مفهوم الأمن الإنساني وأمن دول مجلس التعاون الخليجي
::cck::3433::/cck::
::introtext::
شهدت منطقة الخليج خلال العقود الثلاثة الماضية مجموعة كبيرة من التطورات، التي فرضت تداعيات خطيرة على أمن المنطقة، بحيث أصبح التحدي الأمني هو أبرز التحديات التي تواجهها دول المنطقة. وبوجه عام تقدم منطقة الخليج نموذجاً لما يطلق عليه الأمن المعقد (Complex Security)، ويقصد بمفهوم الأمن المعقد أنه في إقليم جغرافي ما، فإن التزايد في درجة الاعتماد المتبادل بين دول الإقليم من شأنه إيجاد وفرض تأثيرات أمنية متبادلة بين دول الإقليم، وهذه التأثيرات لا تقتصر على الأمن العسكري فحسب، بل تشمل قضايا الأمن الاقتصادي والبيئي والمجتمعي. وفي ظل هذا النموذج الأمني المعقد فإن مواجهة القضايا الأمنية تتطلب تعاوناً إقليمياً مع ضرورة تبني اقتراب أمني شامل.
::/introtext::
::fulltext::
شهدت منطقة الخليج خلال العقود الثلاثة الماضية مجموعة كبيرة من التطورات، التي فرضت تداعيات خطيرة على أمن المنطقة، بحيث أصبح التحدي الأمني هو أبرز التحديات التي تواجهها دول المنطقة. وبوجه عام تقدم منطقة الخليج نموذجاً لما يطلق عليه الأمن المعقد (Complex Security)، ويقصد بمفهوم الأمن المعقد أنه في إقليم جغرافي ما، فإن التزايد في درجة الاعتماد المتبادل بين دول الإقليم من شأنه إيجاد وفرض تأثيرات أمنية متبادلة بين دول الإقليم، وهذه التأثيرات لا تقتصر على الأمن العسكري فحسب، بل تشمل قضايا الأمن الاقتصادي والبيئي والمجتمعي. وفي ظل هذا النموذج الأمني المعقد فإن مواجهة القضايا الأمنية تتطلب تعاوناً إقليمياً مع ضرورة تبني اقتراب أمني شامل.
وحظي مفهوم أمن الخليج بجدل أكاديمي واسع النطاق ارتكز حول الصيغة الأنسب التي يجب أن تكون أساس ومحور السياسة الأمنية الخليجية، وهو ما يتبدى في سياق وجود قدر كبير من التباين بين الرؤى المطروحة خاصة الرسمية حول سبل تحقيق أمن الخليج. وبوجه عام يبرز التباين في سياق أكثر من محور يتمثل أولها في الأطراف الدولية محور السياسة الأمنية، بحيث هل يقتصر أمن الخليج على أمن دول مجلس التعاون الخليجي فقط، أم يتسع ليشمل أطرافاً إقليمية أخرى وخاصة إيران؟
ويتمثل المحور الثاني في دور الأطراف الخارجية وذلك في ظل وجود معارضة من قبل بعض الأطراف الإقليمية وكذلك بعض العناصر من داخل دول مجلس التعاون الخليجي لوجود دور للأطراف الدولية في تحقيق أمن الخليج بحيث تصبح الإشكالية هي هل أمن الخليج مسؤولية تقع على كاهل دول الخليج فقط، أم أن هناك ضرورة لوضع الخليج في قلب الاستراتيجيات الأمنية العالمية بحيث يصبح الحديث عن الدور الأوروبي والدور الأمريكي في تحقيق أمن الخليج؟
أما المحور الثالث فيتجسد بشكل خاص في إشكالية الأولويات المتناقضة، أو أمن الخليج بين الاعتبارات التقليدية والاعتبارات الإنسانية، إذ تعاني دول مجلس التعاون الخليجي من مجموعة كبيرة من مصادر التهديد غير التقليدية وبالإضافة إلى التهديدات الأمنية التقليدية، والتي تتطلب مواجهتها تبني اقتراب أمني مغاير بحيث يصبح أمن الفرد هو محور السياسة الأمنية الداخلية والإقليمية سواء كانت سياسة اقتصادية أو أمنية أو سياسية.
ودون الدخول في كافة تفاصيل هذا الجدل، فإن كافة التطورات تشير إلى ضرورة إقامة نظام أمني إقليمي جديد في منطقة الخليج يأخذ في الحسبان كافة التحولات التي شهدتها منطقة الخليج في الآونة الأخيرة. وعند هذه النقطة ربما يكون من الملائم التطرق إلى مفهوم الأمن الإنساني ودلالته لأمن دول مجلس التعاون الخليجي. وبالتطرق إلى مفهوم الأمن الإنساني في منطقة الخليج، نجد أن المفهوم لم يطرح بعد، إلا أنه في سياق الحديث عن بناء نظام إقليمي أمني في المنطقة فمن الضروري إيجاد إطار ملائم يمكن من خلاله التوفيق بين اعتبارات الأمن الإنساني واعتبارات الأمن القومي والإقليمي.
وتتمثل أهمية دراسة مفهوم الأمن الإنساني في دول مجلس التعاون الخليجي في أمرين:
الأول: يتمثل فيما تعانيه شعوب المنطقة من مشكلات أمنية غير تقليدية يتطلب التعامل معها تبني اقتراب أمني مغاير للاقتراب التقليدي للأمن والقائم على أن مصادر تهديد أمن الدولة هي مصادر تهديد خارجية ذات طبيعة عسكرية، ويتطلب التعامل معها التركيز على الأداة العسكرية فحسب، وأن تحقيق أمن الدولة يضمن بالضرورة تحقيق أمن كل ما بداخلها، وما يتطلبه ذلك من التركيز على الانفاق على القضايا العسكرية كمخرج لمواجهة التهديدات الأمنية، إلا أن تحولات البيئة الأمنية في فترة ما بعد الحرب الباردة كشفت عن عدم ملائمة الاقتراب التقليدي للأمن لتقديم تفسيرات أمنية ملائمة، فقد جاء تطور مفهوم الأمن الإنساني في فترة ما بعد الحرب الباردة على المستوى الأكاديمي في محاولة لتعميق مفهوم الأمن الواقعي، وذلك بإضافة الأفراد كوحدات تحليل بديلة عن الدولة، بحيث يصبح تحقيق أمن الأفراد محور السياسة العالمية وهو ما جاء بالأساس انعكاسا لمجموعة كبيرة من التحولات التي كشفت عن عمق وخطورة مصادر تهديد أمن الأفراد وعدم ملاءمة الاقتراب التقليدي للأمن لتحديد السبل الكفيلة بتحقيق الأمن الإنساني في القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا السياق، وفي ظل ما تعانيه الدول الخليجية من مشكلات أمنية غير تقليدية ومن بينها المشكلات البيئية وانتشار الجريمة المنظمة والفساد وغيرها، فإن الدول الخليجية، وفي صدد الحديث عن بناء نظام أمني إقليمي خليجي متكامل، فإن القضايا الإنسانية وقضايا الأمن الإنساني لا بد أن تناقش في ظل ما تفرضه من تحديات خطيرة وما يتوقع أن يكون لها من انعكاسات خطيرة في المستقبل.
أما الأمر الثاني فيتجسد في طبيعة مفهوم الأمن الإنساني ذاته، إذ إن بروز المفهوم في فترة ما بعد الحرب الباردة لم يقتصر على المجال الأكاديمي فحسب، إذ أعلنت بعض الدول والمنظمات عن تبني مفهوم الأمن الإنساني على المستوى الإجرائي من خلال الإعلان عن الالتزام بمفهوم الأمن الإنساني كأساس للسياسات الداخلية أو الخارجية، وهو ما جاء من خلال تبني المفهوم من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول مثل كندا واليابان، كما تبنت بعض المنظمات غير الحكومية المفهوم وهو ما برز من خلال المبادرة الإفريقية للأمن الإنساني. وهو ما يضع بعض علامات الاستفهام حول طبيعة المفهوم والهدف من طرحه وتوقيت طرحه، إذ يتناقض المفهوم وجوهره تحقيق أمن الأفراد، واتخاذ الفرد كمحور والهدف من أي سياسة أمنية، مع بنية النظام الدولي في فترة ما بعد الحرب الباردة التي أفرزت هذا المفهوم وذلك في ظل هيمنة دولة واحدة وسعيها لفرض منظومة مفاهيمية تقوم بالأساس على الهيمنة والحروب الاستباقية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى تحت مسميات إنسانية مع السعي لتهميش الأمم المتحدة. ففي ظل هذا النظام الدولي كيف يمكن الحديث عن تحول في المنظور الأمني نحو التركيز على تحقيق أمن الأفراد؟
وعلى هذا الأساس، سنحاول فيما يلي إلقاء الضوء على ما هو المقصود بمفهوم الأمن الإنساني ودلالته لأمن دول مجلس التعاون الخليجي:
وجهت طبيعة وظروف الحرب الباردة الدراسات الأكاديمية، بحيث ركزت الدراسات الأكاديمية خلال فترة الحرب الباردة على دراسة قضايا الأمن بمعناه التقليدي، إذ انصب التركيز بالأساس على كيفية تجنب حرب نووية، بحيث مثل الحديث عن الأمن الإنساني خلال تلك الفترة نوعاً من الرفاهية الفكرية. فقرار أي من الدولتين بالبدء في حرب نووية قد يترتب عليه عدم وجود الإنسان حتى يتم الحديث عن أمنه. ومع نهاية الحرب الباردة، كانت هناك آمال بعهد جديد من السلم والأمن تعيشه الشعوب، إلا أنه ما لبثت أن كشفت تلك التحولات عن عمق مشكلات الأمن الإنساني التي يعانيها المجتمع الدولي، وهو ما مثل دافعاً أمام بعض الباحثين للاهتمام بقضايا ومصادر تهديد أمن الأفراد من مشكلات بيئية، وقضايا اللاجئين وغيرها. ويتسم مفهوم الأمن الإنساني بقدر من الغموض خاصة في ظل تداخله مع بعض المفاهيم الأخرى، كما أنه لا يوجد اتفاق بين الباحثين حول طبيعة المفهوم، فهناك من يطرح مفهوماً شديد الاتساع ليشمل كل ما يهدد أمن الأفراد، في حين أن هناك من يركز على أبعاد محددة مثل البعد السياسي متمثلاً في الحماية في حالات النزاعات المسلحة، كما يوجد فريق ثالث يتبنى اقتراباً تنموياً لمفهوم الأمن الإنساني من خلال التركيز على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للمفهوم عن طريق العمل على مواجهة تحديات الأمن الإنساني بالتركيز على التعليم ومحاربة الفقر. وعلى هذا الأساس، فإن التعامل مع مفهوم الأمن الإنساني، وفي ضوء ما يواجهه أمن الأفراد من تحديات خطيرة سواء نتجت عن كوارث طبيعية أو لعوامل اقتصادية أو حتى إذا كانت الدولة ذاتها مصدراً لتهديد أمن الأفراد، يتطلب تبني اقتراب شامل للمفهوم أن يترك ترتيب الأولويات وفقاً لكل حالة على حدة، ففي حالات معينة تصبح الأولوية للتركيز على الأبعاد السياسية للمفهوم وذلك في حالات الصراعات المسلحة والحروب على أن يركز في مرحلة لاحقة على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للمفهوم.
من ناحية ثانية، يتمثل جوهر مفهوم الأمن الإنساني في الإصلاح المؤسسي وذلك من خلال العمل على إصلاح المؤسسات الأمنية التقليدية مثل الشرطة على سبيل المثال، وكذلك إنشاء مؤسسات أمنية جديدة كفيلة بتحقيق أمن الأفراد. وعلى هذا الأساس فإن ما يميز بين مفهوم الأمن الإنساني ومفهوم حقوق الإنسان، أنه بينما يركز مفهوم حقوق الإنسان على الأطر القانونية، فإن مفهوم الأمن الإنساني يرتكز بالأساس على الإصلاح المؤسسي وذلك في ضوء ما أصبح مشاهدا من ميل الدول لتغليب الاعتبارات السياسية على الاعتبارات الإنسانية في التعامل مع القضايا ذات الطابع الإنساني.
مفهوم الأمن الإنساني ودلالته لأمن دول مجلس التعاون الخليجي
تعد اليابان وكندا من أبرز الدول التي طرحت مفهوم الأمن الإنساني، كما طرح الاتحاد الأوروبي المفهوم نفسه. وبالنظر إلى المشترك بين الرؤى الثلاث المطروحة حول مفهوم الأمن الإنساني يتضح أنها رؤى موجهة للخارج بالأساس، وعلى الرغم من أن اليابان ركزت على الشق التنموي لمفهوم الأمن الإنساني من حيث التركيز على حماية الأفراد من حالات الفقر وظروف الحرمان الاقتصادي، إلا أن كلا من كندا والاتحاد الأوروبي ركزا على البعد السياسي للمفهوم متمثلاً في الحماية في حالات النزاعات المسلحة مع التركيز على اقتراب محدد وهو التدخل الدولي الإنساني وذلك كأداة لتحقيق الأمن الإنساني.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تعلن عن تبني المفهوم رسمياً أو حتى من خلال المؤسسات البحثية حتى الآن، ربما لانشغال المؤسسات البحثية الأمريكية الضالعة في صنع قرار السياسة الخارجية بصياغة مجموعة من المفاهيم التي تهدف من خلالها إلى الهيمنة الفعلية، فمن المحتمل بشدة أن يصبح مفهوم الأمن الإنساني مفهوماً مرشحاً للاستخدام من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي سياق استخدام المفاهيم في الوقت الحالي كأدوات للتفاوض من خلال طرح معان مزدوجة للمفاهيم وبما يحقق مصالح القوى الكبرى، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تضغط الآن على الدول الخليجية من خلال مفاهيم الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، وربما يكون مفهوم الأمن الإنساني هو المفهوم التالي والمرشح بقوة في هذا الصدد. والأكثر خطورة من ذلك أنه من الممكن وفي سياق الربط بين مفهوم الأمن الإنساني والتدخل الدولي أن يكون هناك تدخل في أي من الدول بحجة العمل على تحقيق الأمن الإنساني داخلياً.
ومن هذا المنطلق، فإن الدول الخليجية في الوقت الحالي عليها التمييز بين أمرين الأمر الأول هو استخدام مفهوم الأمن الإنساني كأداة من قبل الدول الغربية للتدخل في شؤون الدول الخليجية، وهو ما يتطلب وعياً بهذا الأمر وإدراكاً لكافة أبعاده في التفاوض مع الغرب، وهذا الأمر يستلزم أن يكون للدول الخليجية دور في صياغة المفهوم، فالمفهوم لا يزال في طور التشكيل، ومن ثم فالمؤسسات البحثية الخليجية بحاجة إلى المساهمة في بلورة المفهوم حتى لا تنتظر أن يتبلور المفهوم بصورة كاملة ثم يفرض عليها. أما الأمر الثاني فيتعلق بالتعامل مع مشكلات الأمن الإنساني، فرفض المفهوم كأداة للسيطرة الغربية على مختلف دول العالم لا يعني رفض التعامل مع المفهوم على المستوى الداخلي وذلك من خلال التركيز على حالات غياب الأمن الإنساني وإصلاح المؤسسات الأمنية بما يجعلها قادرة على مواجهة تحديات الأمن الإنساني، كما أن رفض المفهوم كأداة استراتيجية مطروحة من الغرب لتحقيق مكاسب استراتيجية لا يعني رفض التعامل معه على المستوى الداخلي، فالدول الخليجية بحاجة إلى إعادة قراءة للمفهوم في سياق ما سلفت الإشارة إليه، والعمل على الاستفادة من المفهوم دون أن يكون بالضرورة أداة للهيمنة والسيطرة.
وبذلك يصبح التساؤل هو كيف يمكن طرح إطار ملائم لتعامل دول المنطقة مع مفهوم وقضايا الأمن الإنساني؟ وفي واقع الأمر إن التوصل لمثل هذا الإطار يتطلب من دول مجلس التعاون الخليجي التحرك على أكثر من مستوى. فعلى المستويات المحلية لا تزال معدلات الإنفاق العسكري مرتفعة في دول المنطقة، كما أن الانخفاض في تلك النسب خلال عقد التسعينات من القرن العشرين لم يقابله ارتفاع في نسب الإنفاق على التعليم والصحة كنسب من الناتج المحلي الإجمالي.
كما أن هناك حاجة لدعم أنشطة المسار غير الرسمي في منطقة الخليج ممثلاً فيما يطلق عليه دبلوماسية المسار الثاني ودبلوماسية المسار الثالث وذلك في ظل الدور الذي يمكن أن تقوم به في مناقشة قضايا الأمن الإنساني في منطقة الخليج. وتتمثل دبلوماسية المسار الثاني وهو مسار غير رسمي وغير حكومي في أنشطة الباحثين والخبراء والتي تهدف إلى مساعدة صناع القرار عند صياغة سياستهم الأمنية من خلال تقديم المشورة. وذلك خلافاً لأنشطة المسار الأول وتتمثل في أنشطة المسار الرسمي الحكومي. أما أنشطة المسار الثالث أو دبلوماسية المسار الثالث فتتمثل في أنه نظراً للدور المتزايد الذي أصبحت تقوم به منظمات المجتمع المدني في حفظ السلم والأمن الدوليين فترة ما بعد الحرب الباردة، لذا تقوم دبلوماسية المسار الثالث على محاولة بناء صلة بين الحكومات والمجتمع المدني من خلال إنشاء لجنة مشتركة بين الدبلوماسيين والباحثين. ويتم هذا الدور من خلال مجموعة من المؤسسات البحثية المستقلة المعنية بدراسات السلم.
وفي منطقة الخليج بدأت أبرز أنشطة المسار الثالث في عام 1998 متمثلة في أنشطة الأمن الإنساني والحكم الرشيد في غربي آسيا، وذلك بمشاركة عدد كبير من المؤسسات البحثية العالمية والمعنية بقضايا أمن الخليج وقضايا الأمن الإنساني. وركز المشروع في مراحله الأولى على إجراءات بناء الثقة بين دول مجلس التعاون الخليجي من خلال تشكيل (اللجنة الدولية للأمن والتعاون في غربي آسيا) وتتكون اللجنة من باحثين ودبلوماسيين من دول مجلس التعاون الخليجي الست بالإضافة إلى إيران والعراق، وكذلك ممثلين من الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن، وممثل من الأمم المتحدة. وعقدت الجولة الأولى من أعمال اللجنة خلال الفترة من 6 – 7 مارس عام 1999 في اسطنبول، وعقدت الجولة الثانية خلال الفترة من 27-29 مايو عام 2000 في قبرص، وعقدت الجولة الثالثة في الدوحة خلال الفترة من 5 – 7 يناير عام 2001، وعقد الاجتماع الرابع للجنة في قبرص للمرة الثانية خلال الفترة 29-30 مارس عام 2002.
وتم الاتفاق خلال اجتماع الدوحة على اتخاذ الخطوات التمهيدية لإنشاء المعهد الإقليمي لغربي آسيا للحوار وذلك كمنظمة غير حكومية تهدف إلى تطوير الأمن والسلم بين دول غربي آسيا من خلال فتح قنوات الحوار، وتبادل التفاهم المشترك، وبناء الثقة بين شعوب المنطقة. وكذلك التعاون في ما يتعلق بقضايا الأمن الإنساني في المنطقة. إذ ارتكز الاجتماع على الحاجة الملحة لبناء نظام أمني إقليمي جديد في غربي آسيا يقوم على أسس السلم، والعدالة، والتقدم الاقتصادي، والديمقراطية السياسية، وحقوق الإنسان. ولهذا ركز الاجتماع على أن الوصول لهذا الأمر يتم من خلال دعم جهود التحول الديمقراطي.
وعلى هذا الأساس، يمكن أن يكون للمنظمات البحثية في منطقة الخليج دور مهم في مناقشة كافة أبعاد وجوانب مفهوم الأمن الإنساني والمشاركة بدور مهم في الجدل الدائر حول المفهوم في الوقت الحالي.
وعلى المستوى الإقليمي: فربما يكون من الملائم طرح فكرة إنشاء منتدى إقليمي للأمن الإنساني في إطار مجلس التعاون – الخليجي يهدف إلى دراسة ومناقشة قضايا الأمن الإنساني في المنطقة، وإعداد دراسات عن الآثار الاجتماعية المحتملة للعولمة في المنطقة، ووضع السبل الكفيلة بتجنب الآثار السلبية للعولمة. ومنها تأثير العولمة في الفقر وتدفقات الاستثمارات على المنطقة، وكذلك تأثيرها في العمالة الوافدة بالمنطقة، وغيرها من القضايا التي تهم المنطقة بحيث يكون المنتدى بمثابة هيكل تفاوضي يهدف إلى مناقشة تلك القضايا، والتوصل إلى توصيات تفيد صناع القرار.
كما يمكن طرح خطة للتعاون بين دول المجلس وبعض التجمعات الإقليمية الأخرى، والتي يمكن أن تشترك فيها دول المجلس كشركاء في الحوار لمناقشة قضايا الأمن الإنساني على غرار المنتدى الإقليمي لرابطة الآسيان. وكذلك فمن الضروري أن تشترك دول المنطقة في مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا حتى لا يكون هناك ترتيب إقليمي للأمن في آسيا لا تكون دول مجلس التعاون شريكة فيه، خاصة أن المؤتمر يهدف إلى طرح إجراءات بناء الثقة في آسيا.
وفي الأمم المتحدة، ربما يكون من الملائم مشاركة دول مجلس التعاون في أنشطة كل من لجنة الأمن الإنساني وصندوق الأمن الإنساني، ومن ذلك طرح دول مجلس التعاون الخليجي لاستضافة إحدى ندوات أو مؤتمرات أو ورش العمل التي تعقدها لجنة الأمن الإنساني، وكذلك المساهمة في تمويل أنشطة صندوق الأمن الإنساني، وهو ذلك الصندوق الذي أنشأته اليابان وتتولى تمويل أنشطته، ويهدف إلى المساهمة في تمويل الأنشطة ذات الأبعاد الإنسانية ومنها قضايا اللاجئين ومحاربة الفقر، بما يساهم بالنهاية في بلورة رؤية خليجية حول مفهوم الأمن الإنساني.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3433::/cck::
::introtext::
شهدت منطقة الخليج خلال العقود الثلاثة الماضية مجموعة كبيرة من التطورات، التي فرضت تداعيات خطيرة على أمن المنطقة، بحيث أصبح التحدي الأمني هو أبرز التحديات التي تواجهها دول المنطقة. وبوجه عام تقدم منطقة الخليج نموذجاً لما يطلق عليه الأمن المعقد (Complex Security)، ويقصد بمفهوم الأمن المعقد أنه في إقليم جغرافي ما، فإن التزايد في درجة الاعتماد المتبادل بين دول الإقليم من شأنه إيجاد وفرض تأثيرات أمنية متبادلة بين دول الإقليم، وهذه التأثيرات لا تقتصر على الأمن العسكري فحسب، بل تشمل قضايا الأمن الاقتصادي والبيئي والمجتمعي. وفي ظل هذا النموذج الأمني المعقد فإن مواجهة القضايا الأمنية تتطلب تعاوناً إقليمياً مع ضرورة تبني اقتراب أمني شامل.
::/introtext::
::fulltext::
شهدت منطقة الخليج خلال العقود الثلاثة الماضية مجموعة كبيرة من التطورات، التي فرضت تداعيات خطيرة على أمن المنطقة، بحيث أصبح التحدي الأمني هو أبرز التحديات التي تواجهها دول المنطقة. وبوجه عام تقدم منطقة الخليج نموذجاً لما يطلق عليه الأمن المعقد (Complex Security)، ويقصد بمفهوم الأمن المعقد أنه في إقليم جغرافي ما، فإن التزايد في درجة الاعتماد المتبادل بين دول الإقليم من شأنه إيجاد وفرض تأثيرات أمنية متبادلة بين دول الإقليم، وهذه التأثيرات لا تقتصر على الأمن العسكري فحسب، بل تشمل قضايا الأمن الاقتصادي والبيئي والمجتمعي. وفي ظل هذا النموذج الأمني المعقد فإن مواجهة القضايا الأمنية تتطلب تعاوناً إقليمياً مع ضرورة تبني اقتراب أمني شامل.
وحظي مفهوم أمن الخليج بجدل أكاديمي واسع النطاق ارتكز حول الصيغة الأنسب التي يجب أن تكون أساس ومحور السياسة الأمنية الخليجية، وهو ما يتبدى في سياق وجود قدر كبير من التباين بين الرؤى المطروحة خاصة الرسمية حول سبل تحقيق أمن الخليج. وبوجه عام يبرز التباين في سياق أكثر من محور يتمثل أولها في الأطراف الدولية محور السياسة الأمنية، بحيث هل يقتصر أمن الخليج على أمن دول مجلس التعاون الخليجي فقط، أم يتسع ليشمل أطرافاً إقليمية أخرى وخاصة إيران؟
ويتمثل المحور الثاني في دور الأطراف الخارجية وذلك في ظل وجود معارضة من قبل بعض الأطراف الإقليمية وكذلك بعض العناصر من داخل دول مجلس التعاون الخليجي لوجود دور للأطراف الدولية في تحقيق أمن الخليج بحيث تصبح الإشكالية هي هل أمن الخليج مسؤولية تقع على كاهل دول الخليج فقط، أم أن هناك ضرورة لوضع الخليج في قلب الاستراتيجيات الأمنية العالمية بحيث يصبح الحديث عن الدور الأوروبي والدور الأمريكي في تحقيق أمن الخليج؟
أما المحور الثالث فيتجسد بشكل خاص في إشكالية الأولويات المتناقضة، أو أمن الخليج بين الاعتبارات التقليدية والاعتبارات الإنسانية، إذ تعاني دول مجلس التعاون الخليجي من مجموعة كبيرة من مصادر التهديد غير التقليدية وبالإضافة إلى التهديدات الأمنية التقليدية، والتي تتطلب مواجهتها تبني اقتراب أمني مغاير بحيث يصبح أمن الفرد هو محور السياسة الأمنية الداخلية والإقليمية سواء كانت سياسة اقتصادية أو أمنية أو سياسية.
ودون الدخول في كافة تفاصيل هذا الجدل، فإن كافة التطورات تشير إلى ضرورة إقامة نظام أمني إقليمي جديد في منطقة الخليج يأخذ في الحسبان كافة التحولات التي شهدتها منطقة الخليج في الآونة الأخيرة. وعند هذه النقطة ربما يكون من الملائم التطرق إلى مفهوم الأمن الإنساني ودلالته لأمن دول مجلس التعاون الخليجي. وبالتطرق إلى مفهوم الأمن الإنساني في منطقة الخليج، نجد أن المفهوم لم يطرح بعد، إلا أنه في سياق الحديث عن بناء نظام إقليمي أمني في المنطقة فمن الضروري إيجاد إطار ملائم يمكن من خلاله التوفيق بين اعتبارات الأمن الإنساني واعتبارات الأمن القومي والإقليمي.
وتتمثل أهمية دراسة مفهوم الأمن الإنساني في دول مجلس التعاون الخليجي في أمرين:
الأول: يتمثل فيما تعانيه شعوب المنطقة من مشكلات أمنية غير تقليدية يتطلب التعامل معها تبني اقتراب أمني مغاير للاقتراب التقليدي للأمن والقائم على أن مصادر تهديد أمن الدولة هي مصادر تهديد خارجية ذات طبيعة عسكرية، ويتطلب التعامل معها التركيز على الأداة العسكرية فحسب، وأن تحقيق أمن الدولة يضمن بالضرورة تحقيق أمن كل ما بداخلها، وما يتطلبه ذلك من التركيز على الانفاق على القضايا العسكرية كمخرج لمواجهة التهديدات الأمنية، إلا أن تحولات البيئة الأمنية في فترة ما بعد الحرب الباردة كشفت عن عدم ملائمة الاقتراب التقليدي للأمن لتقديم تفسيرات أمنية ملائمة، فقد جاء تطور مفهوم الأمن الإنساني في فترة ما بعد الحرب الباردة على المستوى الأكاديمي في محاولة لتعميق مفهوم الأمن الواقعي، وذلك بإضافة الأفراد كوحدات تحليل بديلة عن الدولة، بحيث يصبح تحقيق أمن الأفراد محور السياسة العالمية وهو ما جاء بالأساس انعكاسا لمجموعة كبيرة من التحولات التي كشفت عن عمق وخطورة مصادر تهديد أمن الأفراد وعدم ملاءمة الاقتراب التقليدي للأمن لتحديد السبل الكفيلة بتحقيق الأمن الإنساني في القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا السياق، وفي ظل ما تعانيه الدول الخليجية من مشكلات أمنية غير تقليدية ومن بينها المشكلات البيئية وانتشار الجريمة المنظمة والفساد وغيرها، فإن الدول الخليجية، وفي صدد الحديث عن بناء نظام أمني إقليمي خليجي متكامل، فإن القضايا الإنسانية وقضايا الأمن الإنساني لا بد أن تناقش في ظل ما تفرضه من تحديات خطيرة وما يتوقع أن يكون لها من انعكاسات خطيرة في المستقبل.
أما الأمر الثاني فيتجسد في طبيعة مفهوم الأمن الإنساني ذاته، إذ إن بروز المفهوم في فترة ما بعد الحرب الباردة لم يقتصر على المجال الأكاديمي فحسب، إذ أعلنت بعض الدول والمنظمات عن تبني مفهوم الأمن الإنساني على المستوى الإجرائي من خلال الإعلان عن الالتزام بمفهوم الأمن الإنساني كأساس للسياسات الداخلية أو الخارجية، وهو ما جاء من خلال تبني المفهوم من قبل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول مثل كندا واليابان، كما تبنت بعض المنظمات غير الحكومية المفهوم وهو ما برز من خلال المبادرة الإفريقية للأمن الإنساني. وهو ما يضع بعض علامات الاستفهام حول طبيعة المفهوم والهدف من طرحه وتوقيت طرحه، إذ يتناقض المفهوم وجوهره تحقيق أمن الأفراد، واتخاذ الفرد كمحور والهدف من أي سياسة أمنية، مع بنية النظام الدولي في فترة ما بعد الحرب الباردة التي أفرزت هذا المفهوم وذلك في ظل هيمنة دولة واحدة وسعيها لفرض منظومة مفاهيمية تقوم بالأساس على الهيمنة والحروب الاستباقية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى تحت مسميات إنسانية مع السعي لتهميش الأمم المتحدة. ففي ظل هذا النظام الدولي كيف يمكن الحديث عن تحول في المنظور الأمني نحو التركيز على تحقيق أمن الأفراد؟
وعلى هذا الأساس، سنحاول فيما يلي إلقاء الضوء على ما هو المقصود بمفهوم الأمن الإنساني ودلالته لأمن دول مجلس التعاون الخليجي:
وجهت طبيعة وظروف الحرب الباردة الدراسات الأكاديمية، بحيث ركزت الدراسات الأكاديمية خلال فترة الحرب الباردة على دراسة قضايا الأمن بمعناه التقليدي، إذ انصب التركيز بالأساس على كيفية تجنب حرب نووية، بحيث مثل الحديث عن الأمن الإنساني خلال تلك الفترة نوعاً من الرفاهية الفكرية. فقرار أي من الدولتين بالبدء في حرب نووية قد يترتب عليه عدم وجود الإنسان حتى يتم الحديث عن أمنه. ومع نهاية الحرب الباردة، كانت هناك آمال بعهد جديد من السلم والأمن تعيشه الشعوب، إلا أنه ما لبثت أن كشفت تلك التحولات عن عمق مشكلات الأمن الإنساني التي يعانيها المجتمع الدولي، وهو ما مثل دافعاً أمام بعض الباحثين للاهتمام بقضايا ومصادر تهديد أمن الأفراد من مشكلات بيئية، وقضايا اللاجئين وغيرها. ويتسم مفهوم الأمن الإنساني بقدر من الغموض خاصة في ظل تداخله مع بعض المفاهيم الأخرى، كما أنه لا يوجد اتفاق بين الباحثين حول طبيعة المفهوم، فهناك من يطرح مفهوماً شديد الاتساع ليشمل كل ما يهدد أمن الأفراد، في حين أن هناك من يركز على أبعاد محددة مثل البعد السياسي متمثلاً في الحماية في حالات النزاعات المسلحة، كما يوجد فريق ثالث يتبنى اقتراباً تنموياً لمفهوم الأمن الإنساني من خلال التركيز على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للمفهوم عن طريق العمل على مواجهة تحديات الأمن الإنساني بالتركيز على التعليم ومحاربة الفقر. وعلى هذا الأساس، فإن التعامل مع مفهوم الأمن الإنساني، وفي ضوء ما يواجهه أمن الأفراد من تحديات خطيرة سواء نتجت عن كوارث طبيعية أو لعوامل اقتصادية أو حتى إذا كانت الدولة ذاتها مصدراً لتهديد أمن الأفراد، يتطلب تبني اقتراب شامل للمفهوم أن يترك ترتيب الأولويات وفقاً لكل حالة على حدة، ففي حالات معينة تصبح الأولوية للتركيز على الأبعاد السياسية للمفهوم وذلك في حالات الصراعات المسلحة والحروب على أن يركز في مرحلة لاحقة على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للمفهوم.
من ناحية ثانية، يتمثل جوهر مفهوم الأمن الإنساني في الإصلاح المؤسسي وذلك من خلال العمل على إصلاح المؤسسات الأمنية التقليدية مثل الشرطة على سبيل المثال، وكذلك إنشاء مؤسسات أمنية جديدة كفيلة بتحقيق أمن الأفراد. وعلى هذا الأساس فإن ما يميز بين مفهوم الأمن الإنساني ومفهوم حقوق الإنسان، أنه بينما يركز مفهوم حقوق الإنسان على الأطر القانونية، فإن مفهوم الأمن الإنساني يرتكز بالأساس على الإصلاح المؤسسي وذلك في ضوء ما أصبح مشاهدا من ميل الدول لتغليب الاعتبارات السياسية على الاعتبارات الإنسانية في التعامل مع القضايا ذات الطابع الإنساني.
مفهوم الأمن الإنساني ودلالته لأمن دول مجلس التعاون الخليجي
تعد اليابان وكندا من أبرز الدول التي طرحت مفهوم الأمن الإنساني، كما طرح الاتحاد الأوروبي المفهوم نفسه. وبالنظر إلى المشترك بين الرؤى الثلاث المطروحة حول مفهوم الأمن الإنساني يتضح أنها رؤى موجهة للخارج بالأساس، وعلى الرغم من أن اليابان ركزت على الشق التنموي لمفهوم الأمن الإنساني من حيث التركيز على حماية الأفراد من حالات الفقر وظروف الحرمان الاقتصادي، إلا أن كلا من كندا والاتحاد الأوروبي ركزا على البعد السياسي للمفهوم متمثلاً في الحماية في حالات النزاعات المسلحة مع التركيز على اقتراب محدد وهو التدخل الدولي الإنساني وذلك كأداة لتحقيق الأمن الإنساني.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لم تعلن عن تبني المفهوم رسمياً أو حتى من خلال المؤسسات البحثية حتى الآن، ربما لانشغال المؤسسات البحثية الأمريكية الضالعة في صنع قرار السياسة الخارجية بصياغة مجموعة من المفاهيم التي تهدف من خلالها إلى الهيمنة الفعلية، فمن المحتمل بشدة أن يصبح مفهوم الأمن الإنساني مفهوماً مرشحاً للاستخدام من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي سياق استخدام المفاهيم في الوقت الحالي كأدوات للتفاوض من خلال طرح معان مزدوجة للمفاهيم وبما يحقق مصالح القوى الكبرى، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تضغط الآن على الدول الخليجية من خلال مفاهيم الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، وربما يكون مفهوم الأمن الإنساني هو المفهوم التالي والمرشح بقوة في هذا الصدد. والأكثر خطورة من ذلك أنه من الممكن وفي سياق الربط بين مفهوم الأمن الإنساني والتدخل الدولي أن يكون هناك تدخل في أي من الدول بحجة العمل على تحقيق الأمن الإنساني داخلياً.
ومن هذا المنطلق، فإن الدول الخليجية في الوقت الحالي عليها التمييز بين أمرين الأمر الأول هو استخدام مفهوم الأمن الإنساني كأداة من قبل الدول الغربية للتدخل في شؤون الدول الخليجية، وهو ما يتطلب وعياً بهذا الأمر وإدراكاً لكافة أبعاده في التفاوض مع الغرب، وهذا الأمر يستلزم أن يكون للدول الخليجية دور في صياغة المفهوم، فالمفهوم لا يزال في طور التشكيل، ومن ثم فالمؤسسات البحثية الخليجية بحاجة إلى المساهمة في بلورة المفهوم حتى لا تنتظر أن يتبلور المفهوم بصورة كاملة ثم يفرض عليها. أما الأمر الثاني فيتعلق بالتعامل مع مشكلات الأمن الإنساني، فرفض المفهوم كأداة للسيطرة الغربية على مختلف دول العالم لا يعني رفض التعامل مع المفهوم على المستوى الداخلي وذلك من خلال التركيز على حالات غياب الأمن الإنساني وإصلاح المؤسسات الأمنية بما يجعلها قادرة على مواجهة تحديات الأمن الإنساني، كما أن رفض المفهوم كأداة استراتيجية مطروحة من الغرب لتحقيق مكاسب استراتيجية لا يعني رفض التعامل معه على المستوى الداخلي، فالدول الخليجية بحاجة إلى إعادة قراءة للمفهوم في سياق ما سلفت الإشارة إليه، والعمل على الاستفادة من المفهوم دون أن يكون بالضرورة أداة للهيمنة والسيطرة.
وبذلك يصبح التساؤل هو كيف يمكن طرح إطار ملائم لتعامل دول المنطقة مع مفهوم وقضايا الأمن الإنساني؟ وفي واقع الأمر إن التوصل لمثل هذا الإطار يتطلب من دول مجلس التعاون الخليجي التحرك على أكثر من مستوى. فعلى المستويات المحلية لا تزال معدلات الإنفاق العسكري مرتفعة في دول المنطقة، كما أن الانخفاض في تلك النسب خلال عقد التسعينات من القرن العشرين لم يقابله ارتفاع في نسب الإنفاق على التعليم والصحة كنسب من الناتج المحلي الإجمالي.
كما أن هناك حاجة لدعم أنشطة المسار غير الرسمي في منطقة الخليج ممثلاً فيما يطلق عليه دبلوماسية المسار الثاني ودبلوماسية المسار الثالث وذلك في ظل الدور الذي يمكن أن تقوم به في مناقشة قضايا الأمن الإنساني في منطقة الخليج. وتتمثل دبلوماسية المسار الثاني وهو مسار غير رسمي وغير حكومي في أنشطة الباحثين والخبراء والتي تهدف إلى مساعدة صناع القرار عند صياغة سياستهم الأمنية من خلال تقديم المشورة. وذلك خلافاً لأنشطة المسار الأول وتتمثل في أنشطة المسار الرسمي الحكومي. أما أنشطة المسار الثالث أو دبلوماسية المسار الثالث فتتمثل في أنه نظراً للدور المتزايد الذي أصبحت تقوم به منظمات المجتمع المدني في حفظ السلم والأمن الدوليين فترة ما بعد الحرب الباردة، لذا تقوم دبلوماسية المسار الثالث على محاولة بناء صلة بين الحكومات والمجتمع المدني من خلال إنشاء لجنة مشتركة بين الدبلوماسيين والباحثين. ويتم هذا الدور من خلال مجموعة من المؤسسات البحثية المستقلة المعنية بدراسات السلم.
وفي منطقة الخليج بدأت أبرز أنشطة المسار الثالث في عام 1998 متمثلة في أنشطة الأمن الإنساني والحكم الرشيد في غربي آسيا، وذلك بمشاركة عدد كبير من المؤسسات البحثية العالمية والمعنية بقضايا أمن الخليج وقضايا الأمن الإنساني. وركز المشروع في مراحله الأولى على إجراءات بناء الثقة بين دول مجلس التعاون الخليجي من خلال تشكيل (اللجنة الدولية للأمن والتعاون في غربي آسيا) وتتكون اللجنة من باحثين ودبلوماسيين من دول مجلس التعاون الخليجي الست بالإضافة إلى إيران والعراق، وكذلك ممثلين من الدول الخمس الأعضاء في مجلس الأمن، وممثل من الأمم المتحدة. وعقدت الجولة الأولى من أعمال اللجنة خلال الفترة من 6 – 7 مارس عام 1999 في اسطنبول، وعقدت الجولة الثانية خلال الفترة من 27-29 مايو عام 2000 في قبرص، وعقدت الجولة الثالثة في الدوحة خلال الفترة من 5 – 7 يناير عام 2001، وعقد الاجتماع الرابع للجنة في قبرص للمرة الثانية خلال الفترة 29-30 مارس عام 2002.
وتم الاتفاق خلال اجتماع الدوحة على اتخاذ الخطوات التمهيدية لإنشاء المعهد الإقليمي لغربي آسيا للحوار وذلك كمنظمة غير حكومية تهدف إلى تطوير الأمن والسلم بين دول غربي آسيا من خلال فتح قنوات الحوار، وتبادل التفاهم المشترك، وبناء الثقة بين شعوب المنطقة. وكذلك التعاون في ما يتعلق بقضايا الأمن الإنساني في المنطقة. إذ ارتكز الاجتماع على الحاجة الملحة لبناء نظام أمني إقليمي جديد في غربي آسيا يقوم على أسس السلم، والعدالة، والتقدم الاقتصادي، والديمقراطية السياسية، وحقوق الإنسان. ولهذا ركز الاجتماع على أن الوصول لهذا الأمر يتم من خلال دعم جهود التحول الديمقراطي.
وعلى هذا الأساس، يمكن أن يكون للمنظمات البحثية في منطقة الخليج دور مهم في مناقشة كافة أبعاد وجوانب مفهوم الأمن الإنساني والمشاركة بدور مهم في الجدل الدائر حول المفهوم في الوقت الحالي.
وعلى المستوى الإقليمي: فربما يكون من الملائم طرح فكرة إنشاء منتدى إقليمي للأمن الإنساني في إطار مجلس التعاون – الخليجي يهدف إلى دراسة ومناقشة قضايا الأمن الإنساني في المنطقة، وإعداد دراسات عن الآثار الاجتماعية المحتملة للعولمة في المنطقة، ووضع السبل الكفيلة بتجنب الآثار السلبية للعولمة. ومنها تأثير العولمة في الفقر وتدفقات الاستثمارات على المنطقة، وكذلك تأثيرها في العمالة الوافدة بالمنطقة، وغيرها من القضايا التي تهم المنطقة بحيث يكون المنتدى بمثابة هيكل تفاوضي يهدف إلى مناقشة تلك القضايا، والتوصل إلى توصيات تفيد صناع القرار.
كما يمكن طرح خطة للتعاون بين دول المجلس وبعض التجمعات الإقليمية الأخرى، والتي يمكن أن تشترك فيها دول المجلس كشركاء في الحوار لمناقشة قضايا الأمن الإنساني على غرار المنتدى الإقليمي لرابطة الآسيان. وكذلك فمن الضروري أن تشترك دول المنطقة في مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا حتى لا يكون هناك ترتيب إقليمي للأمن في آسيا لا تكون دول مجلس التعاون شريكة فيه، خاصة أن المؤتمر يهدف إلى طرح إجراءات بناء الثقة في آسيا.
وفي الأمم المتحدة، ربما يكون من الملائم مشاركة دول مجلس التعاون في أنشطة كل من لجنة الأمن الإنساني وصندوق الأمن الإنساني، ومن ذلك طرح دول مجلس التعاون الخليجي لاستضافة إحدى ندوات أو مؤتمرات أو ورش العمل التي تعقدها لجنة الأمن الإنساني، وكذلك المساهمة في تمويل أنشطة صندوق الأمن الإنساني، وهو ذلك الصندوق الذي أنشأته اليابان وتتولى تمويل أنشطته، ويهدف إلى المساهمة في تمويل الأنشطة ذات الأبعاد الإنسانية ومنها قضايا اللاجئين ومحاربة الفقر، بما يساهم بالنهاية في بلورة رؤية خليجية حول مفهوم الأمن الإنساني.
::/fulltext::
::cck::3433::/cck::
