تحديات جديدة أمام اقتصادات دول مجلس التعاون “تحديات الفساد”
::cck::3362::/cck::
::introtext::
الفساد ليس ظاهرة مستقلة، أي لا يظهر في المجتمع إلا إذا توافرت شروط ومتطلبات عديدة يكون الفساد تالياً لها ومرتبطاً بوجودها، ورغم أن جميع الجرائم أو التهديدات الأمنية سواء على مستوى الفرد أو المجتمع لها دوافعها وأسبابها بالضرورة، غير أن بعض تلك الجرائم والظواهر تنشأ بمجرد توافر أسبابها المباشرة الأساسية، في حين يكون البعض الآخر منها اعتمادياً أكثر، أي ينشأ تالياً لتلك المشكلات الرئيسية وينبثق منها. والفساد مثال واضح على هذه الظواهر والمشكلات، فحتى يوجد الفساد في المجتمع لابد أن تسبقه مشكلات وظواهر أخرى تمثل اختراقات اجتماعية واقتصادية بالأساس، تنجم عنها بالتبعية مظاهر الفساد خاصة المالي والإداري منه.
::/introtext::
::fulltext::
الفساد ليس ظاهرة مستقلة، أي لا يظهر في المجتمع إلا إذا توافرت شروط ومتطلبات عديدة يكون الفساد تالياً لها ومرتبطاً بوجودها، ورغم أن جميع الجرائم أو التهديدات الأمنية سواء على مستوى الفرد أو المجتمع لها دوافعها وأسبابها بالضرورة، غير أن بعض تلك الجرائم والظواهر تنشأ بمجرد توافر أسبابها المباشرة الأساسية، في حين يكون البعض الآخر منها اعتمادياً أكثر، أي ينشأ تالياً لتلك المشكلات الرئيسية وينبثق منها. والفساد مثال واضح على هذه الظواهر والمشكلات، فحتى يوجد الفساد في المجتمع لابد أن تسبقه مشكلات وظواهر أخرى تمثل اختراقات اجتماعية واقتصادية بالأساس، تنجم عنها بالتبعية مظاهر الفساد خاصة المالي والإداري منه.
لا يمثل الفساد مشكلة جوهرية أو مقلقة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مقارنة بكثير من دول العالم بما فيها بعض الدول العربية، حيث يشير تقرير معايير الفساد الذي تصدره مؤسسة الشفافية الدولية عن حالة الفساد في العالم، إلى أن مصر تحتل المرتبة 62 في ترتيب مؤشر الخلو من الفساد، وتسبقها المغرب في الترتيب 52، وقد اعتمد هذا التقرير الصادر عام 2002 على بيانات ومسوح أجريت في الفترة من 2000- 2002، لذا يلاحظ أن مراكز الدول في الترتيب لم تختلف كثيراً، وكان التقرير الصادر عام 2000 قد تضمن أربع دول عربية هي مصر والمغرب والأردن وتونس، واحتلت مراكز متوسطة في الترتيب العام للمؤشر.
وتجدر الإشارة إلى أن عدم ورود بعض الدول في التقرير لا يعني خلوها تماماً من الفساد لكن بسبب عدم توافر بيانات أو مسوح معيارية كافية للحكم على حالة الفساد فيها، غير أن الأهم في تقرير 2002 أنه أكد ارتباط الفساد بعوامل ومشكلات أكبر تؤدي إليه، لذا لاحظ أن الفساد موجود في الدول الغنية وليس الفقيرة فقط، ما يبطل الفكرة القديمة بأن الفساد ينجم عن الفقر والاحتياج المالي فقط.
ويعد تدني درجة وجود الفساد في الخليج أمراً طبيعياً في ظل عدم توافر مسبباته وروافده الرئيسية كما سبقت الإشارة، فمن ناحية يقلل ارتفاع مستوى الدخول من فاعلية دافع الاحتياج المالي إلى الفساد، وكذلك الأمر بالنسبة للخدمات الأساسية التي يتمتع بها أفراد المجتمع الخليجي، إذ لا يسمح المستوى العالي لهذه الخدمات بوجود منافذ للمحسوبية أو الوساطة لعدم وجود تنافس أو تسابق على تلك الخدمات لتوافرها دون عناء. وهو ما ينطبق بوضوح على التعليم والصحة والمرافق الأساسية.
غير أن هذا الوضع لا يعني انتفاء عناصر ظهور الفساد تماماً من الساحة الخليجية، فبعضها قائم وبعضها في سبيله إلى التبلور والتزايد لذا بدأت ظاهرة الفساد في الانتشار –نسبياً- في السنوات الأخيرة. لكنها تركزت على استغلال المنصب في الحصول على مكاسب أو امتيازات مالية على وجه الخصوص. وظهور هذا النمط من الفساد يعد طبيعياً مع التباطؤ الذي خضعت له معدلات زيادة مستوى الدخل الفردي في الخليج نتيجة لتراجع عائدات النفط ومشكلات هيكلية أخرى تعاني منها الاقتصادات الخليجية، لذا اتجه البعض إلى استغلال مواقعهم الوظيفية في الحصول على مكاسب مالية تكون ضخمة عادة قياساً بالدخل الذي يُحصِّلونه بشكل شرعي.
وفي تصنيف أعدته مؤسسة (ستاندارد آند بورز / دي آر آي) جاءت دولة خليجية واحدة (الكويت) و8 دول عربية أخرى (مصر، سوريا، العراق، ليبيا، الجزائر، الأردن، المغرب، تونس) ضمن قائمة أكثر دول العالم عرضة لفقدان الاستثمارات بسبب الفساد. وتشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمات الدولية لمكافحة الفساد إلى أن الشرق الأوسط كمجموعة يحتل مرتبة متوسطة ضمن قائمة دول العالم من حيث نسبة تفشي الفساد.
وبعد أن كانت الرشى والعمولات هي المظهر الأوحد تقريباً للفساد طوال عقدي الستينات والسبعينات ارتباطاً بالثروة النفطية وما صاحبها من طفرة عمرانية وعقارية استلزمت مشروعات وعقوداً بالمليارات، ظهرت الاختلاسات – سواء الضخم منها أو المحدود- لتجسد ركناً أساسياً من معالم الفساد في المنطقة الخليج، كما سجلت حالات عديدة لإساءة استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية، ثم تأتي المتاجرة بالأسهم بناء على معلومات داخلية من أبرز أنواع الفساد السائدة في دول الخليج، حيث عانت أسواق الأسهم المحلية في المنطقة طويلاً من هذه الظاهرة، وخلال العقد الأخير من القرن العشرين برزت ظاهرة الاتجار في الإقامات والعمالة كقناة جديدة للفساد المالي والإداري.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضية اختلاس أربعة ملايين درهم من أحد بنوك الإمارات عام 2002، حيث قام مسؤول إماراتي يشغل منصب مساعد أمين الصندوق بالمصرف المركزي في دبي باختلاس 4.2 مليون درهم من المصرف بالاشتراك مع أربعة آخرين أحدهم عُماني.
وفي عُمان، قضت محكمة عمانية السجن أربعة أعوام على رئيس بنك تنمية عمان في إطار حملة على الفساد في المؤسسات المالية بالدولة، تمت خلالها إدانة وزير عماني سابق بالاحتيال على البورصة، وحُكم بالسجن ستة أعوام، كما صدر حكم بالسجن لمدة عام على نائب رئيس البنك المركزي العماني لإدانته بالفساد.
أما في المملكة العربية السعودية، فتشير الإحصاءات إلى تزايد جرائم الرشوة بنسبة 54 في المائة في عام 2001 مقارنة بعام 2000. ووصلت نسبة السعوديين المتورطين في تلك الجرائم إلى 59 في المائة. فقد ضبطت السلطات المختصة خلال عام 2001 فقط 364 جريمة رشوة ارتكبها 747 شخصاً 59 في المائة منهم سعوديون.
وفي الكويت تمثل التجارة في الإقامات والعمالة الوجه الأبرز للفساد، إضافة إلى بعض الاتهامات التي توجه لمسؤولين بعضهم كبار بتلقي رشى وعمولات مقابل صفقات مهمة تجارية وغيرها، واللافت أن تنامي ظاهرة الفساد جعلها تتحول إلى إحدى أوراق اللعبة السياسية في الكويت، حيث دخل الفساد دائرة الاستجوابات والضغوط البرلمانية التي يمارسها النواب على الحكومة الكويتية. وبغض النظر عما إذا كان الهدف من هذا التحرك مجرد الضغط على الحكومة الكويتية أو السعي بالفعل إلى الحد من الظاهرة فإن الواضح هو استشعار المجتمع الكويتي لتفاقم الظاهرة وخطورتها خاصة المستويات العليا لها، وإن لم يصل هذا الاستشعار إلى الفساد المحدود الذي بدأ ينتشر وهو ذلك المرتبط بتجارة تأشيرات الدخول وتهريب العمالة أو تسريبها بعد دخولها، ونقل الكفالة وغيرها من أوجه الاتجار في الإقامات وجلب العمالة، حيث أصبحت هذه الأنشطة تجارة رابحة قائمة ولها سدنتها والقائمون عليها حتى إنها تحولت إلى نمط أقرب ما يكون إلى عصابات الجريمة المنظمة.
مواجهة الفساد:
شهد القضاء الإماراتي تحولاً مهماً في مجال التعامل مع المسؤولين عن المؤسسات التي وقعت بها تلاعبات مالية وإدارية، فبعد أن كانت الذمة المالية الشخصية للمسؤول بعيدة عن المساءلة، ويتوقف خضوعه للمساءلة عند حدود مساهمته في رأس المال أو منصبه الرسمي، أصدرت محاكم دبي في شهر مارس 2002حكماً تاريخياً يقضي بمسؤولية الشركاء في الشركات ذات المسؤولية المحدودة في ذممهم الشخصية عند ثبوت سوء نيتهم. وفي هذه الحالة يحق للدائنين ملاحقة الشريك أو المسؤول في أمواله الخاصة ومساء لته بصفته الشخصية عن ديون الشركة.
وفي الكويت بعد أن تصاعدت الحملات البرلمانية والإعلامية على الفساد وأصحاب المصالح والعمولات والرشى، لم تعد الحكومة الكويتية تصمد أمام إصرار النواب في البرلمان على فتح التحقيق في وقائع واتهامات الفساد المالي والإداري بالدولة، ووصل الأمر إلى تقديم عدة استجوابات مهمة في السنوات الأخيرة حول وقائع فساد ورشوة في وزارات مهمة أبرزها وزارة الدفاع.
وفي المملكة العربية السعودية فإن نظام مكافحة الرشوة المطبق من عشر سنوات قد لعب دوراً مؤثراً في التقليل من معدل نمو مظاهر الفساد المالي في المملكة، حيث حدد في مادته الأولى أن كل موظف عام طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ وعداً أو عطية لأداء عمل من أعمال وظيفته أو يزعم أنه من أعمال وظيفته ولو كان هذا العمل مشروعاً يُعد مرتشياً ويعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز 10 سنوات وبغرامة لا تزيد على مليون ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين.
إذاً، رغم عدم انتشار الفساد في دول الخليج مقارنة بدول أخرى، إلا أن الحكومات الخليجية لم تتوان في البحث عن سبل وأدوات مواجهة الفساد واستئصاله، وهو ما لم تنجح فيه حتى الآن نتيجة لاعتبارات وعوامل عديدة أبرزها طبيعة المناخ العام الذي يغلب على النظم الاقتصادية والإدارية في الخليج والذي يعتمد الثقة والمرونة أساساً في التعامل، ما يتيح الفرصة أمام فتح الثغرات واستغلال النفوذ أو المنصب أو التحايل على القانون، خاصة أن كثيراً من القضايا والمجالات لا تزال تفتقد الشدة اللازمة في التشريعات بما يكفي لضبط حركتها وتقييد فرصة الفساد الإداري أو المالي فيها رغم محاولات دول المجلس تحسين الوضع التشريعي لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية.
أضف إلى ذلك أن البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية تمثل الأساس الذي تخرج من تحت عباءته المشكلات، وهي أيضاً الرافد القيمي والسلوكي الذي تنبثق منه وسائل وأدوات المواجهة بمختلف أنواعها. والمعنى أن اتجاه المجتمعات الخليجية إلى توسيع هامش الحريات السياسية والاقتصادية وفتح الباب أمام المشاركة المجتمعية في مختلف مناحي الحياة، وإدماج المرأة والفئات التي كانت لسنوات مُهمشة في المجتمع، كلها تطورات من شأنها أن تفتح الباب أيضاً أمام وجود مناخ رقابي عام يساعد على مواجهة الظواهر السلبية في المجتمع بما فيها الفساد، حيث تعمل هذه الأسس كآلية رقابة ذاتية على مؤسسات الدولة.
في المقابل، فإن هذه التطورات ذاتها تحمل معها بذور مشكلات ليس أقلها خطورة الفساد المالي والإداري، فالانفتاح على العالم وتطبيق آليات السوق والخصخصة وجذب الاستثمارات الأجنبية ونقل القيم والنماذج الثقافية والسلوكية الغربية بما فيها نظم التعليم والتدريب، كلها عوامل دافعة باتجاه براجماتي مادي يبتعد بالمجتمعات الخليجية عن القيم الأخلاقية والمثل الدينية والأطر العليا التي حكمت حركة الفرد والمجتمع لقرون. وبالتالي من الطبيعي أن تفرز هذه التطورات والاتجاهات الجديدة في السياسات العامة للدول الخليجية وغيرها نتائج سلبية وظواهر الفساد المالي ليس سوى أحد أوجهها فقط، وكما سبقت الإشارة في بداية هذا الجزء عن الفساد فهو ظاهرة فرعية وليس رئيسية، لذا ففي ظل التطورات المتلاحقة على الخليج والتي أوجدت مشكلات المخدرات، الدعارة، غسيل الأموال، الاتجار في التأشيرات، الانغماس في الأصولية، والتورط في العنف المسلح، من الطبيعي أن يظهر الفساد في البر والبحر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3362::/cck::
::introtext::
الفساد ليس ظاهرة مستقلة، أي لا يظهر في المجتمع إلا إذا توافرت شروط ومتطلبات عديدة يكون الفساد تالياً لها ومرتبطاً بوجودها، ورغم أن جميع الجرائم أو التهديدات الأمنية سواء على مستوى الفرد أو المجتمع لها دوافعها وأسبابها بالضرورة، غير أن بعض تلك الجرائم والظواهر تنشأ بمجرد توافر أسبابها المباشرة الأساسية، في حين يكون البعض الآخر منها اعتمادياً أكثر، أي ينشأ تالياً لتلك المشكلات الرئيسية وينبثق منها. والفساد مثال واضح على هذه الظواهر والمشكلات، فحتى يوجد الفساد في المجتمع لابد أن تسبقه مشكلات وظواهر أخرى تمثل اختراقات اجتماعية واقتصادية بالأساس، تنجم عنها بالتبعية مظاهر الفساد خاصة المالي والإداري منه.
::/introtext::
::fulltext::
الفساد ليس ظاهرة مستقلة، أي لا يظهر في المجتمع إلا إذا توافرت شروط ومتطلبات عديدة يكون الفساد تالياً لها ومرتبطاً بوجودها، ورغم أن جميع الجرائم أو التهديدات الأمنية سواء على مستوى الفرد أو المجتمع لها دوافعها وأسبابها بالضرورة، غير أن بعض تلك الجرائم والظواهر تنشأ بمجرد توافر أسبابها المباشرة الأساسية، في حين يكون البعض الآخر منها اعتمادياً أكثر، أي ينشأ تالياً لتلك المشكلات الرئيسية وينبثق منها. والفساد مثال واضح على هذه الظواهر والمشكلات، فحتى يوجد الفساد في المجتمع لابد أن تسبقه مشكلات وظواهر أخرى تمثل اختراقات اجتماعية واقتصادية بالأساس، تنجم عنها بالتبعية مظاهر الفساد خاصة المالي والإداري منه.
لا يمثل الفساد مشكلة جوهرية أو مقلقة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مقارنة بكثير من دول العالم بما فيها بعض الدول العربية، حيث يشير تقرير معايير الفساد الذي تصدره مؤسسة الشفافية الدولية عن حالة الفساد في العالم، إلى أن مصر تحتل المرتبة 62 في ترتيب مؤشر الخلو من الفساد، وتسبقها المغرب في الترتيب 52، وقد اعتمد هذا التقرير الصادر عام 2002 على بيانات ومسوح أجريت في الفترة من 2000- 2002، لذا يلاحظ أن مراكز الدول في الترتيب لم تختلف كثيراً، وكان التقرير الصادر عام 2000 قد تضمن أربع دول عربية هي مصر والمغرب والأردن وتونس، واحتلت مراكز متوسطة في الترتيب العام للمؤشر.
وتجدر الإشارة إلى أن عدم ورود بعض الدول في التقرير لا يعني خلوها تماماً من الفساد لكن بسبب عدم توافر بيانات أو مسوح معيارية كافية للحكم على حالة الفساد فيها، غير أن الأهم في تقرير 2002 أنه أكد ارتباط الفساد بعوامل ومشكلات أكبر تؤدي إليه، لذا لاحظ أن الفساد موجود في الدول الغنية وليس الفقيرة فقط، ما يبطل الفكرة القديمة بأن الفساد ينجم عن الفقر والاحتياج المالي فقط.
ويعد تدني درجة وجود الفساد في الخليج أمراً طبيعياً في ظل عدم توافر مسبباته وروافده الرئيسية كما سبقت الإشارة، فمن ناحية يقلل ارتفاع مستوى الدخول من فاعلية دافع الاحتياج المالي إلى الفساد، وكذلك الأمر بالنسبة للخدمات الأساسية التي يتمتع بها أفراد المجتمع الخليجي، إذ لا يسمح المستوى العالي لهذه الخدمات بوجود منافذ للمحسوبية أو الوساطة لعدم وجود تنافس أو تسابق على تلك الخدمات لتوافرها دون عناء. وهو ما ينطبق بوضوح على التعليم والصحة والمرافق الأساسية.
غير أن هذا الوضع لا يعني انتفاء عناصر ظهور الفساد تماماً من الساحة الخليجية، فبعضها قائم وبعضها في سبيله إلى التبلور والتزايد لذا بدأت ظاهرة الفساد في الانتشار –نسبياً- في السنوات الأخيرة. لكنها تركزت على استغلال المنصب في الحصول على مكاسب أو امتيازات مالية على وجه الخصوص. وظهور هذا النمط من الفساد يعد طبيعياً مع التباطؤ الذي خضعت له معدلات زيادة مستوى الدخل الفردي في الخليج نتيجة لتراجع عائدات النفط ومشكلات هيكلية أخرى تعاني منها الاقتصادات الخليجية، لذا اتجه البعض إلى استغلال مواقعهم الوظيفية في الحصول على مكاسب مالية تكون ضخمة عادة قياساً بالدخل الذي يُحصِّلونه بشكل شرعي.
وفي تصنيف أعدته مؤسسة (ستاندارد آند بورز / دي آر آي) جاءت دولة خليجية واحدة (الكويت) و8 دول عربية أخرى (مصر، سوريا، العراق، ليبيا، الجزائر، الأردن، المغرب، تونس) ضمن قائمة أكثر دول العالم عرضة لفقدان الاستثمارات بسبب الفساد. وتشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمنظمات الدولية لمكافحة الفساد إلى أن الشرق الأوسط كمجموعة يحتل مرتبة متوسطة ضمن قائمة دول العالم من حيث نسبة تفشي الفساد.
وبعد أن كانت الرشى والعمولات هي المظهر الأوحد تقريباً للفساد طوال عقدي الستينات والسبعينات ارتباطاً بالثروة النفطية وما صاحبها من طفرة عمرانية وعقارية استلزمت مشروعات وعقوداً بالمليارات، ظهرت الاختلاسات – سواء الضخم منها أو المحدود- لتجسد ركناً أساسياً من معالم الفساد في المنطقة الخليج، كما سجلت حالات عديدة لإساءة استغلال المنصب لتحقيق مكاسب شخصية، ثم تأتي المتاجرة بالأسهم بناء على معلومات داخلية من أبرز أنواع الفساد السائدة في دول الخليج، حيث عانت أسواق الأسهم المحلية في المنطقة طويلاً من هذه الظاهرة، وخلال العقد الأخير من القرن العشرين برزت ظاهرة الاتجار في الإقامات والعمالة كقناة جديدة للفساد المالي والإداري.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك قضية اختلاس أربعة ملايين درهم من أحد بنوك الإمارات عام 2002، حيث قام مسؤول إماراتي يشغل منصب مساعد أمين الصندوق بالمصرف المركزي في دبي باختلاس 4.2 مليون درهم من المصرف بالاشتراك مع أربعة آخرين أحدهم عُماني.
وفي عُمان، قضت محكمة عمانية السجن أربعة أعوام على رئيس بنك تنمية عمان في إطار حملة على الفساد في المؤسسات المالية بالدولة، تمت خلالها إدانة وزير عماني سابق بالاحتيال على البورصة، وحُكم بالسجن ستة أعوام، كما صدر حكم بالسجن لمدة عام على نائب رئيس البنك المركزي العماني لإدانته بالفساد.
أما في المملكة العربية السعودية، فتشير الإحصاءات إلى تزايد جرائم الرشوة بنسبة 54 في المائة في عام 2001 مقارنة بعام 2000. ووصلت نسبة السعوديين المتورطين في تلك الجرائم إلى 59 في المائة. فقد ضبطت السلطات المختصة خلال عام 2001 فقط 364 جريمة رشوة ارتكبها 747 شخصاً 59 في المائة منهم سعوديون.
وفي الكويت تمثل التجارة في الإقامات والعمالة الوجه الأبرز للفساد، إضافة إلى بعض الاتهامات التي توجه لمسؤولين بعضهم كبار بتلقي رشى وعمولات مقابل صفقات مهمة تجارية وغيرها، واللافت أن تنامي ظاهرة الفساد جعلها تتحول إلى إحدى أوراق اللعبة السياسية في الكويت، حيث دخل الفساد دائرة الاستجوابات والضغوط البرلمانية التي يمارسها النواب على الحكومة الكويتية. وبغض النظر عما إذا كان الهدف من هذا التحرك مجرد الضغط على الحكومة الكويتية أو السعي بالفعل إلى الحد من الظاهرة فإن الواضح هو استشعار المجتمع الكويتي لتفاقم الظاهرة وخطورتها خاصة المستويات العليا لها، وإن لم يصل هذا الاستشعار إلى الفساد المحدود الذي بدأ ينتشر وهو ذلك المرتبط بتجارة تأشيرات الدخول وتهريب العمالة أو تسريبها بعد دخولها، ونقل الكفالة وغيرها من أوجه الاتجار في الإقامات وجلب العمالة، حيث أصبحت هذه الأنشطة تجارة رابحة قائمة ولها سدنتها والقائمون عليها حتى إنها تحولت إلى نمط أقرب ما يكون إلى عصابات الجريمة المنظمة.
مواجهة الفساد:
شهد القضاء الإماراتي تحولاً مهماً في مجال التعامل مع المسؤولين عن المؤسسات التي وقعت بها تلاعبات مالية وإدارية، فبعد أن كانت الذمة المالية الشخصية للمسؤول بعيدة عن المساءلة، ويتوقف خضوعه للمساءلة عند حدود مساهمته في رأس المال أو منصبه الرسمي، أصدرت محاكم دبي في شهر مارس 2002حكماً تاريخياً يقضي بمسؤولية الشركاء في الشركات ذات المسؤولية المحدودة في ذممهم الشخصية عند ثبوت سوء نيتهم. وفي هذه الحالة يحق للدائنين ملاحقة الشريك أو المسؤول في أمواله الخاصة ومساء لته بصفته الشخصية عن ديون الشركة.
وفي الكويت بعد أن تصاعدت الحملات البرلمانية والإعلامية على الفساد وأصحاب المصالح والعمولات والرشى، لم تعد الحكومة الكويتية تصمد أمام إصرار النواب في البرلمان على فتح التحقيق في وقائع واتهامات الفساد المالي والإداري بالدولة، ووصل الأمر إلى تقديم عدة استجوابات مهمة في السنوات الأخيرة حول وقائع فساد ورشوة في وزارات مهمة أبرزها وزارة الدفاع.
وفي المملكة العربية السعودية فإن نظام مكافحة الرشوة المطبق من عشر سنوات قد لعب دوراً مؤثراً في التقليل من معدل نمو مظاهر الفساد المالي في المملكة، حيث حدد في مادته الأولى أن كل موظف عام طلب لنفسه أو لغيره أو قبل أو أخذ وعداً أو عطية لأداء عمل من أعمال وظيفته أو يزعم أنه من أعمال وظيفته ولو كان هذا العمل مشروعاً يُعد مرتشياً ويعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز 10 سنوات وبغرامة لا تزيد على مليون ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين.
إذاً، رغم عدم انتشار الفساد في دول الخليج مقارنة بدول أخرى، إلا أن الحكومات الخليجية لم تتوان في البحث عن سبل وأدوات مواجهة الفساد واستئصاله، وهو ما لم تنجح فيه حتى الآن نتيجة لاعتبارات وعوامل عديدة أبرزها طبيعة المناخ العام الذي يغلب على النظم الاقتصادية والإدارية في الخليج والذي يعتمد الثقة والمرونة أساساً في التعامل، ما يتيح الفرصة أمام فتح الثغرات واستغلال النفوذ أو المنصب أو التحايل على القانون، خاصة أن كثيراً من القضايا والمجالات لا تزال تفتقد الشدة اللازمة في التشريعات بما يكفي لضبط حركتها وتقييد فرصة الفساد الإداري أو المالي فيها رغم محاولات دول المجلس تحسين الوضع التشريعي لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية.
أضف إلى ذلك أن البيئة الاجتماعية والسياسية والثقافية تمثل الأساس الذي تخرج من تحت عباءته المشكلات، وهي أيضاً الرافد القيمي والسلوكي الذي تنبثق منه وسائل وأدوات المواجهة بمختلف أنواعها. والمعنى أن اتجاه المجتمعات الخليجية إلى توسيع هامش الحريات السياسية والاقتصادية وفتح الباب أمام المشاركة المجتمعية في مختلف مناحي الحياة، وإدماج المرأة والفئات التي كانت لسنوات مُهمشة في المجتمع، كلها تطورات من شأنها أن تفتح الباب أيضاً أمام وجود مناخ رقابي عام يساعد على مواجهة الظواهر السلبية في المجتمع بما فيها الفساد، حيث تعمل هذه الأسس كآلية رقابة ذاتية على مؤسسات الدولة.
في المقابل، فإن هذه التطورات ذاتها تحمل معها بذور مشكلات ليس أقلها خطورة الفساد المالي والإداري، فالانفتاح على العالم وتطبيق آليات السوق والخصخصة وجذب الاستثمارات الأجنبية ونقل القيم والنماذج الثقافية والسلوكية الغربية بما فيها نظم التعليم والتدريب، كلها عوامل دافعة باتجاه براجماتي مادي يبتعد بالمجتمعات الخليجية عن القيم الأخلاقية والمثل الدينية والأطر العليا التي حكمت حركة الفرد والمجتمع لقرون. وبالتالي من الطبيعي أن تفرز هذه التطورات والاتجاهات الجديدة في السياسات العامة للدول الخليجية وغيرها نتائج سلبية وظواهر الفساد المالي ليس سوى أحد أوجهها فقط، وكما سبقت الإشارة في بداية هذا الجزء عن الفساد فهو ظاهرة فرعية وليس رئيسية، لذا ففي ظل التطورات المتلاحقة على الخليج والتي أوجدت مشكلات المخدرات، الدعارة، غسيل الأموال، الاتجار في التأشيرات، الانغماس في الأصولية، والتورط في العنف المسلح، من الطبيعي أن يظهر الفساد في البر والبحر.
::/fulltext::
::cck::3362::/cck::
