وهم اندثار الاشتراكية..؟!

::cck::3318::/cck::
::introtext::

سألني محدثي: ألا ترى أن الاشتراكية قد اختفت من خارطة العالم السياسية الاقتصادية وحل محلها الرأسمالية؟ قلت: هذا القول ليس صحيحاً على إطلاقه. فهذا الشيء الذي يسمى (الاشتراكية) وله عندي -وعند غيري – مسمى آخر لم يندثر ولا يمكن أن يندثر بل إنه وجد ليبقى صدق أو لا تصدق.

::/introtext::
::fulltext::

سألني محدثي: ألا ترى أن الاشتراكية قد اختفت من خارطة العالم السياسية الاقتصادية وحل محلها الرأسمالية؟ قلت: هذا القول ليس صحيحاً على إطلاقه. فهذا الشيء الذي يسمى (الاشتراكية) وله عندي -وعند غيري – مسمى آخر لم يندثر ولا يمكن أن يندثر بل إنه وجد ليبقى صدق أو لا تصدق.
وعندما طلب مني تفسيراً لذلك كتبت هذا المقال آملا أن يوضح هذه المقولة التي لا يقبلها أحد، من غير المتخصصين، للوهلة الأولى.
إن الإيديولوجية الاقتصادية والسياسية هي عبارة عن: اعتقادات اقتصادية وسياسية معينة يسعى معتنقوها لتطبيقها في أرض الواقع على مستوى البلد، أي بلد. ويمكن، اختصارا، أن نقول: إن هذه القناعة أو العقيدة أو الاعتقاد أو التوجه تتعلق بما ينبغي أن تقوم به حكومة البلد المعني تجاه شعبها ومدى تدخلها في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعبها لتحقيق المبادئ العامة التي تنادي بها تلك العقيدة.
هناك إذاً في الواقع مدخل لمعرفة الأيديولوجيات أو التوجهات السياسية الاقتصادية المعاصرة يتمحور حول: الأعمال والوظائف التي على الحكومة، أي حكومة، أن تقوم بها تجاه شعبها، إضافة إلى أعمال الحكومة التقليدية المعروفة. فلنركز من الآن وصاعداً على هذا المدخل الذي عبره يمكن شرح هذه المسألة وغيرها كأفضل ما يكون الشرح.
وبالطبع، فإن الأيديولوجيات لا تعرف فقط من خلال وظيفة أعمال الحكومات، إذ إن للعقائد عدة أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.. إلخ. ولكن ومع ذلك تظل وظيفة ونشاط الحكومة الفعلي أبرز وأهم هذه الأبعاد. ويمكن القول: إن الحكومة – أي حكومة – تقوم في الوقت الحاضر بعدة أعمال ووظائف يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيين هما:
1- وظائف أساسية وتشمل: توفير الأمن وحفظ النظام وحماية الحريات العامة المختلفة وضمان تنفيذ القوانين وإدارة العلاقات الخارجية.
2- وظائف ضرورية: وهي التي تتطلب تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعبها عند الحاجة بما يخدم المصلحة العامة ويوفر الاحتياجات الأساسية للشعب ويدعم رفاهه، ويحمي غالبيته من العوز (الفقر – الجهل – المرض) والاستغلال والإذلال.
فمنذ سقوط مبدأ الحكومة (الحارسة) التي يقتصر عملها على حفظ الأمن ومع بداية القرن العشرين بخاصة ونتيجة لتزايد الدور السياسي الشعبي وجدت معظم حكومات العالم نفسها تحت ضغوط متزايدة للتدخل في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعبها بهدف حماية أغلبية الشعب وضمان رفاهها والحيلولة دون ظهور فئات مستغلة تحصد الثراء على حساب الأغلبية. فبدأت كل حكومات العالم تتدخل في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية لبلادها في محاولة دؤوبة لتحقيق هدف المصلحة العامة التي غالباً ما تعرف بأنها مصلحة وفائدة ورغبة وتطلع أغلبية الشعب المعني.
فالكلمة الفصل هنا هي التدخل الحكومي وبأي قدر يكون في ممارسة الأعمال الضرورية، ويتخذ هذا التدخل صوراً مختلفة تبدأ بسن القوانين والسياسات المختلفة المنظمة للنشاط الاقتصادي والاجتماعي بما يخدم الصالح العام مروراً بالتخطيط التوجيهي والتأشيري وغيرهما وانتهاء بممارسة الإنتاج والتسويق والتوزيع مباشرة.
لقد أصبحت كل حكومات العالم تقوم بقدر ما معين – أو يمكن تعيينه – من الأعمال الضرورية إضافة إلى قيامها بالأعمال الأساسية، فأي حكومة، مهما كان توجهها العقائدي أو الفكري تضطلع بذلك عبر التدخل بصوره المتنوعة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعبها. فلا خلاف حتى في هذا العصر عصر العولمة القائمة على الخصخصة على ضرورة تدخل الحكومة في هذه الأمور وبالقدر الذي يخدم صالح أكبر قدر ممكن من الشعب. ولكن الخلاف وقع، ويقع، حول مدى هذا التدخل الحكومي. وهذا الخلاف والاختلاف، حول المدى، أدى، ويؤدي، إلى ظهور الاختلافات الفكرية والأيديولوجيات السياسية والاقتصادية المتنوعة علما بان التدخل الحكومي يتم غالبا على حساب المبادرة الفردية أو الحرية الاقتصادية القطاع الخاص.
ويمكن القول إنه وبخصوص مدى تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للشعب (الأعمال الضرورية) توجد الآن ثلاثة اتجاهات كبرى هي:
المذهب الفردي: ويشار إليه عند العامة بـ (الرأسمالية) والأصح أن يسمى الفردي لتفضيله للحرية الفردية، كما أن الرأسمالية التي تقوم على أساس الحرية الاقتصادية هي الجانب الاقتصادي فقط من هذا الاتجاه الذي يؤكد على حصر التدخل الحكومي في أضيق نطاق ممكن وإعطاء القطاع الخاص أكبر حرية ممكنة ويعمم عدم التدخل الحكومي في كل الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلد الذي يأخذ به.
المذهب الاشتراكي: وهو نقيض الفردي وتبلور كرد فعل على مساوئ الأخير، ويؤكد على ضرورة تدخل الحكومة، لأقصى حد ممكن، في الشؤون الاقتصادية وغيرها للبلد والحيلولة دون انفراد قلة في المجتمع بالثروة والنفوذ والسلطة وتمكين غالبية المجتمع من التمتع بثرواته على أساس المساواة.
وتمثل هذا المذهب القديم قدم المجتمعات البشرية في عدة أيديولوجيات منها: الاشتراكية الديمقراطية والماركسية وغيرهما كثير، وقد أخذت الماركسية – المنسوبة إلى ماركس – من هذا المبدأ بعض أسسه فقط، وأضافت إليه أسساً أخرى هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع الإنساني. وهناك منظمة عالمية كبرى للاشتراكية الدولية تضم في عضويتها مئات الأحزاب السياسية الاشتراكية الديمقراطية من شتى دول العالم وتعقد اجتماعات دورية للأعضاء فيها. كما أن الدول الريعية تمارس قدرا لا يستهان به من هذا التوجه، كما نوضح فيما بعد.
– المذهب الاجتماعي: وهو اتجاه وسط بين الفردية والاشتراكية وأنصاره يدعون إلى: وجوب ضمان توازن بين التدخل الحكومي والحرية الفردية وإن كانوا يقدمون مصلحة الجماعة على مصالح الأفراد. ويمكن أن نقول إن هذا التوجه هو الأقرب للتوجه الاقتصادي الإسلامي المؤكد على الوسطية في كل شيء انطلاقا من مبدأ لا ضرر ولا ضرار.
ويمكن، تبعاً لذلك، أن نضع كل حكومة من حكومات العالم الحالية في أحد هذه التقسيمات الثلاثة اعتمادا على مدى تدخلها في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعبها أي مدى قيامها بـ (الأعمال الضرورية). وسنجد أن هناك حكومات ينطبق على توجهها الفعلي الفردية وأخرى الاشتراكية وأخرى تعتنق الاتجاه الاجتماعي وإن لم تتحدث بذلك. مع وجود تفاوت بالطبع في مدى التدخل أو عدم التدخل من حكومة لأخرى ومن وقت لآخر.
ونكرر هنا أنه حتى أكثر حكومات العالم اعتناقا للمذهب الفردي – الحر – تضطر للقيام ببعض الأعمال الضرورية أي لممارسة شيء من التدخل الحكومي أو بكلمات أخرى لممارسة قدر قل أو كثر من الاشتراكية. إن كل حكومات العالم الحالي مهما كانت متطرفة في اعتناق المذهب الفردي فإنها تجد من الواجب عليها ممارسة شيء من التدخل الحكومي حماية للمصلحة العامة، أي ممارسة قدر – ولو ضئيلا – من الاشتراكية وعلى مدار الساعة. هذا أمر تفرضه الحياة المعاصرة وبصرف النظر عن الشعارات المختلفة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن في معظم دول العالم الراهن (أحزابا اشتراكية) تسعى للوصول إلى السلطة أو شيء منها، والكثير من هذه الأحزاب ينجح في الحصول على أصوات من مواطنيه تضمن له أن يحكم لفترة معينة عبر تصعيد التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للبلاد التي ينتمي إليها. وكثيرا ما يحصل هذا حتى في عقر دار دول يغلب على شعوبها تأييد المذهب الفردي، مع ملاحظة أن وجود أحزاب سياسية اشتراكية قوية يدل على وجود تأييد شعبي قوي لهذا التوجه.
أما في مجال الفكر السياسي والاقتصادي فإن الفكرة الاشتراكية كانت ولاتزال محتفظة بأهمية كبيرة لدى فلاسفة السياسة والاقتصاد العالميين انطلاقا من قناعات إنسانية واقتصادية وسياسية راسخة ولها الكثير مما يبررها فمع كل هذا كيف يسوغ القول بأن الاشتراكية قد انتهت.
إن من الخطأ الاعتقاد بأن الاشتراكية قد انتهت بانهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي السابق، فالذي انهار هو الديكتاتورية الاقتصادية – السياسية السوفييتية أو التطبيق السوفييتي لما يعرف بـ الماركسية نسبة إلى الفيلسوف الألماني كارل ماركس (1818- 1883). ويمكن اعتبار الماركسية إحدى الأيديولوجيات المتفرعة عن المذهب الاشتراكي بصفة عامة، وهي تأخذ من الاشتراكية بعض أسسها فقط ولكنها تضيف أمورا هي أقرب إلى الخيال والأوهام منها إلى الحقيقة والواقع – كما أشرنا آنفا. وليس هذا بالطبع مكاناً لشرح هذه الأيديولوجية شرحاً وافياً، ولكن لنحاول تقريب فكرتها إلى ذهن القارئ عبر استحضار مفهومي الشيوعية والاشتراكية، فالشيوعية شيء والاشتراكية شيء آخر تماما وإن كانت هناك بعض الملامح المشتركة بينهما كما نوهنا.
إن الشيوعية (Communism) تعني: شيوع ملكية ثروة المجتمع لجميع أفراد المجتمع؟! وهي لا تسمح بوجود ملكيات خاصة، فكل ثروة البلد ومقدراته ملك للجميع وملكيتها مشاعة للكل. والماركسية تقف موقفاً سلبياً من كل الأديان ولا تعترف بالقوميات المختلفة وتحض على الثورة لإقامة الشيوعية وترفض الديمقراطية.
أما الاشتراكية (Socialism) فتعني: محاولة إشراك جميع أفراد المجتمع في الحصول على فوائد شبه متساوية من الثروة الكلية المتاحة لكل ذلك المجتمع. وهي تسمح بوجود الملكية الخاصة مع وجود بعض القيود عليها للحيلولة دون طغيان المصلحة التي تمثلها على مصلحة الجماعة ككل. كما تركز على ضرورة تصعيد التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للشعب – لأقصى حد ممكن وضروري. ومعظم الاشتراكيين ديمقراطيون.
وفي الواقع يمكن أن نرد التطرق إلى مسألة الاشتراكية إلى بداية الفكر السياسي العالمي، فقد كان الفيلسوف الصيني كونفوشيوس (551- 478 ق. م) ربما أول من طالب بشكل منهجي بتوزيع الثروة في المجتمع الصيني وغيره بما يحقق في رأيه إلغاء الفوارق الطبقية بين الناس منعاً للتطاحن، ثم أتى الفيلسوف الاغريقي الشهير أفلاطون (427 – 347 ق. م) وتحدث عن مبدأي الشيوعية والاشتراكية المعروفين حتى الآن. كما نادى بإلغاء الملكية الخاصة – وتبني الشيوعية – بين فئتين من فئات الشعب في دولته المثالية، الواردة في كتابه الشهير (الجمهورية). ولاتزال الفكرة الاشتراكية أحد أهم محاور الفكر السياسي في شتي بقاع الأرض – كما أشرنا.
الشيوعية في صورتها المثالية إذاً تعني: إلغاء الملكية الخاصة تماماً وعدم الاعتراف بقطاع خاص. وفي التحليل الماركسي تعني بالذات: إلغاء الملكية الخاصة والثورة لتحقيق الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية وتملك الطبقة العاملة لكل وسائل الإنتاج الرئيسية في المجتمع.
ويمكننا القول: إن الشيوعية في صورتها المثالية المذكورة هي فكرة خيالية هدامة لأنها تتعارض مع إحدى أقوى غرائز الإنسان الأساسية وهي غريزة التملك. فأي إنسان سوي يحتاج إلى التملك الشخصي وتكوين أسرة خاصة به والاحتماء بسلطة (حكومة) تقيه شرور الأخرى وتقي الأخرى شروره. ولهذا تظل الفكرة الشيوعية – وكذلك الماركسية – خيالية ويكاد يستحيل تطبيقها تماماً في أي مجتمع إنساني.
ولو تأملنا في التاريخ البشري لما وجدنا أي تطبيق يذكر للشيوعية بمعناها المشار إليه، كما أن ما كان يسمى بـ (الدول الشيوعية الماركسية) لم تكن شيوعية أو ماركسية تماما وإن سميت – تجاوزا – بذلك بل كانت عبارة عن ديكتاتوريات اشتراكية عكس الاشتراكية الديمقراطية. إذ كانت تلك الدول تسمح بالملكية الخاصة في حدود معينة وتوجد فيها الدولة / الحكومة بشكل أكثر قوة ووضوحا من غيرها من الدول غير الشيوعية.
ولعل أهم أسباب انهيار تلك الدول – وسقوط زعيمها الاتحاد السوفييتي – هو كونها ديكتاتوريات متسلطة، حاولت فرض تطبيق الاشتراكية في واحدة من أكثر
صورها تطرفا، وبالقوة، ورغم ممانعة غالبية الشعوب التي تسلطت عليها. وذلك يؤكد عدم عملية الفكرة الشيوعية، وعدم قابليتها للتطبيق في الواقع الإنساني الفعلي لتعارضها مع إحدى أهم الغرائز الإنسانية. لذلك يمكن القول إن الشيوعية لم ولا ولن تطبق (بالفعل ) في أي مجتمع بشري سوي.
أما الاشتراكية – بالمعنى الذي وضحناه هنا – فإنها تمارس – بقدر أو آخر – من قبل كل حكومات عالم اليوم، حتى تلك المغرقة في اعتناق المذهب الفردي. ولكل ذلك، يمكن الزعم بأن الاشتراكية – وخاصة الديمقراطية، وبدرجاتها المتفاوتة – إنما وجدت (كما يبدو) لتبقى. أما الاعتقاد باختفائها فذلك يعتبر خطأ شائعا ناتجا عن: الخلط بينها وبين أيديولوجيات خيالية متقهقرة.
وما أحوج الناس لفهم هذه الأمور، خاصة في هذا العصر، الذي يوصف بأنه عصر العولمة، الذي يراد له أن يقوم على التخصيص التام لكل فعاليات المجتمع، إضافة إلى كل وسائل الإنتاج فيه.. وبالتالي حصر دور الحكومات في مسائل ثانوية، والتخلي عن مسؤولية رعاية مواطنيها المحتاجين لرعاية محايدة وملزمة.
وليس ما ورد في هذا المقال، دفاعاً عن الاشتراكية، أو طعناً في الرأسمالية، بل هو محاولة لتوضيح حقائق، يجدر بكل مثقف ومتعلم أن يعيها تماما، لارتباطها بأهم أسس الحياة العامة في أي بلد. ومن جانبي، فإنني مع المبدأ الاقتصادي الإسلامي، الذي هو – في جوهره – مبدأ وسط (لا ضرر ولا ضرار)، ففي الوقت الذي يؤكد فيه على تقديم مصلحة الجماعة أولاً، فإنه يحث على إعطاء الفرد أيضاً كامل الحرية الاقتصادية بما لا يضر بالمصلحة العامة. وبصرف النظر عن المسميات، أعتقد أن خير الأمور الوسط.
ضوابط لابد منها على الرأسمالية
إن الرأسمالية المطلقة، والتي لا ضوابط عليها، كما نادى بها آدم سميث وديفيد ريكاردو وغيرهما، في القرن السابع عشر، أصبحت منذ قرنين تقريباً من ذكريات الماضي. أما الرأسمالية التي تسود بالوقت الحاضر في معظم أنحاء العالم – بما في ذلك أمريكا – فهي ليست مطلقة، ولا يمكن أن تكون كذلك، حيث لا ضوابط على الحرية الفردية، ولا قيود على حرية القطاع الخاص. إن رأسمالية الحاضر (ذات الضوابط) تهدف إلى توفير مناخ الحرية الاقتصادية للأفراد، ولكن في إطار خدمة المصلحة العامة أيضاً. وذلك يقتضي وجود الضوابط، المشار إليها، والتي تأتي في هيئة تدخل حكومي معين.
ومن العجيب أن نسمع الآن أصواتا تدعو إلى إلغاء كافة الضوابط أمام القطاع الخاص، متناسية أن الرأسمالية إن تحولت إلى مطلقة – محررة تماما من كل الضوابط والالتزامات – فستكون شراً متطيراً، وستنتج عنها كوارث اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية هائلة ناجمة عن انقسام كل مجتمع إلى فئتين متناقضتين رئيسيتين (متصارعتين): فئة بالغة الثراء والنفوذ والتسلط، وفئة معدمة ومستغلة. وهذا أمر لا يقبله منطق سليم، ولا يستسيغه إنسان سوي، ولا يرتضيه بشر عاقل لغالبية بني جنسه.
ومن المؤسف أن ينادي بعض المتحمسين للقطاع الخاص بـ (خصخصة) كل شيء تقريبا في كل بلد، بحيث يقوم القطاع الخاص بما يقرب من 95 في المائة أو أكثر من كامل النشاط الاقتصادي في المجتمع تملكاً وإدارة وإنتاجاً وتسويقاً، بينما تضطلع الحكومة بالـ 5 في المائة الباقية! بل بلغت الحماسة بالبعض حد المناداة بإلغاء دور الحكومات تماما، وخصخصة حتى الشرطة والجيش!
وهذا إن تم الأخذ به فسيعني نهاية الدولة، والحكومة، الأمر الذي قد يؤدي بالمجتمعات للدخول قسرا – وعن سبق الإصرار – إلى عصر الفوضى، وسيادة قانون الغاب، حيث يسيطر القوي على الضعيف، إن لم يقض عليه!
لا أحد ينكر ما لـ (الخصخصة) من مزايا كبرى كثيرة أهمها: ارتفاع مستوى الإنتاجية كماً وكيفاً، واتساع الأفق الإنتاجي. ولكن، ومع تعميم الخصخصة – قدر الإمكان – ينبغي الحفاظ على دور الحكومات المهم والحاسم في القيام بما يعرف بـ (وظائف الحكومات الأساسية) وأيضاً الاضطلاع ببعض الأعمال الضرورية التي تقتضي المصلحة العامة قيام الحكومات بها تفاديا للاستغلال وحماية للصالح العام.
إن دور الحكومة – أي حكومة – كوسيط محايد وملزم، لا يمكن أن يستغني عنه أي شعب أو مجتمع. فالمجتمع – أي مجتمع – لا يمكن أن يكون مجتمعاً إنسانياً بحق دون حكومة. يقوم باختيار أشخاصها لتولي إدارة شؤونه العامة وفق مبادئ وقواعد ( قوانين) يحددها المجتمع نفسه أو الغالبية فيه.
وتتضمن الأعمال الضرورية للحكومات محاربة ثالوث الفقر، الجهل، المرض في شعوبها، عبر مساعدة المحتاجين من مواطنيها والأخذ بيدهم ليصبحوا قوة إنتاجية مفيدة لأنفسهم وبلادهم. وهذا يعني بصفة خاصة قيام الحكومة – أي حكومة – بالالتزام بتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم لأبناء شعبها، ويتضمن هذا الحد في رأي الكثير من المعنيين ما يلي:
* توفير فرص العمل أمام القادرين عليه، ومساعدة من لم يجدوا عملاً أو غير القادرين على العمل ماديا، وحتى تزول حاجتهم.
* القيام بالرعاية الصحية الوقائية وتقديم الرعاية الصحية العلاجية الأساسية مجاناً.
* توفير التعليم الأساسي مجاناً وجعله إلزامياً.
* مساعدة المواطنين في الحصول على سكن صحي.
* هذا إضافة إلى قيام الحكومة بالأعمال الأساسية، التي تشمل توفير الأمن وحفظ النظام.. إلخ.
إن كل الحكومات، مهما كانت توجهاتها ومهما كانت مواردها محدودة لابد أن تقوم بما ذكر من أعمال، رعاية للمصلحة العامة، أي مصلحة الجميع، فعدم توفر الحد الأدنى من العيش الكريم ستنجم عنه مشكلات وقلاقل لا حصر لها تأتي على الأخضر واليابس، وتهز استقرار وأمن البلاد المعنية، وتنزل الأضرار بكل أهلها.
أما في الدول الريعية (Revenue States)، وهي الدول التي تمتلك حكوماتها مورداً يدر عليها دخلاً دورياً، وتعتبر ملكية هذا المورد عامة، فإن على حكوماتها يقع واجب التوسع في القيام بالأعمال الضرورية لأقصى حد ممكن. فالملكية العامة لذلك المورد تقتضي أن يتمتع بثمراته كل مواطني البلد الريعي في هيئة عوائد مادية وخدمية وغيرها. وهو ما يمكن تقديمه في إطار الأعمال الضرورية.
إن كل ما ذكر ينبغي أن يدفع جماعة المتحمسين لـ (الخصخصة)، ورفع يد الحكومات تماماً عن النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها لمراجعة موقفهم، فهناك اعتبارات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية وإنسانية يجب أخذها في الاعتبار عند الحديث عن الخصخصة، والتغني بـ (فضائل) القطاع الخاص. ثم إن الخصخصة التي تحتمها العولمة الراهنة لن تكون مفيدة لغالبية سكان العالم ما لم تأخذ هذه الاعتبارات في حسبانها بمنتهى الإخلاص والجدية، إن كان يراد لها أن تكون نعمة – لا نقمة – على البشرية.
مسار العولمة الحالي وضرورة ترشيده
تفهم العولمة بأنها حركة كونية تلقائية ومقصودة ناجمة عن التقدم التقني الهائل والمتسارع في العالم، وبخاصة في مجالي الاتصالات والمواصلات، والتي تدفع العالم بأسره للتحول إلى كيان كبير واحد، متشابهة عناصره سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وتتيح حرية التجارة – في هذه الحركة – جعل كوكب الأرض سوقاً كبيرة واحدة بأمل أن تنجم عن ذلك سيادة قيم وعادات وأعراف سياسية واقتصادية واجتماعية واحدة أو متجانسة في كل أرجاء المعمورة.
والعولمة حركة أو عملية متشعبة الأبعاد، كما هو واضح، من تعريفها. ففي بعديها السياسي والاجتماعي تؤكد نظرياً على الديمقراطية والليبرالية، وحقوق إنسان موحدة. وفي بعدها الاقتصادي، الذي تتولاه منظمة التجارة العالمية (WTO)، تهدف إلى جعل العالم ككل وحدة اقتصادية كبرى واحدة، تتحرر فيه التجارة، وتبادل المصالح، فيسمح بحرية انتقال السلع والخدمات والأشخاص ورؤوس الأموال عبر الحدود الدولية، مما يحتم قيام تنسيق مالي عالمي واحد يؤكد على الرأسمالية شبه المطلقة.
ومنذ أن وجدت الدول وجدت العولمة، بل إن الأخيرة بدأت منذ أن أصبح هناك اتصال بأنواعه كافة بين الأمم المختلفة، ولكن مصطلح العولمة بدأ يحتل حيزا كبيرا في الفكر الاقتصادي والسياسي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، عام 1991، ويتضمن معاني جديدة معينة، وقد حاولت القوى الكبرى في عالم اليوم تحميل هذا المصطلح بعض الشعارات (الجميلة)، التي سرعان ما ثبت أنها مجردة من مضامينها الحقيقية، وأنها تطلق لتسهيل (وشرعنة) هيمنة تلك الدول على العالم، فالمستفيد الأول، وربما الأخير، من العولمة الراهنة هو تلك القوى، وفي مقدمتها أمريكا.
لقد أوصلت الرأسمالية معظم العالم إلى مرحلة العولمة المكثفة، ولم تكن العولمة قط بهذه الكثافة منذ بداية التاريخ الحديث. ويتوقع أن تزداد رسوخا، وأن تبلغ في نهاية هذا القرن حداً يجعل من العالم بالفعل قرية كبيرة واحدة.
ولكن، وبعد هذا الزحف العولمي الكاسح، لابد من إثارة العديد من التساؤلات المشروعة الناتجة عن قلق عالمي واسع له كل ما يبرره. ومن هذه الأسئلة:
هل ستؤدي العولمة الراهنة إلى تعميق انقسام العالم إلى قسمين متناقضين، فئة بالغة الثراء والنفوذ والتسلط، وفئة بالغة الفقر والضعف وقلة الحيلة؟ وهل ستسهم العولمة الحالية في استتباب الأمن والسلم الدوليين، وعلى أسس أكثر عدالة ومنطقية؟ وهل ستنهي هذه العولمة دور الدولة، وتحول العالم إلى حكم الشركات العملاقة، متعددة الجنسيات وعابرة القارات؟ وهل سيصبح كامل النشاط الاقتصادي والاجتماعي، في بلاد العالم، في قبضة القطاع الخاص فقط؟
إن الإجابة الأولية عن هذه الأسئلة تكاد تكون حاضرة في ذهن أي مراقب موضوعي، وهي بمنتهي الاختصار كالتالي:
1- نعم، ستؤدي العولمة، بالمضمون الذي تسير عليه الآن، إلى زيادة ثراء الأغنياء، وزيادة فقر الفقراء في العالم. فهي عملية (أو حركة) لا قلب لها.. دينها الدولار، ومبدؤها القوة الغاشمة بأنواعها وعناصرها المختلفة. وقد قال ذلك علماء سياسة أمريكيون وغيرهم.
2- يبدو أن العولمة الراهنة ستفرض نوعاً من السلام العالمي.. الذي لا يقوم على أسس عادلة وصلبة.. تجعل الأمن الدولي (الحقيقي) ممكناً.
3 – تحاول العولمة إنهاء دور الدولة التقليدي، أو تقليصه، لأدنى حد ممكن.
4 – تحاول أيضاً إلغاء دور الحكومات، وأي صورة من صور القطاع العام، تمهيدا لحصر دور الحكومات في: حفظ الأمن والنظام، وضمان تطبيق القوانين فقط، وكأنها تسعى لإحياء مفهوم (الدولة الحارسة).
لهذا، نرى أن عملية العولمة تسير بانتقائية (تفضيلية) وتوجه مادي بحت.. وفي اتجاه لا يخدم في الحقيقة المصلحة العليا للعالم، أي مصلحة وفائدة وتطلعات وآمال غالبية شعوب العالم. وهذه الانتقائية والمادية هي عوامل ناجمة عن الأنانية المفرطة للقوى الدولية المتنفذة، وعدم اكتراث حقيقي بمعاناة الآخرين. وهي عوامل فشل لهذه العملية، التي هي وإن كانت حتمية، إلا أن مضمونها وطبيعة توجهها، هما – في نهاية المطاف – ما سيحدد نتائجها بالنسبة للبشرية.
ولن تكون العولمة خيرة – وناجحة – ما لم تصحح مسارها، وتعدل من مضمونها. إن الرأسمالية المقيدة (ذات الضوابط) تتيح للحكومات التدخل، في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها من أجل حماية المصلحة العامة لهذه الشعوب. ومن خلال التدخل – الرشيد – لحماية هذه المصالح، والحفاظ على الهويات المتأصلة، والانفتاح على الأخرى، يمكن أن تسير العولمة في اتجاه يخدم كل شعوب الأرض، ويسهم في استتباب حقيقي للأمن والسلم الدوليين.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3318::/cck::
::introtext::

سألني محدثي: ألا ترى أن الاشتراكية قد اختفت من خارطة العالم السياسية الاقتصادية وحل محلها الرأسمالية؟ قلت: هذا القول ليس صحيحاً على إطلاقه. فهذا الشيء الذي يسمى (الاشتراكية) وله عندي -وعند غيري – مسمى آخر لم يندثر ولا يمكن أن يندثر بل إنه وجد ليبقى صدق أو لا تصدق.

::/introtext::
::fulltext::

سألني محدثي: ألا ترى أن الاشتراكية قد اختفت من خارطة العالم السياسية الاقتصادية وحل محلها الرأسمالية؟ قلت: هذا القول ليس صحيحاً على إطلاقه. فهذا الشيء الذي يسمى (الاشتراكية) وله عندي -وعند غيري – مسمى آخر لم يندثر ولا يمكن أن يندثر بل إنه وجد ليبقى صدق أو لا تصدق.
وعندما طلب مني تفسيراً لذلك كتبت هذا المقال آملا أن يوضح هذه المقولة التي لا يقبلها أحد، من غير المتخصصين، للوهلة الأولى.
إن الإيديولوجية الاقتصادية والسياسية هي عبارة عن: اعتقادات اقتصادية وسياسية معينة يسعى معتنقوها لتطبيقها في أرض الواقع على مستوى البلد، أي بلد. ويمكن، اختصارا، أن نقول: إن هذه القناعة أو العقيدة أو الاعتقاد أو التوجه تتعلق بما ينبغي أن تقوم به حكومة البلد المعني تجاه شعبها ومدى تدخلها في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعبها لتحقيق المبادئ العامة التي تنادي بها تلك العقيدة.
هناك إذاً في الواقع مدخل لمعرفة الأيديولوجيات أو التوجهات السياسية الاقتصادية المعاصرة يتمحور حول: الأعمال والوظائف التي على الحكومة، أي حكومة، أن تقوم بها تجاه شعبها، إضافة إلى أعمال الحكومة التقليدية المعروفة. فلنركز من الآن وصاعداً على هذا المدخل الذي عبره يمكن شرح هذه المسألة وغيرها كأفضل ما يكون الشرح.
وبالطبع، فإن الأيديولوجيات لا تعرف فقط من خلال وظيفة أعمال الحكومات، إذ إن للعقائد عدة أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية.. إلخ. ولكن ومع ذلك تظل وظيفة ونشاط الحكومة الفعلي أبرز وأهم هذه الأبعاد. ويمكن القول: إن الحكومة – أي حكومة – تقوم في الوقت الحاضر بعدة أعمال ووظائف يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسيين هما:
1- وظائف أساسية وتشمل: توفير الأمن وحفظ النظام وحماية الحريات العامة المختلفة وضمان تنفيذ القوانين وإدارة العلاقات الخارجية.
2- وظائف ضرورية: وهي التي تتطلب تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعبها عند الحاجة بما يخدم المصلحة العامة ويوفر الاحتياجات الأساسية للشعب ويدعم رفاهه، ويحمي غالبيته من العوز (الفقر – الجهل – المرض) والاستغلال والإذلال.
فمنذ سقوط مبدأ الحكومة (الحارسة) التي يقتصر عملها على حفظ الأمن ومع بداية القرن العشرين بخاصة ونتيجة لتزايد الدور السياسي الشعبي وجدت معظم حكومات العالم نفسها تحت ضغوط متزايدة للتدخل في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعبها بهدف حماية أغلبية الشعب وضمان رفاهها والحيلولة دون ظهور فئات مستغلة تحصد الثراء على حساب الأغلبية. فبدأت كل حكومات العالم تتدخل في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية لبلادها في محاولة دؤوبة لتحقيق هدف المصلحة العامة التي غالباً ما تعرف بأنها مصلحة وفائدة ورغبة وتطلع أغلبية الشعب المعني.
فالكلمة الفصل هنا هي التدخل الحكومي وبأي قدر يكون في ممارسة الأعمال الضرورية، ويتخذ هذا التدخل صوراً مختلفة تبدأ بسن القوانين والسياسات المختلفة المنظمة للنشاط الاقتصادي والاجتماعي بما يخدم الصالح العام مروراً بالتخطيط التوجيهي والتأشيري وغيرهما وانتهاء بممارسة الإنتاج والتسويق والتوزيع مباشرة.
لقد أصبحت كل حكومات العالم تقوم بقدر ما معين – أو يمكن تعيينه – من الأعمال الضرورية إضافة إلى قيامها بالأعمال الأساسية، فأي حكومة، مهما كان توجهها العقائدي أو الفكري تضطلع بذلك عبر التدخل بصوره المتنوعة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعبها. فلا خلاف حتى في هذا العصر عصر العولمة القائمة على الخصخصة على ضرورة تدخل الحكومة في هذه الأمور وبالقدر الذي يخدم صالح أكبر قدر ممكن من الشعب. ولكن الخلاف وقع، ويقع، حول مدى هذا التدخل الحكومي. وهذا الخلاف والاختلاف، حول المدى، أدى، ويؤدي، إلى ظهور الاختلافات الفكرية والأيديولوجيات السياسية والاقتصادية المتنوعة علما بان التدخل الحكومي يتم غالبا على حساب المبادرة الفردية أو الحرية الاقتصادية القطاع الخاص.
ويمكن القول إنه وبخصوص مدى تدخل الحكومة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للشعب (الأعمال الضرورية) توجد الآن ثلاثة اتجاهات كبرى هي:
المذهب الفردي: ويشار إليه عند العامة بـ (الرأسمالية) والأصح أن يسمى الفردي لتفضيله للحرية الفردية، كما أن الرأسمالية التي تقوم على أساس الحرية الاقتصادية هي الجانب الاقتصادي فقط من هذا الاتجاه الذي يؤكد على حصر التدخل الحكومي في أضيق نطاق ممكن وإعطاء القطاع الخاص أكبر حرية ممكنة ويعمم عدم التدخل الحكومي في كل الأمور الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلد الذي يأخذ به.
المذهب الاشتراكي: وهو نقيض الفردي وتبلور كرد فعل على مساوئ الأخير، ويؤكد على ضرورة تدخل الحكومة، لأقصى حد ممكن، في الشؤون الاقتصادية وغيرها للبلد والحيلولة دون انفراد قلة في المجتمع بالثروة والنفوذ والسلطة وتمكين غالبية المجتمع من التمتع بثرواته على أساس المساواة.
وتمثل هذا المذهب القديم قدم المجتمعات البشرية في عدة أيديولوجيات منها: الاشتراكية الديمقراطية والماركسية وغيرهما كثير، وقد أخذت الماركسية – المنسوبة إلى ماركس – من هذا المبدأ بعض أسسه فقط، وأضافت إليه أسساً أخرى هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع الإنساني. وهناك منظمة عالمية كبرى للاشتراكية الدولية تضم في عضويتها مئات الأحزاب السياسية الاشتراكية الديمقراطية من شتى دول العالم وتعقد اجتماعات دورية للأعضاء فيها. كما أن الدول الريعية تمارس قدرا لا يستهان به من هذا التوجه، كما نوضح فيما بعد.
– المذهب الاجتماعي: وهو اتجاه وسط بين الفردية والاشتراكية وأنصاره يدعون إلى: وجوب ضمان توازن بين التدخل الحكومي والحرية الفردية وإن كانوا يقدمون مصلحة الجماعة على مصالح الأفراد. ويمكن أن نقول إن هذا التوجه هو الأقرب للتوجه الاقتصادي الإسلامي المؤكد على الوسطية في كل شيء انطلاقا من مبدأ لا ضرر ولا ضرار.
ويمكن، تبعاً لذلك، أن نضع كل حكومة من حكومات العالم الحالية في أحد هذه التقسيمات الثلاثة اعتمادا على مدى تدخلها في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعبها أي مدى قيامها بـ (الأعمال الضرورية). وسنجد أن هناك حكومات ينطبق على توجهها الفعلي الفردية وأخرى الاشتراكية وأخرى تعتنق الاتجاه الاجتماعي وإن لم تتحدث بذلك. مع وجود تفاوت بالطبع في مدى التدخل أو عدم التدخل من حكومة لأخرى ومن وقت لآخر.
ونكرر هنا أنه حتى أكثر حكومات العالم اعتناقا للمذهب الفردي – الحر – تضطر للقيام ببعض الأعمال الضرورية أي لممارسة شيء من التدخل الحكومي أو بكلمات أخرى لممارسة قدر قل أو كثر من الاشتراكية. إن كل حكومات العالم الحالي مهما كانت متطرفة في اعتناق المذهب الفردي فإنها تجد من الواجب عليها ممارسة شيء من التدخل الحكومي حماية للمصلحة العامة، أي ممارسة قدر – ولو ضئيلا – من الاشتراكية وعلى مدار الساعة. هذا أمر تفرضه الحياة المعاصرة وبصرف النظر عن الشعارات المختلفة.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن في معظم دول العالم الراهن (أحزابا اشتراكية) تسعى للوصول إلى السلطة أو شيء منها، والكثير من هذه الأحزاب ينجح في الحصول على أصوات من مواطنيه تضمن له أن يحكم لفترة معينة عبر تصعيد التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للبلاد التي ينتمي إليها. وكثيرا ما يحصل هذا حتى في عقر دار دول يغلب على شعوبها تأييد المذهب الفردي، مع ملاحظة أن وجود أحزاب سياسية اشتراكية قوية يدل على وجود تأييد شعبي قوي لهذا التوجه.
أما في مجال الفكر السياسي والاقتصادي فإن الفكرة الاشتراكية كانت ولاتزال محتفظة بأهمية كبيرة لدى فلاسفة السياسة والاقتصاد العالميين انطلاقا من قناعات إنسانية واقتصادية وسياسية راسخة ولها الكثير مما يبررها فمع كل هذا كيف يسوغ القول بأن الاشتراكية قد انتهت.
إن من الخطأ الاعتقاد بأن الاشتراكية قد انتهت بانهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي السابق، فالذي انهار هو الديكتاتورية الاقتصادية – السياسية السوفييتية أو التطبيق السوفييتي لما يعرف بـ الماركسية نسبة إلى الفيلسوف الألماني كارل ماركس (1818- 1883). ويمكن اعتبار الماركسية إحدى الأيديولوجيات المتفرعة عن المذهب الاشتراكي بصفة عامة، وهي تأخذ من الاشتراكية بعض أسسها فقط ولكنها تضيف أمورا هي أقرب إلى الخيال والأوهام منها إلى الحقيقة والواقع – كما أشرنا آنفا. وليس هذا بالطبع مكاناً لشرح هذه الأيديولوجية شرحاً وافياً، ولكن لنحاول تقريب فكرتها إلى ذهن القارئ عبر استحضار مفهومي الشيوعية والاشتراكية، فالشيوعية شيء والاشتراكية شيء آخر تماما وإن كانت هناك بعض الملامح المشتركة بينهما كما نوهنا.
إن الشيوعية (Communism) تعني: شيوع ملكية ثروة المجتمع لجميع أفراد المجتمع؟! وهي لا تسمح بوجود ملكيات خاصة، فكل ثروة البلد ومقدراته ملك للجميع وملكيتها مشاعة للكل. والماركسية تقف موقفاً سلبياً من كل الأديان ولا تعترف بالقوميات المختلفة وتحض على الثورة لإقامة الشيوعية وترفض الديمقراطية.
أما الاشتراكية (Socialism) فتعني: محاولة إشراك جميع أفراد المجتمع في الحصول على فوائد شبه متساوية من الثروة الكلية المتاحة لكل ذلك المجتمع. وهي تسمح بوجود الملكية الخاصة مع وجود بعض القيود عليها للحيلولة دون طغيان المصلحة التي تمثلها على مصلحة الجماعة ككل. كما تركز على ضرورة تصعيد التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للشعب – لأقصى حد ممكن وضروري. ومعظم الاشتراكيين ديمقراطيون.
وفي الواقع يمكن أن نرد التطرق إلى مسألة الاشتراكية إلى بداية الفكر السياسي العالمي، فقد كان الفيلسوف الصيني كونفوشيوس (551- 478 ق. م) ربما أول من طالب بشكل منهجي بتوزيع الثروة في المجتمع الصيني وغيره بما يحقق في رأيه إلغاء الفوارق الطبقية بين الناس منعاً للتطاحن، ثم أتى الفيلسوف الاغريقي الشهير أفلاطون (427 – 347 ق. م) وتحدث عن مبدأي الشيوعية والاشتراكية المعروفين حتى الآن. كما نادى بإلغاء الملكية الخاصة – وتبني الشيوعية – بين فئتين من فئات الشعب في دولته المثالية، الواردة في كتابه الشهير (الجمهورية). ولاتزال الفكرة الاشتراكية أحد أهم محاور الفكر السياسي في شتي بقاع الأرض – كما أشرنا.
الشيوعية في صورتها المثالية إذاً تعني: إلغاء الملكية الخاصة تماماً وعدم الاعتراف بقطاع خاص. وفي التحليل الماركسي تعني بالذات: إلغاء الملكية الخاصة والثورة لتحقيق الانتقال من الرأسمالية إلى الشيوعية وتملك الطبقة العاملة لكل وسائل الإنتاج الرئيسية في المجتمع.
ويمكننا القول: إن الشيوعية في صورتها المثالية المذكورة هي فكرة خيالية هدامة لأنها تتعارض مع إحدى أقوى غرائز الإنسان الأساسية وهي غريزة التملك. فأي إنسان سوي يحتاج إلى التملك الشخصي وتكوين أسرة خاصة به والاحتماء بسلطة (حكومة) تقيه شرور الأخرى وتقي الأخرى شروره. ولهذا تظل الفكرة الشيوعية – وكذلك الماركسية – خيالية ويكاد يستحيل تطبيقها تماماً في أي مجتمع إنساني.
ولو تأملنا في التاريخ البشري لما وجدنا أي تطبيق يذكر للشيوعية بمعناها المشار إليه، كما أن ما كان يسمى بـ (الدول الشيوعية الماركسية) لم تكن شيوعية أو ماركسية تماما وإن سميت – تجاوزا – بذلك بل كانت عبارة عن ديكتاتوريات اشتراكية عكس الاشتراكية الديمقراطية. إذ كانت تلك الدول تسمح بالملكية الخاصة في حدود معينة وتوجد فيها الدولة / الحكومة بشكل أكثر قوة ووضوحا من غيرها من الدول غير الشيوعية.
ولعل أهم أسباب انهيار تلك الدول – وسقوط زعيمها الاتحاد السوفييتي – هو كونها ديكتاتوريات متسلطة، حاولت فرض تطبيق الاشتراكية في واحدة من أكثر
صورها تطرفا، وبالقوة، ورغم ممانعة غالبية الشعوب التي تسلطت عليها. وذلك يؤكد عدم عملية الفكرة الشيوعية، وعدم قابليتها للتطبيق في الواقع الإنساني الفعلي لتعارضها مع إحدى أهم الغرائز الإنسانية. لذلك يمكن القول إن الشيوعية لم ولا ولن تطبق (بالفعل ) في أي مجتمع بشري سوي.
أما الاشتراكية – بالمعنى الذي وضحناه هنا – فإنها تمارس – بقدر أو آخر – من قبل كل حكومات عالم اليوم، حتى تلك المغرقة في اعتناق المذهب الفردي. ولكل ذلك، يمكن الزعم بأن الاشتراكية – وخاصة الديمقراطية، وبدرجاتها المتفاوتة – إنما وجدت (كما يبدو) لتبقى. أما الاعتقاد باختفائها فذلك يعتبر خطأ شائعا ناتجا عن: الخلط بينها وبين أيديولوجيات خيالية متقهقرة.
وما أحوج الناس لفهم هذه الأمور، خاصة في هذا العصر، الذي يوصف بأنه عصر العولمة، الذي يراد له أن يقوم على التخصيص التام لكل فعاليات المجتمع، إضافة إلى كل وسائل الإنتاج فيه.. وبالتالي حصر دور الحكومات في مسائل ثانوية، والتخلي عن مسؤولية رعاية مواطنيها المحتاجين لرعاية محايدة وملزمة.
وليس ما ورد في هذا المقال، دفاعاً عن الاشتراكية، أو طعناً في الرأسمالية، بل هو محاولة لتوضيح حقائق، يجدر بكل مثقف ومتعلم أن يعيها تماما، لارتباطها بأهم أسس الحياة العامة في أي بلد. ومن جانبي، فإنني مع المبدأ الاقتصادي الإسلامي، الذي هو – في جوهره – مبدأ وسط (لا ضرر ولا ضرار)، ففي الوقت الذي يؤكد فيه على تقديم مصلحة الجماعة أولاً، فإنه يحث على إعطاء الفرد أيضاً كامل الحرية الاقتصادية بما لا يضر بالمصلحة العامة. وبصرف النظر عن المسميات، أعتقد أن خير الأمور الوسط.
ضوابط لابد منها على الرأسمالية
إن الرأسمالية المطلقة، والتي لا ضوابط عليها، كما نادى بها آدم سميث وديفيد ريكاردو وغيرهما، في القرن السابع عشر، أصبحت منذ قرنين تقريباً من ذكريات الماضي. أما الرأسمالية التي تسود بالوقت الحاضر في معظم أنحاء العالم – بما في ذلك أمريكا – فهي ليست مطلقة، ولا يمكن أن تكون كذلك، حيث لا ضوابط على الحرية الفردية، ولا قيود على حرية القطاع الخاص. إن رأسمالية الحاضر (ذات الضوابط) تهدف إلى توفير مناخ الحرية الاقتصادية للأفراد، ولكن في إطار خدمة المصلحة العامة أيضاً. وذلك يقتضي وجود الضوابط، المشار إليها، والتي تأتي في هيئة تدخل حكومي معين.
ومن العجيب أن نسمع الآن أصواتا تدعو إلى إلغاء كافة الضوابط أمام القطاع الخاص، متناسية أن الرأسمالية إن تحولت إلى مطلقة – محررة تماما من كل الضوابط والالتزامات – فستكون شراً متطيراً، وستنتج عنها كوارث اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية هائلة ناجمة عن انقسام كل مجتمع إلى فئتين متناقضتين رئيسيتين (متصارعتين): فئة بالغة الثراء والنفوذ والتسلط، وفئة معدمة ومستغلة. وهذا أمر لا يقبله منطق سليم، ولا يستسيغه إنسان سوي، ولا يرتضيه بشر عاقل لغالبية بني جنسه.
ومن المؤسف أن ينادي بعض المتحمسين للقطاع الخاص بـ (خصخصة) كل شيء تقريبا في كل بلد، بحيث يقوم القطاع الخاص بما يقرب من 95 في المائة أو أكثر من كامل النشاط الاقتصادي في المجتمع تملكاً وإدارة وإنتاجاً وتسويقاً، بينما تضطلع الحكومة بالـ 5 في المائة الباقية! بل بلغت الحماسة بالبعض حد المناداة بإلغاء دور الحكومات تماما، وخصخصة حتى الشرطة والجيش!
وهذا إن تم الأخذ به فسيعني نهاية الدولة، والحكومة، الأمر الذي قد يؤدي بالمجتمعات للدخول قسرا – وعن سبق الإصرار – إلى عصر الفوضى، وسيادة قانون الغاب، حيث يسيطر القوي على الضعيف، إن لم يقض عليه!
لا أحد ينكر ما لـ (الخصخصة) من مزايا كبرى كثيرة أهمها: ارتفاع مستوى الإنتاجية كماً وكيفاً، واتساع الأفق الإنتاجي. ولكن، ومع تعميم الخصخصة – قدر الإمكان – ينبغي الحفاظ على دور الحكومات المهم والحاسم في القيام بما يعرف بـ (وظائف الحكومات الأساسية) وأيضاً الاضطلاع ببعض الأعمال الضرورية التي تقتضي المصلحة العامة قيام الحكومات بها تفاديا للاستغلال وحماية للصالح العام.
إن دور الحكومة – أي حكومة – كوسيط محايد وملزم، لا يمكن أن يستغني عنه أي شعب أو مجتمع. فالمجتمع – أي مجتمع – لا يمكن أن يكون مجتمعاً إنسانياً بحق دون حكومة. يقوم باختيار أشخاصها لتولي إدارة شؤونه العامة وفق مبادئ وقواعد ( قوانين) يحددها المجتمع نفسه أو الغالبية فيه.
وتتضمن الأعمال الضرورية للحكومات محاربة ثالوث الفقر، الجهل، المرض في شعوبها، عبر مساعدة المحتاجين من مواطنيها والأخذ بيدهم ليصبحوا قوة إنتاجية مفيدة لأنفسهم وبلادهم. وهذا يعني بصفة خاصة قيام الحكومة – أي حكومة – بالالتزام بتوفير الحد الأدنى من العيش الكريم لأبناء شعبها، ويتضمن هذا الحد في رأي الكثير من المعنيين ما يلي:
* توفير فرص العمل أمام القادرين عليه، ومساعدة من لم يجدوا عملاً أو غير القادرين على العمل ماديا، وحتى تزول حاجتهم.
* القيام بالرعاية الصحية الوقائية وتقديم الرعاية الصحية العلاجية الأساسية مجاناً.
* توفير التعليم الأساسي مجاناً وجعله إلزامياً.
* مساعدة المواطنين في الحصول على سكن صحي.
* هذا إضافة إلى قيام الحكومة بالأعمال الأساسية، التي تشمل توفير الأمن وحفظ النظام.. إلخ.
إن كل الحكومات، مهما كانت توجهاتها ومهما كانت مواردها محدودة لابد أن تقوم بما ذكر من أعمال، رعاية للمصلحة العامة، أي مصلحة الجميع، فعدم توفر الحد الأدنى من العيش الكريم ستنجم عنه مشكلات وقلاقل لا حصر لها تأتي على الأخضر واليابس، وتهز استقرار وأمن البلاد المعنية، وتنزل الأضرار بكل أهلها.
أما في الدول الريعية (Revenue States)، وهي الدول التي تمتلك حكوماتها مورداً يدر عليها دخلاً دورياً، وتعتبر ملكية هذا المورد عامة، فإن على حكوماتها يقع واجب التوسع في القيام بالأعمال الضرورية لأقصى حد ممكن. فالملكية العامة لذلك المورد تقتضي أن يتمتع بثمراته كل مواطني البلد الريعي في هيئة عوائد مادية وخدمية وغيرها. وهو ما يمكن تقديمه في إطار الأعمال الضرورية.
إن كل ما ذكر ينبغي أن يدفع جماعة المتحمسين لـ (الخصخصة)، ورفع يد الحكومات تماماً عن النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها لمراجعة موقفهم، فهناك اعتبارات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية وإنسانية يجب أخذها في الاعتبار عند الحديث عن الخصخصة، والتغني بـ (فضائل) القطاع الخاص. ثم إن الخصخصة التي تحتمها العولمة الراهنة لن تكون مفيدة لغالبية سكان العالم ما لم تأخذ هذه الاعتبارات في حسبانها بمنتهى الإخلاص والجدية، إن كان يراد لها أن تكون نعمة – لا نقمة – على البشرية.
مسار العولمة الحالي وضرورة ترشيده
تفهم العولمة بأنها حركة كونية تلقائية ومقصودة ناجمة عن التقدم التقني الهائل والمتسارع في العالم، وبخاصة في مجالي الاتصالات والمواصلات، والتي تدفع العالم بأسره للتحول إلى كيان كبير واحد، متشابهة عناصره سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وتتيح حرية التجارة – في هذه الحركة – جعل كوكب الأرض سوقاً كبيرة واحدة بأمل أن تنجم عن ذلك سيادة قيم وعادات وأعراف سياسية واقتصادية واجتماعية واحدة أو متجانسة في كل أرجاء المعمورة.
والعولمة حركة أو عملية متشعبة الأبعاد، كما هو واضح، من تعريفها. ففي بعديها السياسي والاجتماعي تؤكد نظرياً على الديمقراطية والليبرالية، وحقوق إنسان موحدة. وفي بعدها الاقتصادي، الذي تتولاه منظمة التجارة العالمية (WTO)، تهدف إلى جعل العالم ككل وحدة اقتصادية كبرى واحدة، تتحرر فيه التجارة، وتبادل المصالح، فيسمح بحرية انتقال السلع والخدمات والأشخاص ورؤوس الأموال عبر الحدود الدولية، مما يحتم قيام تنسيق مالي عالمي واحد يؤكد على الرأسمالية شبه المطلقة.
ومنذ أن وجدت الدول وجدت العولمة، بل إن الأخيرة بدأت منذ أن أصبح هناك اتصال بأنواعه كافة بين الأمم المختلفة، ولكن مصطلح العولمة بدأ يحتل حيزا كبيرا في الفكر الاقتصادي والسياسي بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، عام 1991، ويتضمن معاني جديدة معينة، وقد حاولت القوى الكبرى في عالم اليوم تحميل هذا المصطلح بعض الشعارات (الجميلة)، التي سرعان ما ثبت أنها مجردة من مضامينها الحقيقية، وأنها تطلق لتسهيل (وشرعنة) هيمنة تلك الدول على العالم، فالمستفيد الأول، وربما الأخير، من العولمة الراهنة هو تلك القوى، وفي مقدمتها أمريكا.
لقد أوصلت الرأسمالية معظم العالم إلى مرحلة العولمة المكثفة، ولم تكن العولمة قط بهذه الكثافة منذ بداية التاريخ الحديث. ويتوقع أن تزداد رسوخا، وأن تبلغ في نهاية هذا القرن حداً يجعل من العالم بالفعل قرية كبيرة واحدة.
ولكن، وبعد هذا الزحف العولمي الكاسح، لابد من إثارة العديد من التساؤلات المشروعة الناتجة عن قلق عالمي واسع له كل ما يبرره. ومن هذه الأسئلة:
هل ستؤدي العولمة الراهنة إلى تعميق انقسام العالم إلى قسمين متناقضين، فئة بالغة الثراء والنفوذ والتسلط، وفئة بالغة الفقر والضعف وقلة الحيلة؟ وهل ستسهم العولمة الحالية في استتباب الأمن والسلم الدوليين، وعلى أسس أكثر عدالة ومنطقية؟ وهل ستنهي هذه العولمة دور الدولة، وتحول العالم إلى حكم الشركات العملاقة، متعددة الجنسيات وعابرة القارات؟ وهل سيصبح كامل النشاط الاقتصادي والاجتماعي، في بلاد العالم، في قبضة القطاع الخاص فقط؟
إن الإجابة الأولية عن هذه الأسئلة تكاد تكون حاضرة في ذهن أي مراقب موضوعي، وهي بمنتهي الاختصار كالتالي:
1- نعم، ستؤدي العولمة، بالمضمون الذي تسير عليه الآن، إلى زيادة ثراء الأغنياء، وزيادة فقر الفقراء في العالم. فهي عملية (أو حركة) لا قلب لها.. دينها الدولار، ومبدؤها القوة الغاشمة بأنواعها وعناصرها المختلفة. وقد قال ذلك علماء سياسة أمريكيون وغيرهم.
2- يبدو أن العولمة الراهنة ستفرض نوعاً من السلام العالمي.. الذي لا يقوم على أسس عادلة وصلبة.. تجعل الأمن الدولي (الحقيقي) ممكناً.
3 – تحاول العولمة إنهاء دور الدولة التقليدي، أو تقليصه، لأدنى حد ممكن.
4 – تحاول أيضاً إلغاء دور الحكومات، وأي صورة من صور القطاع العام، تمهيدا لحصر دور الحكومات في: حفظ الأمن والنظام، وضمان تطبيق القوانين فقط، وكأنها تسعى لإحياء مفهوم (الدولة الحارسة).
لهذا، نرى أن عملية العولمة تسير بانتقائية (تفضيلية) وتوجه مادي بحت.. وفي اتجاه لا يخدم في الحقيقة المصلحة العليا للعالم، أي مصلحة وفائدة وتطلعات وآمال غالبية شعوب العالم. وهذه الانتقائية والمادية هي عوامل ناجمة عن الأنانية المفرطة للقوى الدولية المتنفذة، وعدم اكتراث حقيقي بمعاناة الآخرين. وهي عوامل فشل لهذه العملية، التي هي وإن كانت حتمية، إلا أن مضمونها وطبيعة توجهها، هما – في نهاية المطاف – ما سيحدد نتائجها بالنسبة للبشرية.
ولن تكون العولمة خيرة – وناجحة – ما لم تصحح مسارها، وتعدل من مضمونها. إن الرأسمالية المقيدة (ذات الضوابط) تتيح للحكومات التدخل، في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها من أجل حماية المصلحة العامة لهذه الشعوب. ومن خلال التدخل – الرشيد – لحماية هذه المصالح، والحفاظ على الهويات المتأصلة، والانفتاح على الأخرى، يمكن أن تسير العولمة في اتجاه يخدم كل شعوب الأرض، ويسهم في استتباب حقيقي للأمن والسلم الدوليين.

::/fulltext::
::cck::3318::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *