماسي الفرنسي في عام 1999هي تعيين أبناء القبيلة بالمناصب المهمة في محافظة مأرب، كذلك إعلان بعض المطالب الاجتماعية الخاصة بطلب تعويضات مالية كبيرة من الحكومة إثر تعرض المنطقة للسيول بالإضافة إلى بعض المطالب الخاصة بتخفيف الأعباء الاقتصادية.

وتتركز أغلبية مطالب الخاطفين خاصة في المناطق النائية، والقرى الوعرة والأماكن الجبلية أو الصحراوية الصغيرة في مطالب شخصية مثل إطلاق سجناء أدينوا بتهم جنائية من قبل السلطات، ومنح  رتب عسكرية للخاطفين وأقاربهم، وبوظائف عامة، والبعض يذهب أيضًا إلى المطالبة بفدية مالية لإطلاق الرهائن  .

4-  ظاهرة العنف القبلي أثناء الانتخابات: من المفارقات المثيرة في المشهد اليمني  أن (إعلان الحضور القبلي) عادة ما يتخذ طابع العنف في الممارسة الانتخابية، ففي فبراير 2001 وقعت واحدة من أعنف الانتخابات دموية وتوتراً بسبب المواجهات المسلحة التي حدثت في أكثر من منطقة محتقنة بالمسلحين، وراح ضحية العنف في هذه الانتخابات حوالي (عشرين) شخصا وجرح آخرون.

وعادة ما تنتقل الخلافات من نزاع حول الترشيح والانتخابات إلى ثأر وخصام بين الأسر والقرى والقبائل في بعض مناطق اليمن، ويعتبر المراقبون أن قوّة أهم حزبين سياسيين في اليمن (المؤتمر والإصلاح) ترجع بالأساس إلى (قوتهما القبلية).، حيث يعتمدان  على قاعدة عريضة من كبار المشايخ وزعماء القبائل، وهذه القوّة القبلية كانت دافعاً كذلك إلى منح الحزبين قوتين أخريين لا تقلان أهمية، وهما القوّة العسكرية والقوة الدينية، على أساس أن القبيلة بمعناها السوسيولوجي تؤكد على رابطة المذهب والدين.

 وهذه القوة القبلية تؤثر على العملية الديموقراطية، ليس فقط من حيث أعمال العنف والثأر، وإنما كذلك من حيث أنها تجعل الحزبين الأهم في البلاد يقتسمان المراكز الانتخابية، من دون أي جديد فيما يتعلق بأي حزب آخر ليس له تمثيل قبلي مثالي، الأمر الذي يجعل من المناسبات السياسية في اليمن استعراضا للقوى القبلية، التي تمنح القوة للعسكر والساسة وكبار المتنفذين في البلد، وقد تتحول إلى أعمال عنف في كثير من الأحيان.

لقد استفحلت مسألة القبلية بشدة وتغلغلت في أوساط المجتمع اليمني، وباتت مؤسسة اجتماعية وسياسية بل وعسكرية لها قوانينها وأعرافها التي تفرض على السلطة المركزية ذاتها ضرورة احترامها، وانعكس ذلك بالسلب على الأمن والاستقرار الداخليين، وذلك لأسباب عدة  في مقدمتها:

1 -إن بروز القبلية جعل تاريخ اليمن سلسلة من الصراعات والحروب الأهلية المستمرة بين قبائل اليمن الرئيسية الثلاث وهي قبيلة فدحج” وتوجد في وسط اليمن وهي أكبر القبائل وأكثرها عدداً، وقبيلة (حاشد) في الشمال، وقبيلة (بكيل) في الجنوب، وقد اتسمت العلاقة بين قبائل حاشد وقبائل بكيل بالعداء الشديد عبر العقود بل القرون المتعاقبة. ومما زاد من حدة هذه الصراعات أن الشعب اليمني شعب مسلح ومحارب قوي البأس.

2- حالت القبلية، لفترة طويلة من الزمن، دون تكوين دولة وطنية يمنية بالمعنى العصري المتعارف عليه، لأن ولاء الفرد اليمني ،وخاصة في الشمال، هو لقبيلته أولاً، يرجع ذلك إلى أن قبيلته هي التي تحميه حتى ضد الدولة، حيث استطاعت بعض القبائل أن تحمي بعض أفرادها وتمنع السلطات الحكومية من القبض عليهم بسبب جرائم ارتكبوها بل ودخلوا مع السلطة في صراعات دامية طويلة من أجل ذلك، لأن لكل قبيلة سلاحها و ميلشياتها العسكرية الخاصة بها لدرجة أنه يقال أن هناك مطارات داخلية تمتلكها بعض القبائل اليمنية على الرغم من عدم وجود طائرات لديها، كما أن كمية السلاح الذي تمتلكه القبائل في اليمن أكبر حجمًا مما لدى الجيش النظامي نفسه وتجارة السلاح في اليمن تجارة مشروعة وعادية.

 3- أدت القبلية إلى ضعف الحكومة المركزية وزعزعة استقرارها إلى حد انعدام العلاقة التي تربط بين المناطق القبلية والإدارة المركزية للدولة في بعض المناطق وخاصة في الشمال، بل ووصل تصاعد نفوذ القبيلة وقوتها في اليمن إلى الحد الذي يسبب العجز للسلطات الحكومية في السيطرة على تطورات الأوضاع في حالة انفجار أي من المواقف الخلافية أو الصراعات داخل القبيلة أو بين القبائل والسلطـات الإدارية أو الأمنية.

وحتى بالنسبة للمناطق التي توجد فيها السلطة المركزية فإن سلطاتها غالبًا ما تكون صورية إلى حد كبير وتتركز السلطات السياسية والإدارية في أيدي مشايخ القبائل، ولذلك فإن المسئولين الحكوميين غالباً ما يعتمدون على هؤلاء المشايخ في إدارة شئون المناطق القبلية، وتحرص الحكومة المركزية علي مراعاة التوازنات القبلية في التعيين في المناصب العامة والحساسة في الدولة، كما يحظى مشايخ القبائل بنفوذ كبير لدى الحكومة المركزية .

وقد عارضت القبائل اليمنية في الشمال فكرة الوحدة بين شطري اليمن والتي تمت في 22 مايو 1990، وذلك لرغبتها في الاستقلال عن الدولة وميلها الشديد (إلى الحكم الذاتي) بعيداً عن السلطة المركزية، وقد أفصح الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عن هذه المعارضة وقال: (إن مشايخ القبائل في الشمال أرسلوا له عدة رسائل يحذرونه فيها من مشروع الوحدة مع اليمن الجنوبي وذلك خوفًا على ضياع نفوذهم في ظل حكومة مركزية قوية)، حتى أنهم اقترحوا عام 1982 تشكيل جيش شعبي من رجال القبائل لقتال اليمن الجنوبي، حيث وجدت هذه القبائل في العداء بين اليمن الجنوبي والشمالي والخلاف الأيديولوجي بينهما فرصة لتقوية مركزها علي حساب السلطة المركزية التي ترتبط قوتها بعلاقة عكسية مع قوة القبائل.ونظراً لقوة القبائل في اليمن فإن الحكومة تتعامل معها بحذر شديد وتحرص على عدم الاصطدام بها خاصة وأن معظم السياسيين وأصحاب المناصب العليا هم أصلاً زعماء لقبائل قوية يستمدون منها القوة والحماية والنفوذ.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه اليمن هو محاولة التغلب على استفحال القبلية، وإعادة بسط سيطرتها ونفوذها على مختلف مناطق الدولة، وإذا ما أرادت الحكومة اليمنية التعامل بشكل جدي مع هذه المعضلة المعقدة أن تقوم بمراجعة شاملة للكثير من سياساتها الداخلية الحالية والتي تسمح باللعب على الوتر الطائفي والقبلي، مما يزيد الطين بلة ويسهم في تعميق الأزمة الأمنية والتنموية الحقيقية التي يعيشها اليمن.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3392::/cck::
::introtext::

مازال للقبلية  اليد الطولى في الحياة السياسية اليمنية، ويصف بعض الباحثين في علم الأنثربولوجيا هذا الوضع بالقول (اليمن هو القبائل والقبائل هي اليمن) وهذا الوصف وإن كان يبدو مخلاً في بساطته إلا أنه يحمل الكثير من الحقيقة عن الدولة والمجتمع في اليمن، فالقبيلة هي المؤسسة الأكثر وضوحاً، كما أن شخصياتها وقوانينها وأعرافها تبدو أكثر أهمية وأوسع نفوذاً من مؤسسات وشخصيات وقوانين الدولة ذاتها، وحتى الآن لم تستطع الدولة التخلص من القبيلة كمؤسسة منافسة ومؤثرة كل التأثير عليها، كما عجز التحديث عن تقليص القبيلة والعقلية القبلية التي تعوق الاندماج السياسي، والتحديث الاجتماعي.

::/introtext::
::fulltext::

مازال للقبلية  اليد الطولى في الحياة السياسية اليمنية، ويصف بعض الباحثين في علم الأنثربولوجيا هذا الوضع بالقول (اليمن هو القبائل والقبائل هي اليمن) وهذا الوصف وإن كان يبدو مخلاً في بساطته إلا أنه يحمل الكثير من الحقيقة عن الدولة والمجتمع في اليمن، فالقبيلة هي المؤسسة الأكثر وضوحاً، كما أن شخصياتها وقوانينها وأعرافها تبدو أكثر أهمية وأوسع نفوذاً من مؤسسات وشخصيات وقوانين الدولة ذاتها، وحتى الآن لم تستطع الدولة التخلص من القبيلة كمؤسسة منافسة ومؤثرة كل التأثير عليها، كما عجز التحديث عن تقليص القبيلة والعقلية القبلية التي تعوق الاندماج السياسي، والتحديث الاجتماعي.

وتقدر إحدى الإحصائيات عدد القبائل اليمنية بـ (200) قبيلة، وتوزعها تشطيريًّا فتحدد عدد قبائل الشطر الشمالي (سابقًا) بـ (168) قبيلة، منها (141) تقطن المناطق الجبلية، و (27) قبيلة في مناطق تهامة الساحلية أما قبائل الشطر الجنوبي (سابقًا) فتم تقديرها بـ (25) قبيلة، وبالرغم من تفاوت حجم ونفوذ تلك القبائل إلا أن القبيلة في اليمن ظلت – على مر التاريخ – تمثل كياناً إجتماعيّاً وسياسيًّا واقتصاديًّا مؤطراً بخصوصيات استقلالية وسيادية تدافع عنها بكل ما تمتلكه من أسلحة وقيم حربية، ورجال مدربة، وموارد مالية، فلدى كل قبيلة من هذه القبائل ميليشياتها العسكرية الخاصة بها والمسلحة بكميات من الأسلحة التي يعُتقد أنها أكبر مما لدى الجيش النظامي نفسه، وحسب  تقديرات لوزارة الداخلية فإن لدى هذه القبائل أكثر من 100 ألف مقاتل مسلحين بحوالي 11 مليون قطعة سلاح، تتراوح بين الأسلحة الخفيفة  والأسلحة الثقيلة كراجمات الصواريخ، فضلاً عما تحظى به، من مركز قبلي عام يؤهلها للدخول في صداقات، وأحلاف مع غيرها من قبائل الجوار، وهو الأمر الذي لم يكن بوسع أية قوة سياسية – تتولى حكم اليمن- تجاهله، أو التقليل من خطورته على مستقبل الدولة، ولعل من أوضح الصور التي تكشف حجم نفوذ وتأثير القبائل في الدولة الواقعة التي اصطدم بها محسن العيني – رئيس الوزراء آنذاك- مع المشائخ، إذ أنه عندما وجد الدولة تشهر إفلاسها التام بادر في الثاني من فبراير 1971م إلى إصدار قرار يلغي موازنات القبائل والصروف والأرتاب، لكنه لم يصمد بعد ذلك بمركزه طويلاً، حيث أن ردود الأفعال الحادة التي ترتبت عن قراره دفعته في الثالث والعشرين من نفس الشهر، والعام إلى تقديم استقالته- أي أن الدولة تنازلت عن إرادتها السياسية لصالح مصالح القبائل المحدودة!.

 وإذا كانت السياسة التي حاولت الحكومة اليمنية فرضها على الواقع القبلي من خلال محاولتها الحد من الروابط العشائرية والقضاء عليها كخطوة أولى لدفع المجتمع إلى قيم جديدة، قد تلاشت ولم تحقق أي نجاح، فإن القبيلة في المقابل بدأ نفوذها في الصعود بحيث أصبحت العلاقة التي تربط المناطق القبلية بالإدارة المركزية للدولة علاقة ضعيفة وتكاد تكون غير موجودة في بعض المناطق، وحتى بالنسبة للمناطق التي توجد فيها سلطات الدولة فهي شكلية حيث لا تزال السلطة السياسية والإدارية تتركز في أيدي مشايخ القبائل في تلك المناطق، ولذلك فإن المسئولين الحكوميين في هذه المناطق يعتمدون في تصريف مهامهم الوظيفية على مساعدة المشايخ لهم، وخاصة إذا ما كان هؤلاء المسئولين قد تم تعيينهم من غير أبناء المنطقة حيث أنه في الغالب يتم اختيار المسئولين الحكوميين من بين أبناء هذه المناطق، كما أن حفظ الأمن والاستقرار والتوازن السياسي بين القبائل والأقسام التي يتكون منها المجتمع القبلي يقوم على نظام المسئولية والجزاء بالطرق العرفية القبلية.

وعلى أية حال، فإن النفوذ الذي تتمتع به القبائل في اليمن على حساب سلطة الدولة المركزية كان أحد الأسباب في بروز بعض مظاهر العنف السياسي ،مثل:

1- تدمير مرافق الدولة الحيوية: من الأمثلة على ذلك أن قبائل “وائلة” الحدودية قامت بنسف علامات حدودية مستجدة في جبال الصوح، شمال منطقة الفرع التابعة لقبيلة وائلة، والتي كانت نفذتها الشركة المكلفة بترسيم الحدود بين اليمن والسعودية، وفقا لمعاهدة جدة الحدودية الموقعة بين البلدين في 12 يونيو 2000، وجاء ذلك اعتراضًا على مرورها في عمق أراضيها القبلية، وهو ما رفضته القبيلة قطعيًا منذ توقيع هذه المعاهدة، وطالبت مرارًا بتغيير الخط الحدودي بعيدًا عن أراضيها، حتى لا يجزئ أراضيها وأبناءها إلى شطرين، أحدهما في الأراضي اليمنية والآخر تحت السيادة السعودية، وما يسببه ذلك من الإسهام في إضعاف قوة القبيلة. ومن الأمثلة الأخرى أيضاً تورط بعض القبائل في ظاهرة تفجيرات أنابيب النفط، حيث وصل عددها في الفترة من 1995 وحتى نهاية العام 2001  إلى 66 تفجيراً.

2- ظاهرة الثأر القبلي: تشكل قلقاً واسعاً للسلطات الأمنية والسياسية في البلاد، وتعتبر من الظواهر المستعصية على الحل، وخصوصًا أنها في تنام مستمر مع كل سنة تمر من دون حل جذري، رغم أن كثيراً من المراقبين كان يراهن على إنهائها خاصة بعد قيام دولة الوحدة وانتهاء الحرب الأهلية الأخيرة عام 1994، إلا أنها نمت في شكل كبير جداً، فقد صارت مشاهد الخلافات والنزاعات الطويلة والمتوارثة الفردية والجماعية وما ينجم عنها  من خسائر في استمرار سقوط الضحايا وفقدان الممتلكات واتساع دائرة الانتقام من المشاهد المرتبطة بعمليات الثأر في البلاد.

و من أهم أسباب انتشار ظاهرة الثأر هو انتشار الأسلحة في أوساط المجتمع اليمني، وسهولة الحصول عليها من أقرب سوق، وعدم حسم القضايا الخاصة بالثأر إلى جانب عدم وجود أجهزة أمنية قوية قادرة على تنفيذ الأحكام الشرعية الصادرة من المحاكم، إضافة إلى ضعف الوازع الديني وضعف التمسك بأعراف وتقاليد القبيلة وظاهرة انتشار المؤاخاة (الرباعة) ما يسمح لمرتكب جريمة القتل عمداً أن ينجو من جريمته والهروب للاحتماء بقبيلة أخرى، كما أن التنازع على الحدود بين القبائل وملكية الأراضي والاستيلاء عليها من قبل الطامعين تعتبر من أهم أسباب الثأر وكذا انتشار أمراض الرشوة ما يتسبب في إيجاد مخارج في الحكم يستفيد منها مرتكب جريمة القتل العمد أو منفذ جريمة الثأر أثناء التطويل في التقاضي وغيرها من الأسباب.

ويرى مراقبون للمشهد القبلي في اليمن ى أن الإشكالية الكبيرة التي تواجه مساعي القضاء على الثأر تكمن في قضيتين رئيسيتين: الأولى الكم الهائل من السلاح الذي يتوافر في أيدي المواطنين: قبائل وغير قبائل. والثانية: القضاء الذي يبدو مشلولاً في معالجة هذه القضية، أما في المناطق التي يسيطر عليها رجال القبائل فإن السلاح يكاد يكون متوفراً أكثر من الطعام، ولهذا فإن التجارة به تعتبر من التجارات الرابحة في البلاد، بخاصة في هذه المناطق، ويؤكد عدد من المهتمين أن القضاء على ظاهرة الثأر لا يمكن أن يتم من دون أن يجري تطبيق القانون في كل المناطق والابتعاد عن التمسك بالأعراف التي تقدم علاجات مسكنة لا تلبث أن تستيقظ روح الثأر من جديد والتي تحصد مئات القتلى والجرحى كل عام.

3- ظاهرة اختطاف السياح والدبلوماسيين الأجانب: وتعتبر الأبرز في أعمال العنف السياسي التي شهدتها البلاد منذ تسعينات القرن الماضي وحتى العام 2001، حيث تورطت بعض القبائل في عمليات خطف عديدة، كاختطاف الملحق الإعلامي الأمريكي (ماهوني) عام 1993،  واختطاف سكرتير أول السفارة الفرنسية بصنعاء واحتجازه كرهينة في محافظة مأرب عام 1999 على يد إحدى فروع قبيلة (جهم)، واختطاف السفير البولندي بصنعاء (كريستوف سوبروفيتش) في مارس 2000 بواسطة مسلحين من قبيلة القيري وهي فرع من قبائل خولان.

وبصورة عامة فقد وصل إجمالي عدد المختطفين خلال الفترة من 93 وحتى عام 2001م إلى ما يقارب (316) شخصاً ينتمون إلى 22 دولة واحتلت فرنسا الصدارة في اختطاف 89 من رعاياها منهم 78 سائحاً و8 خبراء و 3 دبلوماسيين وجاءت في المرتبة الثانية جمهورية ألمانيا الاتحادية بواقع (76) مختطفاً ثم بريطانيا (37) منهم 26 سائحاً و8 خبراء و3 دبلوماسيين وفي المرتبة الرابعة (إيطاليا (24) مختطفاً والولايات المتحدة 22 وهولندا 22 و6 بلجيكيين ومثلهم سويسريون وصينيون و5 بولنديين و4 روس و3 كوريين ومثلهم كنديون و3 يابانيون وأستراليان اثنان وأسبانيان وخبير أوكراني وبلغاري وهندي ونرويجي وسويدي.

والسمة المشتركة في عمليات الاختطاف السابقة أنها كانت تهدف بالأساس إلى الضغط على الحكومة لتلبية بعض المطالب الاجتماعية والاقتصادية، وأحياناً الشخصية،  ففي أول حادثة اختطاف في اليمن كانت في عام 1992 وكان الضحية كنديًا، وكان مطلب الخاطفين في ذلك الوقت أن تعاقب الحكومة قتلة رجلين من القبائل، وكانت أهم المطالب الخاصة التي أعلنها المختطفون للدبلوماسي الفرنسي في عام 1999هي تعيين أبناء القبيلة بالمناصب المهمة في محافظة مأرب، كذلك إعلان بعض المطالب الاجتماعية الخاصة بطلب تعويضات مالية كبيرة من الحكومة إثر تعرض المنطقة للسيول بالإضافة إلى بعض المطالب الخاصة بتخفيف الأعباء الاقتصادية.

وتتركز أغلبية مطالب الخاطفين خاصة في المناطق النائية، والقرى الوعرة والأماكن الجبلية أو الصحراوية الصغيرة في مطالب شخصية مثل إطلاق سجناء أدينوا بتهم جنائية من قبل السلطات، ومنح  رتب عسكرية للخاطفين وأقاربهم، وبوظائف عامة، والبعض يذهب أيضًا إلى المطالبة بفدية مالية لإطلاق الرهائن  .

4-  ظاهرة العنف القبلي أثناء الانتخابات: من المفارقات المثيرة في المشهد اليمني  أن (إعلان الحضور القبلي) عادة ما يتخذ طابع العنف في الممارسة الانتخابية، ففي فبراير 2001 وقعت واحدة من أعنف الانتخابات دموية وتوتراً بسبب المواجهات المسلحة التي حدثت في أكثر من منطقة محتقنة بالمسلحين، وراح ضحية العنف في هذه الانتخابات حوالي (عشرين) شخصا وجرح آخرون.

وعادة ما تنتقل الخلافات من نزاع حول الترشيح والانتخابات إلى ثأر وخصام بين الأسر والقرى والقبائل في بعض مناطق اليمن، ويعتبر المراقبون أن قوّة أهم حزبين سياسيين في اليمن (المؤتمر والإصلاح) ترجع بالأساس إلى (قوتهما القبلية).، حيث يعتمدان  على قاعدة عريضة من كبار المشايخ وزعماء القبائل، وهذه القوّة القبلية كانت دافعاً كذلك إلى منح الحزبين قوتين أخريين لا تقلان أهمية، وهما القوّة العسكرية والقوة الدينية، على أساس أن القبيلة بمعناها السوسيولوجي تؤكد على رابطة المذهب والدين.

 وهذه القوة القبلية تؤثر على العملية الديموقراطية، ليس فقط من حيث أعمال العنف والثأر، وإنما كذلك من حيث أنها تجعل الحزبين الأهم في البلاد يقتسمان المراكز الانتخابية، من دون أي جديد فيما يتعلق بأي حزب آخر ليس له تمثيل قبلي مثالي، الأمر الذي يجعل من المناسبات السياسية في اليمن استعراضا للقوى القبلية، التي تمنح القوة للعسكر والساسة وكبار المتنفذين في البلد، وقد تتحول إلى أعمال عنف في كثير من الأحيان.

لقد استفحلت مسألة القبلية بشدة وتغلغلت في أوساط المجتمع اليمني، وباتت مؤسسة اجتماعية وسياسية بل وعسكرية لها قوانينها وأعرافها التي تفرض على السلطة المركزية ذاتها ضرورة احترامها، وانعكس ذلك بالسلب على الأمن والاستقرار الداخليين، وذلك لأسباب عدة  في مقدمتها:

1 -إن بروز القبلية جعل تاريخ اليمن سلسلة من الصراعات والحروب الأهلية المستمرة بين قبائل اليمن الرئيسية الثلاث وهي قبيلة فدحج” وتوجد في وسط اليمن وهي أكبر القبائل وأكثرها عدداً، وقبيلة (حاشد) في الشمال، وقبيلة (بكيل) في الجنوب، وقد اتسمت العلاقة بين قبائل حاشد وقبائل بكيل بالعداء الشديد عبر العقود بل القرون المتعاقبة. ومما زاد من حدة هذه الصراعات أن الشعب اليمني شعب مسلح ومحارب قوي البأس.

2- حالت القبلية، لفترة طويلة من الزمن، دون تكوين دولة وطنية يمنية بالمعنى العصري المتعارف عليه، لأن ولاء الفرد اليمني ،وخاصة في الشمال، هو لقبيلته أولاً، يرجع ذلك إلى أن قبيلته هي التي تحميه حتى ضد الدولة، حيث استطاعت بعض القبائل أن تحمي بعض أفرادها وتمنع السلطات الحكومية من القبض عليهم بسبب جرائم ارتكبوها بل ودخلوا مع السلطة في صراعات دامية طويلة من أجل ذلك، لأن لكل قبيلة سلاحها و ميلشياتها العسكرية الخاصة بها لدرجة أنه يقال أن هناك مطارات داخلية تمتلكها بعض القبائل اليمنية على الرغم من عدم وجود طائرات لديها، كما أن كمية السلاح الذي تمتلكه القبائل في اليمن أكبر حجمًا مما لدى الجيش النظامي نفسه وتجارة السلاح في اليمن تجارة مشروعة وعادية.

 3- أدت القبلية إلى ضعف الحكومة المركزية وزعزعة استقرارها إلى حد انعدام العلاقة التي تربط بين المناطق القبلية والإدارة المركزية للدولة في بعض المناطق وخاصة في الشمال، بل ووصل تصاعد نفوذ القبيلة وقوتها في اليمن إلى الحد الذي يسبب العجز للسلطات الحكومية في السيطرة على تطورات الأوضاع في حالة انفجار أي من المواقف الخلافية أو الصراعات داخل القبيلة أو بين القبائل والسلطـات الإدارية أو الأمنية.

وحتى بالنسبة للمناطق التي توجد فيها السلطة المركزية فإن سلطاتها غالبًا ما تكون صورية إلى حد كبير وتتركز السلطات السياسية والإدارية في أيدي مشايخ القبائل، ولذلك فإن المسئولين الحكوميين غالباً ما يعتمدون على هؤلاء المشايخ في إدارة شئون المناطق القبلية، وتحرص الحكومة المركزية علي مراعاة التوازنات القبلية في التعيين في المناصب العامة والحساسة في الدولة، كما يحظى مشايخ القبائل بنفوذ كبير لدى الحكومة المركزية .

وقد عارضت القبائل اليمنية في الشمال فكرة الوحدة بين شطري اليمن والتي تمت في 22 مايو 1990، وذلك لرغبتها في الاستقلال عن الدولة وميلها الشديد (إلى الحكم الذاتي) بعيداً عن السلطة المركزية، وقد أفصح الرئيس اليمني علي عبد الله صالح عن هذه المعارضة وقال: (إن مشايخ القبائل في الشمال أرسلوا له عدة رسائل يحذرونه فيها من مشروع الوحدة مع اليمن الجنوبي وذلك خوفًا على ضياع نفوذهم في ظل حكومة مركزية قوية)، حتى أنهم اقترحوا عام 1982 تشكيل جيش شعبي من رجال القبائل لقتال اليمن الجنوبي، حيث وجدت هذه القبائل في العداء بين اليمن الجنوبي والشمالي والخلاف الأيديولوجي بينهما فرصة لتقوية مركزها علي حساب السلطة المركزية التي ترتبط قوتها بعلاقة عكسية مع قوة القبائل.ونظراً لقوة القبائل في اليمن فإن الحكومة تتعامل معها بحذر شديد وتحرص على عدم الاصطدام بها خاصة وأن معظم السياسيين وأصحاب المناصب العليا هم أصلاً زعماء لقبائل قوية يستمدون منها القوة والحماية والنفوذ.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه اليمن هو محاولة التغلب على استفحال القبلية، وإعادة بسط سيطرتها ونفوذها على مختلف مناطق الدولة، وإذا ما أرادت الحكومة اليمنية التعامل بشكل جدي مع هذه المعضلة المعقدة أن تقوم بمراجعة شاملة للكثير من سياساتها الداخلية الحالية والتي تسمح باللعب على الوتر الطائفي والقبلي، مما يزيد الطين بلة ويسهم في تعميق الأزمة الأمنية والتنموية الحقيقية التي يعيشها اليمن.

::/fulltext::
::cck::3392::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *