صدام الحضارات.. ما هي أسبابه؟
::cck::3404::/cck::
::introtext::
يقترب عقد من السنين على صدور الكتاب الذائع الصيت (صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي) لصموئيل هنتنغتون، الذي كان عبارة عن أطروحة نشرت في مجلة (فورين أفيرز) الأمريكية نشر عام1993 قال فيها ما خلاصته: إن الحضارات سوف تتصادم لاختلاف الأفكار والأيديولوجيات بين هذه الحضارات، وتنبأ بأن الصدام المقبل سيكون بين الحضارات الإسلامية والحضارة الغربية.
::/introtext::
::fulltext::
يقترب عقد من السنين على صدور الكتاب الذائع الصيت (صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي) لصموئيل هنتنغتون، الذي كان عبارة عن أطروحة نشرت في مجلة (فورين أفيرز) الأمريكية نشر عام1993 قال فيها ما خلاصته: إن الحضارات سوف تتصادم لاختلاف الأفكار والأيديولوجيات بين هذه الحضارات، وتنبأ بأن الصدام المقبل سيكون بين الحضارات الإسلامية والحضارة الغربية.
وحظيت هذه الأطروحة ـ التي تحولت إلى كتاب كما أشرنا ـ بردود ومناقشات وتعقيبات وزادت من شهرة هذه الأطروحة بعد ذلك أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
والحقيقة أن الحضارات لا تتصادم لمجرد الاختلاف في الرؤى أو الأفكار أو التوجهات السياسية أو الفكرية أو حتى الدينية، لكن الذي يدفع إلى التصادم هو عدوان الحضارات على الحضارات الأخرى، وهذا لم يشر إليه صموئيل هنتنغتون أو تحدث عنه في هذا الكتاب، إنما طرح أحكاماً مسبقة ومدفونة كان قد طرحها مستشرقون وباحثون غربيون، وهو أن الإسلام عدواني بطبعه وأن للإسلام حدوداً دموية.. إلخ.
والواقع أن ما قاله هنتنغتون يعتبر بلا مواربة دفع المؤسسات الغربية إلى الخوف من هذا الدين وعدم الاستكانة والارتخاء لسقوط الاتحاد السوفييتي، (والنوم في العسل) ـ كما يقول المثل المصري ـ بل إن على القوى في الغرب أن تستيقظ لهذا المارد الصاعد وهو الخطر الأخضر بعد سقوط الخطر الأحمر، والأطروحة تأتي رداً مباشراً على أطروحة فرانسيس فوكوياما في (نهاية التاريخ)، فكانت هذه الأطروحة لهنتنغتون التي تستفز الغرب وتحرك هواجسه النائمة من مخاطر متوهمة وهي الإسلام، العصيّ على الانقياد كما يعتقدون، وهنا تكمن مخاطره!
وقضية الصراع والصدام ليست جديدة على الفكر الغربي بشكل عام، فقد طرح داروين نظريته في (البقاء للأصلح) من خلال الصراع بين الكائنات الحية وعوامل البيئة والمناخ وغيرها من العوامل الأخرى المساندة لهذا الصراع.
ثم جاءت النظرية الماركسية في صراع الطبقات وتفسيره بأنه محرك التاريخ وهكذا، فإن هنتنغتون جاء بهذه النظرية من أن الاختلاف الفكري والفوارق الثقافية ستدفع الحضارات إلى الصراع والصدام، ويرى الكاتب العربي ميلاد حنا: أن نظرية هنتنغتون تعتبر الصفارة التي تعلن البدء للتحرك، والتي يبدو أنها تحقق غايات وطموحات السياسة الأمريكية، والتي تعتمد ـ أول ما تعتمد ـ على ضرورة خلق و (ابتداع) عدو خارجي يهدد (الحضارة) والقيم الأمريكية عموماً والغربية خصوصاً. ولهذا طرح هنتنغتون نظريته أو رؤيته، وكان في ضوء معطيات الصراعات الحالية ترشيح الإسلام ليكون العدو المنتظر للغرب، ثم ذهب إلى مدى أبعد، وكعملية فلسفية استراتيجية، فافترض تحالفاً بين الإسلام والكونفوشية مجتمعين ومتعاونين في مواجهة الغرب، حتى إن كتّابا كثيرين وقعوا في فخ الرؤية القائلة إن العالم سيتحول إلى صراع بين الغرب واللاغرب.
وتشاء الظروف أن تظهر وجهات نظر فكرية ناقدة لنظرية هنتنغتون، وأن يكون معظمها من مفكرين لهم جذور عربية، وينتمون إلى ديانات ومذاهب مختلفة، فيقدمون فكراً ناقداً يهدف إلى نزع فتيل العداوة التي يشتد لهيبها يوماً بعد يوم، ولهذا الأمر دلالة لا تخفى على أحد. فكما انبثقت الأديان الرئيسية الثلاثة من الشرق العربي، ربما نجح الفكر العربي في نزع فتيل الكراهية والحقد، مما قد يقود إلى حروب وفق نظريات صادرة عن الغرب.
كما ذهب عبد الله العروي إلى أن كل المفاهيم التي يمكن أن تفجر الصراع قد استهلكت مثل اللغة والدولة والقومية والإمبراطورية والأيديولوجية، لذا لم يعد أمام هنتنغتون إلا مفهوم الثقافة كمصدر للصراع، ويستطرد العروي في نقده، قائلاً إن مفهوم الثقافة غير واضح وإن هنتنغتون قد اعتمد على أرنولد توينبي الذي بدوره اعتمد على شبينغلر، إذ عجز توينبي عن تعريف (الحضارة الإسلامية) تمييزاً لها عما أشبهها من حضارات فارسية وبيزنطية. وهكذا فإن هنتنغتون ينطلق من مفهوم غامض غير ملموس عن الحضارة والثقافة لبناء تحليلات سياسية يفترض أنها مطابقة للواقع، معتمداً على أمثلة هي نماذج انتقائية للغاية. ثم خلص العروي إلى أن هذا التوجه النظري في أطروحة هنتنغتون يؤثر بعد ذلك في كل الخطوات التي سار عليها .
هذه الأفكار التي طرحها هنتنغتون هدفها دفع مؤسسات صناعة القرار إلى التهيب والحذر من الآخر المسلم بدعوى أن المسلمين يحملون أفكاراً عنيفة، وإذا ما أصبحت لديهم قوة فسوف يدمرون الغرب ويهدمون حضاراته.. الخ.
إذن دعاوى صموئيل هنتنغتون هي نفسها تدعو إلى العنف وقهر الآخر وتجريده من أسباب القوة والندية.
فهذه الرؤية كما قال محمد أبو الفضل، تعمل على توسيع هوة الخلاف بين الغرب والدول الإسلامية التي وجدت نفسها بعد صراع طويل ضد الغرب في الحقيبة الاستعمارية في صراع جديد ضد الغرب أيضاً الذي يتيه بهيمنته في كل المجالات. ويجب أن نعترف هنا بأن تراث الحقد يقوي مجالات الصراع ويذكي أوار الاختلاف، فهناك سقوط الأندلس والحروب الصليبية وتصفية الجيوب الإسلامية ومساعدة الأقليات غير المسلمة لتنشط ضد المسلمين، بل مساعدة بعض العناصر المتطرفة من المسلمين حتى تنشأ حروب أهلية، ناهيك عن النظام العالمي الجديد – القديم الممسوخ الملامح.
وعبر مانفريد أوستن الأمين العام لمؤسسة (همبولت) عن قلقه لتجاهل الغرب للحضارات الأخرى منادياً بضرورة أن نتعلم كيف نفهم بشكل أفضل لغة الحوار مع الأمم الأخرى، لكن قدرتنا على الحوار لن تزداد إلا إذا بدأنا بتعلم لغات الأمم الأخرى بصورة مكثفة. ولهذا نحتاج إلى سياسة ثقافية تقوم على فهم طبائع الشعوب بحيث نصبح قادرين على التعامل مع خصائصها المتميزة في التفكير والشعور.
لقد خبرت خلال إقامتي في شرق آسيا ـ كما يقول ـ أن الناس هناك طوروا نوعاً من الاعتداد بالنفس يقوم أساساً على أنهم لن يقبلوا حضارتنا على المدى الطويل إلا إذا كنا نحن بدورنا مستعدين للاهتمام بحضارات تلك الأمم الحضارية وبطبائعها اهتماماً جاداً وعميقاً.
ومن الأمور اللافتة للنظر في أطروحة هنتنغتون أنه لا يناقش الأمور الدافعة للصدام بطريقة منهجية وعادلة ومتوازنة ولذلك لم يتحرّ هنتنغتون ـ كما يشير د بهجت قرني ـ ما إذا كان هذا العنف الإسلامي هو من قبيل الفعل أم رد الفعل؟ وهل كانت الدول الإسلامية التي تمارس هذا العنف معتدية أم ضحية تدافع عن نفسها تماماً، كما فعل عندما تكلم عن علاقة الدين بالهوية والتعصب، فإذا به لا يذكر كلمة عن إسرائيل التي تعتبر من أهم الدول القائمة على الدين، كما يتضح فيه وصفها لنفسها بالدولة العبرية، وسماحها بتطبيق قانون العودة الفوري لأي يهودي قادم من أقصى أنحاء المعمورة لكي يستقر في الأرض الموعودة من دون أية رابطة بها سوى الدين. وكذلك لم يذكر هنتنغتون في معرض حديثه عن سيطرة القبلية على الإسلام دولاً عربية إسلامية لم تقم على الأساس القبلي مثل المغرب ومصر. فلماذا هذا الاستبعاد لعوامل تتعارض مع نظريته، ولا تخفى حتى على غير المتخصص، فما بالك بأستاذ مثل هنتنغتون وصل إلى أعلى مراتب السلطة والهيبة العلمية في واحدة من أعرق الجامعات، ليس فقط الولايات المتحدة ولكن على مستوى العالم تقريبا؟
إن السبب الرئيسي في نظري هو ما سبقت الإشارة إليه من انفصامية عند هنتنغتون بين وضع المحلل الأكاديمي الذي تفترض فيه الموضوعية، وبين هواجس عضو الحضارة الغربية الذي يشعر بأن حضارته في تدهور، وبالتالي يشحذ الهمة لاكتشاف مصادر تهديدها في حضارات التحدي. واتصال هنتنغتون بدوائر صنع القرار في واشنطن وحلف شمالي الأطلسي يجعله في النهاية ينزلق إلى دور الداعية للحضارة الغربية ضد الحضارات الأخرى، ويأخذه بعيداً عن دور المحلل الأكاديمي الذي يهدف أكثر ما يهدف إلى التوازن في تمحيص موضوعه، إلى درجة أن هنتنغتون يصاب بالقلق الشديد من جراء التنوع المتزايد في المجتمع الأمريكي، ولا يؤمن بأن هذا المجتمع سيكون بوتقة صهر تدمج كل الأمريكيين فيها مهما كانت أصولهم.
إن الأطروحة الهنتنغتونية هي نفسها الدافعة والمحرّضة على الصدام لأنها تشعل نار الأحقاد والتوترات بين الحضارات والثقافات لمجرد الاختلاف والتباين، وهذا الاختلاف فطرة إلهية بين مختلف البشر.
ومن الحكمة أن ينظر الغرب إلى مسألة التباينات بين الإسلام والغرب بمنظار الواقع وهو أن المظالم والقمع والقهر بمعايير غير عادلة هي نفسها الدافعة إلى الصراع والصداع، وليس الاختلافات الفطرية الإنسانية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3404::/cck::
::introtext::
يقترب عقد من السنين على صدور الكتاب الذائع الصيت (صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي) لصموئيل هنتنغتون، الذي كان عبارة عن أطروحة نشرت في مجلة (فورين أفيرز) الأمريكية نشر عام1993 قال فيها ما خلاصته: إن الحضارات سوف تتصادم لاختلاف الأفكار والأيديولوجيات بين هذه الحضارات، وتنبأ بأن الصدام المقبل سيكون بين الحضارات الإسلامية والحضارة الغربية.
::/introtext::
::fulltext::
يقترب عقد من السنين على صدور الكتاب الذائع الصيت (صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي) لصموئيل هنتنغتون، الذي كان عبارة عن أطروحة نشرت في مجلة (فورين أفيرز) الأمريكية نشر عام1993 قال فيها ما خلاصته: إن الحضارات سوف تتصادم لاختلاف الأفكار والأيديولوجيات بين هذه الحضارات، وتنبأ بأن الصدام المقبل سيكون بين الحضارات الإسلامية والحضارة الغربية.
وحظيت هذه الأطروحة ـ التي تحولت إلى كتاب كما أشرنا ـ بردود ومناقشات وتعقيبات وزادت من شهرة هذه الأطروحة بعد ذلك أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
والحقيقة أن الحضارات لا تتصادم لمجرد الاختلاف في الرؤى أو الأفكار أو التوجهات السياسية أو الفكرية أو حتى الدينية، لكن الذي يدفع إلى التصادم هو عدوان الحضارات على الحضارات الأخرى، وهذا لم يشر إليه صموئيل هنتنغتون أو تحدث عنه في هذا الكتاب، إنما طرح أحكاماً مسبقة ومدفونة كان قد طرحها مستشرقون وباحثون غربيون، وهو أن الإسلام عدواني بطبعه وأن للإسلام حدوداً دموية.. إلخ.
والواقع أن ما قاله هنتنغتون يعتبر بلا مواربة دفع المؤسسات الغربية إلى الخوف من هذا الدين وعدم الاستكانة والارتخاء لسقوط الاتحاد السوفييتي، (والنوم في العسل) ـ كما يقول المثل المصري ـ بل إن على القوى في الغرب أن تستيقظ لهذا المارد الصاعد وهو الخطر الأخضر بعد سقوط الخطر الأحمر، والأطروحة تأتي رداً مباشراً على أطروحة فرانسيس فوكوياما في (نهاية التاريخ)، فكانت هذه الأطروحة لهنتنغتون التي تستفز الغرب وتحرك هواجسه النائمة من مخاطر متوهمة وهي الإسلام، العصيّ على الانقياد كما يعتقدون، وهنا تكمن مخاطره!
وقضية الصراع والصدام ليست جديدة على الفكر الغربي بشكل عام، فقد طرح داروين نظريته في (البقاء للأصلح) من خلال الصراع بين الكائنات الحية وعوامل البيئة والمناخ وغيرها من العوامل الأخرى المساندة لهذا الصراع.
ثم جاءت النظرية الماركسية في صراع الطبقات وتفسيره بأنه محرك التاريخ وهكذا، فإن هنتنغتون جاء بهذه النظرية من أن الاختلاف الفكري والفوارق الثقافية ستدفع الحضارات إلى الصراع والصدام، ويرى الكاتب العربي ميلاد حنا: أن نظرية هنتنغتون تعتبر الصفارة التي تعلن البدء للتحرك، والتي يبدو أنها تحقق غايات وطموحات السياسة الأمريكية، والتي تعتمد ـ أول ما تعتمد ـ على ضرورة خلق و (ابتداع) عدو خارجي يهدد (الحضارة) والقيم الأمريكية عموماً والغربية خصوصاً. ولهذا طرح هنتنغتون نظريته أو رؤيته، وكان في ضوء معطيات الصراعات الحالية ترشيح الإسلام ليكون العدو المنتظر للغرب، ثم ذهب إلى مدى أبعد، وكعملية فلسفية استراتيجية، فافترض تحالفاً بين الإسلام والكونفوشية مجتمعين ومتعاونين في مواجهة الغرب، حتى إن كتّابا كثيرين وقعوا في فخ الرؤية القائلة إن العالم سيتحول إلى صراع بين الغرب واللاغرب.
وتشاء الظروف أن تظهر وجهات نظر فكرية ناقدة لنظرية هنتنغتون، وأن يكون معظمها من مفكرين لهم جذور عربية، وينتمون إلى ديانات ومذاهب مختلفة، فيقدمون فكراً ناقداً يهدف إلى نزع فتيل العداوة التي يشتد لهيبها يوماً بعد يوم، ولهذا الأمر دلالة لا تخفى على أحد. فكما انبثقت الأديان الرئيسية الثلاثة من الشرق العربي، ربما نجح الفكر العربي في نزع فتيل الكراهية والحقد، مما قد يقود إلى حروب وفق نظريات صادرة عن الغرب.
كما ذهب عبد الله العروي إلى أن كل المفاهيم التي يمكن أن تفجر الصراع قد استهلكت مثل اللغة والدولة والقومية والإمبراطورية والأيديولوجية، لذا لم يعد أمام هنتنغتون إلا مفهوم الثقافة كمصدر للصراع، ويستطرد العروي في نقده، قائلاً إن مفهوم الثقافة غير واضح وإن هنتنغتون قد اعتمد على أرنولد توينبي الذي بدوره اعتمد على شبينغلر، إذ عجز توينبي عن تعريف (الحضارة الإسلامية) تمييزاً لها عما أشبهها من حضارات فارسية وبيزنطية. وهكذا فإن هنتنغتون ينطلق من مفهوم غامض غير ملموس عن الحضارة والثقافة لبناء تحليلات سياسية يفترض أنها مطابقة للواقع، معتمداً على أمثلة هي نماذج انتقائية للغاية. ثم خلص العروي إلى أن هذا التوجه النظري في أطروحة هنتنغتون يؤثر بعد ذلك في كل الخطوات التي سار عليها .
هذه الأفكار التي طرحها هنتنغتون هدفها دفع مؤسسات صناعة القرار إلى التهيب والحذر من الآخر المسلم بدعوى أن المسلمين يحملون أفكاراً عنيفة، وإذا ما أصبحت لديهم قوة فسوف يدمرون الغرب ويهدمون حضاراته.. الخ.
إذن دعاوى صموئيل هنتنغتون هي نفسها تدعو إلى العنف وقهر الآخر وتجريده من أسباب القوة والندية.
فهذه الرؤية كما قال محمد أبو الفضل، تعمل على توسيع هوة الخلاف بين الغرب والدول الإسلامية التي وجدت نفسها بعد صراع طويل ضد الغرب في الحقيبة الاستعمارية في صراع جديد ضد الغرب أيضاً الذي يتيه بهيمنته في كل المجالات. ويجب أن نعترف هنا بأن تراث الحقد يقوي مجالات الصراع ويذكي أوار الاختلاف، فهناك سقوط الأندلس والحروب الصليبية وتصفية الجيوب الإسلامية ومساعدة الأقليات غير المسلمة لتنشط ضد المسلمين، بل مساعدة بعض العناصر المتطرفة من المسلمين حتى تنشأ حروب أهلية، ناهيك عن النظام العالمي الجديد – القديم الممسوخ الملامح.
وعبر مانفريد أوستن الأمين العام لمؤسسة (همبولت) عن قلقه لتجاهل الغرب للحضارات الأخرى منادياً بضرورة أن نتعلم كيف نفهم بشكل أفضل لغة الحوار مع الأمم الأخرى، لكن قدرتنا على الحوار لن تزداد إلا إذا بدأنا بتعلم لغات الأمم الأخرى بصورة مكثفة. ولهذا نحتاج إلى سياسة ثقافية تقوم على فهم طبائع الشعوب بحيث نصبح قادرين على التعامل مع خصائصها المتميزة في التفكير والشعور.
لقد خبرت خلال إقامتي في شرق آسيا ـ كما يقول ـ أن الناس هناك طوروا نوعاً من الاعتداد بالنفس يقوم أساساً على أنهم لن يقبلوا حضارتنا على المدى الطويل إلا إذا كنا نحن بدورنا مستعدين للاهتمام بحضارات تلك الأمم الحضارية وبطبائعها اهتماماً جاداً وعميقاً.
ومن الأمور اللافتة للنظر في أطروحة هنتنغتون أنه لا يناقش الأمور الدافعة للصدام بطريقة منهجية وعادلة ومتوازنة ولذلك لم يتحرّ هنتنغتون ـ كما يشير د بهجت قرني ـ ما إذا كان هذا العنف الإسلامي هو من قبيل الفعل أم رد الفعل؟ وهل كانت الدول الإسلامية التي تمارس هذا العنف معتدية أم ضحية تدافع عن نفسها تماماً، كما فعل عندما تكلم عن علاقة الدين بالهوية والتعصب، فإذا به لا يذكر كلمة عن إسرائيل التي تعتبر من أهم الدول القائمة على الدين، كما يتضح فيه وصفها لنفسها بالدولة العبرية، وسماحها بتطبيق قانون العودة الفوري لأي يهودي قادم من أقصى أنحاء المعمورة لكي يستقر في الأرض الموعودة من دون أية رابطة بها سوى الدين. وكذلك لم يذكر هنتنغتون في معرض حديثه عن سيطرة القبلية على الإسلام دولاً عربية إسلامية لم تقم على الأساس القبلي مثل المغرب ومصر. فلماذا هذا الاستبعاد لعوامل تتعارض مع نظريته، ولا تخفى حتى على غير المتخصص، فما بالك بأستاذ مثل هنتنغتون وصل إلى أعلى مراتب السلطة والهيبة العلمية في واحدة من أعرق الجامعات، ليس فقط الولايات المتحدة ولكن على مستوى العالم تقريبا؟
إن السبب الرئيسي في نظري هو ما سبقت الإشارة إليه من انفصامية عند هنتنغتون بين وضع المحلل الأكاديمي الذي تفترض فيه الموضوعية، وبين هواجس عضو الحضارة الغربية الذي يشعر بأن حضارته في تدهور، وبالتالي يشحذ الهمة لاكتشاف مصادر تهديدها في حضارات التحدي. واتصال هنتنغتون بدوائر صنع القرار في واشنطن وحلف شمالي الأطلسي يجعله في النهاية ينزلق إلى دور الداعية للحضارة الغربية ضد الحضارات الأخرى، ويأخذه بعيداً عن دور المحلل الأكاديمي الذي يهدف أكثر ما يهدف إلى التوازن في تمحيص موضوعه، إلى درجة أن هنتنغتون يصاب بالقلق الشديد من جراء التنوع المتزايد في المجتمع الأمريكي، ولا يؤمن بأن هذا المجتمع سيكون بوتقة صهر تدمج كل الأمريكيين فيها مهما كانت أصولهم.
إن الأطروحة الهنتنغتونية هي نفسها الدافعة والمحرّضة على الصدام لأنها تشعل نار الأحقاد والتوترات بين الحضارات والثقافات لمجرد الاختلاف والتباين، وهذا الاختلاف فطرة إلهية بين مختلف البشر.
ومن الحكمة أن ينظر الغرب إلى مسألة التباينات بين الإسلام والغرب بمنظار الواقع وهو أن المظالم والقمع والقهر بمعايير غير عادلة هي نفسها الدافعة إلى الصراع والصداع، وليس الاختلافات الفطرية الإنسانية.
::/fulltext::
::cck::3404::/cck::
