المنتديات والصحف الإلكترونية في الخليج “السلطة السادسة”

::cck::3406::/cck::
::introtext::

إذا كان الفضاء “الإنترنتي” مجرد أسلاك للهاتف، فكيف للبعض أن يحاول –جاهلاً- مقاومة أسلاك إلكترونية لا تعرف الانضباط ولا تحكمها أيديولوجيا ثابتة؟ إن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو!

::/introtext::
::fulltext::

إذا كان الفضاء “الإنترنتي” مجرد أسلاك للهاتف، فكيف للبعض أن يحاول –جاهلاً- مقاومة أسلاك إلكترونية لا تعرف الانضباط ولا تحكمها أيديولوجيا ثابتة؟ إن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو!
خلال مناظرة جرت في ولاية نيويورك سأل الحكم المرشحين المتنافسين “هيلاري كلينتون” و”ريك لازيو” عن رأيهما في “مشروع القانون 602 B”، الذي وصف بأنه اقتراح لهيئة الخدمات البريدية بفرض ضريبة قدرها خمسة سنتات على كل رسالة إلكترونية ترسل على الإنترنت.
وأبدى كل من هيلاري ولازيو معارضة شديدة لمثل تلك الضريبة، ولكن لم يكن هناك في واقع الأمر مشروع قانون مثل ذلك. ووجد السؤال طريقه وتنافس المرشحان في إبداء آرائهما حوله، والغريب أن هيئة الخدمات البريدية الأمريكية أصدرت بياناً صحافياً تقول فيه إن مشروع القانون هذا هو من “صنع الخيال”. وبررت محطة التلفزيون التي استضافت هذه المناظرة مشروعية سؤالها “الوهمي” عبر تلقيها السؤال بالبريد الإلكتروني.
خليجياً، وبنظرة أكثر شمولية “عربياً”، يحاصرنا هوس جدير بالاهتمام حول الصحافة والمنتديات الإلكترونية على شتى اختصاصاتها واهتماماتها، وهو ما أعطى لمتخيلي الخاص الحق في توصيفها بـ “السلطة السادسة”، سأحاول في هذه القراءة تفكيك هذه السلطة الجديدة علينا.
“هوس الإنترنت” لا يقتصر على سياق الفضائح، أو مواقع المحادثة بين الجنسين، بل هو ممتد للجسم الاجتماعي والسياسي ككل، ولابد أن نؤسس لقراءات أكاديمية واستراتيجية تحاول السبر في الحضور الإنترنتي على الشق الإعلامي من التجربة السياسية والإعلامية الخليجية، على ألا تنحاز هذه القراءات إلى أي من الدراسات الإمبريقية “المتصلفة”، أو إلى أي من الدراسات السيسيولوجية البعيدة عن لغة الأرقام بطابعها “الفضفاض”، وهذا ما أفضل أن أطلق عليه مسمى “سيسيولوجيا المجتمع الإعلامي”.
(صحيفة المنامة/البحرين 2002)، (منتديات بحرين أونلاين/ البحرين 1998)، (شبكة راصد الإخبارية/ المملكة العربية السعودية 2004)، (مواقع الأغاني العراقية –الممنوعة منذ عام 1991-2003/ الكويت) … إلخ.
هذه التوليفة من المواقع الإلكترونية أخذ بعضها صيغة الصحيفة اليومية، والبعض الآخر له نمطية المنتديات الحوارية، إلا أن كل واحد منها كان ينطلق من الفضاء الإنترنتي ليغزو العقل الإعلامي الخليجي عن تقصد ودراية، هذا (التأثير) لا يقتصر على الجمهور الإنترنتي، بل يصل إلى القائمين على الصحافة المكتوبة اليومية ولأجهزة الإعلام المرئي والمسموع، وبالتالي يصل للتأثير في القرار السياسي والاجتماعي الخليجي. وسجلت في الخليج -خاصة السعودية والبحرين- العديد من التقديرات المرتفعة في انتهاج سياسة حجب بعض المواقع، أو محاولة اختراقها، سواء على الصعيد الفردي أو المؤسساتي. 
ثمة دخول مفاجئ للإنترنت والثورة الرقمية على الإعلام العالمي، وهو ما يسمى بـ “الصدمة الحضارية”، وهذه الصدمة نتجت جراء “أنترنتة” المفاهيم “INETERNITISM”، لكن السؤال، ما مدى قدرة أي مقاربة معرفية أو ثقافية أو قانونية على سبر الفضاء الإلكتروني ومعرفة تلك النظم التي تمسك بنظام هذا الحقل الإجتماعي؟
هذه النظم التي ينتجها الفاعلون، قد نبرع في الكشف عنها، وتحليلها، وصولا إلى التنبؤ بما تسعى إليه وما تحاول فرضه عملياً، وسأهتم بالكشف عن الحقل الإلكتروني معتمداً على آفاق (بيير بورديو)، ذلك أن الكشف عن مكونات الحقل الإلكتروني ستقودنا بالفعل إلى التنبؤ بما أثرت وستؤثر به الفضاءات الإلكترونية على دول الخليج العربية خاصة.

في خضم هذا الزخم من التعقيد علينا التنبه إلى بعض الإشكاليات المهمة:

أولاً: لابد من مراعاة فارق التوظيف الإجرائي للفضاء الإلكتروني بين الغرب الذي اعتمد على عولمة الشبكة الإلكترونية بهدف اقتصادي، بعد أن كانت فضاء عسكرياً، وبين الشرق، حيث يتعلق الفضاء الإلكتروني بتوظيف الساحة الأمثل للتعبير تارة، وللمعارضة السياسية تارة أخرى، وصولاً في بعض الأحيان للتمثل كفضاء بديل عن الكبت الاجتماعي لعدة اهتمامات محرمة كالحرية الجنسية أو العقائدية.

ثانياً: ثمة الكثير من القوالب الإنترنتية الجاهزة في الاشتغال الأكاديمي الغربي، بمعنى أنه ثمة اكتمال معرفي في دراسة بعض السياقات الإنترنتية، بينما تبقى السياقات الإنترنتية في الوطن المشرق غير مسبرة، وغير مشتغل على تحليلها، وأعتقد أنه من التسرع الادعاء بأن ثمة سياقات إلكترونية إنترنتية جاهزة ومكتملة خليجياً.

ثالثاً: قد يكون من الصعب الحصول على أرقام إحصائية، ذلك أن النشاط الاتصالي غير منظم جغرافياً، إذ إن تحليلات الملكية للمواقع الإلكترونية الخليجية مختلفة، والكثيرون يذهبون إلى ربط مواقعهم بشركات استضافة أمريكية أو بريطانية لسببين رئيسيين، الأول هو انخفاض التكلفة، والثاني هو وجود ضمانة متكاملة بعدم تعرض هذه المواقع لأي إغلاق حكومي لها، ولنا هنا شاهد في موقع (بحرين أونلاين) البحريني خلال قضيته مع النيابة العامة البحرينية عام 2004، إذ لم تستطع الحكومة البحرينية إغلاق الموقع لارتباطه بمستضيف خارجي (شركة أمريكية). كذلك يمكن لنا أن نطالع إشكالية (موقع راصد الإخباري) في المملكة العربية السعودية. إذ من المفترض أن تحال محاكمات إغلاق المواقع إلى القضاء الأمريكي، الذي من الصعب أن يستجيب لمطالبات الحكومات الخليجية في إغلاق مواقع تحوي فضاءات من التعبير الطبيعي عن الآراء، مهما كانت هذه الحرية خطرة بالنسبة لأية سلطة كلاسيكية.

تحليل الحقل الإلكتروني:

الاتصال الإلكتروني هو ذلك السياق الحاوي لعمليات إرسال الرسائل، إلا أنني لا “أحصر” بهذا السياق بالرسائل النصية التي تتبادل خلال الاستعمال المباشر من قبل الجمهور الإنترنتي في شبكات الاتصال والحواسيب، بل أحاول أن أمدد من مفهومي للتعريف ليشمل كافة أشكال وأنواع المحتوى الإلكتروني (content)، سواء من الرسوم أو البيانات أو الرسوم التمثيلية أو الكاريكاتير.
ولابد من اشتراط أن يكون هذا الاتصال “الإنترنتي” مدركاً من قبل المشاركين بالكامل، بمعنى أن مشاركة الآخر في التفاعل مع الرسالة الإلكترونية هي خاصية رئيسية في تحديد الفعل الإنترنتي الاجتماعي، بل إن إدراكه للقصدية الاجتماعية في هذه العملية التبادلية هو جوهر الفعل المجتمعي.
هؤلاء المشاركون في هذا التفاعل الإلكتروني هم بمثابة جالية اجتماعية متكاملة، هذا ما جعل (هاوارد) يحاول جاهداً تأسيس هذه الجالية وتحديد معالمها في كتابِه (الجالية الافتراضية)، عرض علينا (هاوارد) سمات الجاليات الفاعلة في الاتصال الإنترنتي، ويعلق في إحدى أهم فقرات كتابه قائلاً: “أكثر الناس الذين يحصلون على أخبارِهم من أجهزة الإعلام التقليدية كانوا غافلين عن التشكيلة المختلفة من الثقافات الجديدة التي تطورت في شبكات الحاسوب العالمي خلال السنوات العشر الماضية”.

حرج السؤال الخليجي الإلكتروني:
 
بعد ذلك الشرح المفصل للحقل الإلكتروني، وهي مقدمة مهمة، نأتي لأكثر الأسئلة إحراجاً لأي إعلامي مهتم بشؤون الإعلام، وهي الأسئلة التأسيسية للفضاء الإلكتروني.
هل يعتبر هذا الفضاء الإلكتروني فضاء قانونياً؟
هل هو خاضع للسلطة الجغرافية؟ ما هي التأثيرات التي يحدثها غير الخليجيين داخل البيئة السياسية الخليجية؟
ما الظروف السياسية والاجتماعية لنشأة المنتديات الحوارية الخليجية؟
ما الوضع القانوني لصحيفة إلكترونية تنشأ في لحظات وبكلفة لا تزيد على خمسين دولاراً في السنة الواحدة؟
هل من قانون أمريكي خاص بالمحاكمة القضائية للشركات التي تستضيف المواقع الإلكترونية الخليجية؟
ما هي لعبة الصحافة الإلكترونية في الخليج العربي؟
هل تعتبر المنتديات الحوارية والصحف الإلكترونية “صحافة وإعلاماً”؟
ما الإطارات والنظم المحركة للفضاءات الإلكترونية في الخليج العربي؟
ما معنى مجتمع افتراضي إنترنتي؟
ما معنى أن تكون للإنترنت سلطة سياسية واجتماعية على دول الخليج العربية؟ وما مصداقية هذا الزعم؟

الإشكالية القانونية:
هل تحتوي هذه الإشكالية السياسية والثقافية والاجتماعية على قانون ضبط؟ وأعني بقانون الضبط “سلسلة من التعليمات والأوامر التي تحكم عمله”، بالطبع إذا قمنا باستثناء الضوابط التقنية والخاصة بالفاعل المستضيف فإننا أمام صورة بالغة التعقيد:
أولاً: هناك اتجاه يرى أن الحقل الإلكتروني يعيش تسارعاً كبيراً، يجعل من أي منظومة قانونية عاجزة عن مجاراة الفضاءات الإلكترونية. وملخص هذا الرأي يذهب إلى أن الفضاء الإلكتروني يفوق أياً من النماذج الاجتماعية الفاعلة الأخرى، ولا أعتقد أنه يحق لنا في الغالب توصيف القائمين على المواقع الإلكترونية بأنهم مسؤولون مسؤولية كاملة عن محتوى منتدياتهم، فالضبط لهذا المجتمع عملية بالغة التعقيد، والتسارع التقني غير المنضبط بوقت أو أي ضابط زمني يفرض علينا التسليم بأن الأمر “خارج على السيطرة”.
ثانياً: اتجاه آخر، يرى أن المشكلات القانونية التي تطرأ على الحقل الإلكتروني، ناشئة عن كون التشريع القانوني للحقل الإلكتروني هو أشبه بالتعدي من قبل حقل الصحافة والنشر الإعلامي التقليدي على الفضاء الإلكتروني المستقل، وهو ما لا يراعي انفصال الحقلين واختلاف آفاقهما، والفاعلين فيهما. لذلك غالباً ما تظهر الصحف ذات توقيت (الأربع وعشرين ساعة) عاجزة أمام أي منتدى من المنتديات التي تتبدل محتوياتها في كل ثانية، هذا إذا ما راعينا اختلاف البيئة القانونية وقوانين الضبط التحريرية والأدبية في كلا الحقلين.
ثالثاً: ثمة اختلاف بين أسبقية القوانين الإنترنتية وبين الحقل الإلكتروني، بمعنى إشكالية التقادم القانوني الإنترنتي، فمن منهما أتى قبل الآخر؟ العالم تفاجأ بالفضاء الإنترنتي ومن ثم عمل على تنظيمه.
إن القوانين الضابطة للفضاء الإنترنتي تعيش حالة من العجز في التعامل مع ديناميكية النص الإلكتروني والارتباطات الإنترنتية وبالطبع لنا أن نتصور أكبر إشكاليات الضبط مع فواتح المواقع المغلقة “كوكيز”.
إذاً، يمكننا اعتبار إقدام الحكومات الخليجية على إغلاق موقع إلكتروني نوعاً من (اختبار مقومات الحرفنة الإلكترونية لدى جمهور الإنترنت في الوصول لذات الموقع بطرق أخرى)، بمعنى أن المسألة لا تزيد على استهلاك ما لا يزيد على دقيقة أو دقيقتين بحث وطلبات مساعدة في المواقع الأخرى المتعاطفة. والتي غالباً ما تساعد في الوصول إلى المواقع الممنوعة بانسيابية ملحوظة.
رابعاً: القانون بصفته الاعتبارية يعتبر ظاهرة وجودية، بينما تذهب بعض الآراء إلى اعتبار الحقل الإنترنتي مجتمعاً افتراضياً. إن الجزم بافتراضية الحقل الإلكتروني يحمل العديد من الإشكاليات، مثلاً كيف يمكن لنا اعتبار المعاملات التجارية التي تدار عمليات افتراضية. كما أن العديد من الدول الغربية تعتبر هذه الظاهرة الافتراضية مادة رئيسية في قياس الرأي العام، وبالتالي هي مورد مهم في التأسيس لاتخاذ القرارات السياسية، ولا يمكن أن نعتبر أمراً بهذه الخطورة، مجرد “فضاء افتراضي”.
إن مخرجات (OUT PUT DIVICES) تعتبر ظاهرة وجودية كاملة، فقد نعتبر “المقالة الإنترنتية”، ظاهرة افتراضية، لكننا حين نقوم بطباعتها فإنها ذات حضور وجودي وفاعل، كما أن المواضيع الإنترنتية حين تتصدر “أعمدة الصحافة” ليست وجوداً افتراضياً، بل هي “واقع”. إن إغلاق المواقع الإلكترونية هو بالتحديد أكبر دلالة مادية على أن الحقل الإلكتروني ليس افتراضياً بتاتاً، إلا في وعائه الحامل من أسلاك تليفونية.
إن الباحثين الأمريكيين ينحازون إلى الاعتماد على إشكالية “الوقت”، ويعتمدون على الاعتقاد بأن الحقل الإلكتروني يتصف بالقهر الزمني، فلا نستطيع بالتحديد التحكم بدراسة أبعاده الحقيقية، ونبقى معتمدين في المطلق على دراسات معرفية أو “امبريقية” عاجزة عن إنتاج توصيف كامل ومقبول للحقل الإلكتروني.
ويمكن أن نعتبر الفضاء الإلكتروني إحدى إشكاليات العولمة التي من الصعب أن نحاول تفسيرها، ففي عام 1996 بدا موقع تحت اسم www.dole96.org أنه الموقع الرسمي لبوب دول المرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية. فأي مراقب عرضي من شأنه ألا يكون قد لاحظ أنه في حقيقة الأمر موقع تهكمي وليست له أي علاقة بالحملة الدعائية لبوب.
ولا يستطيع شخص أن يعرف بواعث مصمم هذا الويب بالتحديد، ولكن المستفاد من الحادثة هو أن الهدف الإجرائي هو استخدام معلومات مضللة للتأثير في الناخبين. والشأن السياسي الخليجي حافل بأمثلة تلك (الحيل/الشائعات) وفي الغالب ليست هناك مسؤولية اعتبارية ضد أحد لأن المواقع في الغالب لا توفر مفاتيح حقيقية ومباشرة للتعرف إلى هوية أصحابها.
خلاصات ونتائج عامة:
المنتديات والصحف الإلكترونية فاعل سياسي اجتماعي في المنظومة الخليجية، إلا أن آليات هذا التأثير لاتزال تحت الرصد وهوس السؤال.
تعتبر المنتديات الإلكترونية في الخليج العربي بنية اجتماعية متكاملة وذات خصائص تكوينية فاعلة.
الشأن السياسي الخليجي يتأثر بالمحتوى الإلكتروني للمنتديات والصحف الإلكترونية الفاعلة خليجياً.
تعمل المنتديات والصحف الإلكترونية بلا ضابط قانوني حقيقي.
الحقل الإلكتروني الخليجي حقل متنوع الفاعلية الاجتماعية بغض النظر عن تمثيلاته في الإعلام الخليجي الرسمي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3406::/cck::
::introtext::

إذا كان الفضاء “الإنترنتي” مجرد أسلاك للهاتف، فكيف للبعض أن يحاول –جاهلاً- مقاومة أسلاك إلكترونية لا تعرف الانضباط ولا تحكمها أيديولوجيا ثابتة؟ إن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو!

::/introtext::
::fulltext::

إذا كان الفضاء “الإنترنتي” مجرد أسلاك للهاتف، فكيف للبعض أن يحاول –جاهلاً- مقاومة أسلاك إلكترونية لا تعرف الانضباط ولا تحكمها أيديولوجيا ثابتة؟ إن الأمر أكثر تعقيداً مما يبدو!
خلال مناظرة جرت في ولاية نيويورك سأل الحكم المرشحين المتنافسين “هيلاري كلينتون” و”ريك لازيو” عن رأيهما في “مشروع القانون 602 B”، الذي وصف بأنه اقتراح لهيئة الخدمات البريدية بفرض ضريبة قدرها خمسة سنتات على كل رسالة إلكترونية ترسل على الإنترنت.
وأبدى كل من هيلاري ولازيو معارضة شديدة لمثل تلك الضريبة، ولكن لم يكن هناك في واقع الأمر مشروع قانون مثل ذلك. ووجد السؤال طريقه وتنافس المرشحان في إبداء آرائهما حوله، والغريب أن هيئة الخدمات البريدية الأمريكية أصدرت بياناً صحافياً تقول فيه إن مشروع القانون هذا هو من “صنع الخيال”. وبررت محطة التلفزيون التي استضافت هذه المناظرة مشروعية سؤالها “الوهمي” عبر تلقيها السؤال بالبريد الإلكتروني.
خليجياً، وبنظرة أكثر شمولية “عربياً”، يحاصرنا هوس جدير بالاهتمام حول الصحافة والمنتديات الإلكترونية على شتى اختصاصاتها واهتماماتها، وهو ما أعطى لمتخيلي الخاص الحق في توصيفها بـ “السلطة السادسة”، سأحاول في هذه القراءة تفكيك هذه السلطة الجديدة علينا.
“هوس الإنترنت” لا يقتصر على سياق الفضائح، أو مواقع المحادثة بين الجنسين، بل هو ممتد للجسم الاجتماعي والسياسي ككل، ولابد أن نؤسس لقراءات أكاديمية واستراتيجية تحاول السبر في الحضور الإنترنتي على الشق الإعلامي من التجربة السياسية والإعلامية الخليجية، على ألا تنحاز هذه القراءات إلى أي من الدراسات الإمبريقية “المتصلفة”، أو إلى أي من الدراسات السيسيولوجية البعيدة عن لغة الأرقام بطابعها “الفضفاض”، وهذا ما أفضل أن أطلق عليه مسمى “سيسيولوجيا المجتمع الإعلامي”.
(صحيفة المنامة/البحرين 2002)، (منتديات بحرين أونلاين/ البحرين 1998)، (شبكة راصد الإخبارية/ المملكة العربية السعودية 2004)، (مواقع الأغاني العراقية –الممنوعة منذ عام 1991-2003/ الكويت) … إلخ.
هذه التوليفة من المواقع الإلكترونية أخذ بعضها صيغة الصحيفة اليومية، والبعض الآخر له نمطية المنتديات الحوارية، إلا أن كل واحد منها كان ينطلق من الفضاء الإنترنتي ليغزو العقل الإعلامي الخليجي عن تقصد ودراية، هذا (التأثير) لا يقتصر على الجمهور الإنترنتي، بل يصل إلى القائمين على الصحافة المكتوبة اليومية ولأجهزة الإعلام المرئي والمسموع، وبالتالي يصل للتأثير في القرار السياسي والاجتماعي الخليجي. وسجلت في الخليج -خاصة السعودية والبحرين- العديد من التقديرات المرتفعة في انتهاج سياسة حجب بعض المواقع، أو محاولة اختراقها، سواء على الصعيد الفردي أو المؤسساتي. 
ثمة دخول مفاجئ للإنترنت والثورة الرقمية على الإعلام العالمي، وهو ما يسمى بـ “الصدمة الحضارية”، وهذه الصدمة نتجت جراء “أنترنتة” المفاهيم “INETERNITISM”، لكن السؤال، ما مدى قدرة أي مقاربة معرفية أو ثقافية أو قانونية على سبر الفضاء الإلكتروني ومعرفة تلك النظم التي تمسك بنظام هذا الحقل الإجتماعي؟
هذه النظم التي ينتجها الفاعلون، قد نبرع في الكشف عنها، وتحليلها، وصولا إلى التنبؤ بما تسعى إليه وما تحاول فرضه عملياً، وسأهتم بالكشف عن الحقل الإلكتروني معتمداً على آفاق (بيير بورديو)، ذلك أن الكشف عن مكونات الحقل الإلكتروني ستقودنا بالفعل إلى التنبؤ بما أثرت وستؤثر به الفضاءات الإلكترونية على دول الخليج العربية خاصة.

في خضم هذا الزخم من التعقيد علينا التنبه إلى بعض الإشكاليات المهمة:

أولاً: لابد من مراعاة فارق التوظيف الإجرائي للفضاء الإلكتروني بين الغرب الذي اعتمد على عولمة الشبكة الإلكترونية بهدف اقتصادي، بعد أن كانت فضاء عسكرياً، وبين الشرق، حيث يتعلق الفضاء الإلكتروني بتوظيف الساحة الأمثل للتعبير تارة، وللمعارضة السياسية تارة أخرى، وصولاً في بعض الأحيان للتمثل كفضاء بديل عن الكبت الاجتماعي لعدة اهتمامات محرمة كالحرية الجنسية أو العقائدية.

ثانياً: ثمة الكثير من القوالب الإنترنتية الجاهزة في الاشتغال الأكاديمي الغربي، بمعنى أنه ثمة اكتمال معرفي في دراسة بعض السياقات الإنترنتية، بينما تبقى السياقات الإنترنتية في الوطن المشرق غير مسبرة، وغير مشتغل على تحليلها، وأعتقد أنه من التسرع الادعاء بأن ثمة سياقات إلكترونية إنترنتية جاهزة ومكتملة خليجياً.

ثالثاً: قد يكون من الصعب الحصول على أرقام إحصائية، ذلك أن النشاط الاتصالي غير منظم جغرافياً، إذ إن تحليلات الملكية للمواقع الإلكترونية الخليجية مختلفة، والكثيرون يذهبون إلى ربط مواقعهم بشركات استضافة أمريكية أو بريطانية لسببين رئيسيين، الأول هو انخفاض التكلفة، والثاني هو وجود ضمانة متكاملة بعدم تعرض هذه المواقع لأي إغلاق حكومي لها، ولنا هنا شاهد في موقع (بحرين أونلاين) البحريني خلال قضيته مع النيابة العامة البحرينية عام 2004، إذ لم تستطع الحكومة البحرينية إغلاق الموقع لارتباطه بمستضيف خارجي (شركة أمريكية). كذلك يمكن لنا أن نطالع إشكالية (موقع راصد الإخباري) في المملكة العربية السعودية. إذ من المفترض أن تحال محاكمات إغلاق المواقع إلى القضاء الأمريكي، الذي من الصعب أن يستجيب لمطالبات الحكومات الخليجية في إغلاق مواقع تحوي فضاءات من التعبير الطبيعي عن الآراء، مهما كانت هذه الحرية خطرة بالنسبة لأية سلطة كلاسيكية.

تحليل الحقل الإلكتروني:

الاتصال الإلكتروني هو ذلك السياق الحاوي لعمليات إرسال الرسائل، إلا أنني لا “أحصر” بهذا السياق بالرسائل النصية التي تتبادل خلال الاستعمال المباشر من قبل الجمهور الإنترنتي في شبكات الاتصال والحواسيب، بل أحاول أن أمدد من مفهومي للتعريف ليشمل كافة أشكال وأنواع المحتوى الإلكتروني (content)، سواء من الرسوم أو البيانات أو الرسوم التمثيلية أو الكاريكاتير.
ولابد من اشتراط أن يكون هذا الاتصال “الإنترنتي” مدركاً من قبل المشاركين بالكامل، بمعنى أن مشاركة الآخر في التفاعل مع الرسالة الإلكترونية هي خاصية رئيسية في تحديد الفعل الإنترنتي الاجتماعي، بل إن إدراكه للقصدية الاجتماعية في هذه العملية التبادلية هو جوهر الفعل المجتمعي.
هؤلاء المشاركون في هذا التفاعل الإلكتروني هم بمثابة جالية اجتماعية متكاملة، هذا ما جعل (هاوارد) يحاول جاهداً تأسيس هذه الجالية وتحديد معالمها في كتابِه (الجالية الافتراضية)، عرض علينا (هاوارد) سمات الجاليات الفاعلة في الاتصال الإنترنتي، ويعلق في إحدى أهم فقرات كتابه قائلاً: “أكثر الناس الذين يحصلون على أخبارِهم من أجهزة الإعلام التقليدية كانوا غافلين عن التشكيلة المختلفة من الثقافات الجديدة التي تطورت في شبكات الحاسوب العالمي خلال السنوات العشر الماضية”.

حرج السؤال الخليجي الإلكتروني:
 
بعد ذلك الشرح المفصل للحقل الإلكتروني، وهي مقدمة مهمة، نأتي لأكثر الأسئلة إحراجاً لأي إعلامي مهتم بشؤون الإعلام، وهي الأسئلة التأسيسية للفضاء الإلكتروني.
هل يعتبر هذا الفضاء الإلكتروني فضاء قانونياً؟
هل هو خاضع للسلطة الجغرافية؟ ما هي التأثيرات التي يحدثها غير الخليجيين داخل البيئة السياسية الخليجية؟
ما الظروف السياسية والاجتماعية لنشأة المنتديات الحوارية الخليجية؟
ما الوضع القانوني لصحيفة إلكترونية تنشأ في لحظات وبكلفة لا تزيد على خمسين دولاراً في السنة الواحدة؟
هل من قانون أمريكي خاص بالمحاكمة القضائية للشركات التي تستضيف المواقع الإلكترونية الخليجية؟
ما هي لعبة الصحافة الإلكترونية في الخليج العربي؟
هل تعتبر المنتديات الحوارية والصحف الإلكترونية “صحافة وإعلاماً”؟
ما الإطارات والنظم المحركة للفضاءات الإلكترونية في الخليج العربي؟
ما معنى مجتمع افتراضي إنترنتي؟
ما معنى أن تكون للإنترنت سلطة سياسية واجتماعية على دول الخليج العربية؟ وما مصداقية هذا الزعم؟

الإشكالية القانونية:
هل تحتوي هذه الإشكالية السياسية والثقافية والاجتماعية على قانون ضبط؟ وأعني بقانون الضبط “سلسلة من التعليمات والأوامر التي تحكم عمله”، بالطبع إذا قمنا باستثناء الضوابط التقنية والخاصة بالفاعل المستضيف فإننا أمام صورة بالغة التعقيد:
أولاً: هناك اتجاه يرى أن الحقل الإلكتروني يعيش تسارعاً كبيراً، يجعل من أي منظومة قانونية عاجزة عن مجاراة الفضاءات الإلكترونية. وملخص هذا الرأي يذهب إلى أن الفضاء الإلكتروني يفوق أياً من النماذج الاجتماعية الفاعلة الأخرى، ولا أعتقد أنه يحق لنا في الغالب توصيف القائمين على المواقع الإلكترونية بأنهم مسؤولون مسؤولية كاملة عن محتوى منتدياتهم، فالضبط لهذا المجتمع عملية بالغة التعقيد، والتسارع التقني غير المنضبط بوقت أو أي ضابط زمني يفرض علينا التسليم بأن الأمر “خارج على السيطرة”.
ثانياً: اتجاه آخر، يرى أن المشكلات القانونية التي تطرأ على الحقل الإلكتروني، ناشئة عن كون التشريع القانوني للحقل الإلكتروني هو أشبه بالتعدي من قبل حقل الصحافة والنشر الإعلامي التقليدي على الفضاء الإلكتروني المستقل، وهو ما لا يراعي انفصال الحقلين واختلاف آفاقهما، والفاعلين فيهما. لذلك غالباً ما تظهر الصحف ذات توقيت (الأربع وعشرين ساعة) عاجزة أمام أي منتدى من المنتديات التي تتبدل محتوياتها في كل ثانية، هذا إذا ما راعينا اختلاف البيئة القانونية وقوانين الضبط التحريرية والأدبية في كلا الحقلين.
ثالثاً: ثمة اختلاف بين أسبقية القوانين الإنترنتية وبين الحقل الإلكتروني، بمعنى إشكالية التقادم القانوني الإنترنتي، فمن منهما أتى قبل الآخر؟ العالم تفاجأ بالفضاء الإنترنتي ومن ثم عمل على تنظيمه.
إن القوانين الضابطة للفضاء الإنترنتي تعيش حالة من العجز في التعامل مع ديناميكية النص الإلكتروني والارتباطات الإنترنتية وبالطبع لنا أن نتصور أكبر إشكاليات الضبط مع فواتح المواقع المغلقة “كوكيز”.
إذاً، يمكننا اعتبار إقدام الحكومات الخليجية على إغلاق موقع إلكتروني نوعاً من (اختبار مقومات الحرفنة الإلكترونية لدى جمهور الإنترنت في الوصول لذات الموقع بطرق أخرى)، بمعنى أن المسألة لا تزيد على استهلاك ما لا يزيد على دقيقة أو دقيقتين بحث وطلبات مساعدة في المواقع الأخرى المتعاطفة. والتي غالباً ما تساعد في الوصول إلى المواقع الممنوعة بانسيابية ملحوظة.
رابعاً: القانون بصفته الاعتبارية يعتبر ظاهرة وجودية، بينما تذهب بعض الآراء إلى اعتبار الحقل الإنترنتي مجتمعاً افتراضياً. إن الجزم بافتراضية الحقل الإلكتروني يحمل العديد من الإشكاليات، مثلاً كيف يمكن لنا اعتبار المعاملات التجارية التي تدار عمليات افتراضية. كما أن العديد من الدول الغربية تعتبر هذه الظاهرة الافتراضية مادة رئيسية في قياس الرأي العام، وبالتالي هي مورد مهم في التأسيس لاتخاذ القرارات السياسية، ولا يمكن أن نعتبر أمراً بهذه الخطورة، مجرد “فضاء افتراضي”.
إن مخرجات (OUT PUT DIVICES) تعتبر ظاهرة وجودية كاملة، فقد نعتبر “المقالة الإنترنتية”، ظاهرة افتراضية، لكننا حين نقوم بطباعتها فإنها ذات حضور وجودي وفاعل، كما أن المواضيع الإنترنتية حين تتصدر “أعمدة الصحافة” ليست وجوداً افتراضياً، بل هي “واقع”. إن إغلاق المواقع الإلكترونية هو بالتحديد أكبر دلالة مادية على أن الحقل الإلكتروني ليس افتراضياً بتاتاً، إلا في وعائه الحامل من أسلاك تليفونية.
إن الباحثين الأمريكيين ينحازون إلى الاعتماد على إشكالية “الوقت”، ويعتمدون على الاعتقاد بأن الحقل الإلكتروني يتصف بالقهر الزمني، فلا نستطيع بالتحديد التحكم بدراسة أبعاده الحقيقية، ونبقى معتمدين في المطلق على دراسات معرفية أو “امبريقية” عاجزة عن إنتاج توصيف كامل ومقبول للحقل الإلكتروني.
ويمكن أن نعتبر الفضاء الإلكتروني إحدى إشكاليات العولمة التي من الصعب أن نحاول تفسيرها، ففي عام 1996 بدا موقع تحت اسم www.dole96.org أنه الموقع الرسمي لبوب دول المرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية. فأي مراقب عرضي من شأنه ألا يكون قد لاحظ أنه في حقيقة الأمر موقع تهكمي وليست له أي علاقة بالحملة الدعائية لبوب.
ولا يستطيع شخص أن يعرف بواعث مصمم هذا الويب بالتحديد، ولكن المستفاد من الحادثة هو أن الهدف الإجرائي هو استخدام معلومات مضللة للتأثير في الناخبين. والشأن السياسي الخليجي حافل بأمثلة تلك (الحيل/الشائعات) وفي الغالب ليست هناك مسؤولية اعتبارية ضد أحد لأن المواقع في الغالب لا توفر مفاتيح حقيقية ومباشرة للتعرف إلى هوية أصحابها.
خلاصات ونتائج عامة:
المنتديات والصحف الإلكترونية فاعل سياسي اجتماعي في المنظومة الخليجية، إلا أن آليات هذا التأثير لاتزال تحت الرصد وهوس السؤال.
تعتبر المنتديات الإلكترونية في الخليج العربي بنية اجتماعية متكاملة وذات خصائص تكوينية فاعلة.
الشأن السياسي الخليجي يتأثر بالمحتوى الإلكتروني للمنتديات والصحف الإلكترونية الفاعلة خليجياً.
تعمل المنتديات والصحف الإلكترونية بلا ضابط قانوني حقيقي.
الحقل الإلكتروني الخليجي حقل متنوع الفاعلية الاجتماعية بغض النظر عن تمثيلاته في الإعلام الخليجي الرسمي.

::/fulltext::
::cck::3406::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *